Style Switcher

فبراير 25, 2012 11:35 صباحا

 الانتخابات الرئاسية المبكرة وتحديات البيئة الأمنية في اليمن: الطريق إلى انتقال سياسي مُمكِن وآمِن

استهلال

تقف اليمن هذه الأيام على مفترق طرق تاريخي وحاسم؛ فلأول مرة تمر البلاد بمرحلة تحول سياسي وهي مدفوعة بفورة شعبية طاغية عجزت أمامها كل الحسابات والمناورات والتهديدات، ورغم أن "الثورة" أو ما في حكمها وضعت جميع القوى اليمنية في مأزق حقيقي بحيث لم يعد لها من مفرٍّ سوى التعاطي مع أوالياتها والاستماع لصوتها، بيد أن الحامل السياسي لقوى "الثورة" المُعبّر عنه في تكتل أحزاب المعارضة الرئيسية - وهذا الأمر مفهوم للمراقب - رهن تحركاته منذ مرحلة مبكرة، بمهمة جوهرية تتمثل في إزاحة رأس النظام الحاكم وإيقاف مشاريع التوريث والاستحواذ السياسي ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها، واُعُتبِر أن تحقيق هذا الهدف هو بمثابة "انتصار" لتطلعات اليمنيين في التغيير الديمقراطي السلمي بعد أن كان اليأس من حصوله هو النغمة السائدة في يمن ما قبل "الربيع العربي".

لهذا الاعتبار ولغيره من الاعتبارات، فقد عُدّ التوقيع على المبادرة الخليجية من قبل القوى السياسية الرئيسية في البلد، وهي في الأساس القوى الحزبية المُمثَلة في آخر نسخة من البرلمان اليمني العتيد، تجسيداً واقعياً (وإن ظل مُثيراً للاستياء والإحباط للعديدين) لمفهوم "التغيير" كما فرضته تعقيدات الوضع الداخلي وتوازناته الحَرِجة، وكان في الوقت نفسه تعبيراً غايةً في البلاغة عن مدى انكشاف البلد برمته للخارج وللقوى الإقليمية والدولية النافذة فيه، والتي حرصت على تأمين انتقال منتظم وسلس للسلطة يُجنّب الدولة اليمنية الهشّة والمتموضعة في فضاء جيوسياسي مهم وحيوي بالنسبة للمصالح العالمية، مخاطرَ الانزلاقِ في هاوية العنف والفوضى العارمة، لاسيما وأن درس الصومال – الدولة المُنهَارة والممزقة القريبة جغرافياً من اليمن - ما يزال حاضراً في الأذهان، وبقوة.

وبالنظر إلى هذا الواقع المُتشابِك والقَلِق بتفاعلاته ومجرياته، يُمكِن فَهم المُحاجّة التي تذهب إلى أن ما حصل في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قد مكّن فعلياً من "إسقاط" رأس النظام سلمياً، وبثمنٍ يبدو محتملاً ومقدوراً عليه مقارنة بحجم التحديات والزوابع الهائلة التي كانت ستعصف بالوطن اليمني في حال تفاقمت الأوضاع وخرجت عن نطاق السيطرة، وتبعاً لذلك فقد تم التوافق على البدء في عملية سياسية انتقالية مؤطرة زمنياً تنتهي – كما يُفترَض- بحصول تحول ديمقراطي حقيقي، يُرسي القاعدة الأكثر متانة لبناء الدولة اليمنية الجديدة المأمولة.

