الإرهاب في اليمن.. من القاعدة إلى داعش

2017-08-17 | منذ 1 سنة    قراءة: 178

توحش الارهاب في اليمن.. الحرب الهشة على القاعدة (1) PDF

الملخص التنفيــــذي

تتبع هذه الورقة الإرهاب في اليمن بدء من ظهور التيار الجهادي المسمي بأفغان العرب ومرورا بنشوء تنظيم القاعدة واندماج تنظيميها في اليمن والسعودية لتشكيل تنظيم قاعدة جزيرة العرب حتلى ظهور النسخة الدموية منها تحت مسمى الدولة الاسلامية في العراق والشام ( داعش) .

وتشير الورقة إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الأكثر ديناميكية الذي جاء كنتيجة لتلاقح الأفكار والإمكانيات وامتلك وسائل التدريب ولديه المرونة اتجاه الحاضنة الشعبية متجاوزاً أخطاءً عديدة وقع فيها فروع لتنظيم القاعدة في بلدان عِدة في العراق وسوريا.

كما تطرقت الورقة إلى نشوء تنظيم الدولة (داعش) الذي لم يجد بيئة حاضنة له في اليمن، لاعتماده على منهجية الفرز الطائفي واستخدام اسلوب الرُعب في مواجهة الخصوم وهو مالم تساعده البيئة الاجتماعية في اليمن كون هذا النوع من العنف الدموي والفرز الطائفي غير مقبول لدى شريحة واسعة من اليمنيين، ما جعل هذا التنظيم مرفوضاً ومستنكراً حتى من داخل تنظيم القاعدة نفسه.

 

مقــــــدمة

عندما انهار الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن الماضي عاد معظم «المجاهدين» العرب إلى بلدانهم لكن استقبلتهم حكوماتهم بأجهزة الأمن والمخابرات وتم إيداع الكثير منهم الزنازين والسجون، وتمت مطاردتهم واختطافهم واعتقالهم بدون تهم سوى انهم ( الأفغان العرب) الذين غادروا بلدانهم بتشجيع دولهم لقتال عدو أمريكا آنذاك الاتحاد السوفيتي.

في اليمن وخلال حكم الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح؛ كما هو الأمر ذاته في المملكة العربية السعودية تم استقبال العائدين من أفغانستان في جو من الاحترازات الأمنية، لكن لم تشتد إلا بعد أحداث 11سبتمبر/أيلول التي استهدفت مبنى التجارة العالمي 2001م.

في هذه الدراسة تم تقسيم نشأة تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب إلى مراحل أهمها ( قبل الاندماج) بين عامي 1997م-2009 وأيضا بعد الاندماج بعد 2009، إضافة إلى مرحلة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بعد ثورات الربيع العربي 2011م.

 

أولاً: مرحلــة ما قبـــــل الاندماج (من التسعينات وحتى   عام 2009م)

 

أ. في السعودية (تنظيم القاعدة في بلاد الحرمين):

بدأ التخطيط للتنظيم باكراً مع بدء الهجمة على (الأفغان العرب) في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، وأعلن عن نفسه في نهاية التسعينات، لكنه لم يبدأ عملياته إلا في عام 2003م، بعد أن تمكن من تأسيس معسكرات تدريبية لاستيعاب المنضمين إليه، لكن الضربات الأمنية التي كان يقودها ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف كانت كفيلة بإنهائه خلال ست سنوات، وانتقال أغلب قياداته وعناصره إلى اليمن التي كانت تعاني تدهوراً أمنياً مستمراً ومنفلتاً إلى حد كبير مع خروج مناطق عن سيطرة الدولة المركزية.

كان لافتاً وجود عمليات عسكرية قبل إعلان تنظيم القاعدة السعودي لنفسه، كهجوم بسيارة مفخخة استهدف إدارة الحرس الوطني أدى إلى مقتل ستة أشخاص بينهم خمسة أمريكيين في فبراير/ شباط 1995م؛ كما شن هجوما عنيفا بشاحنة مفخخة على قاعدة عسكرية أميركية بالخبر خلف 19 قتيلا وحوالي 500 جريح في يونيو/حزيران 1996. وهاجم مسلحون مقر القنصلية الأميركية بمدينة جدة وقتلوا خمسة من عمال القنصلية ([1]).

وقد أسند مؤسس التنظيم الجهادي العالمي أسامة بن لادن ([2]) مهمة تأسيس التنظيم في السعودية إلى يوسف العييري الملقب بـ»البتار»، وذلك بعد خروجه من السجن عام 1998، وقد تشكلت خلايا التنظيم في بدايتها من فئتين ([3]):

الأولى: من الذين سبق لهم التدريب في معسكرات أفغانستان وشاركوا في القتال.

