حل المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا: اختبار استعادة الدولة واحتكار القوة

الإنذار المبكر والمؤشرات الاستراتيجية | 3 يونيو 2026 06:06
حل المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا: اختبار استعادة الدولة واحتكار القوة

 

الخلاصة لصانع القرار:

استعادة الدولة لا تبدأ من إعلان حل التشكيلات، بل من منع عودتها بأسماء جديدة، ومن تحويل السلاح إلى مؤسسة، والخلاف السياسي إلى حوار، والدعم الخارجي إلى أداء حكومي ملموس.

 


 

 


المنهجية وآلية التحليل

يعتمد مرصد أبعاد للإنذار المبكر والمؤشرات الاستراتيجية على منهجية رصد وتحليل متعددة المراحل، تهدف إلى تحويل المواد الخام، والأخبار، والتقارير، والبيانات المتفرقة إلى مؤشرات قابلة للفهم والقياس والتقدير، بما يساعد صُنّاع القرار والباحثين والجهات المعنية على قراءة التحولات الجارية في اليمن واستشراف اتجاهاتها المحتملة.

تقوم المنهجية على جمع المواد المرصودة من المصادر الإعلامية، والبيانات الرسمية، والتقارير المحلية والدولية، ومخرجات المنظمات، وما يتاح من مؤشرات ميدانية، ثم تصنيفها ضمن مسارات رئيسية تشملالمؤشرات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، العسكرية، الأمنية، الحقوقية، والإنسانية.

وبعد التصنيف، يجري تحليل المواد وفق أربعة مستويات رئيسيةكثافة الحدث، اتجاه المؤشر، مستوى التأثير، ودلالة الإنذار المبكر. ولا يتعامل المرصد مع الأخبار بوصفها وقائع منفصلة، بل بوصفها إشارات قد تكشف عن اتجاهات أوسع، أو مخاطر صاعدة، أو فرص قابلة للاستثمار.

ويستخدم مرصد أبعاد للإنذار المبكر والمؤشرات الاستراتيجية أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في معالجة المعلومات الخام، وفرز المواد، واكتشاف الأنماط المتكررة، وتصنيف المؤشرات، وتوليد قراءات أولية تساعد فريق التحليل على بناء تقدير موقف أكثر سرعة وتنظيمًا.

ولا يُستخدم الذكاء الاصطناعي كبديل عن التقدير البشري أو المسؤولية التحريرية، بل كأداة مساعدة ضمن عملية بحثية وتحليلية يشرف عليها فريق المرصد. وتخضع المخرجات للمراجعة البشرية، والتحقق من الاتساق، وإعادة الصياغة التحريرية، وتقدير الدلالات السياسية والاستراتيجية قبل اعتمادها في النسخة النهائية.

ويهدف هذا الدمج بين الرصد البشري وأدوات الذكاء الاصطناعي إلى رفع كفاءة التحليل، وتقليل تشتت البيانات، وتسريع اكتشاف المؤشرات المبكرة، مع الحفاظ على المعايير المهنية في الدقة، والسياق، وعدم المبالغة في الاستنتاجات.


خطوات العمل التحليلي

تمر مادة المرصد عبر ست خطوات رئيسية:

أولًا: جمع المواد الخام
يتم تجميع الأخبار والبيانات والتقارير والتصريحات والمعلومات ذات الصلة بفترة الرصد.

ثانيًا: تصنيف المواد
تُفرز المواد ضمن مؤشرات سياسية، اقتصادية، اجتماعية، عسكرية، أمنية، حقوقية، وإنسانية.

ثالثًا: تحليل الاتجاهات
تُقرأ المواد لاستخلاص الاتجاهات الصاعدة، والمتراجعة، والمستقرة، والكامنة.

رابعًا: تقدير مستوى الخطر
يُقيّم كل مؤشر وفق درجة تأثيره المحتملة على الدولة، والأمن، والمجتمع، والاقتصاد، والتسوية السياسية، والملف الإنساني.

خامسًا: المراجعة البشرية والتحريرية
تُراجع نتائج التحليل لضمان سلامة المعنى، ودقة الدلالة، وتجنب التحيز أو الاستنتاج غير المدعوم.

سادسًا: إنتاج تقدير موقف لصانع القرار
تُحوّل المؤشرات إلى خلاصة تنفيذية، وسيناريوهات، ومخاطر، وفرص، وتوصيات عملية.


ملاحظة تحريرية ثابتة

لا يهدف هذا التقرير إلى تقديم أرشيف خبري شهري، ولا إلى إعادة سرد جميع الوقائع بحسب تسلسلها الزمني، بل إلى بناء قراءة تحليلية موجّهة لصانع القرار. لذلك تُرتّب القضايا في هذا التقرير بحسب مستوى التأثير والدلالة الاستراتيجية، لا بحسب تاريخ ورودها فقط.

وعليه، فإن بعض الأحداث التي تبدو محدودة في حجمها الإخباري قد تُمنح أهمية تحليلية أكبر إذا كانت متصلة بمستقبل الدولة، أو احتكار القوة، أو وحدة القرار الأمني، أو مسار التسوية، أو الوضع الحقوقي والإنساني.


أولًا: الخلاصة التنفيذية

كشف رصد يناير 2026 عن شهر مفصلي في مسار الصراع اليمني؛ إذ انتقل مركز الثقل من متابعة الأحداث المتفرقة إلى اختبار حاسم لقدرة الدولة على استعادة مؤسساتها واحتكار القرارين العسكري والأمني، بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وبدء إجراءات إعادة ترتيب المشهد في عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى. وتظهر المادة الأصلية أن عنوان الشهر كان مرتبطًا مباشرة بملف حل المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا.

المؤشر الأبرز في يناير هو أن الدولة اليمنية، بدعم سعودي واضح، انتقلت من خطاب رفض التشكيلات الموازية إلى إجراءات عملية شملت تسلّم معسكرات، وإعادة تموضع قوات، وتعيينات وإقالات عسكرية، ودعوات لإخراج المعسكرات من عدن، وتأكيدات متكررة على أن أي سلاح خارج إطار الدولة يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار.

لكن هذا التحول لا يعني أن مسار استعادة الدولة أصبح مضمونًا؛ بل يكشف عن مرحلة عالية الحساسية، لأن تفكيك التشكيلات الموازية قد يولد ردود فعل سياسية وأمنية من شبكات فقدت امتيازاتها أو مراكز نفوذها. لذلك فإن يناير لا يمثل نهاية خطر المجلس الانتقالي، بل بداية اختبار القدرة على إدارة ما بعد حله: سياسيًا، وأمنيًا، وحقوقيًا، وخدميًا.

كما يكشف الرصد أن المشهد اليمني دخل مرحلة إعادة تعريف لمعادلة الشرعية: هل تكون السلطة داخل مؤسسات الدولة، أم عبر مراكز قوة مسلحة وممولة من الخارج؟ وهل تستطيع الحكومة الجديدة تحويل قراراتها السياسية والعسكرية إلى واقع مؤسسي مستقر في عدن والمحافظات الشرقية؟


ثانيًا: مؤشر الخطر العام

مستوى الخطر العام: أحمر / مرتفع

يرتفع مؤشر الخطر في يناير لثلاثة أسباب رئيسية.

أولًا، لأن عملية حل المجلس الانتقالي وإعادة دمج قواته لا تزال في بدايتها، وهي عملية حساسة قد تستدعي مقاومة من شبكات سياسية أو عسكرية أو مالية متضررة من فقدان النفوذ.

ثانيًا، لأن عدن والمحافظات الشرقية أصبحت مسرح اختبار مباشر لمدى قدرة الحكومة على فرض الأمن. وقد شملت الوقائع محاولات اغتيال، وتسليم معسكرات، وإغلاق مقار، واختطافات، وطلب ملاحقة متهمين بجرائم اغتيال عبر الإنتربول، وهي كلها مؤشرات على أن التحول المؤسسي قد يواجه مقاومة أمنية لا تقل أهمية عن المعارضة السياسية.

ثالثًا، لأن الملف الحقوقي والإنساني بقي ضاغطًا بشدة، خاصة في قضايا السجون السرية، والإخفاء القسري، وتعطيل اتفاق مسقط للأسرى، واحتجاز الحوثيين موظفين أمميين وإنسانيين، وهو ما يجعل أي تسوية سياسية عرضة للابتزاز والتعطيل.

الخطر في يناير لا يتمثل فقط في احتمال عودة المجلس الانتقالي كتنظيم، بل في احتمال عودة منطق التشكيلات الموازية بأسماء جديدة، أو انتقال الشبكات المتضررة إلى تعطيل الأمن والخدمات والقرار السياسي.


ثالثًا: التحولات الرئيسية في يناير

1. التحول السياسي: من إدارة الانقسام إلى محاولة إعادة تعريف الدولة

شهد يناير انتقالًا سياسيًا واضحًا من إدارة التوازنات مع المجلس الانتقالي إلى محاولة إعادة تعريف مركز الشرعية والتمثيل. فقد تكرر خطاب وحدة اليمن، ورفض الكيانات الانفصالية، ودعم سيادة الدولة من أطراف يمنية وإقليمية ودولية، منها السعودية، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، وسوريا، وجيبوتي، والبرلمان العربي.

كما برز تعيين شائع الزنداني رئيسًا للوزراء وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة بوصفه جزءًا من محاولة إعادة بناء الأداء الحكومي بعد مرحلة اضطراب سياسي وإداري.

الدلالة هنا أن الدولة تسعى إلى استبدال معادلة “الشراكة مع مراكز القوة” بمعادلة “الشراكة تحت سقف المؤسسات”. غير أن نجاح هذا المسار يتوقف على قدرة الحكومة الجديدة على تحقيق نتائج ملموسة في الأمن والخدمات والرواتب، لا على القرارات السياسية وحدها.

فالشارع في عدن وحضرموت والمهرة لن يقيس نجاح الدولة بعدد القرارات الرئاسية، بل بمدى تحسن الأمن، وانتظام الخدمات، وضبط الفساد، وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل بطريقة يشعر بها المواطن.

2. التحول العسكري والأمني: احتكار القوة يصبح مركز المرحلة

المؤشر العسكري والأمني كان الأكثر حساسية في يناير. فقد ركزت الوقائع على تسلّم المعسكرات، وإعادة توزيع القوات، ودمج التشكيلات، وإخراج المعسكرات من عدن، واستكمال تسليم مواقع عسكرية في حضرموت لقوات درع الوطن.

هذا يعني أن الصراع لم يعد فقط مع الحوثيين في الجبهات، بل أصبح أيضًا صراعًا داخل معسكر الشرعية حول من يمتلك السلاح والقرار الأمني. ومن هنا تأتي أهمية تصريحات الرئيس العليمي ووزير الداخلية التي ربطت السلاح خارج الدولة ببيئة مثالية لنمو التطرف والفوضى.

الدلالة الاستراتيجية أن الدولة أمام فرصة نادرة لاستعادة جزء من هيبتها إذا نجحت في دمج التشكيلات وضبط عدن وحضرموت والمهرة. أما إذا تعثر الدمج، أو تحول إلى صدامات انتقامية، فقد يعيد ذلك إنتاج الفوضى بأشكال جديدة.

إن احتكار القوة ليس شعارًا سياسيًا، بل هو معيار وجود الدولة ذاتها. وكل تأخير في دمج التشكيلات أو إخضاعها لوزارتي الدفاع والداخلية يمنح الشبكات الموازية فرصة لإعادة التموضع.

3. التحول الإقليمي: تراجع الدور الإماراتي وصعود الدور السعودي كضامن

أظهر الرصد أن السعودية تحركت بوصفها الضامن الرئيسي لمسار تفكيك التشكيلات الموازية وتطبيع الأوضاع في عدن والمحافظات الشرقية. وقد أشادت قيادات يمنية بدور السعودية في تطبيع الأوضاع، كما برزت تصريحات سعودية تربط عودة العلاقة مع الإمارات بجدية انسحابها من اليمن.

كما حضرت قضايا ميون وسقطرى وأرض الصومال بوصفها امتدادات إقليمية لمخاوف اليمن من إعادة هندسة النفوذ البحري والجيوسياسي خارج سلطة الدولة.

الدلالة أن اليمن يدخل مرحلة إعادة ترتيب نفوذ إقليمي، لا مجرد إعادة ترتيب داخلية. وهذا يجعل البحر الأحمر، وباب المندب، وسقطرى، وميون، وأرض الصومال ملفات مترابطة مع مسار استعادة الدولة.

إن أي نجاح داخلي في إعادة بناء الدولة سيبقى ناقصًا إذا لم يرافقه تحرك دبلوماسي وسيادي في ملف الجزر والممرات البحرية. فالتحدي لم يعد محصورًا في عدن أو حضرموت، بل يمتد إلى المجال البحري اليمني، وموقع اليمن في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

4. التحول الاقتصادي: ملف محدود في الرصد لكنه عميق في التأثير

رغم أن المواد الاقتصادية كانت قليلة مقارنة بالسياسية والعسكرية والأمنية، فإنها حملت مؤشرات خطيرة؛ أبرزها تقديرات أمريكية بأن الحوثيين يحصلون على أكثر من ملياري دولار سنويًا من النفط الإيراني المهرب، إلى جانب عقوبات واسعة على شبكات تهريب وتمويل الحوثيين.

هذا يعني أن الحرب الاقتصادية ليست هامشية، بل هي جزء من قدرة الحوثيين على الاستمرار عسكريًا وسياسيًا. وفي المقابل، فإن الحكومة الشرعية تواجه اختبارًا آخر: هل تستطيع تحويل الدعم السياسي والعسكري السعودي إلى تعافٍ اقتصادي وخدمي يشعر به المواطن؟

الدلالة أن أي استعادة للدولة دون ضبط الموارد، والرواتب، والخدمات، والإيرادات ستبقى ناقصة؛ لأن المواطن يقيس الدولة من خلال الأمن والخدمة والراتب، لا من خلال القرارات فقط.

إن ضعف الحضور الاقتصادي في الرصد لا يعني ضعف الأزمة الاقتصادية، بل يكشف الحاجة إلى تطوير أدوات الرصد الاقتصادي في المرصد خلال الأشهر المقبلة، بحيث تشمل أسعار الصرف، الوقود، الرواتب، الإيرادات، السلع الأساسية، ومستوى الخدمات العامة.

5. التحول الحقوقي والإنساني: السجون والمحتجزون كاختبار للشرعية

برز في يناير ملف السجون السرية والإخفاء القسري، وتعطيل اتفاق مسقط للأسرى، واحتجاز الحوثيين 73 من موظفي الأمم المتحدة، وتسريح موظفي برنامج الغذاء العالمي في مناطق سيطرة الحوثيين، إضافة إلى استمرار التحذيرات من أن أكثر من 19 مليون يمني سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026.

الأهمية هنا أن الملف الحقوقي لم يعد ملفًا إنسانيًا فقط، بل أصبح ملفًا سياسيًا يختبر شرعية كل طرف. فالدولة مطالبة بإغلاق السجون غير النظامية ومحاسبة المتورطين، والحوثيون يستخدمون المحتجزين والعاملين الإنسانيين كورقة ضغط، بينما المنظمات الدولية تواجه بيئة عمل أكثر خطورة.

الدلالة أن لا شرعية جديدة يمكن بناؤها مع بقاء ملف الاعتقال والإخفاء والسجون السرية دون معالجة شفافة. كما أن أي تسوية سياسية تتجاهل ملف المحتجزين ستكون تسوية ناقصة أخلاقيًا وسياسيًا.


رابعًا: ماذا تعني مؤشرات يناير لصانع القرار؟

تعني مؤشرات يناير أن اليمن دخل مرحلة إعادة بناء الدولة من داخل معسكر الشرعية، وليس فقط مواجهة الحوثيين. فالحوثيون ما زالوا خطرًا عسكريًا واقتصاديًا وحقوقيًا، لكن الخطر المباشر في يناير كان مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على إنهاء تعدد مراكز القوة داخل مناطقها.

كما تعني أن نجاح مسار حل المجلس الانتقالي لن يقاس بإعلان الحل، بل بأربعة اختبارات عملية:

الاختبار الأول: هل تستطيع الحكومة توحيد القرار العسكري والأمني فعليًا؟
الاختبار الثاني: هل تستطيع منع ردود الفعل المسلحة أو الاغتيالات أو التخريب السياسي؟
الاختبار الثالث: هل يمكن تحويل الحوار الجنوبي إلى مسار وطني جامع لا إلى منصة لإعادة إنتاج الانفصال؟
الاختبار الرابع: هل ستنعكس استعادة الدولة على الخدمات والرواتب والاقتصاد؟

إن صانع القرار أمام نافذة ضيقة. فإذا استُثمرت لحظة ما بعد حل المجلس الانتقالي في بناء مؤسسات أمنية وخدمية فعالة، فقد تتحول إلى نقطة انعطاف في مسار الدولة. أما إذا أُديرت المرحلة بمنطق الغلبة أو الإقصاء أو البطء الإداري، فقد تتولد موجة اضطراب جديدة.


خامسًا: المخاطر الصاعدة

1. مقاومة شبكات المجلس الانتقالي المنحل

قد تتحول بعض الشبكات السياسية أو العسكرية التي فقدت مواقعها إلى تعطيل أمني، أو تحريض إعلامي، أو احتجاجات منظمة، أو عمليات اغتيال، أو تعطيل للخدمات. وهذا الخطر لا يُواجه بالإجراءات الأمنية فقط، بل يحتاج إلى تفكيك مالي وإداري وقانوني للشبكات الموازية.

2. هشاشة عدن

عدن هي الاختبار الأهم. أي فشل في ضبطها سيضعف صورة الحكومة الجديدة، ويمنح خصومها فرصة لإثبات أن الدولة غير قادرة على إدارة العاصمة المؤقتة. لذلك تحتاج عدن إلى خطة أمنية وخدمية عاجلة، لا إلى إجراءات متفرقة.

3. استمرار النفوذ الإماراتي غير المباشر

رغم الحديث عن الانسحاب، تظهر مؤشرات في سقطرى وميون وأرض الصومال أن النفوذ قد ينتقل من الحضور المباشر إلى شبكات محلية أو ترتيبات بحرية وإقليمية. وهذا يتطلب دبلوماسية يمنية نشطة وملفًا سياديًا موحدًا حول الجزر والممرات.

4. استغلال الحوثيين للمرحلة الانتقالية

قد يستثمر الحوثيون انشغال الحكومة بإعادة ترتيب الداخل لزيادة الضغط العسكري أو الحقوقي أو الإنساني، أو لتعطيل اتفاق الأسرى، أو لإعادة التموضع في بعض الجبهات. وقد يترافق ذلك مع استمرار تمويلهم عبر شبكات تهريب رغم العقوبات.

5. انفجار الملف الحقوقي

السجون السرية، والإخفاء القسري، وأحكام الإعدام الحوثية، واتفاق الأسرى، واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين قد تتحول إلى ملفات ضغط دولية ومحلية إذا لم تُدار بجدية وشفافية.


سادسًا: الفرص المتاحة

1. فرصة إعادة بناء احتكار الدولة للسلاح

إذا استكملت عملية الدمج والتسليم تحت وزارتي الدفاع والداخلية، فستكون هذه خطوة استراتيجية في إعادة بناء الدولة. لكن نجاحها يتطلب إدارة مهنية للرتب، والرواتب، والولاءات، ومراكز القيادة.

2. فرصة تحويل الحوار الجنوبي إلى تسوية داخل الدولة

بدل أن يكون الحوار الجنوبي مدخلًا للانفصال، يمكن تحويله إلى إطار لمعالجة القضية الجنوبية ضمن دولة اتحادية أو ترتيبات عادلة تحفظ وحدة اليمن وتمنح المحافظات حقوقها السياسية والإدارية والاقتصادية.

3. فرصة تحالف إقليمي داعم لوحدة اليمن

تكرار مواقف السعودية وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ودول عربية داعمة لوحدة اليمن يمكن استثماره دبلوماسيًا لإغلاق الباب أمام مشاريع التجزئة، وربط أي دعم دولي بمؤسسات الدولة لا بالتشكيلات الموازية.

4. فرصة ضرب اقتصاد الحوثيين

العقوبات على شبكات التمويل والتهريب تفتح نافذة لتجفيف الموارد الحوثية، بشرط أن تواكبها أدوات يمنية في التتبع المالي والبحري، وجمع المعلومات، والتنسيق مع الشركاء الدوليين.

5. فرصة حقوقية لبناء الثقة

إغلاق السجون غير النظامية، وإطلاق المحتجزين تعسفيًا، ومحاسبة المتورطين، وحماية الشهود يمكن أن تمنح الحكومة أفضلية أخلاقية وسياسية في مواجهة الحوثيين وبقايا التشكيلات الموازية.


سابعًا: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: استعادة منضبطة للدولة

الاحتمال: متوسط

ينجح مجلس القيادة والحكومة الجديدة، بدعم سعودي، في استكمال تسلّم المعسكرات، ودمج التشكيلات، وضبط عدن، وفتح مسار حوار جنوبي تحت سقف الدولة. هذا السيناريو يعزز الشرعية ويضعف شبكات الانفصال والحوثيين معًا.

السيناريو الثاني: مقاومة أمنية وسياسية من الشبكات المتضررة

الاحتمال: متوسط إلى مرتفع

تظهر عمليات تعطيل أو اغتيالات أو احتجاجات منظمة في عدن وحضرموت وسقطرى، بهدف إظهار أن حل المجلس الانتقالي تسبب في فراغ أمني. هذا السيناريو يتطلب حسمًا أمنيًا قانونيًا، لا انتقامًا سياسيًا.

السيناريو الثالث: استغلال حوثي للانشغال الداخلي

الاحتمال: متوسط

يستغل الحوثيون انشغال الدولة بملف الجنوب لإعادة التموضع، أو التصعيد الحقوقي، أو تعطيل اتفاق الأسرى، أو الضغط في الجبهات. وقد يترافق ذلك مع استمرار تمويلهم عبر شبكات تهريب رغم العقوبات.

السيناريو الرابع: تدويل أكبر لملف البحر الأحمر والجزر

الاحتمال: متوسط

تتزايد أهمية ميون وسقطرى وأرض الصومال وباب المندب في الحسابات الإقليمية والدولية، ما قد يخلق فرصًا للدولة اليمنية إذا تحركت دبلوماسيًا، أو مخاطر إذا تُرك الملف لفاعلين خارجيين.


ثامنًا: التوصيات لصنّاع القرار

1. إدارة مرحلة ما بعد حل المجلس الانتقالي كعملية انتقال أمني وسياسي

ينبغي ألا يُنظر إلى حل المجلس الانتقالي كقرار إداري فقط، بل كعملية انتقال معقدة تحتاج إلى خطة زمنية واضحة لتسلّم المعسكرات، ودمج القوات، ومعالجة الرتب والرواتب، وتفكيك الشبكات غير النظامية.

2. توحيد القرار العسكري والأمني تحت وزارتي الدفاع والداخلية

أي استثناءات أو ترتيبات موازية ستعيد إنتاج المشكلة نفسها بأسماء جديدة. المطلوب قيادة واحدة، وقواعد اشتباك واضحة، وسلسلة أوامر مؤسسية.

3. تحويل عدن إلى نموذج نجاح سريع

الأولوية يجب أن تكون للأمن، والخدمات، والرواتب، والميناء، والمطار، والقضاء؛ لأن عدن هي مرآة الدولة الجديدة. نجاح عدن سيمنح الحكومة شرعية عملية، وفشلها سيضعف كل المسار.

4. فتح مسار جنوبي جامع تحت سقف الدولة

ينبغي ألا يُترك الفراغ السياسي بعد حل المجلس الانتقالي دون إطار بديل، وإلا ستملؤه شبكات الغضب أو الانفصال أو الخارج. المطلوب مسار جنوبي يدمج حضرموت والمهرة وسقطرى وعدن وأبين وشبوة ولحج والضالع ضمن رؤية وطنية لا انفصالية.

5. بناء ملف دبلوماسي حول الجزر والممرات البحرية

سقطرى وميون وباب المندب وأرض الصومال يجب أن تصبح ملفًا سياديًا في السياسة الخارجية اليمنية، مع ربطها بالأمن القومي، والتجارة الدولية، ومنع أي ترتيبات خارج سلطة الدولة.

6. إنشاء وحدة رصد مالي وبحري لتتبع تمويل الحوثيين

العقوبات الدولية لن تكفي دون معلومات يمنية دقيقة عن شبكات النفط والتهريب والتحويلات المالية والواجهات التجارية. لذلك تحتاج الحكومة إلى وحدة متخصصة تربط الأمن البحري بالتحليل المالي.

7. إغلاق ملف السجون غير النظامية بشفافية

ينبغي إعلان آلية وطنية للتحقيق، وحماية الشهود، وإطلاق المحتجزين تعسفيًا، ومحاسبة المتورطين، حتى لا تتحول القضية إلى عبء على الدولة في الداخل والخارج.

8. ربط الدعم السعودي والدولي بمؤشرات أداء حكومية

الأمن، والخدمات، والرواتب، والشفافية يجب أن تكون مؤشرات شهرية قابلة للقياس. الدعم الخارجي يجب أن يتحول إلى نتائج يشعر بها المواطن، لا إلى ترتيبات سياسية مغلقة.


تاسعًا: خلاصة تقدير الموقف

يناير 2026 ليس شهر حل المجلس الانتقالي فقط، بل شهر اختبار ما إذا كانت الدولة اليمنية قادرة على استعادة مركزها بعد سنوات من تعدد المراكز المسلحة والسياسية. الفرصة حقيقية، لكنها محفوفة بمخاطر عالية. نجاحها يحتاج إلى توازن دقيق بين الحسم الأمني، والاحتواء السياسي، والمعالجة الحقوقية، والإصلاح الخدمي.

 

نشر :