اللحظة الانتخابية بوصفها مُعجِّلاً لعملية الانتقال

وفق منطوق المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المُزمّنة، المبنية كما أشرنا على توافقية الأمر الواقع وإكراهاته، ستستمر المرحلة الانتقالية في اليمن سنتين كاملتين، بدأتا فور توقيع الأطراف السياسية الأساسية على بنود المبادرة. ولكن من الناحية الفعلية، يمكن المجادلة هنا بأن عملية الانتقال تظل مرهونة أساساً بإجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة في 21 فبراير/شباط الجاري، بغض النظر عن نتيجتها المحسومة سلفاً لصالح المُرشّح التوافقي الوحيد، عبد ربه منصور هادي. فاللحظة الانتخابية هذه ستُمثل، في الواقع، القوة المُحرِّكة للانتقال في اليمن، كونها اللحظة التي تُبَشِّر بأن «هناك قادة وعمليات مُرشّحة للظهور قريباً جداً. ويشير هذا بدوره إلى احتمال، وليس ضرورة، حصول تغيير في طبيعة التسويات وفي هوية القادة الذين يدخلون فيها، حيث ستبرز تناقضات جديدة بين المحتويات الاجتماعية والشكل السياسي»[1].

ومع أن عمليات الانتقال كما تشير دروس التاريخ المعاصر وخبرات العديد من الدول في هذا المجال، تبقى غير مضمونة النتائج ولا يكتنفها اليقين، لكن لا بد من لحظة ما تُطلَق فيها إشارة البدء بالتحول السياسي. وبالعودة إلى أدبيات الدمقرطة، سنجد أن كلمة "الانتقال Transition" تُحيلنا من حيث التعريف والدلالة المفهومية إلى «الفترة الفاصلة بين تحلل نظام سياسي والشروع في بناء نظام جديد، بغض النظر عن طبيعة هذا النظام أو نمطه. ويتحدد معنى الانتقال، من جهة، بانطلاق عملية انحلال النظام السلطوي، ويتحدد، من جهة أخرى، بإقامة نوعٍ من الديمقراطية، أو عودة بعض أشكال الحكم السلطوي، أو نشوء بديل ثوري»[2].

وفي ضوء تحديدٍ عام كهذا متنوع الخيارات والمآلات، ثمة ما يشير إلى أن غالبية اليمنيين قد حسموا بالفعل خيارهم "الانتقالي"؛ فالعودة إلى السلطوية ليست أمراً مقبولاً أو مرغوباً، كما أن تأسيس "البديل الثوري" يبدو (حالياً على الأقل) غير ممكن أو متاح، فالحل إذن كما أدركه وعمل عليه السياسيون المتمرّسون، مُتكئين في ذلك على حراكٍ "ثوري" لم يخبُ وَهجُه ومتكيّفين – في الوقت عينه- مع ضغوطٍ إقليمية ودولية شديدة ما انفكت تدفع في اتجاه تبني خيار التسويات والتفاوض مع نظام الحكم، هو المضي في طريق انتقال سياسي مدروس وتدريجي، يُستَهل بعملية انتخابية حرة ونزيهة للرئيس الجديد الذي سيشرف على إدارة العملية الانتقالية، بحيث تفضي في منتهاها إلى إعداد البلاد لانتخابات برلمانية ورئاسية ومحلية تنافسية، باعتبار ذلك هو من سيوصل البلاد حقاً إلى إقامة "نوعٍ من الديمقراطية".

وعليه، فإن إقامة الانتخابات الرئاسية في اليمن، برغم أحاديتها التوافقية وشكلانيتها المُفترَضة، ليست تكتيكاً اضطرارياً فرضته لوازم التسوية السياسية ومقتضياتها، بل إنها في الحقيقة "استراتيجية تأسيس تحولي"، وهي بهذا المعنى تعد خطوة لازمة ولا مناص منها، لاعتبارات عدة أهمها أن إجراء الانتخابات سيُضفي على عملية التحول السياسي الراهنة طابعاً دستورياً وإجماعياً حاسماً، ويؤكد في ذات المنحى على أوالية عقلنة الانتقال وأهمية إكسابه الصبغة الشرعية والقانونية والمؤسساتية الملائمة، والتي تعيد في طياتها الاعتبار للمرجعية الدستورية التي كثيراً ما تعرضت للانتهاك والعبث خلال الحِقَب الماضية.