الثانية: من الذين لم يحملوا السلاح بعد، ولم يتمكنوا من زيارة أفغانستان مطلقاً.

وتفرغ قادة المجموعات الجهادية للفئة الثانية بشكل أكبر؛ لتدريبهم عسكرياً، فكانت مواقع التدريب محددة ببطون الأودية والأماكن البرية خارج نطاق العمران.

وانقسم التنظيم إلى عدة لجان تشمل: لجنة شرعية، لجنة إعلامية، لجنة مالية، لجنة عسكرية وهي المسؤولة عن تقسيم عناصر التنظيم إلى سرايا وكتائب، وشارك مجموعة واسعة من هؤلاء الجهاديين في الأراضي العراقية ضد القوات الأمريكيَّة بعد عام 2003م.

ويبدو أن تنظيم القاعدة في السعودية قد اتخذ مبدءً جهادياً «وحدوياً» ينادي بوحدة الأمة من أجل «مواجهة التطرف الأمريكي واعتداءات الولايات المتحدة على العالم الإسلامي»-حسب ما يعلن في ادبياته ووسائل إعلامه. وكان هذا المبدأ قد دفع بآلاف المقاتلين السعوديين للذهاب للقتال إلى بلدان في آسيا وأوربا في الثمانينات وحتى منتصف التسعينات مثل الشيشان وأفغانستان والبوسنة، وهو ما أنعكس سلبا مع عودة بعضهم إلى بلدانهم الأصلية، فمثلا حصل في السعودية مواجهات ما تسمى «انتفاضة بُرَيدة» ([4]) في خريف1994م واستمرت حتى منتصف 1995م وتم اعتقال قرابة 110 من أعضاء تنظيم يطلق على نفسه حركة الاصلاح وهو معارض للنظام السعودي وقادته يتواجدون في العاصمة البريطانية لندن .

مثلت هذه الانتفاضة منحنى مهماً في تاريخ «الجهاديين» في السعودية، حيث أصبح أتباع انتفاضة بريدة يرون أن التغيير بالطرق السلمية أمراً عبثياً وأن التغيير بالقوة في البلاد الإسلامية أصبح واجباً ([5])وهو ما استفادت منه التنظيمات الجهادية ومنه قاعدة بلاد الحرمين، إذ أن موجة العنف التي تلت أحداث «بُرَيدة» اتبعها استهداف لمسؤولين حكوميين ومؤسسات ذات طابع مدني، كما أن الحملة التي أطلقها التنظيم بعد عام 2003م كانت تستهدف مقراتٍ أمنية وتابعة للجيش السعودي أو مقرات  للقوات الأمريكيَّة في المملكة إلى جانب بعض الأعمال التي تستهدف مدنيين. ونشر التنظيم كماً مدهشاً من الوثائق بين عامي (2003-2004م) مما جعل قاعدة السعودية توصف بأنها من أكثر الجماعات العنيفة التي وثقت أنشطتها ([6]).

ونتيجة لما سمي (جهاد العراق) وقتال القوات الأمريكيَّة وانشطار الحركة المحلية، وإضعافها من خلال الحملة العسكرية السعودية لمكافحة الارهاب وصل تنظيم القاعدة في الحرمين إلى نهاياته بسرعة قبل أن يعاود الجهاديون الكلاسيكيون السعوديون الانتعاش باعلان اندماج تنظيمهم مع تنظيم القاعدة في اليمن في 2009م تحت مسمى (قاعدة جزيرة العرب).

 

ب. تنظيم القاعدة في اليمن

قبل اعلان أسامة بن لادن تأسيس تنظيم القاعدة تحت ما يعرف (الجبهة العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين) في نوفمبر 1998، شهدت اليمن عمليا تأسيس أول جماعة جهادية منظمة في منتصف عام 1997م بقيادة أبو حسن المحضار ([7]) تحت مسمى (جيش عدن أبين الإسلامي) الذي أعلن فيما بعد اعترافه بقيادة القاعدة، ونفذ عملية اختطاف 16 سائحا غربيا في 28 ديسمبر 1998م قُتل أربعة منهم خلال تحريرهم من الأجهزة الأمنية، وبعد مقتل هذا القيادي تولى قيادة التنظيم خالد عبد النبي الذي كان له دور في حصول حوار وتفاهمات مع النظام في 2003. 

من الملفت أن الجهاديين وبعد انتهاء حرب أفغانستان كانوا قد انخرطوا في أعمال عنف في اليمن مبكرا فقد شهدت مدينة عدن في 1992م هجمات ضد فنادق ومواقع سياحية يتواجد فيها عسكريون أمريكيون من العاملين في الصومال.

لكن كانت أبرز عملية لتنظيم القاعدة فعليا هي عملية استهداف المدمرة الأمريكية «يو اس اس كول»  في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000م بميناء عدن وقتل وجرح خلالها 47 بحارا أمريكيا، وتكرر الأمر مرة أخرى في هجوم مماثل وقع في 6 أكتوبر 2002م على ناقلة النفط الفرنسية «ليمبورغ» في ميناء الضبة بمحافظة حضرموت.

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي استهدفت برجي التجارة العالمي في نيويورك قتلت طائرة أمريكية بدون طيار عام 2002م الرجل الأول في تنظيم القاعدة أبو علي الحارثي ([8]).

بعد بدء الحوار الفكري بين الحكومة اليمنية والقاعدة في 2003 خفتت هجمات التنظيم، ثم عادت بعد حادثة استهداف منشئات نفطية بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2006م ([9]) ولعل أبرز العمليات أيضا الهجوم على السفارة الأمريكية في صنعاء (2008م).

وفي يناير/ كانون الثاني 2009 أعلن فرعا تنظيم القاعدة في اليمن والسعودية الاندماج تحت مسمى (تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب) واختيار اليمن مقرا لقيادته، وكانت أخطر عملياته في (أغسطس/آب 2009) ([10]) هي محاولة استهداف الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز مسؤول ملف الإرهاب في الداخلية السعودية وقتها ( ولي العهد السابق).

 

ثانيــــاً: مرحلة ما بعد الاندماج ( 2009- حتى الآن)

مثل استهداف محمد بن نايف عنواناً آخر لتنظيم القاعدة بتنظيمه الجديد إذ أن توحد جهود التنظيميين ساعد في تنمية قوته -أضعافاً- ومثلت اليمن بأبعادها-الجغرافية ونظام الحكم الهش بيئة خصبة لتواجد التنظيم الوليد.

 فبعد محاولة الشاب النيجيري عمر عبد المطلب نسف طائرة ركاب أميركية أثناء رحلة إلى ديترويت في 17 ديسمبر/كانون الأول 2009م واتهام قاعدة جزيرة العرب بالوقوف وراءها، نفذت واشنطن في 25 ديسمبر/كانون الأول 2009م عملية عسكرية أودت بأكثر من 50 مدنيا وصفتها منظمة العفو الدولية وقتها  بمجزرة ( المعجلة).

تطورت تكتيكات تنظيم القاعدة أكثر ووصلت خطورته إلى محاولة اغتيال السفير البريطاني بصنعاء (تيم تورلت) في 26 ابريل/ نيسان 2010م، ومحاولة ارسال متفجرات من خلال طابعة عام 2010م إلى جمعيتين أمريكيتين لكن تم توقيفها في مطار دبي.

أنور العولقي ([11]) الذي خرج من سجن الأمن السياسي( المخابرات اليمنية) بعد رحلة طويلة من الملاحقات بدأت بطرده من أمريكا وتوقيفه في بريطانيا وصولا إلى اعتقاله في اليمن اتهم بأنه العقل المدبر لهذه العمليات ما دفع بواشنطن إلى قتله في سبتمبر/أيلول 2011م.

شهد عام الثورة الشبابية السلمية في 2011م كثيرا من المستجدات بشأن القاعدة التي استغلت ضعف الدولة وتراخيها وتلاعب النظام السابق في السيطرة على مناطق شاسعة واعلان ما يعرف بـ(أنصار الشريعة) لتأسيس إمارة اسلامية في زنجبار بمحافظة أبين الجنوبية، وإمارة أخرى في عزان بشبوة وحضور في حضرموت والبيضاء. وصُنفت «أنصار الشريعة» - كأحد فروع التنظيم في المحافظات الجنوبية ([12])وأعلن مسؤوليته عن مجموعة من العمليات العسكرية.

ففي مقابلة في أبريل/أبريل 2011، دعا قائد يدعى عادل العباب مجموعته من المجاهدين إلى القتال من أجل إقامة الشريعة (القانون الإسلامي) في اليمن. فضل العباب اسم «أنصار الشريعة» في المواجهات مع السكان المحليين، ولكنه اعترف بأنه يشعر بأنه جزء من القاعدة. وقال بانه جزء من إعادة صياغة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة. ومنذ ذلك الحين أصبحت تظهر في المحافظات الجنوبية ومنها أبين وشبوة في2011واعلنت “امارتها وقار (تم تغيير الاسم من جعار)  ولم تنسحب منها إلا بعد هجوم مضاد شنته الحكومة اليمنية واللجان الشعبية المدعومة جوا من قبل سلاح الطيران الأميركي منتصف 2012.

 ادّعى العباب بأن مجموعته كانت متحالفة مع حركة طالبان الأفغانية وحركة الشباب الصومالية ([13]). وأعلن عن مقتله بغارة أمريكية في أغسطس/آب 2012م ([14])

ورغم أن الفرصة كانت مواتية للجهاديين في السيطرة على محافظات أكثر خلال غياب الدولة في 2011م إلا أن حركة التغيير السلمي أفقدتهم الحماس وافقدتهم الحاضن الشعبي ما حدى بالكثير منهم إلى ترك السلاح مؤملين في نتائج الثورة السلمية، بعكس الحركة الحوثية المسلحة التي مضت في الطريقين طريق فرض واقع بقوة العنف والسلاح وطريق المشاركة في التظاهرات السلمية.

تمكنت السلطات اليمنية في 2012 من الحاق الهزيمة بمقاتلي القاعدة في أبين وشبوة، وشن الجيش اليمني في 2013 عمليات ضد القاعدة في حضرموت والبيضاء، لكن التنظيم انتقم في صنعاء باستهداف مستشفى وزارة الدفاع مطلع ديسمبر/كانون الأول 2013م وقتل أكثر من 50 شخصا.

عاد التنظيم للظهور بشكل اكثر قوة بعد سيطرة الميلشيات الانقلابية من قوات صالح والحوثي على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014م، وتمددها إلى المحافظات الجنوبية مطلع 2015م، وشكل ذلك إلى جانب الإدارة السيئة للجان الشعبية التي طردت القاعدة من جعار وزنجبار عامل رئيسي في كسب القاعدة لحاضنة شعبية.

عادت القاعدة إلى الواجهة دوليا بعد تبنيها الهجوم على صحيفة شارلي ايبدو الفرنسية في يناير/كانون الثاني2015 ([15]) ، لكن ما ميز عام 2016 تدخل قوات التحالف العربي ([16]) في ملف مكافحة الإرهاب في اليمن وتحرير مناطق في أبين وحضرموت من سيطرة أنصار الشريعة المحسوبة على تنظيم القاعدة.

وبعد وصول دونالد ترامب إلى الحكم في أمريكا أعطى توجيهات ببدء عمليات عسكرية ضد القاعدة في اليمن، دشنت بعملية إنزال في منطقة يكلا برداع في محافظة البيضاء يناير 2017 ([17]).

أهمية اليمن بالنسبة لتنظيم القاعدة

   وضعت القاعدة رؤية لأهمية تواجد قوي ومكثف للتنظيم في اليمن، لا سيما بعد الضربات التي وجهتها السلطات الأمنية في السعودية، والتي دفعت أعضاء القاعدة في المملكة للتحرك نحو اليمن، كالآتي ([18]):

•  يمثّل اليمن بيئةً تتقاطع فيها الجغرافيا والدّيموغرافيا في خلق بؤر تمرّدٍ ذات إمكانيّة بقاءٍ عالية.

• حالة عدم الاستقرار التي يعيشها اليمن قبل انتهاء حكم الرئيس المخلوع وبعده، وعلى الرّغم من رفض كلّ فصائل الحراك الجنوبي العرْضَ الذي قدّمه ناصر الوحيشي للتّحالف بين القاعدة والحراك الجنوبي ([19]) من خلال تسجيل صوتي بثه في 13 أيار/مايو 2009 ([20])؛ فإنّ النّزاع بين الحراك الجنوبي والحكومة المركزيّة قد وفّر بيئةً ملائمةً لتوسّع القاعدة في المحافظات الجنوبيّة.

• يقع اليمن في منطقة بؤرية محورية، تحمل تهديدًا خطيرًا لأمن القوى الإقليمية والدّوليّة.

• القدرة على التمدد الأفقي عبر توظيف العامل القبلي في اليمن والسعودية؛ أمر من شأنه أن يرفد القاعدة بالمزيد من الأنصار، وأن يوسع قاعدة طالبي الاستشهاد.

• يستند التنظيم إلى حديث شريف يراه البعض ضعيف السند ذكر فيه أبين عدن  ([21]) ولذلك يرون أهمية وقدسية لوجود التنظيم في تلك البقعة من الأرض.

• الاندماج بين فرعي التنظيم في كل من المملكة العربية السعودية، واليمن هو طريق نحو القضاء على الفرقة، وتحقيق الوحدة بين أقطار البلاد الإسلامية حسب ما تراه القاعدة.

• إفشال المصالح الدينية والسياسية والاقتصادية، فدينيًا ترى القاعدة أن الحكومات المسيطرة في كل من اليمن والسعودية تعمل على طمس الهوية الإسلامية، واقتصاديًا ترى أن تلك الحكومات تسعى ومن ورائهم الولايات المتحدة على الاستيلاء على موارد المنطقة صاحبة الاحتياطي الأكبر للنفط على مستوى العلم، وسياسيًا يعادي التنظيم الحكومات العربية كونها مجرد «سماسرة» يعملون على تنفيذ سياسات الولايات المتحدة في المنطقة.

يعزو مراقبون عدم ظهور ملامح «داعش»  كتنظيم قاعدة في اليمن لسببين رئيسيين.. أولا: عدم  وجود حاضنة مجتمعية لأفكاره العنيفة في الوسط القبلي، وثانيا: دخوله في صراع مباشر مع تنظيم القاعدة.


ثالثــاً: تنظيــم الدولة الإسلاميــــة في العرا ق والشــــام     ( داعش)

داعش هو اسم مختصر لتنظيم يسمي نفسه (دولة العراق والشام الاسلامية) وقد تبنى استراتيجية أكثر عنفا من تنظيم القاعدة، لكن عمليا يعد أحد وجوه تنظيم القاعدة الأكثر سوداوية.

ذاع صيت هذا التنظيم بعد ثورات الربيع العربي 2011م خاصة بعد سيطرته على مناطق في العراق وسوريا مستغلا حالة الحرب الدائرة هناك بين نظام بشار الأسد ومعارضيه.

في اليمن منذ البداية ظهرت فجوة واضحة بين القاعدة والفرع اليمني لتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ( داعش) أدت إلى نشوب مواجهات بين التنظيمين.

ورغم تأييد القيادي في إعلام قاعدة الجزيرة العربية مأمون حاتم لتنظيم الدولة بعد سقوط صنعاء بيد الانقلابيين إلا أنه تراجع قبل أن يقتل في غارة لطائرة بدون طيار (مايو/أيار2015م).

يلعب تنظيم الدولة على العصبويات الطائفية والمناطقية ويستخدم الهجمات الأكثر وحشية.. وفي محاولاته التوسع والسيطرة فقد دشن عملياته المعلنة بتفجير مسجدي البدر والحشوش بصنعاء في 20 مارس/أذار 2015م .

لم يعرف عن داعش قبل سيطرة الحوثيين وقوات صالح الانقلابية على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014م، وكان أول تسجيل صوتي لأشخاص من منطقة «يافع» بمحافظة لحج جنوبي العاصمة صنعاء يزعمون البيعة للتنظيم في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 اي بعد إسقاط الحوثيين للعاصمة بما يقارب الشهرين.

ورغم الاغتيالات والعمليات الانتحارية المتعددة التي استهدفت مسئولين وعسكريين في عدن، إلا أن تنظيم الدولة ظل غير واضح المعالم غير قادر على الظهور.

ويعتبر عام 2015 هو أزهى أعوام «داعش» في اليمن حيث حاول فيها الازدهار من خلال استغلاله الفراغ الحاصل في المدن المحررة جنوب اليمن.

 فقبل أن تقوم قوات الجيش اليمني وبدعم من التحالف العربي مطاردة أعضاء داعش في عدن ولحج كانت المعلومات تشير إلى امتلاك التنظيم أكثر من 19 دبابة، 10 منها استولوا عليها بعد المعارك مع الحوثيين رغم عدم مشاركتهم فيها، أما التسع الأخرى فقد تم شراءها من مقاتلين تابعين لفصائل في الحراك المسلح حيث بلغ وقتها سعر شراء الدبابة  10 مليون ريال يمني.

لم يعرف من يقود تنظيم الدولة في اليمن إلا أن مصادر محلية أشارت لباحثي )أبعاد للدراسات) أن قائد التنظيم في عدن يدعى (ابومحمد العدني)، لكن ما هو مؤكد أن هناك خبراء أجانب متخصصين في تدريب مجندي داعش على القتل والاغتيالات والتصوير السينمائي لعملياتهم ما جعل هذا التنظيم قبلة للاختراقات. ([22])

حاول القيادي في القاعدة سابقا أبو حمزة الزنجباري ([23]) أن يؤسس قيادة لتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) بدأها بتسجيل فيديو لإعدام 14 جنديا بطريقة تشابه وحشية التنظيم، ومع مطلع عام 2015م حاول جمع 200 من عناصره في معسكر بوادي صرف في حضرموت لإعلان قيادته لداعش بشكل رسمي لكنه دخل في خلافات مع تنظيم القاعدة الذي هاجمه وقتل حوالي 15 من اتباعه، قبل أن تباغتهم قوات حكومية لتعيد السيطرة على هذه المنطقة ويفر الزنجباري بمن تبقى من أتباعه حتى قتل في غارة لطيران الدرونز الأمريكي (بدون طيار) يوم الخميس 4 فبراير 2016م.

ورغم فشل داعش في تأسيس تنظيم له قوي في اليمن منافس إلا أن هناك محاولات كثيرة تجري في البيضاء وعدن وأبين وتعز وحضرموت وشبوة لجماعات وقيادات كانت تنتمي للقاعدة وبعضها محسوب على جماعات جهادية والبعض الآخر على أجهزة أمنية تحاول أن تفرض واقعا عسكريا تحت غطاء داعش لخلط أوراق المناطق المحررة.

 

موقف القاعدة من تنظيم الدولة في اليمن

وجود تنظيم الدولة في اليمن يرجع في بداياته إلى عام 2014 عندما قال أبو بكر البغدادي بأن مقاتلين في اليمن تعهدوا بالبيعة (وهو قسم رسمي للولاء) له. في ذلك الوقت، كان تنظيم الدولة الإسلامية يتسع بسرعة في جميع أنحاء العراق وسوريا وكان في ذروة شعبيته بين السلفيين المتشددين. وابتداء من نوفمبر / تشرين الثاني 2014، انشق عدد من نشطاء القاعدة في شبه الجزيرة العربية إلى تنظيم الدولة في اليمن.

كان ذلك فكرا دخيلاً على تنظيم القاعدة وقواعده بإعلان الانشقاق، ففي نفس الشهر (نوفمبر/تشرين الأول2014م) أعلن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب رفضه لإعلان أبي بكر البغدادي خليفة للمسلمين، حيث أعلن القيادي بالقاعدة حارث النظاري الذي قتل لاحقا  أن تنظيم الدولة إحدى الجماعات المجاهدة، وأن إعلان الخلافة لم يستوف الشروط اللازمة، ومن ثمّ فإن هذا الإعلان لا يبطل شرعية الجماعات الإسلامية الأخرى التي تعمل في الساحة.  وبدا أن خطاب النظاري موجهًا بشكل أساسي لأنصاره في اليمن قبل أن يكون ردًا على إعلان البغدادي.

حاول التنظيم تأخير إعلان موقفه من الخلاف الذي حدث بين أيمن الظواهري الرجل الأول في تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية الذي أعلن الخلافة، إلا أنه أعلن مؤخرًا عن موقفه بتجديد البيعة للظواهري ورفض خلافة البغدادي.

وبدأت أولى العمليات لتنظيم الدولة في مارس/آذار 2015م وهو دليل على اشتداد وتيرة الخلافات بين التنظيمين في اليمن، فقد أعلن ما يعرف بولاية صنعاء – التابعة لتنظيم الدولة -مسؤوليته عن تفجيرات صنعاء الأخيرة، حيث فجر أربعة انتحاريين أنفسهم في مسجدي بدر والحشوش، مما أسفر عن مقتل 142 شخصًا، في حين تبرأت القاعدة من العملية، واتهمت تنظيم الدولة بالتساهل في سفك الدماء.

وحدوث معارك بين تنظيمي الدولة والقاعدة في محافظات جنوبية كان دليلاً آخر على شعور تنظيم القاعدة بطغيان تنظيم الدولة عليه، فتنظيم الدولة في نقده لتنظيم القاعدة في اليمن يقول إنه منظمة ليست «إسلامية» بما فيه الكفاية.

 

لماذا فشلت الحرب ضد تنظيم القاعدة في اليمن؟!

تحت هذا العنوان يمكن أن نشير إلى أهمية دراسة أسباب الفشل (حتى الآن) في محاربة القاعدة، بالرغم من هجمات طائرات بدون طيار والعمليات على الأرض، فهل تحظى القاعدة بمساعدة حقيقة واضحة؟

 لا يمكن الإجابة بنعم أو لا فالأمر أعقد بكثير من ذلك. وأحد تفسيرات هذا التناقض الواضح أنه منذ أن بدأت هجمات الطائرات بدون طيار، أصبحت الحكومة اليمنية أضعف، مما أتاح لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الاستفادة بشكل عملي من المساحات غير المحكومة نسبيًا. والشيء الآخر هو أن هجمات الطائرات بدون طيار قتلت مدنيين، وهو ما أعطى وزنًا لدعوة تنظيم القاعد التي تقول إن اليمن يتعرض لهجوم من قِبل قوة أجنبية، كما عزز من جاذبية المجموعة بصفتها مكاناً لانتقام القبائل ممن قتل أبنائها ([24]).

إن هذا الفشل هو نتاج فشل الغرب في طريقة فهم اليمنيين لتنظيم القاعدة ذاته ويمكن الإشارة إليه في عِدة أمور:

• الاعتقاد بأن نظام الحكم في صنعاء (خلال ولاية صالح) كان مدفوعاً بالضرورة لمحاربة الجماعات الإرهابية وتتحدى نظام الحكم، لكن هذا جزء من الحقيقة في المخيلة الغربية، إلا أن صالح يفكر بمنظور مختلف للغاية. في عام 2011، قال حمود الهتار، وزير الأوقاف السابق، الذي قاد الحوار الذي ترعاه الحكومة مع تنظيم القاعدة، أن «صالح يستخدم القاعدة لابتزاز الدول الأجنبية للحصول على المزيد من الدعم المالي منها». وبالمثل، لقد روت مصادر عديدة لديها صلة بصالح، في محادثات مع باحثة أمريكية، تباهى صالح بسيطرته على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وأن المجموعة بالتالي لا تشكل تهديدًا خطيرًا ([25]). كما أن تلفزيون الجزيرة بث فيلماً وثائقياً ل هاني مجاهد، عضو تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي يدعي أنه كان يعمل وكيلاً للحكومة اليمنية، باتهامات مماثلة. زعم مجاهد أنه قد حذر ابن شقيق صالح، عمار (رئيس مكتب الأمن القومي في اليمن الممول من قِبل الولايات المتحدة)، من هجوم وشيك للقاعدة على السفارة الأمريكية في صنعاء، في عام 2008، ولكن دون جدوى. وقد أسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن عشرة مدنيين وحراس. يزعم مجاهد أيضًا أن عمار صالح قد وفر المتفجرات التي استخدمت من قِبل الريمي في هجوم انتحاري على قافلة من السياح الأسبان في مأرب 2007. يصف مجاهد «الريمي» بأنه هو من «أنشأ مكتب الأمن القومي في اليمن» ويدعي أن «العديد من قادة تنظيم القاعدة كانوا تحت السيطرة الكاملة لعلي عبد الله صالح».

• فكرة التعاون مع الحكومة «الفاسدة» كان سيئاً، وبالرغم من انتشار تنظيم القاعدة وتمدده في إطار شعبية واسعة أظهر استطلاع للرأي على 1005 من اليمنيين في مارس 2011 أن 86 في المئة من المستطلعين يرون أن القاعدة إما لا يحظى بشعبية واسعة «أبدًا» أو «نوعًا ما» في منطقتهم المحلية. وفي الوقت نفسه، قال 96 في المئة إنهم لا يوافقون على تعاون الحكومة اليمنية مع الولايات المتحدة. وأن القاعدة سيئة، لكن السياسة الداخلية والدولية المحيطة أسوأ – في الواقع، في معظم الروايات، هي ما حافظ على بقاء المجموعة.

• اشتراك القوات الأمريكية وتقديم المساعدة للحوثيين الذين حاولوا التمدد في مناطق- شافعية وسط اليمن، دفعت السكان للتحالف مع التنظيم لدرء ميليشيا مسلحة تتناقض معهم عقائدياً من بسط نفوذها. إضافة إلى أن هذه القوة (الغربية) هي جزء من المظالم المحلية التي تسبب بها نظام علي عبدالله صالح، ومن بعده الحوثيين، في وقت كانت القبائل تلفظ أبناء التنظيم من قراها خلال فترة الهدوء النسبي عامي (2012-2013).

لاينكر اليمنيون خطورة تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة، إلا إنهم في نفس الوقت يفهمون هذه المجموعة ويحتكون بأفراد منها يتواجدون في إطار محيطهم الاجتماعي، فهم أبناء القبائل والقرى وأبناء عمومه، وهذه إحدى ميزات بقاء التنظيم، لكنهم في نفس الوقت يُقدرون جهود الدولة إن حاولت حفظ الأمن، وعندما ينعدم وجود الدولة ينعدم معها الشعور بالأمان. ببساطة شديدة نجح تنظيم القاعدة في دراسة خصائص المجتمع اليمني وهو ما عجزت عنه الأنظمة الغربية.

 


الهوامش

([1]) حركات وأحزاب/ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب/ الجزيرة نت .

http://www.aljazeera.net/encyclopedia/movementsandparties

([2]) بن لادن هو زعيم التنظيم العالمي للقاعدة والأب الروحي له، وقتلته عملية أمريكية.

([3]) تتنظيم القاعدة في السعودية.. نشأته ونهايته/ سكينة/ أغسطس2014. http://www.assakina.com/center/parties/50607.html

([4]) الأدبيات التابعة للتنظيم والإصلاحيين في السعودية على حد سواء تطلق عليها انتفاضة.

([5]) الجهاد في السعودية: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، تأليف توماس هيغهامر، وترجمة أمين الأيوبي، ط(2013م) الشبكة العربية للأبحاث والنشر ص113-114.

([6]) الجهاد في السعودية:قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، تأليف توماس هيغهامر، وترجمة أمين الأيوبي، ط(2013م) الشبكة العربية للأبحاث والنشر ص25 .

([7]) اسمه الحقيقي زين العابدين أبو حسن المحضار.

([8]) طائرة درونز أمريكية انطلقت من جيبوتي وقتلت أبو علي الحارثي واسمه الحقيقي قائد سالم طالب الحارثي.

([9]) أعلنت كتائب جند اليمن فرع تنظيم القاعدة وقوفها وراء استهداف منشئات نفطية في كل من صافر بمحافظة مأرب شمالا والضبة بحضرموت

([10]) العملية قام بها (عبدالله حسن طالع عسيري)، في مدينة جدة، بعد زعمه بالرغبة في تسليم نفسه.

([11])  تعرف أنور العولقي في سجن الأمن السياسي على نبيل الذهب الذي اعتقلته أجهزة الأمن السورية بتهمة محاول الذهاب للقتال في العرق وسلمته للأجهزة اليمنية، وتطورت العلاقة إلى المصاهرة والالتحاق بشقيق نبيل الشيخ القبلي طارق الذهب الذي أعلن ولائه للقاعدة والسيطرة على قلعة رداع التأريخية في 2012م

([12]) ) Al-Qaeda in the Arabian Peninsula (AQAP)». Counter Extremism Project

https://www.counterextremism.com/threat/al-qaeda-arabian-peninsula-aqap

([13])  “القاعدة” و”أنصار الشريعة” في اليمن مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط http://www.beirutme.com/?p=2179

([14]) من هو «أبو الزبير العبّاب» وكيف اغتالته طائرة أميركية دون أن تعلم السلطات اليمنية هويته؟!                      

http://www.barakish.net/news02.aspx?cat=12&sub=12&id=38317

([15]) تسجيل صوتي حمل شعار مؤسسة «الملاحم» المحسوبة على القاعدة بللمسئول الشرعي في التنظيم حارث النظاري .

([16]) قوات عربية خليجية بقيادة السعودية والامارات أعلنت عن تحالف عربي في عملية سميت عاصفة الحزم لاستعادة الدولة اليمنية من الانقلابيين.

([17])  عملية يكلا أدت إلى مقتل جندي أمريكي ومدنيين بينهم عشر نساء وستة أطفال.

([18]) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، موقع إضاءات.

([19]) كارنجي للشرق الأوسط، «التحدي السياسي للحراك الجنوبي في اليمن»،

http://carnegie-mec.org/publications/?fa=40652

([20]) (20) انظر عرضًا للتسجيل الصوتي في مأرب برس  http://marebpress.net/news_details.php?sid=16554&lng=arabic

([21])  ينقلون عن النبي محمد في حديثا لطالما أثار جدلا في صحة سنده «يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفا ينصرون الله ورسوله هم خير من بيني وبينهم»

([22]) نشرت صحيفة «دايلي مبل» البريطانية، شريط فيديو لعملية إعدام ظهر فيها ما يسمى  «بلدوزر داعش» الذي كان قد ظهر في يونيو/حزيران 2014، في العراق.

([23]) اسمه الحقيقي جلال محسن بلعيدي المرقشي وقد كان على رأس تنظيم القاعدة في أبين وعرف بأمير إمارة زنجبارالتي أسستها القاعدة بعد سيطرتها على محافظة أبين جنوب البلاد في 2011م.  

 

([24])  Assisting Al Qaeda - By Sarah Phillips 30 أغسطس/آب 2015م https://www.foreignaffairs.com/articles/yemen/2015-08-30/assisting-al-qaeda

([25])  Sarah Phillips -مصدر سابق

 



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق