باب المندب في قبضة الحوثيين.. تحولات موازين القوة في البحر الأحمر

جيوبولتك | 17 سبتمبر 2026 20:37
باب المندب في قبضة الحوثيين.. تحولات موازين القوة في البحر الأحمر

 

 

ملخص الدراسة

أعاد وصول الحوثيين إلى المخا وذوباب وجزيرة ميون ربط مسار الحرب اليمنية بمعادلات الأمن الإقليمي والملاحة الدولية. فقد جمع التقدم بين إضعاف أحد مراكز القوة المناهضة للجماعة وتوسيع حضورها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وتكمن دلالته الاستراتيجية في إمكان توظيف السيطرة البرية والقدرة على التعطيل البحري معاً لتعديل شروط التفاوض مع الحكومة اليمنية والسعودية والقوى الدولية.

وتفترض الدراسة أن القيمة السياسية لهذا التحول تتوقف على قدرة الحوثيين على تثبيت مكاسبهم وإدارتها وتحويلها إلى نفوذ مستدام. فالسيطرة على الشواطئ والجزر اليمنية تعزز الرصد والتهديد وفرض تكاليف على العبور، لكنها لا تعني احتكار المجال البحري أو القدرة على إغلاق المضيق باستمرار. وبالمثل، فإن خسارة مركز عسكري حكومي لا تعني زوال التشكيلات التي كانت تدافع عنه، وإن كانت تضعف موقعها العملياتي والتفاوضي.

ترجح الدراسة، في المدى القريب، محاولة الحوثيين تثبيت مكاسبهم ومواصلة الضغط الانتقائي، مع تجنب تصعيد يستدعي مواجهة دولية واسعة. وفي المقابل، يرتبط احتواء الخسارة بقدرة الحكومة وشركائها على إصلاح القيادة والتنسيق وإعادة بناء ثقة القوات والسكان. ويتمثل أحد المخاطر الرئيسية في نشوء تفاهمات تحمي مصالح بعض الدول والسفن، بينما تترك الصراع اليمني مفتوحاً وتكرس تراجع السلطة العامة على الساحل ومؤسساته.

 

مدخل الدراسة ومنهجها

تبحث هذه الدراسة في أثر التقدم الحوثي على الساحل الغربي وباب المندب في موازين القوة داخل اليمن، وفي خيارات الأطراف الإقليمية والدولية. وينطلق سؤالها الرئيسي من مدى قدرة الجماعة على تحويل المكاسب الميدانية إلى نفوذ سياسي وبحري مستدام، والعوامل التي قد تحد من ذلك. وتتناول موجة التصعيد في سبتمبر/أيلول 2026، مع الاستعانة بالمعطيات السابقة اللازمة لفهم سياقها.

تعتمد الدراسة مقاربة وصفية تحليلية، تجمع تتبع التطورات الميدانية وتحليل مصالح الفاعلين وبناء السيناريوهات المشروطة. وتستند إلى الشهادات والتقارير الإعلامية والبيانات والإحالات المدرجة في هوامشها. وتُقرأ الروايات المنسوبة إلى أطراف الصراع ضمن حدود مصادرها؛ أما تفسيرات الانهيار وترجيحات المسارات المقبلة فهي استنتاجات تحليلية قابلة للمراجعة. ويتطلب تغير السيطرة السريع التمييز بين الوجود الميداني والسيطرة النارية، وبين إعلان المكاسب والقدرة على الاحتفاظ بها.

 

التطورات الميدانية وتشكل نطاق السيطرة الساحلية

بدأت موجة القتال التي تتناولها الدراسة بعد أسابيع من التصعيد، وبرزت بوضوح منذ 3 سبتمبر/أيلول 2026. وفي 5 سبتمبر شنت القوات الحكومية هجوماً من حيس باتجاه الجراحي، بهدف الضغط على خط الاتصال الحوثي بين الحديدة وتعز، وحققت تقدماً واسعاً في هذه الجبهة. وجرت العملية ضمن مجال مترابط يضم السهل الساحلي والمرتفعات الشرقية والطرق الواصلة بين تعز والبحر الأحمر؛ ولذلك يصعب تفسير نتائجها بمعزل عن حركة بقية الجبهات.

بين ليلتي 9 و10 سبتمبر، شن الحوثيون هجوماً معاكساً متعدد الاتجاهات، جمع بين الضغط من الشمال ومن المرتفعات الواقعة شرق السهل الساحلي في الوزاعية وموزع بمحافظة تعز. ووفق مصادر عسكرية شاركت في العمليات، أسهمت سيطرتهم على معسكر خالد بن الوليد ومعسكر جبل النار، الذي يضم قاعدة قيادة المقاومة الوطنية، في وضع المخا تحت السيطرة النارية ودفع القوات الحكومية إلى الانسحاب من جنوب الحديدة ومغادرة المدينة. ودخل الحوثيون المخا وسيطروا على مينائها في 10 سبتمبر.[1]

شكّل سقوط المخا نقطة التحول الأولى؛ فالمدينة مركز لوجستي وميناء ذو قيمة رمزية وقاعدة متقدمة للقوات المناهضة للحوثيين، كما تصل الساحل بتعز وذوباب وباب المندب. وبخسارتها، فقدت القوات الحكومية نقطة ارتكاز للدفاع والإمداد والتحرك شمالاً، فيما اكتسب الحوثيون مساحة تتيح إعادة تنظيم انتشارهم وربط الهجوم بالدفاع.