ثم أن التجارب العالمية، فوق ذلك، استقرت على أن أي تحول سياسي منشود وذي مغزى يتحتم في مرحلةٍ ما أن يدلف هذا الممر الإجرائي، كي يتفادى القائمون على التحول إمكانية الوقوع في براثين العنف ودوامات الصراع التي تلازم بعض عمليات الانتقال؛ إذ «إن الانتخابات [وحدها] هي التي تنقل الصراعات بأمانٍ إلى الساحات الدستورية»[3]، وهذا أمرٌ له مضامين مهمة للغاية بالنسبة لحاضر البلد ومستقبل نموذجه الديمقراطي المُرتجى في الحكم والإدارة العمومية.

صحيح أن هذا النمط من التفكير قد تم رفضه، وبعنادٍ شديد، من بعض قوى "الثورة" وتشكيلاتها، لكن منطق "الرفض الثوري" مألوفٌ في خبرات الانتقال وتجاربه ويمكن معارضة الصيحات الغاضبة للثوار الرافضين بذات الحجة الحصيفة التي أشار إليها أحد جهابذة علم السياسة المعاصرين، وهو عالم السياسة الأميركي صامويل هنتنغتون، إذ جادل بأنه لطالما «كانت الانتخابات سبيلاً للخروج من الشمولية، وكانت الثورة سبيلاً آخر. فكان الثوريون [يميلون عادةً إلى رفض] الانتخابات ... [ومع هذا، فقد] أدت "الدينامية الانتخابية" في الموجة الثالثة [للتحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين] إلى التحول عن الشمولية إلى الديمقراطية؛ بينما أدت "الدينامية الثورية" إلى التحول من شكلٍ ما من الشمولية إلى شكلٍ آخرٍ منها»[4].

الانتخابات الرئاسية في مواجهة التحدي الأمني

ومع هذا، يمكننا القول بحذر أن التعاطي مع منطق بعض "الثوار" في رفض الانتخابات الرئاسية المبكرة، يظل أيسر وأهون بمراحل إذا ما قورن بالتحديات الأخرى التي ستواجه العملية الانتخابية. فما من شك في أن الانتخابات ستنعقد في ظل ظروف صعبة وغاية في التعقيد، إذ ما يزال العنف منتشراً على نطاق واسع في جميع أنحاء البلاد والتي تشهد حالة انفلات أمني غير مسبوق، كما تلقى الانتخابات معارضة واضحة من قبل المتشددين الإسلاميين وبعض العناصر داخل الحراك الجنوبي، ناهيك عن الحوثيين الذين استبعدوا من اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني.

وإذا كان «التصويت هو وسيلة تقرير الاتفاق العام والحفاظ عليه في المجتمع الديمقراطي»[5]، لكنه في الحالة اليمنية الراهنة يبدو محاصراً وعُرضةً للتهديد والمصادرة بسبب السيولة الشديدة التي تطبع البيئة الأمنية في البلاد. ولعل من البداهة الإشارة إلى أن القضايا المتعلقة بالبيئة الأمنية وظروفها تعد واحدة من أبرز العوامل التي يمكنها التأثير في إدارة العملية الانتخابية ومصداقيتها، إلى درجة تقويضها تماماً. والملاحظ أنه في البلدان النامية والتي تعاني من صراعات تُصاحِب العملية الانتقالية، قد تصبح مسألة الأمن من أكثر الأمور أهمية من الناحية العملية. فمثلاً، قد يتعرض موظفو اللجان الانتخابية والمراقبون المحليون للتهديد (كما هو حاصل الآن في بعض مناطق الجنوب على سبيل المثال)، وحتى للإصابة أو القتل في بعض الحالات العنيفة لدى محاولتهم القيام بمهامهم المتعلقة بتنظيم وإدارة العملية الانتخابية أو مراقبة سيرها ومدى نزاهتها (وبالفعل تم تسجيل حوادث عنف عديدة استهدفت القائمين على التحضير للانتخابات خلال الأيام الأخيرة).

