للسنة الخامسة على التوالي، يواصل مركز أبعاد للدراسات والبحوث نشر ترجمات خاصة لتقارير وأبحاث دولية تتناول الأوضاع في اليمن، ضمن برامج مرصد أبعاد.
وفي إصدار مايو 2026، ركزت ترجمات أبعاد على التحولات الجيوسياسية والأمنية في اليمن والبحر الأحمر والشرق الأوسط، في ظل تصاعد التنافس الدولي، وتنامي أهمية الممرات البحرية، وتداخل أزمات اليمن وإيران والحوثيين وحركة الشباب والاقتصاد العالمي.
وتضمن الإصدار مجموعة من التقارير والتحليلات التي تناولت العلاقة المتصاعدة بين الحوثيين وحركة الشباب، ومخاطر إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، وصراع السيطرة في البحر الأحمر، وتجزؤ هياكل السلطة في اليمن، وإعادة تصميم ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، إضافة إلى قراءة في هدنة اليمن عام 2026.
ويشير الإصدار إلى أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي للتجارة والطاقة، بل أصبح ساحة مركزية لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تتداخل مصالح الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وتركيا وإيران ودول الخليج مع أدوار فاعلين من غير الدول، وفي مقدمتهم الحوثيون وحركة الشباب.
العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب
تناول التقرير الأول في الإصدار تصاعد العلاقة بين الحوثيين في اليمن وحركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة في الصومال، مشيرًا إلى أن هذا التعاون شمل تبادلًا للأسلحة، وتدريبًا، ونقل تقنيات عسكرية ذات منشأ إيراني.
ويرى التقرير أن هذه العلاقة تقوم على مقايضة غير مباشرة؛ إذ يحصل الحوثيون على مسارات تهريب وشبكات غير قانونية وأنشطة قرصنة في خليج عدن، مقابل تزويد حركة الشباب بخبرات وأسلحة أكثر تطورًا.
ويحذر التقرير من أن هذه العلاقة لا تمثل تهديدًا محليًا فحسب، بل تحمل أبعادًا دولية؛ لأنها تعزز قدرات الطرفين، وتوسع انتشار التكنولوجيا العسكرية المرتبطة بإيران، وتزيد هشاشة أمن البحر الأحمر وباب المندب، خصوصًا مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
ويخلص التقرير إلى أن التعامل مع الحوثيين وحركة الشباب كلٌّ على حدة لم يعد كافيًا، وأن كبح هذه العلاقة يتطلب سياسات أكثر شمولًا، وتنسيقًا بحريًا واستخباراتيًا أوسع.
فخ الممرين الاستراتيجيين في الشرق الأوسط
ناقش تقرير آخر مخاطر التهديد المتزامن لمضيقي هرمز وباب المندب، معتبرًا أن إغلاق أي منهما ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، بينما قد يؤدي إغلاقهما معًا إلى صدمة واسعة في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ويشير التقرير إلى أن مضيق هرمز يظل ممرًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، فيما يمثل باب المندب بوابة حيوية تربط خليج عدن بالبحر الأحمر وقناة السويس.
ويؤكد التقرير أن باب المندب يحظى باهتمام أقل في النقاشات العامة مقارنة بمضيق هرمز، رغم أهميته البالغة. فإذا قرر الحوثيون إغلاق هذا المسار، ستضطر حركة الملاحة العالمية إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، بما يزيد زمن الشحن ويرفع التكاليف.
كما يرى التقرير أن الحوثيين، رغم ارتباطهم بمحور إيران، أظهروا قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في استخدام باب المندب كورقة ضغط، وهو ما يجعل التعامل معهم بوصفهم مجرد وكيل لإيران مقاربة تحليلية غير مكتملة.
صراع السيطرة في البحر الأحمر
يركز تقرير "صراع السيطرة في البحر الأحمر" على تحوّل الموانئ والممرات البحرية والقواعد العسكرية والكابلات البحرية ومسارات الطاقة إلى أدوات للتنافس بين القوى العالمية والإقليمية.
ويرى التقرير أن البحر الأحمر أصبح بؤرة للتنافس الجيوستراتيجي، وأن استمرار عدم الاستقرار قد يؤدي إلى تعطيل التجارة العالمية وتدفقات الطاقة.
ويعرض التقرير خريطة النفوذ في المنطقة، حيث تتجاور القاعدة الأمريكية في جيبوتي مع أول قاعدة عسكرية خارجية للصين، بينما توسع بكين حضورها عبر الاستثمارات في البنية التحتية ومبادرة طريق الحرير البحري.
كما يتناول التقرير حضور الإمارات والسعودية وإسرائيل وإيران وتركيا في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مشيرًا إلى أن المنطقة لم تعد خاضعة لهيمنة قوة واحدة، بل باتت ساحة لتنافس معقد بين دول وقوى عالمية وفاعلين مسلحين من غير الدول.
تجزؤ هياكل السلطة في اليمن
في الشأن اليمني الداخلي، تناول أحد التقارير ظاهرة تجزؤ هياكل السلطة في اليمن، موضحًا أن الحرب أفرزت نظام حكم مجزأ تتوزع فيه السلطة المؤسسية والجغرافية بين فاعلين متعددين من غير الدولة.
ولا يرى التقرير أن ذلك يعكس انهيارًا كاملًا للدولة، بل انتقالًا إلى نموذج حكم تكيفي فرضته الضرورة والتحولات البنيوية.
ويشير التقرير إلى أن الحكومة المعترف بها دوليًا ما زالت تعاني محدودية الحضور الإداري والسياسي، بينما تمارس أطراف محلية وسلطات أمر واقع نفوذًا متباينًا في مناطق مختلفة.
ويخلص التقرير إلى أن غياب مركز وطني موحد للسلطة يعمّق هشاشة الدولة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن أنماط حكم محلية بديلة تحافظ على حد أدنى من الخدمات والإدارة في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.
تجاوز المضائق وإعادة تصميم ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا
تناول تقرير آخر الحاجة إلى إعادة تصميم ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا في ضوء الصراع المرتبط بإيران، وتحول طرق التجارة إلى أهداف استراتيجية مباشرة.
ويرى التقرير أن هذا الممر صُمم في الأساس لزمن السلم، بينما تكشف الأزمات الحالية ضرورة إعادة التفكير فيه ضمن بيئة إقليمية باتت أكثر اضطرابًا.
ويؤكد التقرير أن أي ممر اقتصادي لا يمكن أن ينجح إذا افتقر إلى دعم سياسي من الشركاء الإقليميين، أو إذا لم يمتلك بدائل ومسارات مرنة قادرة على إعادة توجيه التجارة وقت الأزمات.
ومن هذا المنطلق، يدعو التقرير إلى بناء قدرة أكبر على الصمود عبر تعدد المسارات، وربط مشاريع البنية التحتية بالدبلوماسية وآليات إدارة الأزمات، بدل التعامل معها كمشاريع اقتصادية معزولة عن السياق الأمني.
الحوثيون والتصعيد الإقليمي: دخول متأخر أم حسابات تكتيكية؟
كما تضمن الإصدار تقريرًا يناقش توقيت انخراط الحوثيين في التصعيد الإقليمي، وما إذا كان تأخرهم يعكس حسابات تكتيكية أم حدودًا في القدرة.
ويربط التقرير بين استئناف الهجمات الحوثية باتجاه إسرائيل في مارس 2026 وبين خطاب سياسي يضع هذه العمليات ضمن الاصطفاف مع إيران في سياق الصراع الإقليمي الأوسع.
ويشير التقرير إلى أن التحركات الحوثية لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها امتدادًا مباشرًا لقرار إيراني، بل ينبغي النظر إليها أيضًا بوصفها جزءًا من محاولة الحوثيين إعادة تثبيت موقعهم الإقليمي، وتوظيف البحر الأحمر وباب المندب كأدوات ضغط سياسي وأمني.
هدنة اليمن عام 2026
يقدم التقرير قراءة للهدنة بوصفها ظاهرة سياسية مركبة، تجمع بين الاستقرار المحدود واستمرار ديناميات الصراع واحتمالات التفكك.
ويرى التقرير أن اليمن لم يعد ساحة حرب تقليدية، لكنه لم يدخل أيضًا في سلام مستقر، بل يعيش حالة من العنف منخفض الحدة والمعلّق، يعاد تشكيلها باستمرار وفق توازنات القوى الإقليمية والدولية.
ويشير التقرير إلى أن الهدنة الرسمية التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 انتهت بعد فترة قصيرة، إلا أن أثرها استمر ضمن توازن غير رسمي أنتج حالة من التهدئة الجزئية: لا حرب شاملة ولا سلام كامل.
وتكشف هذه الحالة عن صعوبة الانتقال إلى تسوية سياسية حقيقية في ظل استمرار الانقسام العسكري والمؤسسي، وتداخل الحسابات المحلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية.
خلاصة
تخلص ترجمات أبعاد لشهر مايو 2026 إلى أن اليمن والبحر الأحمر وباب المندب باتوا في قلب معادلة استراتيجية أوسع، تتداخل فيها الحرب والسلام، والاقتصاد والأمن، والممرات البحرية والتنافس الدولي.
فالتهديد لم يعد محصورًا في الجبهة اليمنية الداخلية، بل بات ممتدًا إلى أمن الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتؤكد هذه الحزمة من الترجمات أن التعامل مع اليمن باعتباره أزمة محلية فقط لم يعد كافيًا؛ إذ أصبح اليمن، بفعل موقعه الجغرافي، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتداخل النفوذ الإيراني والدولي، جزءًا من صراع أوسع على البحر الأحمر والنظام الإقليمي.
ومن ثم، فإن أي مقاربة مستقبلية للأزمة اليمنية تحتاج إلى ربط مسار السلام الداخلي بأمن الممرات البحرية، وإعادة بناء الدولة، وضبط شبكات التهريب، وتطوير آليات إقليمية ودولية أكثر فاعلية لإدارة الأزمات.