امتدت السيطرة الحوثية لاحقاً جنوباً نحو ذوباب، بما قرّب الجماعة من المدخل اليمني لباب المندب. وتنبع قيمة الموقع من إمكان تحسين الرصد والإنذار المبكر والضغط على الحركة البحرية، متى توافرت قدرات الاستطلاع والاتصال والإمداد. كما أدى سقوطه إلى تضييق المجال البري المتاح للقوات المناهضة للحوثيين وفرض الدفاع عن خط جنوبي أشد حساسية.

أما جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، فتضيف بعداً مختلفاً إلى المكاسب البرية؛ إذ تقع في قلب مضيق باب المندب، وتمنح القوة الموجودة فيها موقعاً متقدماً للرصد والاتصال والتهديد. وتزيد السيطرة عليها تعقيد مراقبة الساحل من البحر، من دون أن تمنح الجماعة سيطرة تلقائية على المجال البحري بأكمله.

وتضيف السيطرة الحوثية على جزر حنيش الكبرى والصغرى وزقر، وفق المعطيات التي تنطلق منها الدراسة، عمقاً جزيرياً إلى هذا الانتشار. وتوفر الجزر نقاطاً إضافية للمراقبة والاتصال والتوزيع والتمويه، بما يقلل الاعتماد على موقع منفرد. غير أن تحويلها إلى مواقع فعالة يظل مرتبطاً بتأمين حامياتها وإمدادها وحمايتها.

تتشكل بذلك منظومة جغرافية تجمع المدينة والميناء والممرات البرية والجزر المتقدمة: توفر المخا الارتكاز الحضري واللوجستي، وتصل ذوباب الساحل بمدخل المضيق، بينما توسع ميون والجزر الأخرى مجال الانتشار البحري. وتتحدد قيمة هذا الترابط بقدرة الجماعة على تشغيل المواقع ضمن منظومة واحدة، وليس بمجرد إعلان السيطرة عليها.

ولا تساوي هذه المكاسب السيطرة على كل الساحل الغربي أو الإغلاق الشامل لباب المندب. فالمعطيات البحرية التي تستند إليها الدراسة لا تثبت توقف الملاحة كلياً. ومع ذلك، يمكن لاحتمالات الاستهداف أو الاعتراض أن ترفع تكاليف التأمين وتدفع المشغلين إلى تعديل المسارات، حتى مع استمرار عبور السفن.

 

تفسير الانهيار العسكري وحدود تثبيت المكاسب

تفسر الدراسة سرعة التراجع الحكومي بتفاعل الاستعداد الهجومي الحوثي مع اختلال التنظيم الدفاعي. ولا تكفي الأدلة المتاحة لإرجاع الانهيار إلى سلاح واحد أو قرار منفرد؛ إذ يبدو أن الاستنزاف السابق ترافق مع خلل في القيادة والإسناد والاحتياط، فحوّل خسائر كان يمكن احتواؤها إلى تراجع متسارع. وتتمثل الفرضية الأساسية في أن التشكيلات المدافعة اشتركت في الجبهة من دون أن تمتلك بالضرورة منظومة موحدة لاتخاذ القرار وتبادل المعلومات وتوزيع الموارد عند اشتداد الضغط.

وتشير شهادات إلى نقص القوة البشرية الفعلية؛ إذ نقل تقرير إعلامي عن مصدر غربي أن الموجود في بعض الوحدات كان يقارب خُمس القوام المسجل بسبب أسماء وهمية.[2] وفي المقابل، أشاد بيان المقاومة الوطنية بالإسناد الجوي ومشاركة العمالقة ودرع الوطن ومتطوعي القبائل، وفسر الانسحاب بالحاجة إلى تجنب التطويق والحفاظ على القوة. كما أعلن سقوط أكثر من 500 قتيل ونحو 1500 جريح من منتسبيه خلال الفترة التي تناولها، وهي حصيلة صادرة عن الطرف نفسه وليست إحصاءً مستقلاً. وتختلف هذه الروايات في تفسير كفاية الموارد والمساندة، لكنها لا تتيح الجزم بغياب الإسناد كلياً؛ لذا يتركز التقييم على توقيته وكفايته وأثره الفعلي.

يمكن تنظيم العوامل المفسرة للانهيار في خمسة مستويات مترابطة: المبادرة الهجومية، وتعدد محاور الضغط، وانكشاف طرق الإمداد، والحرب النفسية، وأزمة ترتيب الأولويات السياسية والعسكرية. وتمثل هذه المستويات تفسيراً تحليلياً للأحداث، لا نتائج تحقيق ميداني يحسم مسؤولية كل قيادة أو وحدة.

المبادرة الهجومية: اختار الحوثيون توقيت الهجوم المضاد واتجاهاته، فيما توزعت مهام القوات الحكومية على جبهة واسعة شملت حيس والجراحي والمخا وذوباب والجزر، إلى جانب الكدحة ومقبنة وجبل حبشي في غرب تعز. وإذا كان التقدم الحكومي باتجاه الجراحي قد استهلك جزءاً من الاحتياط والاهتمام، فمن المرجح أن الهجوم الحوثي استفاد من هذا التوزيع. وتبقى هذه علاقة تفسيرية محتملة، لا دليلاً على أن الهجوم الحكومي وحده تسبب في سقوط المخا.

تعدد محاور الضغط: جمع الهجوم بين تهديد الممرات والأجنحة واستغلال المرتفعات والتأثير النفسي والإعلامي، ما فرض على المدافعين الاستجابة المتزامنة في قطاعات متباعدة. ويتطلب ذلك احتياطاً مشتركاً وقيادة قادرة على توجيهه، بينما يضم المعسكر الحكومي تشكيلات تختلف في قياداتها واتصالاتها ومصالحها وأولوياتها السياسية. ويشكل هذا التشظي قيداً بنيوياً على توحيد القيادة والسيطرة.[3]

انكشاف الإمداد والعمق الدفاعي: لا تكفي المحافظة على المباني والنقاط العسكرية إذا فقدت القوة الطرق الخلفية والمرتفعات والممرات التي تصلها بعمقها. وتساعد هذه الفجوة على تفسير أثر خسارة معسكري خالد بن الوليد وجبل النار المطلين على المخا، وكذلك أهمية معسكر العمري في مديرية ذوباب. فقد أضعف الضغط على محيط المواقع قيمة التحصينات الموضعية، وحدّ من قدرة القوات المدافعة على العمل ضمن منظومة متماسكة.

وتفسر هذه العلاقة توالي الانسحابات من دون معركة طويلة في كل موقع. فعندما تخشى وحدة انسحاب القوات المجاورة أو انقطاع طريقها الخلفي، قد تتقدم أولوية حفظ الأفراد على تثبيت الموقع. ويمكن أن يكون بعض الانسحاب مبرراً تكتيكياً، لكن غياب قيادة تنقله إلى خط دفاع جديد يحوله إلى سلسلة قرارات محلية تتراكم آثارها. وبذلك، لا تلغي نجاة بعض التشكيلات وقوع انهيار عملياتي على الساحل، كما لا تثبت الخسارة انهيار المعسكر الحكومي في عموم اليمن.

الحرب النفسية: رافقت الهجوم إعلانات سريعة عن التقدم ورسائل تدعو إلى الاستسلام والعفو، وتؤكد فقدان المواقع الحكومية القدرة على الصمود. ويصعب قياس أثر هذه الرسائل من البيانات وحدها، إلا أن تزامنها مع سقوط مركز رمزي وانسحاب وحدات إلى الجنوب يرجح أثرها في معنويات القوات والسكان. وقد أسهم توقع سقوط المواقع في تسريع التراجع، إلى جانب الضغط العسكري المباشر.

أزمة ترتيب الأولويات: واجه المعسكر الحكومي خيارات متزامنة بين استعادة المخا، والدفاع عن ذوباب والجزر قبل فقدانها، ومنع انتقال القتال إلى لحج وعدن، والحفاظ على تماسك جبهات تعز ومأرب والضالع. ومع غياب قرار مركزي يحدد الأولويات ويوزع الموارد، يزداد ميل التشكيلات إلى حماية نطاقاتها المحلية على حساب الخطة المشتركة.

أما فرضية الاختراق الاستخباري البشري أو مسؤولية قائد بعينه عن الخيانة، فلا تحسمها الأدلة العلنية المعروضة في الدراسة. فقد يمتلك الحوثيون تفوقاً في الاستطلاع وجمع المعلومات وفهم شبكات الخصم، لكن ذلك لا يثبت وجود شبكة تجسس محددة داخل القوات الحكومية. ويقتضي البحث الفصل بين تقييم الأداء الاستخباري وتوجيه اتهامات فردية، تجنباً لتحويل تفسير الهزيمة إلى تصفية حسابات تزيد التفكك.

وفي الجانب المقابل، يفرض تثبيت المكاسب على الحوثيين أعباء تتجاوز متطلبات الاختراق السريع. فهم يحتاجون إلى إدارة المخا وتأمين محور المخا وذوباب وخطوط الاتصال، وإمداد القوات المنتشرة على الساحل والجزر، والاستعداد للضربات الجوية والبحرية. وقد تتحول السيطرة الجزيرية إلى عبء إذا تجاوزت كلفة حمايتها وإدامتها قيمتها العملياتية والسياسية.

وتبقى أمام القوات الحكومية فرص للاحتواء إذا أعادت بناء القيادة ونسقت عمل الوحدات المنسحبة وأوقفت امتداد الانهيار. ويقاس استرداد المبادرة بالقدرة على حماية السكان والطرق والاحتفاظ بالمواقع المستعادة، لا بعدد الضربات أو بإعلان دخول موقع لفترة محدودة. ومن ثم، يتوقف أثر أي هجوم مضاد على وجود خطة قابلة للاستمرار لما بعد التقدم الأول.

 

التحولات في موازين القوة داخل اليمن

تضعف خسارة المخا موقع عضو مجلس القيادة طارق صالح والمقاومة الوطنية التي يرأسها داخل المعسكر المناهض للحوثيين، لأن النفوذ السياسي لهذه التشكيلات يستند إلى الأرض والقدرة على توفير الأمن والخدمات واستقطاب الدعم. وتنعكس الخسارة على وزنها التفاوضي داخل مجلس القيادة الرئاسي وعلاقاتها برعاتها، من دون أن تعني زوال قواتها وشبكاتها. ويتوقف مسارها اللاحق على إعادة دمجها في مشروع دفاع مشترك أو تحول تراجعها إلى مدخل لتقاسم نفوذها وتصفية الحسابات معها.

ويواجه مجلس القيادة الرئاسي اختباراً يتعلق بقدرته على تحويل التوافق السياسي إلى مؤسسات للعمل المشترك،فاختلاف القواعد الاجتماعية والمشروعات السياسية والأولويات المحلية لمكوناته قد يدفع مكوناته إلى تحصين مناطقها والاحتفاظ بمواردها بعد الخسارة. وفي هذه الحالة، يعيد الانهيار إنتاج التجزؤ الذي أسهم فيه. أما احتواء هذه الدينامية فيتطلب توزيعاً واضحاً للمسؤوليات وضمانات متبادلة بشأن القيادة والموارد والسلطة.

كما يضع التطور مفهوم «الردع المتكامل» الذي تبنته القيادة الحكومية أمام اختبار عملي. فالجمع بين الأدوات العسكرية والمالية والسياسية يقتضي تحديد وظيفة كل أداة وصلتها بالهدف. وقد تنقل القيود الاقتصادية غير المصحوبة بضبط المنافذ وتحسين الموارد والخدمات جزءاً من الكلفة إلى المجتمعات الحكومية، فيما تتكيف شبكات الخصم. وبالمثل، لا ترفع زيادة القوات فعاليتها ما لم تعالج الخلافات على القيادة. ويصبح معيار الردع القدرة على تنفيذ قرارات محددة ومستمرة وإقناع الخصم باستدامتها.

ويكتسب إشراك القوى التهامية والسكان المحليين أهمية مباشرة في أي ترتيبات لاحقة. فاسترداد المدن من دون إعادة بناء الثقة قد ينتج سيطرة عسكرية هشة. وفي هذا السياق، يبرز قرار تشكيل المقاومة التهامية وتعيين زايد منصر، الذي تناولته وكالة 2 ديسمبر في 13 سبتمبر 2026.[4]ويمكن أن يوفر فصلها التنظيمي عن المقاومة الوطنية مجالاً لمعالجة شكاوى التهميش، إذا اقترن بتمثيل فعلي وتنسيق يمنع إضافة انقسام جديد.

وفي تعز، يزيد تراجع الساحل الضغط على الاتصال بالمخا والحركة عبر الريف الغربي، لكنه لا يجعل سقوط المدينة نتيجة حتمية؛ إذ تحتفظ جبهاتها بخصائصها العسكرية والتضاريسية والترتيبات المحلية. ويتحدد حجم التأثر بسلامة المداخل وتماسك القطاعات وقدرتها على استيعاب تحول الضغط.

أما في لحج والضالع وعدن، فقد يسبق الأثر السياسي التحول العسكري. فاقتراب القتال يرفع حساسية ترتيبات القيادة والتجنيد وانتشار القوات، وقد يدفع إلى التعاون أو إلى التنافس على تمثيل الدفاع عن الجنوب. ولذلك يرتبط احتواء الخطر بتسوية مصالح القوى المحلية وهواجسها، وتوضيح العلاقة بين المشاركة العسكرية وترتيبات السلطة بعد المعركة.

وقد تتأثر مأرب والجوف بإعادة توزيع الموارد والانتباه قبل امتداد الهجوم الساحلي إليهما مباشرة. يستطيع الحوثيون الضغط هناك لتشتيت خصومهم، فيما قد ترى الحكومة في تنشيط جبهات أخرى وسيلة لإعاقة تثبيت مكاسب الجماعة. غير أن جدوى توسيع المواجهة تظل مرتبطة بالموارد والتنسيق والاستدامة وأثرها على السكان، خصوصاً لدى قيادة تواجه أصلاً صعوبة في إدارة جبهاتها.

وعلى الجانب الحوثي، يمثل التقدم مورداً سياسياً للتعبئة وتعزيز تماسك الجماعة بعد أعباء الخسائر والاقتصاد والحشد. وبحسب المعلومات المتاحة، زاد سعر جالون البنزين بمقدار 1000 ريال، بما يعادل نحو دولارين، في مناطق سيطرة الجماعة بعد أيام من التقدم. ولا يثبت التتابع الزمني وحده علاقة سببية بين الحدثين، لكنه يضع المكسب العسكري إلى جانب استمرار الأعباء الاقتصادية على السكان. ويرجح أن يوسع الانتصار هامش القيادة مؤقتاً، من دون أن يحل أزمات الرواتب والخدمات أو يضمن قبول المجتمعات الجديدة بسلطتها.

ولا يمكن التعامل مع المجتمع الساحلي بوصفه كتلة تنتقل ولاءاتها تلقائياً مع تغير السيطرة. فقد يلجأ السكان إلى الصمت أو التكيف لحماية أمنهم وأرزاقهم من دون تأييد السلطة الجديدة. وتؤثر ممارسات الاعتقال والجباية والتجنيد والتصرف بالممتلكات في كلفة تثبيت السيطرة. وفي المقابل، تشكل معاملة النازحين وقدرة الحكومة على رعايتهم اختباراً لاستمرار ثقة المجتمعات التي فقدت السيطرة على مناطقها.

 

 

التداعيات البحرية والإقليمية والدولية

يقوم تقييم المكسب البحري على التمييز بين السيطرة على الأرض، والقدرة على تعطيل استخدام المجال البحري، والقدرة على تنظيم الملاحة وحمايتها بصورة مستمرة. ويعزز التقدم الحوثي المستوى الأول ويوسع بعض أدوات المستوى الثاني، بينما يتطلب المستوى الثالث إمكانات والتزامات أوسع. وعليه، فإن الوصف الأكثر دقة هو اتساع القدرة على الإكراه البحري، مع بقاء تحويلها إلى تحكم مستدام موضع اختبار.

امتلك الحوثيون أدوات لتعطيل الملاحة قبل هذا التوسع، تشمل الصواريخ والمسيّرات والزوارق المسلحة وغير المأهولة والألغام. وتضيف المواقع الجديدة خيارات للانتشار والمراقبة، لكنها تزيد أيضاً الحاجة إلى المعلومات والاتصالات والصيانة والذخائر والإمداد. لذلك يرجح أن تميل الجماعة إلى التعطيل الانتقائي، على غرار الحظر الذي أعلنته على السفن السعودية، للحفاظ على الضغط وتقليل احتمال الرد الواسع. ومع ذلك، يصعب حصر الأثر الاقتصادي والسياسي في السفن التي تعلن استهدافها وحدها.

وتبرز أهمية التوقيت في بيانات تدفقات النفط والسوائل البترولية التي تنقلها الدراسة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية؛ إذ ارتفع المرور عبر باب المندب من 5.6 ملايين برميل يومياً في الربع الأول من 2026 إلى 8.1 ملايين في الربع الثاني، بينما انخفض عبر هرمز من 14.9 إلى 4.9 ملايين برميل يومياً. وهذه متوسطات فصلية منشورة ضمن بيانات أغسطس/آب، ولا تقيس حركة الملاحة بعد سقوط المخا.[5] وتوضح، ضمن نطاقها الزمني، تصاعد أهمية البحر الأحمر في توزيع تدفقات الطاقة قبل التطور الميداني الأخير.

بالنسبة إلى السعودية، يضاعف تزامن اضطراب هرمز والبحر الأحمر حساسية أمن التصدير. فنقل النفط إلى الساحل الغربي يتيح تقليص الاعتماد على المنفذ الشرقي، لكن تعرّض خطوط النقل أو الملاحة من موانئ البحر الأحمر للضغط يحد من هذه المرونة. وفي 14 سبتمبر، نقلت أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين أن إصلاح أضرار خط شرق غرب قد يستغرق أسابيع.[6] وتشير معلومات عن الهجوم إلى انطلاقه من جهة العراق، وإلى وجود منظومات صواريخ ومسيّرات للحوثيين هناك وعلاقات مع جماعات مسلحة مدعومة من إيران. ولا يثبت تزامن الضغوط وجود قيادة عمليات موحدة، لكنه يبرز احتمال تعرض بدائل التصدير لمخاطر متداخلة.

ويظل اتجاه الشحن عاملاً حاسماً؛ فليست جميع صادرات ينبع مضطرة إلى عبور باب المندب. تختلف الشحنات المتجهة شمالاً نحو قناة السويس والبحر المتوسط عن المتجهة جنوباً إلى الأسواق الآسيوية. ومن ثم، يزيد التهديد عند المدخل الجنوبي كلفة بعض المسارات ويضعف مرونة التصدير، من دون أن يعني إغلاق جميع منافذ النفط السعودي.

تدفع هذه المعادلة الرياض إلى إدراج الساحل اليمني ضمن أمنها الاقتصادي المباشر. غير أن الاستجابة تتوقف على تحديد الهدف: تقليص الهجمات، أو حماية الصادرات، أو استعادة السيطرة الحكومية، أو تعديل ميزان الحرب. ويمكن أن تتكامل هذه الأهداف، لكنها تختلف في الموارد والالتزامات السياسية والعسكرية التي تتطلبها.

وفي هذا السياق، تأتي المشاورات السعودية بشأن تفعيل «اتفاقية مكة الدفاعية» بين السعودية وتركيا وباكستان. وبحسب المعطيات المتاحة، تعتبر الاتفاقية الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، وتستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن أثرها العملي يتوقف على طبيعة الاعتداء وتقدير الدول الأطراف للاستجابة المناسبة. وقد نُقل عن الخارجية الباكستانية في 10 سبتمبر عدم وجود مناقشات آنذاك بشأن رد عسكري بموجب الاتفاقية، مع تأكيد الالتزام بها عند الحاجة. ويشير هذا الموقف إلى أولوية الردع والتشاور في تلك المرحلة؛ فالدفاع عن الأراضي والمنشآت السعودية لا يستلزم بالضرورة مشاركة تلقائية في حرب برية داخل اليمن.

أما إيران، فيتيح تقدم حليفها توسيع الضغط الإقليمي. وتشير تقارير إلى طلب طهران من الحوثيين تنفيذ هجمات على السعودية، ووعدهم بتمويل وأسلحة إضافية، وعن إرسال قادة في الحرس الثوري للمشاركة في قيادة عمليات الساحل والهجمات على السعودية.[7] وتكشف هذه الرواية، بقدر ما تؤيده أدلتها، عن صلة بين المعركة اليمنية والضغط الإيراني على السعودية.

وللحوثيين، في الوقت نفسه، مصالح تتصل بسلطتهم ومنافسيهم وتمويلهم داخل اليمن. وقد تمنحهم المكاسب هامشاً تفاوضياً في العلاقة مع طهران، بينما تظل التسويات الإقليمية التي تمس وضعهم الداخلي مصدر قلق محتمل. وفي الجانب الإماراتي، تبرز رواية تحمل الإدارة السعودية للمعركة مسؤولية خسارة مكاسب أسهمت أبو ظبي في تحقيقها سابقاً، فيما تتحدث تقارير عن دور غير مباشر للإمارات في وصول الحوثيين إلى باب المندب [8]، ويعكس هذا التفسير تنازعاً على مسؤولية الانهيار، ولا يكفي بمفرده لإثبات أسبابه أو نسبته إلى الموقف الإماراتي الرسمي.

وتحضر مصر بحكم ارتباط المرور في باب المندب بقناة السويس وبالمسارات الشمالية لصادرات البحر الأحمر. وقد تجمع مصالحها بين حماية العبور وتجنب مواجهة توسع تعطيله. لذلك لا يكفي اتفاق دول الإقليم على أهمية المضيق لبناء استجابة مشتركة؛ إذ يتطلب ذلك تقارب تقديرات الخطر وتوزيع الأعباء وتحديد المسؤوليات والغايات.

وتتفاوت مصالح دول القرن الأفريقي والضفة الغربية للبحر الأحمر وفق مواقعها وقدراتها وعلاقاتها. تواجه جيبوتي مباشرة ضغوط النزوح والإنقاذ والاستقبال، فيما تتأثر إريتريا والصومال والسودان بدرجات مختلفة بمخاطر التجارة والملاحة. وينقل تحديث 13 سبتمبر المنسوب إلى المنظمة الدولية للهجرة نزوح 82,164 شخصاً منذ بداية الشهر، ووصول أكثر من ألفي شخص إلى جيبوتي.[9] ويضيف ذلك بعداً إنسانياً عابراً للحدود، ويؤكد أهمية التعامل مع دول الضفة الغربية كشركاء ذوي أولويات مستقلة. وقد يدفع الاضطراب إلى تعاون أوسع أو ترتيبات جديدة للموانئ والوجود الأمني، بما يزيد تدويل الساحل ويهدد بتراجع وزن احتياجات مجتمعاته المحلية.

وتوازن الولايات المتحدة والقوى البحرية بين حماية الملاحة وتجنب الانجرار إلى مواجهة أوسع. ونُقل عن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أن البيت الأبيض يجري اتصالات مباشرة مع الحوثيين.[10] كما نُقل عن دونالد ترامب أن الحوثيين طلبوا عدم الدخول في حرب معهم. وتدل قنوات الاتصال على إمكان إدارة الاحتكاك، لكنها لا تحسم مسار الاستجابة إذا اتسع الاستهداف وطال سفناً أو قوات من دول متعددة؛ إذ يظل القرار مرتبطاً بالموارد والالتزامات وتقدير كلفة التصعيد، وبحدود الاستعداد الأميركي للتعاون مع السعودية.

ويتيح تباين أولويات القوى الخارجية للحوثيين محاولة فصل المسارات، بتخفيف الاحتكاك مع طرف واستمرار الضغط على آخر. وتنشأ من ذلك مخاطرة قبول ترتيبات عبور خاصة، وربما مدفوعات مقابل المرور، تعالج أمن بعض السفن من دون دعم استعادة سلطة الحكومة اليمنية. وإذا نشأت مثل هذه الترتيبات، فقد يتحسن أمن العبور جزئياً فيما تتسع قدرة الجماعة على استخدام التهديد للحصول على موارد وتنازلات.

وقد يخفف التعامل مع الحوثيين بوصفهم ضامناً محلياً للعبور الخطر مؤقتاً، لكنه يرفع قيمة التهديد باعتباره وسيلة للحصول على الاعتراف والتنازلات. وتقرأ الدراسة إعلان الجماعة الحظر على السفن السعودية منذ 20 يوليو/تموز ضمن هذا النمط من الضغط، بهدف دفع الرياض إلى تقديم تعويضات وتنازلات تتصل بوضع الجماعة وسلطتها على مناطق سيطرتها.

وفي الموقف الروسي، نُسب إلى المتحدث باسم الكرملين حديث عن متابعة التطورات اليمنية المتسارعة وإشارة إلى «شرعية الطرف الذي يحكم اليمن».[11] وقد تُقرأ هذه الإشارة بوصفها انفتاحاً على مراجعة الموقف من الحكومة المعترف بها دولياً، لكنها لا تساوي قراراً بإلغاء الاعتراف. وتكمن أهميتها في احتمال انتقال أثر المكاسب العسكرية إلى البيئة الدبلوماسية للصراع؛ فإذا تطورت إلى تغيير رسمي في الموقف الروسي، فإنها ستمنح الحوثيين مكسباً يتجاوز السيطرة الميدانية.

 

خيارات الاستجابة ومسارات الحرب والتسوية

تبدأ خيارات الحكومة وشركائها بوقف التدهور ومنع خسارة عمق جديد، ثم استعادة القدرة على العمل المشترك وتحديد نطاق الاسترداد الممكن. ويتطلب ذلك توضيح العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية ومسؤولية كل تشكيل، وربط الدعم بالقوام والقدرات الفعلية. فإعلان أهداف واسعة قبل بناء أدوات تنفيذها قد يستهلك الموارد ويعمق فقدان الثقة.

ويبقى الهجوم المضاد خياراً إذا توافرت قيادة متماسكة ومساندة مستمرة، على أن يقاس نجاحه بالاحتفاظ بالمواقع وحماية السكان واستعادة الحركة والخدمات. كما يتطلب تقليص الإمداد العسكري الحوثي تعاوناً في الرقابة وإنفاذ القيود القائمة، مع حماية التجارة والإغاثة؛ لأن تحميل المدنيين كلفة عامة قد يوفر للجماعة موارد جديدة للتعبئة.

ولا يجعل انكشاف الساحل استعادته مهمة سهلة؛ فالتفوق الجوي أو البحري يرفع كلفة الوجود المسلح، لكنه لا ينشئ سلطة برية مستقرة من دون شركاء قادرين ومقبولين محلياً. كذلك لا تكفي استعادة ميون وحدها لإنهاء تهديد الملاحة، الذي سبق السيطرة عليها. ولذلك يجمع معيار النجاح بين تقليص القدرة على الإكراه واستقرار المؤسسات وحماية المدنيين وتغير خريطة السيطرة.

وقد يدفع الانتصار الحوثيين إلى التشدد التفاوضي، باعتباره دليلاً في نظرهم على فاعلية الجمع بين الهجمات على السعودية والضغط البحري والتقدم البري. ويرجح أن يسعوا إلى ترجمة المكاسب إلى تنازلات تتعلق بالموانئ والمطار والرواتب والإيرادات والاعتراف السياسي، تحت عنوان «استحقاقات السلام»، مع ضمانات تحد من احتمال الهجوم على مناطق سيطرتهم مستقبلاً.

في المقابل، يصعب على السعودية والحكومة قبول تفاهم يكرس خسارة المخا والوجود الحوثي في ذوباب وميون من دون مقابل، لما لذلك من أثر على الردع وأمن الملاحة. ومن ثم، قد تسبق المفاوضات الجدية أو ترافقها محاولة لتعديل الوضع الميداني، باستعادة مواقع أو إعاقة تثبيت السيطرة ومنع توسعها. وتتناول السيناريوهات التالية المدى القريب بعد التطورات التي ترصدها الدراسة؛ وهي مسارات قابلة للتداخل، إذ يمكن أن يتزامن الهجوم المضاد مع دعم إقليمي أوسع ومفاوضات سياسية.

 

السيناريو الأول: احتواء التقدم وتثبيت خطوط تماس جديدة

يفترض نجاح القوات الحكومية في وقف الانسحابات وحماية عمقها، مقابل انشغال الحوثيين بإدارة المكاسب وتثبيتها. وتستمر في ظله الغارات والاشتباكات والضغوط البحرية من دون تغير جغرافي واسع. وتدعمه مؤشرات تباطؤ تبدل المواقع وانتظام التعزيزات وتحسن استقرار الحركة المدنية. وترجحه الدراسة في المدى القريب بصورة مشروطة، لأنه يجمع حاجة الحوثيين إلى تثبيت مكاسبهم وحاجة خصومهم إلى إعادة التنظيم. لكنه يكرس الخسارة مؤقتاً ويفتح تنافساً على شروط الجولة التالية.

 

السيناريو الثاني هجوم حكومي مضاد

يتطلب تماسكاً قيادياً وتوافقاً بين الشركاء وموارد تكفي لما بعد التقدم الأول. وتدعمه عودة الوحدات المنسحبة إلى مهام منظمة وتكامل التشكيلات واستعادة مواقع يتبعها حضور مستمر. ولا تكفي كثرة الغارات والتصريحات لإثبات تحقق شروطه. وتضعف فرصه إذا استُعجل لتعويض الخسارة معنوياً، أو تنافست القيادات على نسب الإنجاز، أو استُهلك الاحتياط قبل تأمين المكاسب؛ فقد تثبت المحاولة الفاشلة التفوق الحوثي بدلاً من تقليصه.

 

السيناريو الثالث: توسع حوثي إضافي

يرتبط باستمرار ضعف التنسيق الحكومي وتوافر قدرة حوثية على الجمع بين تثبيت المكاسب والهجوم في محاور أخرى. وتتمثل مؤشراته في انتقال الضغط إلى جبهات جديدة أو توسيع السيطرة في الأطراف الساحلية المتنازع عليها. وبالنسبة إلى ميون، التي تنطلق الدراسة من وقوعها تحت السيطرة الحوثية، يدور الاختبار حول تثبيت الوجود وتحويله إلى قدرة مستدامة. وتضعف فرص التوسع إذا تعثرت الإمدادات وتصاعدت أعباء إدارة المناطق والجزر.

 

السيناريو الرابع : انخراط سعودي وإقليمي أوسع

 يزداد احتماله مع استمرار الهجمات على السعودية أو تعاظم الضرر على صادراتها وموانئها، أو تعرض العمق الحكومي لخسائر إضافية. وقد يبدأ بتوسيع الدعم والتنسيق والحماية البحرية، ثم يتطور إلى انخراط قتالي أكبر. وتتمثل مؤشراته في ترتيبات قابلة للتحقق تخص القوات والتمويل والتفويضات، لا في الزيارات والبيانات وحدها. وتحد منه الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية، خصوصاً إذا غاب اتفاق واضح على غاية التدخل وحدوده. ويمكن لهذا المسار أن يدعم الاحتواء أو الهجوم المضاد، بدلاً من أن يكون بديلاً منفصلاً عنهما.

 

السيناريو الخامس: مساومة سياسية تستوعب نتائج الميدان:

يسعى الحوثيون فيه إلى تحويل التقدم إلى تنازلات أمنية واقتصادية واعتراف بدورهم، فيما تحاول الحكومة وشركاؤها منع تثبيت الخسارة من دون مقابل. وتزداد فرص الترتيبات المحدودة مع تعذر الحسم وارتفاع كلفة الملاحة والنزوح وتوافر قنوات تفاوض وضمانات تنفيذ. وقد تتزامن هذه المساومة مع استمرار القتال؛ فالتهدئة البحرية القطاعية لا تعني بالضرورة تسوية يمنية شاملة.

ويتيح استمرار الاتصال أساساً لهذا المسار من دون إثبات قرب الاتفاق. وقد دعا غروندبرغ في إحاطته 15  أيلول/سبتمبر إلى إبقاء التواصل مفتوحاً، وأشار إلى لجنة التنسيق العسكرية باعتبارها منصة لمعالجة الحوادث والمسائل الإنسانية. وتنبع أهمية هذه القنوات من خفض مخاطر سوء التقدير وحماية الحركة المدنية، بينما يتطلب الاتفاق المستدام معالجة التمثيل والسلطة والموارد والأمن، بما يتجاوز تثبيت خطوط التماس.

 

خلاصة:

محددات الاستقرار واستدامة الترتيبات

تحتاج الترتيبات القابلة للاستمرار إلى ربط سلامة الملاحة بحماية السكان ومؤسسات الساحل. فالتفاهم الذي يؤمّن سفناً بعينها ويترك الاقتتال والتهجير يعالج مصلحة جزئية مع إبقاء أسباب التصعيد. وتشمل متطلبات الاستدامة حماية الموانئ المدنية والعاملين الإنسانيين، وضمان وصول السلع، وآليات مراقبة واضحة، ومساراً سياسياً تمثل فيه القوى والمجتمعات المتأثرة. كما ينبغي تجنب تحويل الرقابة على التهريب والتمويل إلى قيود عامة تزيد اعتماد السكان على الوسطاء المسلحين.

ويتحدد الوزن الاستراتيجي للمكاسب بمدى تأثيرها في قرارات الأطراف الأخرى. فإذا احتفظ الحوثيون بالمواقع وفرضوا شروطاً تفاوضية جديدة، أمكنهم تحويل الأرض إلى نفوذ. أما إذا تعطلت الإدارة وارتفعت كلفة الإمداد وتماسكت الجبهة المقابلة، فقد تتراجع قيمة السيطرة رغم استمرارها اسماً. لذلك تتطلب متابعة التحول قياس نتائجه السياسية والاقتصادية والإدارية إلى جانب خريطة الانتشار العسكري.

وعليه، ترتبط الوجهة اللاحقة للحرب بتفاعل قدرة الحوثيين على تثبيت الوجود الساحلي، وقدرة الحكومة وشركائها على إعادة التنظيم، وطبيعة استجابة القوى الإقليمية والدولية للتهديد البحري. ويظل الترجيح مفتوحاً للمراجعة مع ظهور مؤشرات جديدة: انتظام القيادة الحكومية، واستدامة الإمداد الحوثي، ونمط استهداف السفن، ومضمون التفاهمات السياسية. فالمكاسب الأخيرة وسعت نفوذ الجماعة وأضعفت خصومها، لكنها فرضت عليها أيضاً أعباء الاحتفاظ بالأرض والسكان والمنشآت في بيئة تتزايد فيها الرقابة والضغوط الخارجية.

 

مراجع:

 

[1] مصادر عسكرية شاركت في العمليات ضد الحوثيين في الساحل الغربي. 

[2]‘A f***-up of epic proportions’: Blame game begins after Iran-backed Houthis’ lightning advance down Red Sea coast 

https://kvia.com/news/us-world/cnn-world/2026/09/11/a-f-up-of-epic-proportions-blame-game-begins-after-iran-backed-houthis-lightning-advance-down-red-sea-coast/

[3] خدمة أبحاث الكونغرس، اليمن: في إيجاز، 12 مايو 2026 

https://www.everycrsreport.com/reports/R48942.html

[4] وكالة 2 ديسمبر، قرار تشكيل المقاومة التهامية وتعيين زايد منصر. 13 سبتمبر 2026.

https://www.2dec.net/news83446.html

[5] إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بيانات أمن الطاقة العالمي. أغسطس 2026. الجداول 2 و4 و6؛ تدفقات حتى الربع الثاني.https://www.eia.gov/outlooks/steo/report/energysecurity/article.php

[6] Associated Press (2026) ‘Saudi pipeline hit by drones will be out of service for weeks, further restricting oil flow’, 14 September https://apnews.com/article/8c18d82c109a8ea91347ce53c0096c53

[7] Houthis advance along Yemeni coast, threaten Saudi oil exports in the Red Sea

https://www.al-monitor.com/originals/2026/09/houthis-advance-along-yemeni-coast-threaten-saudi-oil-exports-red-sea

[8] Bab al-Mandab for UAE Security: UAE Agreed to Fund Houthi Campaign in Deal with Iran

https://shebaintelligence.uk/bab-al-mandab-for-uae-security-uae-agreed-to-fund-houthi-campaign-in-deal-with-iran-source-says

[9] تحديث النزوح في اليمن 13 سبتمبر/أيلول 2026 

https://www.miragenews.com/yemen-displacement-hits-85000-2000-flee-to-1743194/

https://www.imo.org/en/mediacentre/pages/whatsnew-2490.aspx

[10] Vance says US in direct talks with Houthis after Red Sea island seizure https://www.aa.com.tr/en/us-israel-iran-war/vance-says-us-in-direct-talks-with-houthis-after-red-sea-island-seizure/4057050

[11] Песков заявил, что РФ будет изучать обстановку в Йемене https://tass.ru/politika/28107865?utm_referrer=https%3a%2f%2ft.co%2f

نشر :