محطات العنف..  الحوثية على طريق النهاية

2018-02-04 | منذ 8 شهر    قراءة: 93

مقدمة

تتدفق حركة الحوثي المسلحة في جميع اليمن وتحتل عناوين الصحف وشاشات التلفزة الدولية كحركة تمرد سيطرت على السلطة ودفعت الرئيس اليمني وحكومته إلى المنفى؛ وما كان لهذه الحركة أنَّ تحظى بهذا الكم من التغطية لولا أمرين مهمين موقع اليمن الاستراتيجي على مضيق باب المندب وعلى حدود المملكة العربية السعودية، وارتباط هذ الجماعة بإيران مهما كان حجم ونوعية هذا الارتباط الذي بدأ فكرياً في وقت مبكر من تسعينات القرن الماضي.

تستند الجماعة المسلحة إلى ثقافة فكرية دينية معتمدة على المذهب "الاثنى عشري" الذي تتزعمه إيران وتروجه لجماعاتها في المنطقة. فيما يقول الحوثيون إنَّ مبادئهم مستمدة من "المذهب الزيدي" وهو أقرب المذاهب إلى السُنة، ولم يسبق أنَّ خاضت اليمن حرباً أهلية طائفية كما حدث في لبنان أو العراق، إذ أنَّ الزيود والشوافع (نسبة للمذهب الشافعي) ضلوا متعايشين دون أي خلافات ويصلون صلواتهم في ذات المساجد دون أدنى حساسية.

كما تستند الجماعة المسلحة إلى إرث سياسي عتيق لطبقة "الهاشمية" في البلاد وهي التي أدارت البلاد حتى قيام النظام الجمهورية وإسقاط "النظام الإمامي" في 1962م، ومع دستور البلاد بمواطنة متساوية ذابت الطبقات وأصبح الجميع سواسية أمام القانون والدستور لكن الجماعة السلالية ظلت تعتقد أن الحكم حق إلهي في "البطنين" في إشارة إلى أبناء الحسن والحسين ولدي فاطمة ابنة الرسول محمد [i].

استخدم الحوثيون كِلا الأمرين الهاشمية السياسية والزيدية من أجل بناء الجماعة وترأس عائلة "الحوثي" لصناعة مجدها وقوتها. وخاضت من أجل ذلك ستة حروب ضد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي تحالفت معه لاحقاً بعد الثَّورة الشبابية الشعبية (2011) لإسقاط الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.

تُقدِّم هذه الورقة مسارات الحركة الحوثية في اليمن منذ بدايات النشأة وحتى إعدام الرئيس اليمني السابق في ديسمبر/كانون الأول2017، وتأثير ذلك على مستقبل اليمن.

 

الأسس الفكرية

في عقد من الزمن استطاعت أن تتحول الحركة الحوثية من عصابة مسلحة متمردة على الحكومة اليمنية في جبال مران عام 2004م، إلى قوة عسكرية مسيطرة على الدولة بشرعية الأمر الواقع، وشريكة سياسيا في إدارة الدولة عام 2014.

للحركة الحوثية جذور اجتماعية وتنموية وسياسية وفكرية جعلتها تعود لحكم اليمنيين بعد أن تمددت من جبال صعدة في الشمال حتى سيطرتها على عاصمة الجمهورية اليمنية في 21 سبتمبر 2014، ومع نهاية العام قد تكون لجانها الثورية متحكمة في مفاصل الدولة والسيطرة الكاملة على 7 محافظات هي (صعدة وحجة وعمران وصنعاء وأمانة العاصمة وذمار وإب).  مطالب الحوثيين التي على ضوئها تأسست الحركة تنامت بشكل متدرج، فقد بدأت بمطالب فئوية لطبقة الهاشميين ثم مناطقية لأبناء صعدة، ثم توسعت لتصبح مطالب سياسية لحكم إقليم يمتد في محافظات صنعاء وعمران والعاصمة وذمار، ويدمج الجوف النفطية في الشرق وحجة الغربية مع ميناء ميدي على البحر، حتى وصلوا إلى حق استعادة دولة الأئمة وربما يحلمون بإمبراطورية ليس في اليمن ولكن في المنطقة[ii].

 

جدل الزيدية

لا ينكر الحوثيون هدفهم الرئيسي بإعادة إحياء الإمامة/الخلافة في اليمن ويرون جواز ان يكون رئيس/حاكم الدولة ليس هاشمي لكن الإمام/الخليفة يجب ان يكون هاشمي حسب معتقدهم. فجميع أعمالهم مستمدة من تاريخ الأئمة الرسيين الهاشميين الذين حكموا اليمن ألف سنة.

تصنف بعض المصادر الجماعة بأنها شيعية اثنا عشرية، لكن الحوثيين ينفون ذلك، ويؤكدون أنهم لم ينقلبوا على المذهب الزيدي رغم إقرارهم بالالتقاء مع الاثنا عشرية في بعض المسائل كالاحتفال بعيد الغدير وذكرى عاشوراء[iii]. وقال محمد بدر الدين الحوثي: " نحن لب الزيدية عقيدة وفكراً وثقافة وسلوكاً. ونسبة الزيدية إلى الإمام زيد بن علي عليه السلام هي نسبة حركية وليست نسبة مذهبية كما هي بالنسبة لأتباع الإمام الشافعي  وغيره من أئمة المذاهب.. ومن ادعى أننا خارجون عن الزيدية ـ سواء بهذا المفهوم الذي ذكرناه أو غيره ـ فعليه أن يحدد القواعد التي من خلالها تجاوزنا المذهب الزيدي وخرجنا عنه، ولكن بمصداقية وإنصاف" [iv].

سافر بدر الدين الحوثي إلى طهران وأقام بها عدة سنوات وتأثر بالخميني والنموذج الإيراني واعتقد بإمكانية احياء الخلافة/الإمامة الزيدية في اليمن[v]. وكان لبدر الدين الحوثي -وهو من فقهاء المذهب الزيدي- تأثير كبير في صياغة توجه الحركة التي اعتبرها لب الزيدية، وأن نسبة هذه الأخيرة إلى الإمام زيد بن علي، نسبة حركية وليست مذهبية [vi].

أما نجله حسين بدر الحوثي، فهو أحد المؤسسين، وذهب إلى إيران في عام 1986 ومكث فيها 18 يوماً، وحسب من رافقوه فقد حاول جاهداً الدخول إلى الجمهورية الإيرانيَّة وعبر سوريا رغم الحرب الإيرانية مع العراق، حتى تمكن من إيجاد قناة للدخول والتقى بمشائخ علمائيين من إيران والعراق. وينقل صهره عبدالرحيم الحمران الذي رافقه الدخول إلى إيران القول: "هذه الراية، راية الإمام الخميني، ربّما لا تُعوّض"، حتى أنه كان يفكر بالانخراط في فيلق بدر، الذي كان قيد التأسيس، للدفاع عن الجمهورية الإسلامية في الحرب المفروضة عليها من قبل صدام حسين[vii].

 

الشباب المؤمن وبداية التمرد

ومع التعددية السّياسية بعد عام 1990، انضم حسين الحوثي ووالده إلى عدد من القيادات الزيدية لتأسيس حزب الحق، ولاحقاً انسحبا من الحزب بعد مساعي السلطة اليمنية والسعودية لخلق صراع داخل قيادات الحزب، ففضلا أن يخرجا مع مجموعة من أهم قادة الحزب، وخرج معهم 3 آلاف شخص دفعة واحدة، بعدما فشلت محاولاته لإصلاح الحزب من الداخل [viii]. وبعد ذلك انضم حسين الحوثي مع مجموعة بينهم الحمران إلى تنظيم "الشباب المؤمن" الذي كان قد شكله أخوه محمد الحوثي وشبان آخرون.. "طلبوا منا انا والسيد حسين وآخرين مساعدتهم والدخول ضمن الهيئة التنظيمية. وكان الهدف الاهتمام بالنشئ وإبعادهم عن الأفكار الهدامة"، المتمثلة بالهجمة الوهابية على الزيديين في اليمن[ix]. واتهم عدد من فقهاء الزيدية (منهم مؤسسون لحركة الشباب المؤمن) الحوثيين بالخروج عن المدرسة الزيدية واستيراد بعض بدع الإثنا عشرية أو أنهم زيدية متطرفون وهو اتهام تشاركهم فيه الحنابلة المعادية للحوثيين.[x]

أكمل السيد حسين الحوثي البكالريوس في جامعة صنعاء، وبين عامي 1993 و 1997، انتخب نائبا في مجلس النواب اليمني. ورفض حسين بدر الدين وأيضاً والده تبرير حرب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح ضد الاشتراكيين. لكنه استمر في دعمه لاحقاً من أجل الحد من نفوذ الأحزاب السّياسية وانتخب شقيقه يحيى بدر الدين الحوثي باسم حزب المؤتمر الشعبي العام (حزب صالح) في مجلس النواب (البرلمان) عام2003.

شنت الولايات المتحدة عِدة حملات عسكرية عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 ودخلت أفغانستان وقبل دخول العراق. وفي ذات الوقت عاد حسين الحوثي من العراق إلى اليمن بسبب مرض زوجه والده (والدة عبدالملك الحوثي)، وعام 2002 رفع الحوثي الشعار "الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام"[xi]. وبعد سلسلة رسائل بينه والرئيس صالح أُعلن عن شن الحرب وبإمكانيات بسيطة تمكن الجيش اليمني من إخماد تنظيم الحوثيين المسلح الذي بدأ تمرده في 2004، وقضت الحرب الأولى على نواة هذا التنظيم وقتل مؤسسه حسين بدر الدين الحوثي وقتها؛ وذهب محمد بدر الدين الحوثي إلى صنعاء للقاء صالح ومكث شهرين لكن "صالح" لم يلتق به وعاد إلى صعدة، وبدأ والده "بدر الدين الحوثي" تمرداً جديداً. ثمَّ ترأس التنظيم بعد "بدر الدين" عبدالملك الحوثي[xii].

 

الحروب الست

في المواجهة الأولى شنت الحكومة اليمنية ووسائل الإعلام حرباً إعلامية على خصومها المقاتلين حيث اتهمتهم بداية بالولاء لحزب الله اللبناني وإيران، وبالسعي لإعادة نظام الإمامة البائد، رغم إنكار الحوثي هذه الاتهامات في رسالة مفتوحة بتاريخ 26 يونيو/حزيران من ذلك العام أكد فيها ولاءه للرئيس وللنظام الجمهوري وقال فيها إن سبب الخلاف هو موقف الحكومة الموالي للولايات المتحدة إضافة إلى السياسة السعودية في اليمن[xiii].

واندلعت في مارس/آذار 2005 بسلسلة من الاتهامات والاتهامات المضادة بين الحكومة وبدر الدين الحوثي (والد حسين) وعبد الله الرزامي، عضو البرلمان السابق، وكلاهما ينتمي لـ"حزب الحق" حيث وجهت للمعارضة، وحزب اتحاد القوى الشعبية تهم "بالسعي لاستئناف التمرد"، بينما اتهم بدر الدين الرئيس السابق علي عبد الله صالح بعدم الاستعداد لإنهاء النزاع.  نتج عن ذلك اندلاع الجولة الثانية من القتال بهجمات أشد ضراوة إلى الشمال والغرب من صعدة، وقد استمرت المعارك نحو شهرين بعد ذلك أعلنت الحكومة النصر (فجأة) ونهاية العمليات القتالية في مايو/أيار 2005 رغم تمدد الحوثيون من جبال مران إلى الشمال والغرب من صعدة.

 الجولة الثالثة نتجت عن استمرار المناوشات من الجولة الثانية وقد امتدت تلك الجولة من أواخر عام 2005 حتى أوائل عام 2006، وقد ظهر في تلك المواجهات متغير جديد هو العنصر القبلي، حيث بدأت المعارك على شكل مواجهات بين رجال قبائل موالية للحكومة ومقاتلين قبليين يدعمون المسلحين الحوثيين[xiv]. وامتدت رقعة المواجهات لتشمل (25٪) من المساحة الإجمالية لمحافظة صَـعْـدَةَ، شملت العديد من المناطق والمديريات كمديرية (سحار، والصفراء، وآل سالم، وساقين، وحيدان، ومجز)، وغيرها من المناطق، وكان أبرز قائد ميداني في هذه الحرب هو عبدالملك الحوثي[xv]. ورغم زيارة "صالح" لواشنطن، في نوفمبر من نفس العام الا أنه كان يطلب مساعدات مالية لمكافحة الإرهاب تنظيم القاعدة ولم يطلب مساعدة واشنطن لمكافحة التمرد في الشمال، وفي هذه الحرب ظهر العامل الإقليمي وبدء تلاعب إيران بالأحداث من خلال إشرافها على تنصيب عبد الملك الحوثي شقيق مؤسس الجماعة كقائد[xvi]، وهو ما استغله صالح للبحث عن دعم خليجي دون القيام بإجراءات حقيقية لإضعاف الحركة.

مع بداية 2006 توقفت المعارك فجأة ليترك الحوثيون فرصة للانتخابات الرئاسية التي كانت تنافسية لأول مرة، وهو ما زاد يقين الكثيرين أن صالح لديه تنسيق عالي مع المتمردين خاصة بعد تعيينه اللواء المقرب منهم يحي الشامي محافظا لمحافظة صعدة التي حصل فيها صالح على 100% من أصواتها، وهو ما بدا ان صالح استغل الحرب للحصول على أموال من الخليج والغرب ولتقليم أظافر خصومه السياسيين[xvii].

هدأت الحرب في صعدة بعد الانتخابات حتى 28 يناير/كانون الثاني 2007 م حين قتل الحوثيون عدد من الجنود في هجومهم على نقاط عسكرية فاندلعت الجولة الرابعة التي شهدت سيطرة للحوثيين على معظم مناطق صعدة وقاموا بتهجير اليهود من سكان المحافظة ولم تتوقف هذه الحرب إلا في يونيو من ذات العام بوساطة قطرية شهدت توقيعا بين الحكومة والحوثيين لاتفاق في الدوحة في فبراير 2008م رفض الحوثيون بعد ذلك تنفيذه.

 وفي هذا العام صعد الجنوبيون من سخطهم اتجاه النظام وأعلن المتقاعدين العسكريين تشكيل الحراك الجنوبي السلمي. لم يمر سوى أسابيع حتى اندلعت الحرب الخامسة في مارس 2008 على إثر اتهامات السلطة للحوثيين بخرق اتفاق الدوحة عندما قتل جنود في كمين نصبه الحوثيون وتفجير قنبلة في مسجد في صعدة يرتاده عسكريون.

وقد تفاجأ صالح بأن هذه الحرب في هذه الجولة قد امتدت إلى محيط العاصمة حيث وصلت حرف سفيان في عمران وبني حشيش في صنعاء وهو ما جعله يستخدم الحرس الجمهوري لأول مرة الذي كان مغيبا عن أي دور في الحروب السابقة، وأعلن في17 يوليو 2008 وقفاً أحادي الجانب لإطلاق النار بالتوازي مع الذكرى الثلاثين لتوليه الحكم، لكن الحوثيين وضعوا أمام أعينهم العاصمة صنعاء.

نفذ الحوثيون في صعدة أعمال اختطاف لأجانب يتبعون منظمات دولية صحية وإغاثية ، الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحرب السادسة في 11 أغسطس 2009 وترافقت مع وضع السلطات ستة شروط لوقف العمليات كان أبرزها نزول الحوثيين من الأماكن التي يتحصنون فيها وانسحابهم من كافة مديريات المحافظة وتسليم ما استولوا عليه من معدات مدنية وعسكرية، والكشف عن مصير المخطوفين، ووقف عمليات التخريب.. لكن الحوثيين كانوا يرفضون أي تنازلات لصالح خيار السلام.

خلال هذه الحرب حاول الحوثيون حرف الأنظار عن تمردهم للحصول على تعاطف محلي وإقليمي باتهامهم دعم المملكة لصالح في حربه عليهم ونفذوا هجوما على الحدود ما استدعى تدخل الطيران السعودي، الذي حد من أي تحرك رغم تسريب معلومات عن حصولهم على أسلحة نوعية خاصة بالحرس الجمهوري كالمناظير الليلة وصواريخ الكتف ومضادات الدروع والتي استخدموها ضد الجنود السعوديين .

في ذات العام 2009 شهدت اليمن حدثا مهما وهو إعلان تأسيس قاعدة الجزيرة العربية وهو العام الذي استفاد صالح كثيرا من الدعم اللامحدود من الغرب لمحاربة الإرهاب، وجاء الحدث بالتزامن مع حراك سياسي من المعارضة لإنقاذ البلاد حيث عقدت ملتقي التشاور الوطني في صنعاء بتاريخ 20 مايو لانتخاب لجنة تحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني.

استغل الحوثيون وضع البلاد المتردي وتوسعوا في صعدة بعد أن توقفت الحرب السادسة 12 فبراير 2010، وفي يوم 25يناير 2011م خرج المئات في صنعاء للمطالبة بتغيير الحكومة على خلفية مقترحات لتعديل الدستور اليمني بما يسنح لنجل صالح تولي الحكم. معلنة مرحلة جديدة في تاريخ الجماعة.

 

استغلال الثَّورة السلمية

كانت هذه المرحلة بمثابة التقاط الأنفاس للحوثيين حيث بدأوا في الانتشار أكثر في المحافظات، مستغلين حالة الوهج الديمقراطي عقب سقوط صالح. وهو ما رأته الحركة الحوثية فرصة ملائمة لإحداث حروب داخلية تضعف من الدولة ومن خصومها.

بعد خروج مظاهرة واسعة في 11 فبراير/شباط مطالبة برحيل صالح استغل الحوثيون تلك المظاهرات لإعلان انخراطهم السلمي في ساحاتها لكنهم كانوا يتحركون عسكريا للتمدد فقد حاولوا السيطرة عل منطقة حرف سفيان التي فشلوا في انتزاعها في الحرب السادسة في 2010 ولكن هذه المرة بواجهة المظاهرات الثورية وهو ما استدعى الدولة إلى الرد وقتل عدد منهم في قصف جوي في 12 مارس 2011م.

في 20 فبراير/شباط2011 نظم الحوثيون تظاهرات في صعدة تقليدا للمظاهرات السلمية في صنعاء للمطالبة برحيل النظام، وبعد مجزرة جمعة الكرامة في 18 مارس/آذار 2011 وانضمام اللواء علي محسن الأحمر في 21 مارس الى المطالبين برحيل صالح ظهرت عدائية الحوثيين أكثر تجاه سلمية الثورة وبدأوا بالتواصل والتنسيق مع صالح نجم عنه تسليمهم محافظة صعدة بدون مواجهات في 29 مارس/آذار وفي ذات التوقيت الذي سيطرت فيه القاعدة على معسكرات في أبين بدون قتال.

ومع نهاية 2011م كان الحوثيون قد توسعوا في حروبهم إلى خارج صعدة فتمددوا إلى الجوف شرقا وحجة غربا ما نجم عن ذلك قتلى وجرحى وحالة نزوح كبيرة بالذات في مارس 2012م.

كان الحوثيون الأشد تطرفا تجاه أي انتقال سلمي فقد أعلنوا معارضتهم للمبادرة الخليجية التي وقع صالح عليها في 23 نوفمبر/تشرين ثاني 2011م لانتقال السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، كما منعوا إجراء الانتخابات الرئاسية في فبراير 2012م في أغلب مناطق صعدة[xviii].

استلم الرئيس هادي في 25 فبراير2012 السلطة ومعها صعد الحوثيون في مارس 2012 من عملياتهم القتالية للسيطرة على الأرض وكان هذا العام هو بمثابة عام غزوات لهم حاولوا فيه السيطرة على ميناء ميدي في حجة وحصار معهد للسلفيين في دماج شمال صعدة والوصول إلى مركز محافظة الجوف شرقا، كما رفضوا رفع مخيمات الاعتصامات من ساحة العاصمة صنعاء بل حولوا أماكن الاعتصامات السلمية إلى اعتصامات مسلحة مع منتصف عام2013.[xix]

وفي يوم 2 فبراير/شباط 2014 نجح الحوثيون في هزيمة آل الأحمر وتدمير منزلهم، وآل الأحمر هم مشايخ حاشد لفترة طويلة من الزمن، وشيخ قبيلة حاشد عبد الله بن حسين الأحمر الذي توفي ديسمبر/كانون الأول 2009 كان أحد أقطاب الحكم في صنعاء، ومؤسسًا لحزب الإصلاح الذي يجمع بين تكوينات قبلية وجماعات سياسية وأيدلوجية على رأسها الإخوان.

 محافظة عمران أيضا كانت هي معقل لقبيلة حاشد التي ينتمي لها الرئيس السابق علي صالح، وميزت طبيعة سلطته القائمة على العصبية القبلية، فكانت قيادات الجيش من القبيلة، وكذلك حظي شيخ القبيلة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بنفوذ سياسي هائل داخل الدولة اليمنية، استمدها من دوره المشيخي وليس من منصبه السياسي كرئيس حزب أو رئيس مجلس نواب[xx].

ورغم انفراد الحوثيين بمحافظة صعدة حيث كانت الدولة اليمنية غائبة، وتعيين محافظا لها محافظًا وهو فارس مناع -أحد أكبر تجار السلاح باليمن- بالتزامن مع حربهم على سلفيي دماج كانت أعينهم على العاصمة صنعاء.

 

التحالف مع صالح والأسلحة الإيرانية

تصاعد التوتر في 2013م جراء تحركات الحوثيين المسلحة، فقد أعلنت الحكومة اليمنية في مطلع فبراير2013 ضبط سفينة شحن قادمة من إيران محملة بأسلحة ومتفجرات، بينها صواريخ "سام 2" و"سام 3" المضادة للطائرات بغرض إنزالها بصورة سرية في الشواطئ اليمنية. ورغم مشاركة الحوثيين في مؤتمر الحوار الوطني الذي دشن انعقاده في 18 مارس 2013 إلا أنهم استمروا في عملياتهم العسكرية في صعدة فقد اقتحم الحوثيون في أغسطس من نفس العام منطقة دماج[xxi].