إزاء خلفية كهذه، وبغرض التعاطي المباشر مع تحديات ومهددات كبرى من هذا النوع، فقد أعلنت اللجنة العليا للانتخابات عن تكليف أكثر من مائة ألف جندي وضابط بحماية الانتخابات الرئاسية المبكرة. ولكن هل هذا يعني أن العملية برمتها ستمرّ بسلام، ودون منغصات أو حوادث تذكر؟ بالتأكيد لا. فثمة عوامل مختلفة ستؤثر، بدرجاتٍ متفاوتة، في مجرى العملية الانتخابية وربما تلقي بظلالٍ من الشك على نزاهتها وشرعيتها. وقد رصد تقرير نشرته مؤخراً شبكة الأنباء الإنسانية التابعة للأمم المتحدة[6] جملة من التحديات التي تفرضها البيئة الأمنية الراهنة في اليمن على العملية الانتخابية، مشيراً إلى (ومُعيداً التذكير بـ) بعض اللاعبين الرئيسيين والجماعات الفاعلة التي قد تؤدي أدواراً تؤثر سلباً في السير الطبيعي للانتخابات وربما تهدد بتقويضها جزئياً أو كلياً، وذلك على النحو التالي:

"الثوار": على الرغم من التوصل إلى الاتفاق الذي ترعاه دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن عشرات الآلاف من المتظاهرين الشباب ما زالوا يعتصمون في مخيمات بالعاصمة صنعاء والمدن الرئيسية الأخرى. ويخشى المراقبون من محاولة هؤلاء تعطيل الانتخابات، حيث "قد تتصاعد احتجاجات "الثوار" الشباب، مما قد يؤدي إلى العنف وعرقلة الانتخابات لاعتقادهم بأن البرلمان قد "خانهم" بإقراره قانون الحصانة في 21 يناير/كانون الثاني". ولقد نظموا بالفعل احتجاجات متكررة منذ ذلكم الحين في صنعاء وتعز وعدن.

 

الحراك الجنوبي: يضم الحراك الجنوبي عشرات الآلاف من المطالبين بانفصال الجنوب. وهي حركة يتولى قيادتها حسن باعوم وتنشط في محافظات الضالع ولحج وعدن وأبين الجنوبية، بالإضافة إلى محافظات شبوة وحضرموت والمهرة الشرقية. كما أنها تعارض الصفقة التي أبرمها مجلس التعاون الخليجي وانتخابات فبراير/شباط. وقد جاهر الحراكيون بتوجههم لعرقلة العملية الانتخابية بوضوح في أكثر من مناسبة، فعلى سبيل المثال قام المئات منهم بإحراق بطاقاتهم الانتخابية أمام الكاميرات، في إشارة إلى مقاطعتهم للانتخابات، وذلك خلال تجمع حاشد في مدينة عدن مطلع شهر يناير/كانون الثاني المنصرم. وفي تصريح إعلامي أدلى به صلاح الشنفرة، أحد زعماء الحراك الجنوبي في عدن، أكّد أنه «لن يُسمَح لأي مركز اقتراع أن يفتح أبوابه على أراضينا ... ولن يُسمح لأي مواطن بأن يشترك في التصويت ... إن أية انتخابات ستكون غير شرعية لأن أراضينا محتلة من قبل الشماليين». وثمة مخاوف حقيقية من أن دعوة الحراك لمقاطعة الانتخابات قد تجد آذانا صاغية في عدد من محافظات ومناطق الجنوب، حيث يعاني الناس من الفقر وسوء الخدمات الأساسية ويشعرون بأنهم مستبعدون من أية شراكة حقيقية في السلطة والموارد.

المتشددون الإسلاميون: ويتركز الحديث هنا بشكل رئيسي حول جماعة "أنصار الشريعة" الناشطة في بعض مناطق الجنوب والشرق، وهي عبارة عن تجمع فضفاض يضم مقاتلي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الأجانب ومسلحين محليين، ينتمون للتنظيم وكذلك لجماعات جهادية محلية أخرى أخذت في الظهور مؤخراً. ويقوم هذا التجمع بالتصدي بصورة متزايدة للدولة وسلطتها في الجنوب، لاسيما في محافظة أبين التي ينظر إليها بوصفها المعقل الرئيسي للجماعة، وإن كانت تنشط أيضاً في محافظات شبوة والبيضاء ومأرب والجوف المجاورة. وينتمي معظم هؤلاء المقاتلين إلى اليمن والمملكة العربية السعودية، وقد استغلوا ضعف سيطرة الحكومة المركزية على أجزاء عدة من البلاد للهيمنة على المزيد من الأراضي، كما قاموا في الآونة الأخيرة بتوسيع نطاق عملياتهم إلى مدينة رداع في محافظة البيضاء. وقد ترددت أخبارٌ مؤخراً بأن جماعة أنصار الشريعة، التي لا يعترف مناصروها وقادتها بالعملية الانتخابية وبالديمقراطية أصلاً، قد تعهدت بعدم السماح للجان إدارة الانتخابات بدخول المناطق التي تبسط سيطرتها ونفوذها عليها. يضاف إلى ذلك، أن العمليات العسكرية الجارية ضد المتطرفين الإسلاميين في مناطق مختلفة من الجنوب، جعلت مسألة إجراء الانتخابات في تلك المناطق عملية غاية في الصعوبة ومحفوفة بالمخاطر.

الحوثيون: تنشط هذه الجماعة المتمردة التي يقودها عبد الملك الحوثي في محافظات صعدة والجوف وعمران الشمالية، وكذلك في بعض مناطق محافظة حجة، ولديها أيضاً الآلاف من الموالين في صنعاء والمحافظات الأخرى. ويريد أعضاؤها كما يبدو مزيداً من الحكم الذاتي، وبحسب البعض، فإن هدفهم الأسمى يتمثل في عودة الإمامة الهاشمية التي كانت تحكم البلاد قبل عام 1962، رغم أن الجماعة تنفي رسمياً وبصورة قاطعة هذا الأمر. والمعلوم أن الحوثيين يعارضون الاتفاق الذي تم بوساطة خليجية بسبب مشاركة السعودية التي دخلت في حربٍ معهم بين عامي 2009 و2010 ودورها الحاسم في إبرامه. ويتوقع المراقبون عدم إجراء تصويت في صعدة والمناطق المجاورة لها بسبب انعدام الأمن والانتشار الكثيف للمظاهر المسلحة.

اتحاد قبائل حاشد: يدين هذا الاتحاد المكوّن من عدة قبائل بالولاء للشيخ صادق الأحمر ذي النفوذ الواسع، وقد دخل في اشتباكات متفرقة مع وحدات من الجيش موالية للرئيس المنتهية ولايته علي عبدالله صالح منذ مايو/أيار 2011. ومن المعتقد أن هذا الاتحاد يضم عشرات الآلاف من المسلحين معظمهم من محافظات عمران ومأرب وصنعاء. كما يخصص عدة مئات من المقاتلين لحماية الشيخ الأحمر في منطقة الحصبة شمال صنعاء. ولقد رفض مقاتلو حاشد القبليين حتى الآن مغادرة صنعاء، وفقاً للاتفاق الذي تم بوساطة مجلس التعاون الخليجي، مما رفع حدة التوتر في العاصمة قبل فترة قليلة من إجراء الانتخابات.

وحدات الجيش المنشقة: يعتقد المراقبون أن ما بين 25,000 و30,000 جندي قد انشقوا عن الجيش، وأصبحوا يمثلون مصدراً خطيراً للتوتر يمكن أن يؤثر سلباً في مجريات العملية الانتخابية. وتشمل هذه القوات الفرقة الأولى مدرع في العاصمة صنعاء، وفرقاً أخرى في الأجزاء الشمالية الغربية والشرقية من البلاد موالية للواء علي محسن صالح الأحمر قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية، الذي يقول أنه يؤيد الانتخابات. ويتطلب الاتفاق الذي تم بوساطة خليجية من جميع القوات أن تعود إلى ثكناتها قبل إجراء الانتخابات، ولكن اللواء علي محسن الأحمر لم يمتثل خوفاً من تعرض قواته للهجوم من قبل الحرس الجمهوري.

قوات الحرس الجمهوري: يقود العميد أحمد علي صالح، نجل الرئيس المنتهية ولايته، قوات الحرس الجمهوري القوية التي تتكون من 23 فرقة وتتمركز في صنعاء ومحافظات أخرى، من بينها ذمار وإب وتعز والبيضاء والحديدة وحضرموت. ويقدر عدد جنود الحرس الجمهوري بنحو 40,000 يسيطرون على جميع المواقع الجبلية الاستراتيجية المطلة على مدينة صنعاء تقريباً. وتطالب القوات التي انشقت بقيادة اللواء علي محسن الأحمر بتخلي الحرس الجمهوري عن تلك المواقع قبل الانسحاب من صنعاء، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض من قبل قادة الحرس الجمهوري.

 

 

ما العمل؟ (أفكار وتوقعات)

إن هذه الصورة الأمنية البانورامية المعقدة تزيد، ولا ريب، من حجم القلق والشكوك إزاء إمكانية إقامة الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد، أو حتى إزاء إمكانية إجراؤها من عدمه. لكن المعوّل عليه في سبيل تجاوز المخاوف النفسية إزاء طبيعة المخاطر التي تكتنف البيئة الأمنية، أن يبادر كل من الفاعلين والنشطاء المدنيين والسياسيين والحزبيين والمجتمعيين وصنّاع الرأي العام من إعلاميين وعلماء دين وخطباء مساجد إلى تعزيز ثقة الغالبية العظمى من فئات وشرائح المجتمع اليمني في طبيعة المسار الانتقالي الذي يمر به بلدهم، ودفعهم إلى تجاوز شكوكهم من خلال تكريس الفكرة الإيجابية التي ترى في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 21 فبراير/شباط الجاري، فرصةً مهمةً لتعزيز أمن الناس واستقرارهم وآمالهم في مستقبل أفضل في وطنهم، فضلاً عن كونها تحسم خيارهم في التغيير السلمي عبر ممارسة حقّهم الدستوري في اختيار رئيسهم الجديد بصورة علنية وشفافة من خلال القنوات السياسية الشرعية، بعيداً عن منطق العنف أو التلويح به والخضوع له.

وإذا كانت قدرة الأجهزة الأمنية على تأمين الانتخابات أضحت بالفعل محل تساؤل بالنظر إلى التدهور الكبير الذي وَسَم أدائها خلال الفترة الماضية، وعلى نحوٍ أفقد الدولة المزيد من هيبتها وسلطتها وحضورها في العديد من مناطق اليمن الحضرية والريفية على حد سواء، فثمة تعويل على الشباب الواعي في ساحات التغيير وخارجها في لعب دورٍ داعم ويعتد به في هذا الاتجاه. كما أن التعويل على لعب قيادات الأحزاب السياسية الفاعلة ومنتسبيها دوراً ريادياً ومستداماً في ذات الإطار، يظل أمراً مهماً وأساسياً. وقد سبق أن ذكّرنا كُلٌّ من بيتر تيلور وكولن فلنت بأن «للأحزاب السياسية دور آخر تقوم به، ألا وهو السعي إلى تسوية الخلافات والانقسامات داخل الدولة [والمجتمع]». مع تشديدهما في الوقت نفسه «على أن هذه الانقسامات أو الصراعات الاجتماعية وما ينجم عنها من "تحزبات" [لا تؤدي بالضرورة] إلى تمزّق الدولة كما قد يتوهَّم البعض، وإنما [قد] تصبح جزءاً مكملاً لهيكلية الديمقراطية في الدولة. وهنا تستطيع الأحزاب أن تحول الجماعات المُتحفِّزة للتمرد داخل المجتمع إلى ناخبين هادئين تحت لواء هذا الحزب أو ذاك، بدلاً من تفجير الصراع والقلاقل»[7].

بيد أنه، في الأخير، ينبغي تذكير أنفسنا والجميع هنا بأنه علينا ألا تساورنا أية أوهام – من حيث المبدأ – في "سحرية" قدرة الانتخابات على صُنع الاستقرار وتطبيع الأوضاع السياسية والأمنية في أي بلدٍ كان، إذ تظل في الحقيقة عنصراً مساعداً ضمن عناصر وأدوات أخرى ذات طبيعة متباينة ومرّكبة بالضرورة. وكما تشير الخطاطة التوضيحية التالية، فإن الانتخابات، وتحديداً تلك التي تجرى في سياق انتقالي مُعقّد ويموج بالتحديات والتوقعات كالذي تمر به اليمن اليوم، قد يكون لها مضامين ونتائج مختلطة؛ فقد تنتهي إلى دعم الاستقرار المجتمعي والسلم الأهلي في البلد المعني وتعزيز التحول السياسي والديمقراطي، ولكنها في أوضاع أخرى قد ترسّخ من حالة عدم الاستقرار، بل وربما تزرع بذور الفوضى والعنف والتمزّق لعهود وفترات تالية[8].

خطاطة (1) توضح العلاقة بين إجراء الانتخابات والاستقرار

عدم استقرار   ـــــ   الانتخابات في سياق انتقالي   ـــــ   استقرار/عدم استقرار

وختاماً، أُعيد التأكيد على ما بدأت به ورقتي هذه بأن اليمنيين اليوم يقفون على مفترق طرق تاريخي وحاسم؛ وإذا كان كل السيناريوهات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية المبكرة مطروحة على الطاولة ومرهونة بتطورات الحوادث الأمنية والسياسية وربما "الثورية"، وكذلك بإرادات الفاعلين الرئيسيين في البلد ونواياهم، فإن ما هو في حكم المؤكد أن فشل الانتخابات الرئاسية – كعملية إجرائية، وكاستحقاق تأسيسي- لن يصب سوى في خانة وحيدة: الإمعان في تعقيد الأزمة اليمنية، وعلى نحوٍ قد يُعيق أو يُحبط إنجاز التحول السياسي الذي نريده ونتوق إليه، وفي النتيجة يغدو الأُفق أمام وطننا غامضاً ومُعتِماً؛ فتصبح الخيارات محدودة، وتكون العواقب حاصلة، وفي أغلب الظن أنها لن تسرّ أحداً على الإطلاق.

 


 

[1] غيليرمو أودونيل وفيليب س. شميتز، الانتقالات من الحكم السلطوي: استنتاجات أولية حول الديمقراطيات غير المؤكدة، ترجمة صلاح تقي الدين (بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2007)، ص86.

[2] المرجع نفسه، ص 12 – 22.

[3] بيتر تايلور وكولن فلنت، الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر: الاقتصاد العالمي، الدولة القومية، المحليات، ترجمة عبد السلام رضوان وإسحق عبيد، عالم المعرفة؛ 183 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، يوليو 2002)، ص77.

[4] صامويل هنتنغتون، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة عبد الوهاب علوب (الكويت: دار سعاد الصباح، 1993)، ص275.

[5] سيمور مارتن ليبسِت، رجل السياسة: الأسس الاجتماعية للسياسة، ترجمة خيري حماد وشركاه (بيروت: دار الآفاق الجديدة، [دون تاريخ])، ص15.

[6] التقرير الموسع والشامل الذي أعدته شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) حول ذلك، صدر في 12 فبراير/شباط 2012، وقد اعتمدنا عليه بشكل رئيسي في عرضنا هنا بالنظر إلى حيادية وأهمية الجهة التي تولت نشره.

[7] بيتر تايلور وكولن فلنت، الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر ..، مرجع سبق ذكره، ص110 - 111.

[8])للإطلاع على مجادلة جيدة بخصوص ذلك، راجع: عبد الغني الماوري، "فتنة الصندوق: لماذا تتحول الانتخابات إلى صداع دائم في البلدان النامية"، مجلة مدارات استراتيجية، العدد 6 (نوفمبر/ديسمبر 2010)، ص178 – 181.

Share this:
Tags:

About abaadstudies

  • Website
  • Google+
  • Rss
  • Pinterest
  • Instagram
  • LinkedIn
  • Vimeo
  • Youtube
  • Flickr
  • Email

    Leave a Reply