بعد الاستيلاء الحوثي على السلطة... السياسة في مرحلة القوة: مستقبل العملية السياسية في اليمن

هاني مغلس
2015-12-20 | منذ 3 سنة    قراءة: 100

 

في مفهوم العملية السياسية

لا يشير مفهوم العملية السياسية إلى معنى إصطلاحي محدد غير أنه يستخدم في العادة للتعبير عن مجموعة من الأنشطة المنظمة التي يقوم بها فاعلون سياسيون وفقا لقواعد محددة وبغرض التوصل إلى حلول لقضايا يواجهها نظام سياسي معين، وبهذا المعنى تبدو العملية السياسية ذات طبيعة معقلنة إلى حد بعيد، وذات غائية تمنحها قدرا من المشروعية الاجتماعية، أما قابليتها للتأثير فترتبط من جهة بطبيعة تلك العملية وما توفره من حلول جدية وناجعة لأزمات النظام، وبمرونة القنوات التي يوفرها النظام السياسي نفسه وطبيعة استجابته لمخرجاتها من جهة اخرى، وهذا في الأحوال التي تدور فيه العملية السياسية في إطار نظام سياسي محدد المعالم وذو مرجعية قانونية محددة لكنه يعاني من أزمات بنيوية لا تقدم الأطر القانونية المعتمدة ما يكفي للتعاطي معها، أما في الأوضاع التي يكون فيها النظام السياسي نفسه ومرجعياته القانونية محل بحث وتداول فإن السياق الاجتماعي وما يفرزه من متغيرات وموازين يمارس تأثيرا على العملية السياسية يفوق تأثير المرجعيات النظامية والإطارية لتلك العملية وقد يتجاوزها. وفي أغلب الأحوال فإن مفهوم العملية السياسية يفترض وجود حياة سياسية حزبية، وإطار واسع من المبادرات السياسية المجتمعية، ومستوى كثيف من المشاورات، وانفتاحا على التأثيرات الاجتماعية المختلفة، وفي غياب ذلك تتحول العملية إلى مجرد ترتيب سلطوي فوقي لمسألة الحكم أو لأزمة السلطة. والمقصود بالعملية السياسية في هذه الورقة تلك العملية التي تأسست على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية منذ أبريل 2011 وشاركت فيها أطراف سياسية متعددة بهدف أساسي معلن هو وضع أسس اتفاقية وشرعية عبر الحوار وخلال مرحلة انتقالية زمنية لحالة سياسية دائمة يتم فيها تداول السلطة سلميا عبر الانتخابات وبموجب دستور مستفتى عليه شعبيا. 

 

العملية السياسية في اليمن: مأزق الشرعية والفاعلية

جرى استئناف العملية السياسية في اليمن في ذروة تدفق ثورة الحادي عشر من فبراير 2011 وقبل تحقيق أي من أهدافها، ولأن العملية السياسية كانت مسبوقة بحالة ثورية فقد كان من الصعب تأمين الانتقال نحو عملية سياسية تحظى بالمصداقية دون الحفاظ على صلة بين الثورة والسياسة، أقله على المستوى النظري، وقد جرى التعبير عن ذلك من خلال خطاب سياسي قائم على ادعاء "عقلنة الثورة"[1]، رغم كون الثورة في اتجاهها العام سلمية وبعيدة عن منطق العنف، وعبر القول إن الهدف الأول للثورة قد تحقق بـ "رحيل" الرئيس السابق عن السلطة وأن ما بدأته الثورة ستكمله السياسة، وبدورها عمدت المبادرة الخليجية إلى افتعال صلة صورية مع مطلب الثورة في التغيير عبر تأكيدها على اتفاق يلبي "طموحات الشعب اليمني في التغيير والإصلاح".

في سياق البحث عن مشروعية لتأسيس لحظة سياسية جديدة مباينة للحظة الثورة وما تنطوي عليه من احتمالات "العنف والفوضى" ولدت العملية السياسية في اليمن، فكان أمامها تحديين أساسيين، الأول: تجسيد مطالب التغيير السياسي بأدوات السياسة المنضبطة، والثاني تجنب خيار العنف والفوضى و"الرسو بسفينة اليمن بعيدا عن أتون الصراع" بحسب ما جاء في وثيقة الحوار الوطني الشامل[2]، وهكذا قدمت العملية السياسية معايير تقييمها في اللحظة التي ولدت فيها كبديل عن الثورة.

راكمت العملية السياسية في مساراتها الحوارية الكثير من الأدبيات النظرية المتعلقة ببناء الدولة ومقاربات حل القضايا والإشكالات الوطنية لعل أهمها على الإطلاق الوثيقة الشاملة التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني، غير أن فاعلية أي عملية سياسية لا تقاس بما تخلّفه من موروث نظري وإنما بقدرتها على تجسيد التغيير السياسي على أرض الواقع، لقد سبق للعملية السياسية في العام 1994 أن أنتجت أرفع وثيقة في الأدب السياسي اليمني حول بناء الدولة الوطنية الحديثة في حينه، لكنها فشلت عمليا في منع نشوب الحرب والصراع آنذاك، ويبدو أن الأمر ذاته تكرر راهنا مع فارق جوهري هو أن العملية السياسة المستأنفة غداة ثورة فبراير 2011 أهدرت شرطها الاجتماعي التاريخي الذي كان يمكن أن يمدها بالقدرة على تجسيد طموحات التغيير السياسي فيما لو حافظت على قدر كبير من التماهي بينها وبين الثورة وحافظت على تماسك صفها الثوري.

والحال أن مؤتمر الحوار الوطني الذي اختتمت أعماله في يناير 2014 لم ينجز توافقا حقيقيا لاسيما حول مسألة شكل الدولة التي ستصبح عقدة الصراع السياسي، فعمد مؤتمر الحوار إلى تفويض الرئيس عبدربه منصور هادي بتشكيل لجنة تحديد الأقاليم، وهي اللجنة التي أفضت أعمالها لاحقا إلى ترجيح خيار الستة الأقاليم دون مشاورات كافية، وقد رفض الحوثيون ومعهم الحزب الاشتراكي اليمني قرار المؤتمر بالتفويض ناهيك عن رفضهما مخرجات لجنة تحديد الأقاليم، وحتى بالنسبة للقوى السياسية التي قبلت نظريا بذلك الخيار ولم تسجل اعتراضا أساسيا عليه كالمؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح والتنظيم الناصري فإن خطابها السياسي والإعلامي لم يجسّد ذلك الخيار، كما لم تبذل جهدا يذكر في التوعية والتثقيف الشعبي به، وهو أمر يشير إلى عدم توفر قناعة كافية في الأوساط القيادية لبعض تلك القوى بخيار الدولة الاتحادية متعددة الأقاليم.

وعلى الرغم من أن خيار الدولة الاتحادية متعددة الأقاليم وبالضمانات التي قدمها مؤتمر الحوار الوطني بتاريخ 7 يناير 2014 يعد الخيار الأنسب بالنسبة لدولة فشلت لأكثر من عقدين في تحقيق مفهوم الدولة البسيطة وإقامة سلطة مركزية قوية فإنه ظل خيارا مكشوفا لا تسنده إرادة حزبية قوية، أو عمل شعبي وإعلامي مصاحب، كما أن الطريقة الخاطئة في إرساء خيار الأقاليم المتعددة من خلال أسلوب القرارات الرئاسية الفوقية أفضت إلى تقوية جبهة المعارضة لهذا الخيار، ومنحت الحوثيين على وجه التحديد وبحكم عنصر القوة المادية المتوفر لديهم فرصة التدخل لتغيير مسار العملية السياسية وتوجيهها بالقوة نحو مسار مختلف.

الحوثيون وخيار القوة: من تغيير مسار العملية السياسية إلى السيطرة على الدولة

اعتمد الحوثيون سياسة الرفض في التعاطي مع العملية السياسية منذ اختتام مؤتمر الحوار الوطني، لقد رفضوا كافة القرارات المتعلقة بتشكيل الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني، ولجنة تحديد الأقاليم، ولجنة صياغة الدستور، وعلى الرغم من أنه كان بالإمكان التعاطي الإيجابي مع بعض تلك المواقف التي تبنتها الجماعة الحوثية وتفهمها إلا أن الاستجابة الكاملة لموقف الرفض الحوثي كان يعني تعطيل مسار العملية السياسية ووقف تنفيذ مخرجات الحوار الوطني خاصة وأن الجماعة الحوثية لم تبد أي إشارة إيجابية فيما يتعلق بنزع ترسانة الأسلحة التي تمتلكها أو الامتناع عن استعمالها على الأقل، لذلك فقد ظهرت لحظة افتراق أساسية في العلاقة بين الجماعة الحوثية وبين السلطة السياسية الانتقالية، وراحت الأخيرة تسابق الزمن من أجل استكمال تنفيذ مخرجات الحوار الوطني وإعداد مسودة الدستور، بينما اندفعت الجماعة الحوثية بقوة نحو التوسع العسكري وفرض واقع جديد على الجميع. 

في 21 سبتمبر 2014 أمكن للحوثيين السيطرة بالقوة على العاصمة صنعاء بعد إسقاطهم عمران في يوليو 2014 وفرضوا على السلطة الانتقالية والقوى السياسية اتفاق السلم والشراكة الذي أصبح منذ ذلك الوقت وثيقة سياسية تضاف إلى وثيقة مؤتمر الحوار الوطني وتقف معها على صعيد واحد، ورغم أن ما سمي بباتفاق السلم والشراكة لا يقدم أفكارا تأسيسية تتعلق بالدولة وطبيعة النظام السياسي فإن بنودها ذات الطبيعة الاجرائية وضعت مخرجات الحوار الوطني تحت رحمتها واخضعتها بصورة واضحة للتفسير الحوثي، وعلى سبيل المثال فقد تضمنت وثيقة السلم والشراكة بندا ينص على مراجعة عضوية الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني ومنحها الإشراف على لجنة صياغة الدستور، فأنهت بذلك فعليا مخرجات لجنة تحديد الأقاليم الصادرة في فبراير 2014، وبإقرار اتفاق السلم والشراكة فإن اعتراض الجماعة الحوثية على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني وعلى رأسها التشكيل الفيدرالي للدولة الاتحادية إلى ستة أقاليم بات مستندا إلى صيغة رسمية أضفت عليها أطراف العملية السياسية طابعا "شرعيا" ولم يعد مجرد موقف سياسي شبه معزول. وعندما قامت السلطة الانتقالية بمحاولتها الأخيرة لاستكمال مسار العملية السياسية عبر طرح مسودة الدستور التي نصت على خيار الستة الأقاليم على الهيئة الوطنية في منتصف يناير 2015 قامت الجماعة الحوثية بإجراءات انقلابية جذرية ضد السلطة الانتقالية بذريعة أن الهيئة الوطنية لم يعاد تشكيلها وفقا لبنود اتفاق السلم والشراكة (البندين التاسع والعاشر على وجه التحديد).

ثمة عوامل كثيرة سهلت مهمة الجماعة الحوثية وانتقالها من محاولة تغيير مسار العملية السياسية إلى السيطرة على مركز الدولة لعل أهمها: حالة الحرب غير المعلنة في المنطقة ضد جماعة الإخوان المسلمين، والتقارب الأمريكي – الإيراني فيما يتعلق بمواجهة ما سمي "تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق" والمباحثات حول الملف النووي، وهشاشة الموقف الدولي تبعا لكل لذلك. أما على الصعيد الداخلي فإن أخطاء اللحظة الأولى التي تأسست العملية السياسية بناء عليها طبقا للمبادرة الخليجية لا سيما فيما يتعلق بمنح النظام السابق الحصانة دون اشتراط التخلي عن العمل السياسي، وتأجيل هيكلة الجيش إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، والاندفاع في مسار سياسي قائم على حسن النوايا وغير محسوب المخاطر، ناهيك عن فشل حكومة المحاصصة وتلكؤها في تنفيذ بعض مخرجات الحوار الوطني جميعها عوامل أسهمت بصورة كبيرة في انضاج فكرة الانقلاب الحوثي على الدولة مرورا بإعادة تشكيل العملية السياسية بالقوة كما أوضحنا.

التوسع الحوثي: إلتقاء الدولة العميقة بالمجتمع العميق

عندما تنتقل الثورة إلى "السياسة" تتحول الثورة المضادة إلى "التاريخ" فتنجز مهامها من خارج المسار السياسي، وهو ما كان جدير بالثورة أن تفعله منذ البداية ولكن بأدواتها، إن هذه السيرورة المستخلصة من حركة الثورات العربية المعاصرة وصراعها مع الثورات المضادة تنطبق إلى حد بعيد على الانقلاب الحوثي على مركز الدولة، خاصة فيما إذا نظرنا إليه على ضوء التحالف القائم –والمؤقت بطبيعته- بين الحوثيين وبين الرئيس السابق صالح، أي بحسبانه التقاءً بين "الدولة العميقة" وبين ما يمكن أن نطلق عليه "المجتمع العميق". يجسد صالح بأذرعه العسكرية طليعة الثورة المضادة وفكرة الدولة العميقة بطريقة لم تعد بحاجة إلى برهان، بينما يمثل الحوثيون مجتمعا عميقا وغائرا انبعث ليقوم بالدور الذي كان يفترض بالمجتمع الكلي أن يلعبه في السياسة دون عنف. يتكون المجتمع العميق في الأساس من قوى عصبوية عشائرية أو قبلية أو طائفية أو جهوية تدخل في لعبة مساومات اجتماعية مع الدولة بدلا من انجاز عقد اجتماعي شامل معها، وتفرض عليها مطالب قاسية لاسيما في مراحل ضعفها، وتصل حد الانقضاض عليها. يحضر المجتمع العميق عندما يجري تغييب المجتمع الكلي عن السياسة، أي عندما تقوم أطراف العملية السياسية بتغييبه كفاعل اجتماعي ثوري.

لا يشكل مفهوم  المجتمع العميق إدانة لذلك القطاع من المجتمع الذي تمثّله الجماعة الحوثية، إنه مجرد مفهوم تحليلي سوسيولوجي مقترح يساعد في سبر غور الظهير الاجتماعي للجماعة الحوثية والتعرف على طبيعة تصوره للحضور الذي ينشده في السياسة، فالمجتمع العميق هو قطاع من المجتمع الأصلي العام لكنه يسعى لإعادة صياغة علاقته بالدولة باعتبارها إرثا خاصا، وهو إلى ذلك يبدو معبأً ضد السياسية، لا نتيجة لاخفاقاتها المتوالية، وإنما لكونه يرى السياسة بطبيعتها فعلا قبيحا ومجرد "عمالة" للخارج مالم تخدم فكرته عن الدولة، أي تخدم تصوره لها كإرث تاريخي، والمهم في الأمر أنه يفعل كل ذلك متسلحا بالقوة القهرية وبأمشاج من الوعي السلالي والطائفي يجعل ميله للاندماج الاجتماعي ضعيفا ومرهونا باعتراف المجتمع الكلي له بتفوق من نوع خاص. و الجماعة التي تمثل هذا المجتمع العميق القادم من رحم معاناة اجتماعية حقيقية سببها غياب الدولة ثم حروب السلطة السبعة ضده ترهن انخراطها في العملية السياسية -على غرار مجتمعها- بحصولها على مكانة خاصة واعتراف الجميع لها بذلك، إذ أن الحصول على مثل تلك المكانة هو ما يبرر تعاطيها بالسياسة التي ليست في التحليل الأخير سوى وسيلة لخدمة القوة المادية وتعبيد الطريق أمامها، ومن هنا فقط تأخذ السياسة شرعيتها بنظر الجماعة ومجتمعها العميق.

مستقبل العملية السياسية بين الترويض والتقويض

يتراوح مستقبل العملية السياسية في اليمن على ضوء التغيرات التي فرضتها الجماعة الحوثية منذ 21 سبتمبر الماضي بين ثلاثة احتمالات هي:

 احتمال الترويض: أي فرض الإملاءات على العملية السياسية وإعادة تشكيلها في الاتجاه الحوثي المرغوب، لتصبح نشاطا مصاحبا لفعل السيطرة على الأرض، في هذا الصدد يسعى الحوثيون إلى ابقاء هيكل العملية السياسية قائما مع تحوير طبيعتها من عملية تهدف إلى انتاج حلول سياسية توافقية ومتوازنة لتأمين العبور من المرحلة الانتقالية إلى المرحلة الدائمة وفق مرجعيات الحوار الوطني، إلى عملية تنجز مهام التكيف مع واقع القوة الجديد الذي فرضته الجماعة، ويبدو أن الرهان الأساسي للجماعة الحوثية وفقا لمبدأ السياسة في خدمة القوة الذي تنتهجه يرتكز  أولا على تفكيك موقف الرفض الاجتماعي الواسع من خلال تطويع العملية السياسية لمعطيات القوة، وتحويل السياسة إلى أداة اختراق للموقف الاجتماعي وإضعافه.

في هذا الإطار من غير المرجح أن يعمد الحوثيون إلى التقويض الكامل للعملية السياسية على الأقل قبل تأمين وصولهم إلى مصادر الثروة النفطية أو جزء منها، واستكمال السيطرة على الجيش، أما الأهداف التي يسعون بدأب إلى تحقيقها من خلال الاستمرارية الشكلية للعملية السياسية وما قد تفضي إليه من اتفاقات بالتوازي – بطبيعة الحال- مع استمرار تحركاتهم العسكرية المحدودة على الأرض فتتمثل في:

  • تأمين غطاء لاستكمال السيطرة على الجيش وتغيير قيادات عسكرية لا سيما في المناطق الواقعة خارج السيطرة الفعلية للجماعة الحوثية.
  • اتخاذ إجراءات تتعلق بتغيير محافظي بعض المحافظات، مع إمكانية حل بعض المجالس المحلية.
  • القضاء على فكرة الدولة الإتحادية ومقايضتها بالحكم المحلي و"الامتيازات الخاصة" لمناطق الثروة.
  • تشتيت الموقف الإقليمي والدولي وامتصاص الضغوط الحاصلة والمحتملة.
  • إرباك حركة "الأقاليم" والمحافظات وإحباط أي إجراءات يمكنها القيام بها على صعيد الرفض العملي للسيطرة الحوثية، فطالما أن ثمة عملية سياسية وحوار مستمر ومفتوح فإن الأنظار والمواقف النهائية في الأقاليم تظل معلقة في انتظار ما يمكن أن يسفر عنه الحوار من نتائج.

في سبيل تحقيق تلك الأهداف الآنية وتمريرها يمكن للجماعة الحوثية التراجع عن بعض ماورد في إعلانها السياسي، عبر مخرج سياسي آخر يتم تحت غطاء العملية السياسية أو بصيغة إعلان "دستوري" آخر، وفي هذا الإطار تعد نتائج التحركات العسكرية المحدودة للحوثيين من حيث نجاحها أو فشلها في تحقيق مكاسب ملموسة لمصلحتهم على الأرض محددا جوهريا في طريقة تعاطيهم مع العملية السياسية سلبا أو إيجابا.

احتمال تعميق التحالف المرحلي مع الرئيس السابق صالح: في حال استمرار اعتراض أطراف أساسية في العملية السياسية لإعلان الجماعة الحوثية السياسي، أو تداول عناصر تسوية لا تحافظ على مكاسب القوة التي حققتها الجماعة، أو تتناقض بصورة جذرية مع ما ورد في إعلانها أن تعمد الجماعة إلى تعميق تحالفاتها مع طرف أساسي في العملية السياسية هو المؤتمر الشعبي العام جناح الرئيس السابق صالح، بحيث تضمن مشاركة القوات التابعة للرئيس السابق في السيطرة على مناطق بعينها، وتخفيف الضغط الإقليمي عنها، في مقابل الالتزام بدور معين للبرلمان بتكوينه الحالي، وتقصير الفترة الانتقالية الواردة في الإعلان الذي أصدرته الجماعة، وتقديم ضمانات بإجراء الانتخابات النيابية والرئاسية كما ورد في الإعلان وغير ذلك. وفي المجمل يظل تحالف الجماعة الحوثية مع هذا الطرف أساسيا في المرحلة القريبة المقبلة، لكن تطوره إلى تحالف ثنائي سياسي لإدارة المرحلة، واستكمال السيطرة، وتقاسم المكاسب رهن بتقييم الجماعة لموقفها العسكري من حيث الضعف والقوة، ومدى قدرتها على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية منفردة.

وإذا كان من غير الواضح بعد كل التغيرات التي حدثت على الصعيدين العسكري والسياسي تقدير القوة الحقيقية (العسكرية والسياسية) للرئيس السابق صالح، فإن افتراض بقائها على حالها يبدو بعيدا عن الصواب، إذ من المرجح أن تسرّبا لبعض عناصر القوة من بين يدي صالح قد حدث خلال الفترة الماضية، وهو ما جعل بمقدور الجماعة الحوثية الذهاب إلى خيار ما أطلقت عليه "الإعلان الدستوري" دون أخذها في الاعتبار مسار العودة للبرلمان الذي يحبذه صالح، والذي يكفل له تنصيب رئيس البرلمان المنتمي للمؤتمر الشعبي العام في حال قبول استقالة الرئيس هادي، ثم التوجه بعد ستين يوما صوب انتخابات رئاسية، وتجاوز الجماعة الحوثية لهذا المسار يشير إلى أن ثمة تراجعا في قدرة الرئيس السابق على التأثير على المشهد السياسي بالصورة المتوقعة، وأنه ربما خسر ولاء بعضا من قياداته العسكرية لمصلحة الجماعة الحوثية، خاصة بعد أن حرمه التغلغل الحوثي في الوسط القبلي المحيط بالعاصمة صنعاء من الخزان القبلي الذي اعتمدت عليه سلطته حتى العام 2011. وعلى الرغم من استمرار صالح في بيع المزيد من الوهم لأنصاره بحتمية العودة إلى السلطة عبر نجله، فإن النزف المتواصل لقوته قد يجعل الجماعة الحوثية مطمئنة إلى خيار تعزيز التحالف السياسي معه خلال الفترة المقبلة كأداة مرحلية لاستكمال السيطرة.

احتمال التقويض: قد يتسبب استمرار اخفاق العملية السياسية في انتاج حلول جدية وقابلة للتنفيذ للأزمة السياسية في تقويض تلك العملية بفعل تجاوز الأحداث لها وانفجار مواجهات عسكرية في أكثر من منطقة يمنية وربما في العاصمة صنعاء نفسها إذا ما قرر الرئيس السابق خوض مواجهة مباشرة مع الجماعة الحوثية، كما قد يجري تقويض العملية السياسية بإجراءات مباشرة تتخذها الجماعة الحوثية كممارسة "الحظر أو الحل الانتقائي" لبعض القوى السياسية التي تبدي ممانعة في الاستجابة لخيار السيطرة بالقوة، أو لا تتماشى بصورة مرضية مع خياراتها. إن خيار حل بعض الأحزاب السياسية أو استهدافها بصورة مباشرة يمس دون شك جوهر العملية السياسية ناهيك عن تكلفته الباهضة سياسيا واجتماعيا، وقد يدفع المشهد نحو انفجار حتمي من الصعب تقدير اتجاهاته أو الصورة التي سيتخذها.

والحال أن إغلاق العديد من الدول سفاراتها أو إيقاف العمل بها يعد مؤشرا أساسيا في هذا السياق، فالدول  الغربية كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا التي اتخذت قرارا بإغلاق سفاراتها هي أهم الدول الراعية للتسوية السياسية، وإقدامها على مثل تلك الإجراءات هو بمثابة إعلان فشل العملية السياسية، وإفساحٌ للمجال أمام ممارسة المزيد من الضغوط على أطراف العملية السياسية  وربما دفعها نحو جولة من الصراع تتغيير معها بعض موازين القوة الداخلية قبل أن تحاول تلك الدول إعادة إحياء العملية السياسية بناء على معطيات جديدة. وفي الحقيقية، إن تخلي تلك الدول – عمليا- عن رعاية العملية السياسية أمر غير مأمون العواقب ويقود إلى صراعات تصعب السيطرة عليها لاسيما في ضوء الانهيار الاقتصادي المتوقع في تلك الحالة. أما دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية الراعية للمبادرة الخليجية فإن صعوبات أكبر تواجهها في التعاطي مع التطورات الأخيرة ويبدو أنها مازالت تدعم استمرار العملية السياسية بصورتها الراهنة مع التحرك في الوقت ذاته لتشكيل موقف دولي ضاغط عبر مجلس الأمن، ولعل العودة السريعة للمبعوث الأممي من السعودية إلى اليمن بعد مغادرتها عقب اتخاذ الحوثيين خطوة الإعلان "الدستوري" بساعات ثم زيارة الأمين العام للأمم المتحدة للسعودية مؤشراً  على دعم دول الخليج والمملكة العربية السعودية استمرار العملية السياسية والخروج بتسوية. ويعد  قرار مجلس الأمن 2201 انجازا خليجيا في المقام الأول، ومع كون القرار لا يؤثر في المسار العملي للأحداث بالنظر  إلى تجربة قرارات سابقة لمجلس الأمن فإنه يلبي إلى حد كبير مخاوف دول الخليج ويمنحها غطاءً لممارسة الضغط في المشهد السياسي اليمني. وإلى حد كبير  تعتمد فاعلية هذا القرار على طريقة توظيفه من قبل دول الخليج العربي وطبيعة تحركاتها على المستوى الدولي بعد انقضاء المهلة التي منحها القرار  لتراجع الحوثيين عن الإجراءات التي اتخذوها مؤخرا. في المجمل، إن استمرار العجز عن التوصل إلى تسوية سياسية واندفاع الجماعة الحوثية عسكريا نحو أهداف جديدة سيدفع المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج إلى التورط على نحو متزايد في أي صراع محتمل في اليمن.

وبعامة يمكننا القول إن الاحتمالات الثلاثة الممكنة لمسار العملية السياسية ومصيرها بعد الاستيلاء الحوثي على السلطة تبدو متدرجة ويفضي بعضها إلى بعض، إذ تتدرج في متصل يبدأ باحتمال ترويض العملية السياسية، وقد ينتهي باحتمال التقويض الكامل للعملية السياسية، على أنه خلال المدة القريبة المقبلة يبدو احتمال تعميق التحالف المؤقت بين الجماعة الحوثية والرئيس السابق صالح بالصورة التي سبق الحديث عنها هو الراجح، ذلك أن الجماعة غير قادرة على التقدم إلى الأمام واستكمال أهداف السيطرة دون وجود ظهير قوي يتحالف معها، خاصة بتزايد الضغط الخارجي والرفض الداخلي لها.

 

مأزق العملية السياسية ومتطلبات تجاوزه

محور السياسة في اليمن ليس السلطة الانتقالية ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي، وإنما "العملية السياسية التوافقية" وهذا هو الترسيم الذي وضعته المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية للوضع الانتقالي في اليمن، فالسلطة الانتقالية هي من حيث المبدأ أداة تنفيذ التوافقات الناجمة عن العملية السياسية، ونظرا لهذه الطبيعة الخاصة للنظام الانتقالي فإن كل شيء فيه يبدو مرتبطا بالعملية السياسية وما يمارس من خلالها من مشاورات أو إكراهات. وبالمثل فإن حجر الزاوية في تيسير الانتقال السياسي هي المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني وليس الدستور اليمني، ومع ذلك فإن أيٍ من المبادرة الخليجية أو مخرجات الحوار الوطني لم يتضمنا إلغاء الدستور أو تجميد العمل به لإيجاد مرجعية موحدة للوضع الانتقالي، فضلت العملية السياسية مستندة إلى مزيج من المرجعيات المتضاربة (الدستور، المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني، واتفاق السلم والشراكة الذي فرضه الحوثيون لاحقا) وكانت تلك نقطعة ضعف أساسية في العملية السياسية.

لقد ظهرت نقطة الضعف تلك بصورة جلية في تعاطي أطراف العملية السياسية المرتبك مع إصدار الجماعة الحوثية إعلانها السياسي في 6 نوفمبر2015، ففي حين أعتبر التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري البيان "إنقلابا مكتمل الأركان على الشرعية الدستورية والتوافقية الناجمة عن ثورة 11 فبراير 2011" والغاءً لمبدأ الحوار بين القوى السياسية، اعتبره التجمع اليمني للإصلاح "انقلابا على الحوارات" وخطوة أحادية وانفرادية ضد التوافق الوطني دون إشارة للشرعية الدستورية أو السياسية التي تحيل في بيان التنظيم الناصري إلى شرعية الرئيس هادي، أما الحزب الاشتراكي اليمني فاعتبر الإعلان و"كأنه إلغاء للعملية السياسية القائمة في البلاد، الناشئة بفعل التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة، وإنقلابا على شرعية التوافق الوطني بما تستند إليه من مرجعيات وطنية متمثلة في مخرجات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة"، وعلى خلاف ذلك رأى المؤتمر في الإعلان "تعديا على الشرعية الدستورية، ومخالفا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني المتوافق عليها، واتفاق السلم والشراكة الوطنية)، مع الإشارة إلى أن مصطلح الشرعية الدستورية يشير في بيان المؤتمر إلى دستور الجمهورية اليمنية "النافذ والمستفتى عليه".

وعلى الرغم من وجود قواسم مشتركة بين أطراف العملية السياسية فيما يتعلق برفض الإعلان لمخالفته مبدأ الحوار والتوافق، فإن التباين الكائن في المرجعيات الحاكمة للعملية السياسية  يظهر بوضوح، وعلى سبيل المثال فإن المؤتمر الشعبي العام لم تكن لتظهر لديه مشكلة كبيرة لو أن الإعلان اعتمد فكرة العودة إلى البرلمان حتى دون التوافق مع بقية الأطراف السياسية، لأنه يرى في المسار البرلماني خيارا دستوريا لا يُشترط التوافق للقبول به. وبالمثل يمكن القول إن الحزب الاشتراكي اليمني بات يعلي مرجعية اتفاق السلم والشراكة على ما عداها لكون ذلك الاتفاق أوقف تطور العملية السياسية باتجاه فكرة الدولة الإتحادية متعددة الأقاليم، وإذا افترضنا جدلا أن الإعلان الحوثي تضمن فكرة الدولة الإتحادية بإقليمين شمالي وجنوبي لكان راجحا تغير موقف الحزب الاشتراكي منه بصورة ملحوظة. في المجمل يضع تضارب المرجعيات والتعامل الانتقائي معها عقبات كبيرة أمام العملية السياسية، ويعزز من فقد الثقة بين أطرافها، وصبغها بطابع برجماتي تبحث تحته الأطراف عما يحقق مصالحها وعما يدّعم رؤاها السياسية بصرف النظر عن الرؤى والمصالح الخاصة بالأطراف الأخرى وهذا ما يجعل من العملية السياسية عملية "تفاوض" وليس "حوارا" وطنيا.

من جهة ثانية، لم تعد العملية السياسية بعد الاستيلاء الحوثي على مركز الدولة في صنعاء وعدد من المحافظات تدور حول حل "أزمة" سياسية، أو تأمين انتقال سلمي للسلطة أو ملء فراغ دستوري نجم عن استقالة الرئيس هادي، وإنما باتت المسألة تتعلق بحفظ الكيان الوطني واستعادة مركز الدولة ووضع اليمن على مسار تصحيح الخلل الذي أصاب الدولة بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة، والخلل الأعمق الذي يوشك أن يصيب المجتمع في وحدته ونسيجه الوطني، وتلك مهمة تفوق إمكانات العملية السياسية بأطرافها وآليات اشتغالها، وتتطلب انفتاحا أوسع على حركة المجتمع والإصغاء لروءاه ومخاوفه وطموحاته واستيعاب ما تفرزه حركته الذاتية للدفاع عن نفسه ووطنه ضد السيطرة الحوثية من قوى وحقائق على الأرض.

في الأخير يمكننا القول إن انقاذ ما تبقى من العملية السياسية يتطلب بناء موقف سياسي بين الأطراف الرافضة للإنقلاب الحوثي قائم على التمسك بشرعية الرئيس هادي الذي أجبر على الاستقالة، وكذلك شرعية البرلمان القائم، دون ضرب أي من الشرعيتين بالأخرى أو إلغائها لحساب الأخرى، باعتبارهما معا تمثلان ما تبقى من "رمزية" الدولة ومؤسساتها، وذلك بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياسات الرئيس هادي ومع التوجهات الحزبية التي تظهر على التكوين البرلماني الحالي. مع الإصرار في الوقت نفسه على إكمال مهام المرحلة الانتقالية من نقطة مسودة الدستور المقترح وطرحه للاستفتاء  الشعبي لتقول الجماهير اليمنية كلمتها فيه قبولا أو رفضا. وإن إهدار تلك الشرعية المتلازمة للرئيس هادي وللبرلمان، وتجاوز حق المجتمع في إبداء رأيه بالدستور الذي انتظره أكثر من ثلاث سنوات وبات يمثل خلاصة الحوار الوطني وثمرته السياسية، سيحول العملية السياسية إلى فعل "شرعنة" للانقلاب الحوثي، وسيدفع بالمجتمع إلى تجاوزها وتطوير أدوات غير سلمية لكبح تمدد السيطرة الحوثية التي بدأت بتعطيل المسار الطبيعي للانتقال السياسي.

إن التعامل مع منطق القوة هو في عدم تمكين القوة من تطويع موقف الرفض الاجتماعي والسياسي، وجعلها تكتشف حدودها في واقع مصِّر على رفضها. وبتحصين الموقف السياسي الرافض لشرعنة القوة والتمسك به يظل المجتمع مشدودا إلى السياسة وموثوقا برباطها، أما التفريط في موقف الرفض السياسية لهيمنة القوة فيمثل بتقديرنا دعوة للمجتمع إما للاستسلام للقوة الجامحة أو للفوضى ومواجهة القوة بالقوة، ناهيك عن كونه مقدم لأزمات جديدة متكاثرة.


مراجع:
 

[1] انظر كأهم نموذج لهذا الخطاب: د ياسين سعيد نعمان، إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة، 7 فبراير 2012، موقع مأرب برس الإلكتروني على الرابط: http://www.marebpress.net/articles.php?lng=arabic&id=13646

[2] وثيقة الحوار الوطني الشامل، صنعاء، 2014، ص13. 



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق