المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وانعكاساتها على اليمن

تقييم حالة | 2 يوليو 2026 16:32
المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وانعكاساتها على اليمن

 

ملخص

     تعيش المنطقة مرحلة جديدة مرتبطة بالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران، التي تتقاطع فيها عدة ملفات أهمها البرنامج النووي الإيراني والأمن الإقليمي وتأمين طرق الملاحة العالمية، وهنا تبرز التساؤلات التالية:

إلى أي مدى يمكن لهذه المفاوضات أن تؤثر على الوضع في اليمن؟ وهل يمكن أن تؤدي إلى إيقاف الحرب التي مضى عليها أكثر من 11 سنة؟ أم أن هذه الحرب تمتلك ديناميكيات خاصة تجعلها منفصلة- ولو بشكل جزئي- عن مسار التفاوض والتفاهمات الإقليمية والدولية؟

خاصة مع ارتباط جماعة الحوثيين بإيران، وهو ارتباط يجعل منهم وكلاء محليين لتنفيذ أجندة طهران في اليمن وفي الممرات المائية الدولية.

تحاول الدراسة الوقوف على هذه التساؤلات في ضوء الحقائق والمعطيات والمؤشرات المحلية والإقليمية والدولية، سواء تلك المرتبطة بالفاعلين المحليين أو المتّصلة بالقوى والأطراف الخارجية، كما تتناول عدة سيناريوهات لمستقبل الصراع في اليمن، في ظل المفاوضات التي يمكن أن تقود- في حال نجاحها- إلى جملة من التغيرات قد تشهدها المنطقة، ومنها اليمن.

 

مفاوضات إدارة الصراع أم حسمه؟

تسير المفاوضات منذ أسابيع بشكل متوازٍ مع التصعيد والتصعيد المضاد، ومع أن ذلك يهدد مسار التفاوض بين الطرفين، إلا أن ثمة تفاهمات أفضت في الآونة الأخيرة إلى خفض مستوى التصعيد، خاصة في منطقة مضيق هرمز، وهو أحد محاور المفاوضات الرئيسية.

وتنقسم الآراء إزاء التطورات الأخيرة في المنطقة، بما في ذلك ما تم التوافق عليه بين الجانبين، وأهمها "مذكرة التفاهم" التي عدها الرئيس الأمريكي ترامب انتصاراً، بينما رأى فيها خصومه الديمقراطيون "هزيمة مذلة، ولا ترقى إلى مستوى ادعاءاته بأنه نجح في إنهاء الصراع"[1].

ولا تزال المخاوف ماثلة من أن تكتفي المفاوضات بالعمل على إدارة الصراع وخفض كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية، بدلاً من إنهائه وحسمه، في ظل التفاوت الملحوظ بين أهداف كل طرف من طرفي المفاوضات، ففي حين تسعى واشنطن إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني وإطلاق يدها في الممرات المائية بما فيها مضيق هرمز، فإن طهران تهدف إلى تخفيف العقوبات المفروضة عليها، وتثبيت الاعتراف بدورها الإقليمي والاحتفاظ بشبكة نفوذها وحلفائها في المنطقة.

ونخلص إلى أن التفاوض – بالنسبة للطرفين- يدار بمنطق تقاسم النفوذ، واحتواء التصعيد ولو بشكل مؤقت، فإن هذا سينعكس على جملة من الملفات المرتبطة، وفي مقدمتها الملف اليمني.

 

اليمن في حسابات التفاوض

لا مؤشرات معلنة عن إدراج اليمن ضمن مفاوضات واشنطن وطهران، بيد أن ذلك لا يعني إغفال الطرفين أهمية الملف اليمني في الوضع الراهن، وتحضر ثلاثة أنماط للحضور اليمني المحتمل في مسار التفاوض:

  • حضور غير مباشر: من خلال استخدام إيران ورقة التصعيد في البحر الأحمر كورقة للتفاوض، بوصفها الراعي الرئيس لجماعة الحوثيين الذين يشكلون التهديد الأبرز في هذا الممر الملاحي الأكثر أهمية لحركة التجارة العالمية. وذلك بتوظيف الهجمات الحوثية كواحدة من أدوات التفاوض مع الأمريكان. ورغم أهمية الممرات المائية لدى الإدارة الأمريكية إلا أنها قد تضطر للتفاهم مع أدوات التهديد نفسها- الحوثيين بدلاً عن داعميهم- كما فعلت الإدارة نفسها عندما أبرمت – منتصف العام الماضي- اتفاقاً مع الحوثيين، بوساطة عُمانية.
  • تضمين كجزء من تهدئة إقليمية: ويظهر هذا النمط من خلال ربط الملف اليمني بأمن حركة الملاحة والممرات البحرية، ويمكن أن يقود التفاهم بين الطرفين إلى خفض الهجمات الحوثية مقابل تخفيف الضغوط على طهران.
  • تغييب مقصود: ويراد به ترك الملف اليمني لسلسلة من التفاهمات والمفاوضات الإقليمية التي تقودها المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وهي تفاهمات أثبتت نجاحاً محدوداً في التوصل إلى جملة من الاتفاقيات، بما فيها اتفاقيات تبادل الأسرى، فضلاً عن التهدئة التي بدأت مطلع العام 2022.

وخلاصة الأمر هنا أن الملف اليمني يبقى هامشياً بالنسبة للملفات الرئيسية الحاضرة في أجندة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، غير أن احتمال استدعائه يبقى قائماً، سيما في حال مناقشة الأمن الإقليمي وتأمين حركة الملاحة البحرية.

 

تأثير إيران على الحوثيين

ارتبط الحوثيون- منذ ظهرت حركتهم المسلحة في شمال اليمن قبل أكثر من 20 سنة بالنظام الإيراني دعماً وتدريباً وتسليحاً، بيد أن قيادات الجماعة الذين يصفون هذا الارتباط بـ"التحالف"، يؤكدون استقلالية قرارهم عن طهران، بما في ذلك قرار المشاركة في الحرب- إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة[2].

وتعلن الجماعة بين وقت وآخر، أنها  في "حالة تأهب قصوى منذ اندلاع الحرب"- أواخر فبراير الماضي- مؤكدة "استعدادها للتدخل عند الضرورة، وفي التوقيت الذي تراه مناسباً"، في إطار ما تعتبره "دعماً لمحور حلفائها في المنطقة".[3]

 

هل تنتهي الحرب اليمنية باتفاق أمريكي- إيراني؟

يمكن أن تقود التفاهمات المعلنة وغير المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران إلى تخفيف حدة الصراعات في بعض دول المنطقة بما فيها اليمن، لكنها لا يمكن أن تؤدي إلى إنهائها بشكل كامل، ويرجع ذلك إلى أن الحرب اليمنية ترتبط بجذور صراع محلية أكثر تعقيداً من أن تكون مجرد ملف أو ورقة يتوافق بشأنها طرفا التفاوض. بمعنى أن الصراع اليمني غدا صراعاً متعدد المستويات، تتداخل فيه الأبعاد المحلية والإقليمية، ويمكن استنتاج عدة تأثيرات محتملة على الحرب اليمنية في حال نجاح المفاوضات الجارية، تتمثل في خفض مستوى الدعم الإيراني للحوثيين، مع تقليل وتيرة الهجمات العابرة للحدود، وخلق بيئة سياسية أكثر ملاءمة للتفاوض محلياً وإقليمياً.

 

سيناريوهات المستقبل

في ضو ما سبق من مؤشرات مرتبطة بالمفاوضات الأمريكية- الإيرانية، تبرز ثلاثة سيناريوهات متوقعة لمستقبل الحرب اليمنية، وهي:

  • التهدئة وخفض التصعيد، ضمن اتفاق جزئي بين واشنطن وطهران، يشمل عدة ملفات في المنطقة، ويمكن أن ينتج عنه إحراز تقدم في مسار المفاوضات اليمنية برعاية إقليمية ودعم دولي.
  • تجميد الصراع، باعتماد التفاهمات القائمة بما فيها استمرار حالة الهدنة والتزام الأطراف المحلية بعدم التصعيد، وفي هذا السيناريو يظل الوضع يراوح بين حالتي السلم والحرب، فلا سلام حقيقي ولا حرب شاملة.
  • التصعيد، من جانب الحوثيين في حال فشلت المفاوضات بين الأمريكان والإيرانيين، أو بسبب تصاعد السخط الشعبي الداخلي في مناطق سيطرتهم، خاصة مع التوتر القائم في الوقت الراهن بين سلطات الحوثيين وتيار واسع من منتسبي القبائل اليمنية، وتظهر آثاره في الاحتشاد الذي يقوده أحد شيوخ القبائل في محافظة الجوف شمال شرق البلاد، وبدأت تتجاوب معه رموز قبلية من مناطق ومحافظات يمنية مختلفة.

 

    خاتمة

تشير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تحول في طريقة إدارة الصراعات في الشرق الأوسط، من منطق "المواجهة المباشرة" إلى منطق "الضبط والاحتواء". بيد أن هذا التحول، رغم تأثيره في مستويات التصعيد، قد لا يمتد بالضرورة إلى تفكيك "الصراعات المحلية"، وفي مقدمتها الحرب في اليمن، بما فيها من تعقيدات محلية وارتباطات إقليمية.

وهذا يقود إلى استنتاج أن أي تسوية حقيقية في اليمن لن تكون نتاج تفاهم دولي بقدر ما ستكون نتيجة عملية تفاوضية يمنية–إقليمية مركبة، تستفيد من حالة التهدئة الدولية، دون أن تقتصر عليها.

وعلى الصعيد المحلي، قد يفاجأ الحوثيون بالتصعيد القبلي المتسارع في شمال وشرق البلاد، إلى الحد الذي يربكهم عن المشاركة في إسناد طهران، في حال احتاجت الأخيرة لأي شكل من الإسناد في مسار التفاوض مع خصومها الإقليميين والدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يعني أن يجد الحوثيون في خضم معركة واسعة وخصوم ينتظرون ساعة الصفر، في أكثر من منطقة، وفي مناطق وجبهات غير متوقعة.

 

هوامش


[1] هدنة هشة بين أمريكا وإيران، سي إن إن، 29 يونيو 2026، على الرابط: 

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/06/29/new-us-iran-clashes-revealed-fragility-truce .

[2]  الحوثيون: ندعم إيران ولكن قرار الانخراط في الحرب مستقل عن طهران، الجزيرة نت، 26 مارس 2026، على الرابط:  https://tinyurl.com/28l4ggqg .

[3] المرجع نفسه.

نشر :