دخلت اليمن حالة شلل سياسي بعد مؤتمر الحوار، يناير2014، ورفض الحوثيون الوثيقة إلى جانب علي عبدالله صالح، عندها بدأ التحالف بين الطرفين يظهر باستمرار فقد سمحت شبكة واسعة لـ"صالح" من العسكريين وشيوخ القبائل من أجل افساح المجال للحوثيين والتقدم نحو صنعاء، وأدى انعدام الثقة بين الأطراف السياسية المتصارعة على السلطة، وسخط الناس على مرحلة ما بعد الثورة التي أججها نظام علي عبدالله صالح، ومن ثَمَّ أزمة بنزين وغاز خانقة عانى منها منذ شهر مارس/آذار 2014.

تمكن الحوثيون من المرور سريعاً مُسقطين الدولة اليمنية والقبيلة من أقصى الشمال وحتى العاصمة صنعاء في العام التالي، وفي سبتمبر/أيلول 2014، كان لافتا انهيار مقاومة الجيش اليمني بصورة شبه درامية كما وصفه البعض. فقد سلم أفراد حراسة إذاعة صنعاء ورئاسة الوزراء ووزارتي الصحة والإعلام مواقعهم دون قتال، بل أنهم غادروا المكان[xxii]. ووصل الحوثيون إلى صنعاء فقد سيطر الحوثيون على مقرات قيادة الفرقة السادسة والفرقة الأولى مدرع، وقيادة اللواء الرابع للحرس الرئاسي، والقيادة العليا للقوات المسلحة، ودائرة التوجيه المعنوي التي يبث التلفزيون الحكومي برامجه منها، حيث سلم أفراد الحراسة المباني دون مقاومة.

أسقطوا حكومة محمد سالم باسندوة (حكومة الوفاق بعد الثورة) في 21 سبتمبر/أيلول2014، وفرضوا حصاراً على الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، وفرضوا بواقع القوة والسلاح توقيع اتفاق السلم والشراكة برعاية أممية [xxiii].

وأعطي الوجود المشهود لصالح -الرجل القديم في السياسة اليمنية- في كواليس الانقلاب الحوثي دلالة الثورة المضادّة. وللتذكير، “الرئيس” المخلوع من خلال “ربيع 2011” لم يبق فقط على رأس الحزب الحاكم، ولكن كان يحظى كذلك بدعم شريحة كبيرة من القوّات المسلّحة، وساعد في الغزو العسكري للعاصمة[xxiv]

 

إسقاط صنعاء

صرح الإيرانيون أعداء العرب القدامى بأنهم يحكمون أربع عواصم عربية "صنعاء -بغداد -بيروت- دمشق"[xxv] أثار غضب الجيران الخليجيين، فتح الحوثيون الأجواء للطائرات الإيرانية، وسط حديث عن شحنات الأسلحة من طهران تصل للحوثيين في صنعاء،  والخبراء العسكريين من إيران والضاحية الجنوبية في لبنان أصبحوا فعلاً وسط اليمن.

بدأت شرارات الحرب الأهلية تشتد وطاة في أكثر من بلدة يمنية، البيضاء، أرحب، تعز، مأرب، الجوف، بالرغم من انكسار النفسيات بسبب تخاذل السلطة، بدأ المجتمع يخشى من الحوثيين الذين سيطروا على العاصمة.

تمدد الحوثيون في أنحاء البلاد وشغلوا منصباً في الحكومة، كما أشار لذلك اتفاق "السلم والشراكة"، حظر الحوثيون أي تعبير عن الرأي وصادروا الحريات، وحاول ناشطون التحرك والتظاهر ضد السلطة القادمة من صعدة، لكن القمع والتعذيب والاستهداف المباشر للعائلة والناشط أكبر بكثير مما يمكن توقعه ، وحتى يناير/ كانون الثاني2015 و فبراير/شباط2015م كانت الأوضاع أكثر من مزرية الرئيس محاصر في منزله وكذلك أعضاء الحكومة. وبشكل سريع فرّ الرئيس اليمني إلى عدن، فبراير(شباط) 2015م، لاحقه الحوثيون والمواجهات تخفت وترتفع من القرية إلى المدينة إلى الساحل إلى الجبل إلى الوادي. وهدد الحوثيون الرياض بمناورات عسكرية على الحدود[xxvi].

ظل علي عبدالله صالح يتوعد الحكومة اليمنية وبأن خروجها سيكون من منفذ جيبوتي[xxvii]، مع تحرك الحوثيين لمطاردة لرئيس هادي الذي طلب تدخلاً عسكرياً لإنقاذ البلاد من الحوثيين. وفي 26 مارس/آذار 2015 أعلنت السعودية قيادة تحالف من عدة دول خليجية وعربية لمواجهة الحوثيين بهدف إعادة السلطة إلى الرئيس الشرعي.

 

الحوثيون بعد عاصفة الحزم

وضعت "العاصفة" إعادة الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي كرئيس شرعي، واستسلام الحوثيين وتسليم الأسلحة التي نهبوها من الجيش اليمني وتدمير الصواريخ البالستية، أهدافًا رئيسية لهذه العاصفة[xxviii].

بعد 25 يومًا من إعلان عاصفة الحزم، وتحديدًا في 21 أبريل 2015 أعلنت قيادة العملية عن توقفها وبدء عملية إعادة الأمل، بعد أن أعلنت وزارة الدفاع السعودية "إزالة جميع التهديدات التي تشكل تهديداً لأمن السعودية والدول المجاورة"، وبعد أن تم تدمير الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية والقوة الجوية التي كانت بحوزة ميليشيا الحوثيين والقوات الموالية لصالح.

لكن ذلك لم يحدث الا على مستوى تحييد الطيران العسكري فقط ، أما بخصوص الصواريخ فإنَّ الحوثيين زادوا من الأسلحة الثقيلة والبالستية بدعم من إيران. التي وثقت ارتباطاتهم بها بشكل أكبر عن ما كانت عليه قَبل العاصفة.

شارك الحوثيون في مشاورات الكويت ومشاورات سابقة في سويسرا، لكن الجماعة المسلحة كانت متمددة بشكل أكبر وتتحكم بقرارات التحرك. ورفض الحوثيون مجمل الاقتراحات المُقدمة من دول العالم والأمم المتحدة. ودخلت الحرب منعطفات حاسمة.

وقَبل أيام من إعلان انتهاء مشاورات الكويت (أغسطس/آب)2016 أعلن الحوثيون وحليفهم "صالح" عن تشكيل مجلس سياسي أعلى لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، وانبثق عن المجلس حكومة، كما أعاد الحوثيون عمل البرلمان، الذي عقد جلساته بأقل من التمثيل، ومعظم هؤلاء هم من الموالين للرئيس السابق.

واستمر تحالفهم في حالة تجاذب واتهامات بالخيانة والتواطئ حتى انتهى باشتباكات بينيه في منتصف 2017، على وقع سحب البنك المركزي ونقله من صنعاء إلى عدن، وهو ما جعل الأموال وإمدادات الحرب تقل إلى جانب الفساد المالي والإداري داخل سلطة الأمر الواقع في صنعاء.

ومنذ مطلع العام 2017 طبق الحوثيون خطة اضعاف وتفكيك ما تبقى من كتل موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، وكانت عينها على ما تبقى من ألوية الحرس التابعة لصالح وشعبية حزبه المؤتمر الشعبية العام.
في ذكرى تاسيس المؤتمر في 24 أغسطس حاول صالح أن يعيد بعض التوازنات له أمام موجة تجريف الحوثيين لكل المؤسسات التي كان يتحكم فيها فوجه الحوثيون له ضربة شكلت أولى الضربات المتتابعة التي انتهت بهزيمة مكلفة بمقتل علي عبدالله صالح في (4 ديسمبر/كانون الأول2017) ، لكن الحوثيين بعد هذا التأريخ دخلوا مرحلة حرجة من مراحل العنف ودورات الصراع والدماء تتسم بغياب واضح لأي غطاء سياسي لحركتهم وهو ما انعكس سلبا على الأداء العسكري في الميادين حيث بدأت الحركة تخسر مناطق وقيادات يوما بعد يوم مع نهاية العام 2017.

 

سيناريوهات الحركة الحوثية

ما بين سيناريو الاخضاع والاستسلام وسيناريو الهزيمة العسكرية تغيب كثير من السيناريوهات التي كانت مفتوحة أمام الحوثيين إلى وقت قريب، وتحاول واشنطن والأمم المتحدة ودول أوربية للضغط على التحالف العربي والحكومة اليمنية والحوثيين لبدء خيار الحوار وايجاد الحلول السياسية لكن الدماء والعنف المتوحش للحركة الحوثية يصعب كثيرا من ذلك. 

فالحركة الحوثية تسعى لهدف واحد هو حكم اليمنيين بالقوة أو الفناء دون تحقيق ذلك الهدف ، والمتتبع لهذه الحركة الدموية يجد أن خطواتها تتجه اجباريا إلى طريق مسدود، انها تتجه للفناء الذي تحمل بذوره منذ النشأة .

 

اقرأ PDF

توحش الغرهاب في اليمن.. الحركة الحوثية - بذور الفناء (2)


مراجع

[i] عبد الملك الحوثي.. الإمام الثالث/ 28 يناير 2015/ صحيفة الشرق الأوسط/ https://aawsat.com/home/article/276311

[ii] مركز "ابعاد " يرصد مسارات الحركة الحوثية في اليمن , 26 مارس, 2015

[iv] من هم الحوثيون أو الشباب المؤمن ؟ ما هو توجههم الفكري والسياسي؟ وما هو موقفهم من النظام الجمهوري في اليمن ؟ مأرب برس (06 سبتمبر-أيلول 2007 08:36:15 م)  http://marebpress.net/articles.php?print=2475

[v] بدر الدين الحوثي/ويكي الشيعة/http://ar.wikishia.net/view/%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A

[vi] الجزيرة المصدر السابق

[vii] "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، النصر للإسلام"... أنصار الله (1) المنار 05-03-2015 http://archive.almanar.com.lb/article.php?id=1134274

[viii] المنار مصدر سابق

[ix] المنار مصدر سابق

[x] "الموقف الشرعي من الفتنة الحوثية: قتال الدولة للمتمردين قتال شرعي وهي ملزمة بذلك شرعاً ودستوراً". وزارة الدفاع اليمنية. Nov 19 2009. http://www.26sep.net/newsweekprint.php?lng=arabic&sid=47937

[xi] الحمران، تصريح للمنار مصدر سابق.

[xii] Barak A. Salmoni, Bryce Loidolt, Madeleine Wells (2010). Regime and Periphery in Northern Yemen: The Huthi Phenomenon. Rand Corporation. P134

[xiv] الجزيرة، الحروب الست رؤية تاريخية، مصدر سابق

[xv] عارف علي العمري - حرب صعدة من اول شرارة حتى اخر قذيفة - الحوار المتمدن

[xvi] هكذا أنشأت إيران مليشيات الإرهاب في اليمن؟  http://tahdeeth.net/news/19379

[xvii] "فوق رؤوس الأفاعي".. كيف أسس "صالح" للحرب باليمن؟ - ميدان http://midan.aljazeera.net/reality/politics/2017/10/1/فوق-رؤوس-الأفاعي-كيف-أسس-صالح-للحرب-باليمن

[xviii] الحوثيون يمنعون الاقتراع في بعض المراكز الانتخابية بصعدة ويعتقلون مندوبين للمرشح الرئاسي 21 فبراير 2012 http://almasdaronline.com/article/print/28980

[xix] الحوثيون يعيدون تموضعهم في ساحة التغيير بصنعاء وينصبون خياماً بمحاذاة سور الجامعة http://almasdaronline.info/article/45079

[xx] الحوثيون: رحلة التيه بين العزلة والتمدد(ميساء شجاع الدين) http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/04/201546101236472592.html

[xxi] الحوثيون يقتحمون دماج من الجهة الغربية بالدبابات http://www.barakish.net/news02.aspx?cat=0&sub=0&id=58195

[xxii] كيف سيطر الحوثيون على صنعاء دون مقاومة من الجيش؟

[xxiii] اتفاق السلم والشراكة لإنهاء أزمة اليمن – الجزيرة- 12 Nov 2014 http://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2014/11/12/اتفاق-السلم-والشراكة-لإنهاء-أزمة-اليمن

[xxiv] http://orientxxi.info/magazine/yemen-la-prise-de-pouvoir,0797

[xxv] (علي رضا زكاني، برلمان طهران، أيلول / سبتمبر 2014).

[xxvi] الحوثيون يجرون مناورات عسكرية على الحدود مع السعودية - عربي21/ 12 Mar 2015 https://arabi21.com/story/816394/الحوثيون-يجرون-مناورات-عسكرية-على-الحدود-مع-السعودية

[xxvii] (صالح) يتوعد بشن حرب طاحنة على الجنوب! | الأمناء نت 9 Mar 2015 https://www.alomanaa.net/news23003.html

[xxviii] كشف حساب لعاصفة الحزم بعد عامين من انطلاقها https://www.noonpost.org/content/17247



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق