Style Switcher

مايو 25, 2013 11:49 صباحا

السلطة ودورها في تماسك اليمن



ملخص:

مرت اليمن بفترات حكم مختلفة، كان تماسك الجغرافيا فيها مرهون باستيعابها، والسياسة القادرة على صناعة الاستقرار للبلد، هي تلك التي تديره وفق منظومة التكامل بين مناطقه المختلفة، لا التكالب على ثرواته.

وتؤكد الوحدة الحضارية لليمن على ترابط البلد وتكامل مناطقه المختلفة، بحيث لم يفقد اليمنيون شعورهم بيمنيتهم، كما أن الاضطرابات التي شهدها البلد لا تعود إلى طبيعة المجتمع الذي يرفض الدولة، وإنما إلى فشل الإدارة والنظام الذي ظل يجبر الناس على التمرد.

سهَّلت الصراعات السياسية والاقتتال على السلطة بين الزعامات الداخلية، للغزاة الأجانب احتلال اليمن واستنزفتها، كما يفوق الاستقلال في نظر المجتمع اليمني الاستقرار في قيمته، وهذا دفع بعض القوى لاسترضاء النزعة اليمنية في رفع رايته، ومن تمكن منهم من الحكم فشل سياسيا، ودفع ذلك اليمنيين للتفريط في صيانة استقلاليتهم.

وبرغم استعادة اليمن للاستقرار في بعض الفترات نتيجة لالتئام الجغرافيا تحت سلطة واحدة، وحاكم يمتلك الكفاءة السياسية، واستغلال ثروات البلاد لدعم الاقتصاد، إلا أنها فشلت في الحفاظ على استمراره، وكان ذلك سببا في ضعف الحكام وفشلهم في البناء دولة.

ولم تتمكن جميع الدول التي حكمت اليمن بأكملها، من حكم مناطق البلاد إلا باعترافها باستقلاليتها، والقبول بدور مشارك للقوى المحلية آنذاك.

دفع الضعف الذي كانت تعاني منه السلطة المركزية، المناطق في الداخل إلى الانقضاض على سلطة المركز، وإن فشلت محاولة الانقضاض قنعت بإدارة نفسها، وفي الأوقات التي تمتلك الحكومة المركزية أدوات الهيمنة، لكن دون أن يفكروا بالانفصال، بعكس مناطق الساحل -التي نفذت من خلالها القوى الطامعة-، بسبب تجرعه مرارة، وويلات الأنظمة الحاكمة، وتحمله أعباء عبثها وجور ولاتها.

ويؤدي غياب شعور السكان في كل منطقة بمدى ارتباط مصالحهم مع بقية المناطق الأخرى، إلى دخول البلد في رحلة التفكك والتمزق، من خلال التمردات والاضطرابات التي تشتعل في الأطراف ضد المركز، ويعود ذلك إلى العجز السياسي في توزيع الموارد، وتبادل المنافع، بين المناطق اليمنية المتعددة.

عرضت هذه الدراسة العديد من فترات الحكم التي مرت بها اليمن، وأكدت أن تماسك الجغرافيا مرهون باستيعابها، فضلا عن قدرة السياسة على صناعة الاستقرار للبلاد.

وتشير الدراسة أن الاضطرابات التي شهدتها اليمن، لا تعود إلى طبيعة المجتمع الذي يرفض الدولة، وإنما إلى فشل الإدارة والنظام الذي ظل يجبر الناس على التمرد، والفشل في بناء الدولة.

وخلصت الدراسة إلى أن الاقتتال على السلطة، سهل على الغزاة احتلالها، وأن غياب شعور السكان بمدى ارتباط مصالحهم مع بقية المناطق الأخرى، يؤدي إلى دخول البلد في مرحلة من التفكك والتمزق.





مقدمة

في اليمن ليس هناك ما يوجب الخوف على الجغرافيا، بالقدر الذي يجب أن نخاف ونحذر من الإدارة السياسية، وفلسفتها وطريقتها في الحكم، وإذا كان دور اليمن التاريخي غائباً في عهود التجزئة، فإنه كان أخف وطأة على المجتمع، وأهون على الناس من المأساة التي عانوها في بعض عهود التئام الجغرافيا والتحامها السياسي، على قاعدة الضم والسطو، والفتح، ونزعة التسلط وشهوة التملك، كما كان في عهود الإمامة التي خضعت اليمن لها بعض الفترات، لقد عرفت اليمن التفكك والتجزؤ، وتناثرت في أوقات عديدة، ولكنه كان من ناحية السلطة فقط، فالوحدة الحضارية لليمن منذ القدم كما تمثل في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والديني تؤكد على ترابط البلد وتكامل مناطقه المختلفة، بحيث لم يفقد اليمنيون شعورهم بيمنيتهم . ففي كل مرحلة من مراحل التشظي التي دخلتها البلد بسبب النزعات السلطوية لبعض القوى في طرق الوصول إلى الحكم والاستفراد بمنطقة مهما ضاقت مساحتها، فإن الحركة الداخلية للمجتمع ظلت ملحة في السير نحو الوحدة، وما من قوة بزغت وغدا  لها وزن في الساحة الوطنية إلا وسعت إلى إخضاع بقية المناطق وإدخالها تحت حكمها، فاليمن من لا يعرف ظروفه الجغرافية، ويدرك خصوصياته التاريخية، وتأثيراتهما على الأوضاع الاقتصادية والسياسية لن يتمكن من إدارته واستقراره، فتماسك الجغرافيا في اليمن مرهون باستيعابها، والسياسة القادرة على صناعة الاستقرار للبلد، هي تلك التي تديره وفق منظومة التكامل بين مناطقه المختلفة، لا التكالب على ثرواته.

عرفت اليمن طيلة العصور الوسطى العديد من التمردات والحروب، وما زالت حتى اللحظة تخوض في صراعات متواصلة، غير أن هذه الاضطرابات التي صبغت تاريخ اليمن لا تعود إلى طبيعة المجتمع الذي يرفض الدولة، وإنما إلى فشل الإدارة والنظام الذي ظل يجبر الناس على التمرد والخروج، لأنه ( ليس بإمكان القبائل الفرار من الدولة بالارتحال، وقد أظهرت بعض الدول التي قامت في اليمن الأسفل أحياناً كالصليحيين أو الرسوليين أو العثمانيين مدى ضعف حصانة القبائل )[1]. فسياسة تدمير القرى والمزارع وقطع الأشجار، ومصادرة الأموال التي أستخدمها ولاة الجور، والطامعون في السلطة، خلال العصور الوسطى مثلا، جعل من تلك المناطق التي عرفت الاستقرار أن تتحول إلى قبائل دائمة التمرد، ولعل في تاريخ الإمامة شهادة دامغة، إذ ظلت البلد في حالة تمردات متواصلة يعود سببها إلى طريقة الأئمة في الحكم، التي تقوم على احتكار السلطة، وغزو المناطق والاستفراد بخيراتها، كما أن تفكك البلد وخروج بعض أجزائه من سلطة الدولة ( يعود أساساً إلى ضعف حكومته المركزية وليس إلى تعدد مناطقه الجغرافية، كما أن ظهور زعامات محلية في الوحدات الجغرافية لا يرجع إلى فقدان الشعور باليمنية بقدر ما يرجع إلى طموحات شخصية تستغل ضعف حكومة المركز وتعتمد على إمكانيات تلك الوحدات) [2] . 



 غياب الاستقرار أضاع الاستقلال

يفوق الاستقلال في نظر المجتمع اليمني الاستقرار في قيمته، وهذا دفع بعض القوى لاسترضاء النزعة اليمنية في رفع رايته خلال مراحل تاريخية عدَّة، رغم عدم أهليتها لحكم بلد كاليمن، ومع ذلك تمكنت في بعض الأحيان من السلطة، غير أن الفشل السياسي المستمر لهذه القوى في الحكم، وصناعة الاستقرار، دفع اليمنيين للتفريط في صيانة استقلاليتهم، فصراع مراكز النفوذ السياسية على السلطة، وعجز أي طرف منها على حسم الأوضاع لصالحه، حفَّز بعضها لطلب العون والمساعدة من الأجنبي كمرحلة آنية فقط، وفي أحيان أخرى التحالف معه وتسهيل سيطرته على البلد، نكاية في الخصم المحلي والمنافس الداخلي .

لقد سهَّلت الصراعات السياسية والاقتتال على السلطة بين الزعامات الداخلية، للغزاة الأجانب احتلال اليمن، ومن أمثلة ذلك أن رحى الحرب التي كانت تدور بين الطاهريين والإمام شرف الدين هو ما أعان المماليك في البداية على تحقيق مطامعهم في اليمن بين عامي 923 – 945 هـ، ودفع بالإمام الاستعانة بالمماليك الذين تمكَّنوا من الملك عامر بن عبد الوهاب وقتلوه على أبواب صنعاء التي كانت محاصرة من قبله. ومن الأمثلة الدامية أيضاً أن الصراع الذي دار بين المطهر ووالده الإمام شرف الدين على السلطة في ذات الفترة "شغلهما عن صد تيار التوسع العثماني في أرجاء اليمن" بحيث استولى الأتراك في ذلك النزاع على المنطقة الممتدة من تعز جنوباً إلى جيزان شمالاً، ثم تقدم الوالي أزدمر من زبيد تجاه صنعاء، وتمكن من هزيمة المطهر حينها "ودخل صنعاء بمعاونة بعض أتباع المطهر .

إن الاستقراء التاريخي لحالة الصراعات بين القوى والأطراف اليمنية، يؤكد أنها كانت السبب الفعلي لبقاء أنظمة الفشل والعبث، وأنها كانت العامل المساعد والمساند لخضوع البلد للقوى الأجنبية، والمحفز للانتهازيين الداخليين في الوثوب على السلطة، وكانت النتيجة أن فقدت اليمن الاستقلال، والأنظمة الاستمرار، والمجتمع الاستقرار.                                                                                



فشــل الإدارة وعجز الحكام 

من المحزن في أمر اليمن أن الإدارة السياسية طيلة قرون من الزمن تمتد من العصور الوسطى وحتى اللحظة، كانت الآفة التي اجتاحتها ونخرت في كيانها، بحيث ظلت تستنزف اليمن وتهدر إمكانياتها، فسياسات القوى والجماعات التي وثبت على السلطة، وظهرت على مسرح الأحداث، سمحت وأدت طريقة إدارتها لليمن بخلق الاضطرابات والصراعات بين مختلف فئات المجتمع لتكفل استمرارية بقائها في الحكم، إذ لم تكن تستوعب اليمن وتدرك أسباب ازدهاره ورخائه، انحطاطه وانحلاله، تماسكه وتكامله.

مع العجز المزمن في العصور المتوالية للعديد من الحكومات التي برزت في اليمن، باختلاف وتنوع مشاربها، في إقامة دولة مستقرة، فإن هنالك استثناءات وفلتات تمكَّنت فيها اليمن من استعادة استقرارها ودورها التاريخي، غير أنها لم تحافظ على استمراريته، وقد كان مرد ذلك الاستقرار إلى التئام الجغرافيا أولاً تحت سلطة واحدة، واستغلال إمكانيات الموانئ اليمنية في دعم اقتصاد الدولة، ثم إلى قدرات الحكام الشخصية وكفاءتهم السياسية، أمثال المُكرَّم الصليحي، والمظفر الرسولي، والمتوكل على الله إسماعيل .

ومن هنا فإن عدم استقرار اليمن ظل نتيجة طبيعية لضعف الحكَّام، وفشل الإدارة في تسخير مميزات وقدرات الجغرافية اليمنية في بناء الدولة، إضافة إلى احتكار بعض القوى للسلطة كونها مفتاح الحصول على الثروة، الأمر الذي عزَّز لدى بعض المناطق رفضها الانصياع والالتفاف تحت راية هذه الحكومة أو تلك، كما ظل التفكك والتشظي الذي عانته اليمن ناتج عن سوء إدارته وفشل نمط نظام الحكم .    



ثنائية الاستقرار والاستقلال 

لم تتمكن جميع الدول التي حكمت اليمن بأكملها كالدولة الصليحية والرسولية والطاهرية وأخيراً الدولة القاسمية، من حكم مناطق اليمن من المخلاف السليماني في الشمال وحتى عدن ولحج وحضرموت جنوباً إلا باعترافها باستقلالية تلك المناطق، والقبول بدور مشارك للقوى المحلية – آنذاك – الممثلة للسكان داخل كل منطقة، وبدون ذلك فإن بقاء الدولة موحدة أمر شاق وعسير إن لم يكن مستحيلاً .

فمنذ عهد كرب ايل وتر أول حاكم استطاع إخضاع البلد بأكملها لحكمه في القرن السابع قبل الميلاد، كما تحدثنا النقوش المكتشفة حتى اليوم، فإننا نجد صيغة الحكم فيها اتحادية، تقوم على التكامل والتشارك في تبادل المنافع، وتقاسم الموارد، لقد كانت مدينة مأرب هي القاعدة الأولى التي انطلقت عملية الاتحاد لتشمل كافة اليمن، وقد ارتبط عهد هذا الحاكم وغيره ممن حكموا البلد بكاملها ببناء العديد من المنشئات العمرانية، وما يلاحظ أن أسماء بقية الاتحادات في اليمن لم يختف إذ تذكر النقوش أسماء بقية الشعوب الأخرى التي كانت موجودة تحت حكم سبأ، وحين انتقل مركز الثقل السياسي منذ القرن الأول الميلادي لأسباب تعود بالدرجة الأولى لعوامل اقتصادية، من السهول الشرقية في مأرب إلى منطقة ظفار في قلب اليمن بالقرب من مدينة يريم، فإن ملوك حمير تمكنوا من توحيد اليمن كاملا تحت سلطتهم، و( نستطيع القول وبكل ثقة أن نظام الحكم في اليمن القديم ذا الصبغة الاتحادية على أقل تقدير، كان كلما اهتز بالصراعات الداخلية يعود في نهاية كل مطاف إلى الاستقرار بناء على صيغة تحالفية ودية اتحادية تعقد بها مواثيق وعهود قائمة على التراضي المتبادل بين الشعوب[3]) . ويحدثنا تاريخ آخر تجربة للوحدة اليمنية تحت حكومة مركزية واحدة قبل نحو أربعة قرون، أن توحيد المناطق الداخلية في أعالي الشمال ودخولها تحت جناح الدولة المركزية الوطنية، أسهل بكثير من إخضاع مناطق الجنوب والشرق. بينما على العكس من ذلك فإن الساحل يسهل خضوعه للغازي المحتل، في الوقت الذي يتحول الداخل وجباله إلى حصن لصد الجحافل الأجنبية، وملاذ آمن للمقاومة، وذلك بسبب وعورة مناطقه وصعوبة الوصول إليها من قبل القوات الأجنبية .

فبالنسبة للداخل وسهولة خضوعه للحكومة المركزية الوطنية فالسبب هو عدم توحده في جبهة واحدة، إذ تتفرق صفوفه بين مهادن ومعارض ومؤيد وساع إلى التفاوض مع الحكومة، وعند حضور المحتل الخارجي فإنه يصبح صفاً واحداً، حين تتوفر قيادة وطنية جامعة كما جرى إبان الغزو العثماني الأول ومواجهته لمدة مائة عام. أما بالنسبة لعلاقة الساحل بالحكومة المركزية في الداخل فإنه كان يكلف أي سلطة حاكمة تسعى لمد نفوذها عليه عناءً ومشقة كبيرة ونفقات باهظة في نقل المؤن والعتاد لطول المسافات التي تقطعها القوات، وصعوبة التواصل بين القيادة في المركز وقواتها المتوجهة إلى الأطراف، بينما كان يسهل على القوات الغازية والتي كانت تأتي دوماً عبر البحر السيطرة على المدن والموانئ اليمنية نتيجة لقدرتها على الوصول والتمركز، وفتح الثغرات في منطقة محددة ومن ثم النفاذ إلى بقية المناطق الساحلية، ولعل آخر عملية احتلال تعرضت لها اليمن في القرن التاسع عشر من العثمانيين للساحل الغربي، والإنكليز للساحل الجنوبي تؤيد صحة ذلك. وقد أدرك البريطانيون أنهم غير قادرين على البقاء واستغلال ميناء عدن بدون السيطرة على العمق البري، ولما كان أمر السيطرة على الداخل محكوما بالفشل سعوا إلى فصله عن الساحل، لكي يتسنى لهم الاستمرار في السيطرة على ميناء عدن.



الداخل والساحل بين الاستقلالية والانفصالية
في الداخل حين تضعف السلطة المركزية - وكثيراً ما كانت ضعيفة - فإن مناطقها لم تحاول الانفصال عن كيان الدولة، وإنما الانقضاض على سلطة المركز، وإن فشلت محاولة الانقضاض قنعت بإدارة نفسها، وفي الأوقات التي تمتلك الحكومة المركزية أدوات الهيمنة والقدرة، فإنها غالباً ما كانت تترك تلك المناطق لتناقضاتها .
بينما يبادر الساحل أثناء ضعف الحكومة المركزية إلى الانسلاخ والانفصال، متشظياً إلى كيانات، كل منطقة فيه تسعى لتكوين إمارة أو سلطنة أو مشيخة، يقودها زعيمها تحت أي مسمى، هذا ما جرى في القرن الثامن عشر. 
الداخل بطبيعته نزَّاع إلى الاستقلالية في إطار الدولة، بينما الساحل ميَّال للانفصال، بسبب تجرعه مرارة، وويلات الأنظمة الحاكمة، وتحمله أعباء عبثها وجور ولاتها. 

في اليمن السياسية لم تكن من صنع الجغرافيا وحدها، وإنما هي إلى جوار الجغرافيا انعكاس لشعور السكان في كل منطقة بمدى ارتباط مصالحهم مع بقية المناطق الأخرى . وإذا غاب مثل هذا الشعور، داخل الكتل السكانية، فإن البلد تبدأ رحلة التفكك والتمزق، من خلال التمردات والاضطرابات التي تشتعل في الأطراف ضد المركز، وأهم سبب لذلك هو العجز السياسي في توزيع الموارد، وتبادل المنافع، بين المناطق اليمنية المتعددة . ففي بلد كاليمن شحيحة بالموارد، فإن إعادة توزيعها بصورة عادلة، إضافة إلى بناء المنشآت العامة، هو الذي يعمل على كسب الرضى المجتمعي، واستقرار النظام السياسي .

 ومن المعلوم تاريخياً أن ازدهار السواحل والموانئ سواء الغربية أو الجنوبية مرتبط بوجودها تحت ظل الدولة اليمنية الواحدة، فبعد (انفصال عدن عن السلطة المركزية في مطلع القرن الثامن عشر وتبعيتها لسلطان لحج بدأ الخراب يحل في المدينة تدريجياً )[4]، هذا ما يعلمنا التاريخ وتنطق به الجغرافيا، كما أن خروج الساحل من يد النظام، يحول الداخل إلى إقطاعية تضج بالفرسان المتناحرين على الزعامة. فحين فقدت الدولة القاسمية ميناء عدن، وأعقب ذلك احتلال محمد علي باشا للساحل الغربي وموانيه وأهمها آنذاك ميناء المخاء، فإن ذلك عجَّل في تهاوي الدولة، وأغرى العديد من الطامحين والطامعين في الداخل أن يتمردوا ويسعوا للوثوب على السلطة، والسيطرة على كرسي الحكم، حيث عرفت مدينة صنعاء حينها وجود أربعة أئمة في وقت واحد.

   

دور الساحل في قوة السلطة 

لقد ظلت السواحل اليمنية على الدوام تمنح اليمن ثقلها وحضورها وألقها في العالم الخارجي، وفي إقامة علاقات صداقة وتعاون مع بقية دول العالم، وفي الوقت نفسه فإنها مثًّلت نقطة الضعف في خاصرة الدولة اليمنية والثغرة التي نفذت منها القوى الأجنبية الطامعة، أيضاً فإنه على المستوى الداخلي يرجح كفة القوة المحلية المسيطرة على الساحلين الغربي والجنوبي على بقية القوى المحلية، ويمنحها الامتياز والتفوق على جميع الكيانات المنافسة في الداخل اليمني، فقد كان أحد أهم العوامل في انتصار الحميريين على سبأ وحضرموت، في القرن الثالث الميلادي، هو خضوع الموانئ مثل موزع وعدن لحكَّام قصر ذي ريدان في ظفار بالقرب من مدينة يريم، كما أن تأخر النصر على حضرموت كان سببه امتلاك الأخيرة لميناء قنا على البحر العربي، الأمر الذي حرمت منه حكومة سبأ بعد قيام الدولة الحميرية، فحسم النصر لصالح الأخيرة، أيضاً من الملاحظ أن الدول التي خضعت السواحل اليمنية لنفوذها وذلك منذ عهد الحميريين كانت تسعى لإدخال كافة البلاد تحت حكمها، وقد تكرر ذلك مع الأيوبيين والرسوليين من بعدهم، والطاهريين ثم العثمانيين .

غير أن الوضع تغير منذ الدولة القاسمية الأولى، بحيث بدأ السعي لإخضاع المناطق من أعالي الشمال، وصولاً إلى تحقيق الوحدة اليمنية، والسبب في ذلك هو أن الداخل كان الحصن وقاعدة الانطلاق لمواجهة الاحتلال العثماني، ومن هناك بدأت تصفية نفوذ الأتراك، وورثة الدولة القاسمية حينها السلطة وسدت فراغ رحيلهم، ولم يكن الأمر عائد إلى إمكانيات الداخل الجبلي في ضم اليمن بكاملها، في عهد الدولة القاسمية والذي استمر عقود أربعة ثم عادت البلد إلى التفكك بسبب نظام الحكم.


[1] بول دريش الأئمة والقبائل ص218، في كتاب اليمن كما يراه الآخر، دراسات أنثروبولوجية مترجمة، مراجعة وتحرير لوسين تامينان. المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، 1997
[2] د مصطفى سالم مراحل العلاقات اليمنية السعودية ص12- 14.
[3] علي محمد الناشري اليمن موحدا تحت راية سبأ صـ369، مجلة آداب الحديدة، العدد 1، 2010   
[4] سلطان أحمد عمر من المنافذ البحرية لصنعاء عدن عبر التاريخ ص188، مجلة الإكليل – العددان 2+3،سنة ثانية، تصدرها وزارة الإعلام والثقافة، صنعاء، 1983. 

 

WritterName: 
Share this:
Tags:

About abaadstudies

  • Website
  • Google+
  • Rss
  • Pinterest
  • Instagram
  • LinkedIn
  • Vimeo
  • Youtube
  • Flickr
  • Email

    Leave a Reply