لعبة امريكا الخطرة بين الحوثيين والسعودية

2019-10-03   Reads: 1000
وكالات

مقدمة

تواجه الحرب في اليمن مرحلة جديدة، بدرجة حِدة المنعطف الذي تواجهه المنطقة مع احتشاد وتوتر دولي بعد القصف الذي تعرضت له منشئتي نفط تابعتين ل"أرامكو" السعودية يوم (14 سبتمبر/أيلول2019)، وعلى الرغم من تبنيّ الحوثيين للعملية إلا أن أصابع الاتهام توجهت إلى إيران. وهذه العملية واحدة من المحددات الجديدة التي تدفع اليمن إلى مرحلة جديدة للغاية ضمن مجموعة من المحددات التي تحدث منذ مطلع العام الجاري.

،،

اليمن تقع أسفل أجندة سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وفي معظم الحالات تعتبر مُلحقة بأجندتها المتعلقة بسياستها تجاه السعودية

،،

بدلاً من أن تؤدي مهاجمة قلب صناعة النفط السعودية، إلى ضغوط دولية على الحوثيين الذين أصبحوا يهددون مصادر الطاقة وممرات التجارة العالمية توجهت الضغوط لبحث الاستفادة من العملية ضمن سياسة "الضغوط القصوى" ضد إيران، وهي نظرة من ثقب الولايات المتحدة بتحييد أدوات المنطقة التابعة لإيران وتوجيه الضغط نحو النظام في طهران الذي يدعم ويمول الحوثيين، وعلى الرغم من كون هذه النظرة قاصرة تجاه التهديد الذي تمثله حركة الحوثيين على السعودية، إلا أنه يشير إلى الرؤية الأمريكية الجديدة التي لا تهتم بمصالح حلفائها ومساندتهم بل بتحقيق انتصار سياسي لإجبار إيران على الجلوس في طاولة مفاوضات جديدة بشأن الاتفاق النووي الذي جرى إلغاءه من قِبل واشنطن عام 2018. ومن هذا المنطلق تندفع واشنطن لصياغة واقع جديد بإدارة طاولة مفاوضات بين الحوثيين والسعوديين.

يركز هذا التقرير على الجهود الأمريكية بالتوجه نحو مسار "تفاوضي" بين السعوديين والحوثيين بإقناع السعودية بالجلوس مع الجماعة اليمنية المسلحة على طاولة مفاوضات واحدة. وما الذي يمكن أن يحققه هذا "الجلوس" إن حدث في ظل موازين القوى الحالية، وموقف الحكومة الشرعية منه.


اليمن في الرؤية الأمريكية

في سبتمبر/أيلول 2019 أعلنت الخارجية الأمريكية أنها تبذل جهوداً من أجل دفع الحوثيين والمملكة العربية السعودية إلى طاولة مفاوضات لبحث الحرب في اليمن والوصول إلى نهاية للحرب في اليمن.

فما الذي يدفع الولايات المتحدة إلى محاولة وضع خيوط جديدة بين الحوثيين والسعوديين في العاصمة العُمانية "مسقط"؟! وللإجابة على هذا السؤال يجب فهم رؤية السياسة الخارجية للولايات المتحدة الحرب اليمنية في الوقت الحالي.

فالجمهورية اليمنية تقع في أسفل أجندة سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وفي معظم الحالات تعتبر مُلحقة بأجندتها المتعلقة بسياستها تجاه المملكة العربية السعودية، حليف واشنطن التقليدي في منطقة شبه الجزيرة العربية، لكنها خلال إدارة دونالد ترامب أصبحت جزءاً من ملف متعلق بإيران بقدر ارتباطها بملف السعودية، حيث تأتي أهمية اليمن باعتبارها كاشف لسياسة ترامب الخارجية تجاه المنطقة طوال فترة ولايته الأولى (التي تنتهي 2020) تجاه الحلفاء مثل السعودية والإمارات وبقية دول الخليج بعد سنوات من التوتر مع إدارة أوباما. كما أنها كاشفة لرؤية الولايات المتحدة للأعداء مثل مواجهة إيران وتصعيد الخطاب في ظل سياسة "الضغوط القصوى" التي تستخدمها الإدارة ضد النظام الإيراني، بعد أن خرجت واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (2018).

لذلك فإن هناك إطاران للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه اليمن الأول متعلق بالسعودية والآخر متعلق بإيران:

  •  الإطار الأول المتعلق بالسعودية:

دعمت إدارة ترامب بشكل لا محدود الحرب السعودية ضد المسلحين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. ومؤخراً دفعت بقوات عسكرية لتعزيز الدفاعات الجوية السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي أصبحت كابوساً أمنياً للسعودية وباقي منطقة الخليج. إضافة إلى صفقات الأسلحة والدعم اللوجستي والمخابراتي. وتستفيد واشنطن من ذلك حيث بلغ حجم صادرات السلاح الأمريكي إلى المملكة العربية السعودية خلال فترة 2015 - 2017 أكثر من 43 مليار دولار.

في نفس الوقت فإن هذه الحرب التي طال أمدها أثارت الكثير من الغضب تجاه استمرارها داخل الكونجرس- وعلى الرغم من أن معظم الغضب متعلق بالاستياء من إدارة ترامب إلا أن ذلك لا يعني أن الكونجرس ليس غاضب من الدعم الأمريكي اللامحدود للرياض وابوظبي في اليمن حيث يتعرض لضغوط من منظمات المجتمع المدني- ويظهر ذلك واضحاً من خلال مشاريع قوانين عديدة قُدمت في الكونجرس بغرفتيه وموافقته على مشروع قانون (يوليو/تموز2019) يوقف "التورط الأمريكي" في الحرب فإن البيت الأبيض وقف بقوة لمنع مرور القانون. لكن قوانين أخرى فرضت على وزارتي الدفاع والخارجية تقديم تقارير دورية عن الدعم ومبيعات الأسلحة للسعودية والإمارات وعن دعم الدولتان اللتان تقودان التحالف في اليمن ما يعني أن العلاقات أصبحت تحت التدقيق.

  •  الإطارالثاني المتعلق بإيران:

على عكس فترة أوباما فإن الولايات المتحدة في عهد ترامب بدأت في مواجهة إيران بقوة تظهر من خلال سياسة "الضغوط القصوى"، التي تقوم على وجهين رئيسيين:

 أ) الضغوط الاقتصادية، ضمن سياسة إيصال صادرات النفط الإيراني إلى "صفر"، وزيادة الانهيار الاقتصادي الإيراني للضغط على النظام للتفاوض مرغماً على إعادة بناء "الاتفاق النووي" مجدداً وفقاً للشروط الإيرانية. لكن طهران رفضت ذلك مستخدمة سياسة "حافة الهاوية" التي أدت إلى توتر أكبر في المنطقة من خلال إسقاط طائرة بدون طيار أمريكية ورفع القيود عن مفاعلات نووية كما زادت من دعمها وتحريك أدواتها في المنطقة.

 ب) عزل النظام عن أدواته، يفترض أن تكون هذه الخطوة كبيرة بعزل أدوات إيران في المنطقة عن النظام حيث تملك إيران أدوات وحلفاء فيما يعرف بمحور المقاومة "العراق وميليشيات الحشد الشعبي، النظام السوري، حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن"، وتنفيذ هذا الوجه من الضغوط القصوى صعبٌ تنفيذه؛ لتجذر إيران في دعم أدواتها وارتباطها بهم. لكن عواصم غربية عديدة ومنها واشنطن إضافة إلى دول في المنطقة تعتقد أن "الحوثيين" في اليمن ليسوا أداة إيرانية بالكامل ويمكن للجماعة التخلي عن إيران ودعمها مقابل تواجد في مستقبل اليمن السياسي.

لكن إيران تجذرت داخل جماعة الحوثي خلال سنوات الحرب الماضية بشكل كبير بما في ذلك تدريب عشرات الخبراء في صناعة وتركيب الصواريخ والطائرات بدون طيار مستخدمة الطريقة

،،

تعتقد واشنطن أن تحييّد الحوثيين وإخراجهم من العباءة الإيرانية ممكن لبدء تقليّم أظافر طهران، لكن إيران تجذرت داخل جماعة الحوثي خلال سنوات الحرب الماضية

،،

الأمريكية في تغذية "المقاتلين الأفغان" ضد "الاتحاد السوفيتي" بتقديم الأسلحة والخبراء بالتدريج وصولاً للكمالية، وبما أن العلاقة بين إيران والحوثيين "عقدية=-دينية" فإن العلاقة مرتبطة ضمن ما تسميه إيران محور المقاومة، لذلك فالعلاقة الآن أصبحت أكثر تعقيداً. بعكس علاقة "الأفغان" و"الولايات المتحدة" حيث كانت علاقة مصلحة آنية انتهت بخروج "السوفيت" وتحولت البنادق نحو واشنطن.

لذلك فإن الولايات المتحدة تعتقد أن تحييّد الحوثيين وإخراجهم من العباءة الإيرانية ممكن للغاية لبدء تقليّم أظافر طهران في المنطقة. فيما ترى الدول الأخرى منها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى أن تحييد الحوثيين بالتفاوض معهم وإخراجهم من يد إيران يعني نزع فتيل حرب متوقعة في المنطقة مع سياسة واشنطن وحلفاءها تجاه طهران والتي أدت إلى الحوادث الأخيرة في مياه الخليج مثل استهداف السُفن التجارية والنفطية قرب مضيق هرمز الخاضع للنفوذ الإيراني.

 

محادثات حوثية/أمريكية

في إطار رؤية "إدارة ترامب" بدأ الحديث عن المحادثات الأمريكية/ الحوثية نهاية (أغسطس/آب2019) عبر صحيفة وول استريت جورنال، لكن تلك ليست المحادثات الأولى، فدائماً كانت هناك مشاورات ومحادثات سرية وعلنية بين الطرفين بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء (سبتمبر/أيلول2014). ففي عام 2015، بعد أشهر قليلة من بدء عمليات التحالف الذي تقوده السعودية، التقى مبعوثون كبار في  إدارة أوباما سراً مع الحوثيين لأول مرة في عُمان للضغط من أجل وقف إطلاق النار والإفراج عن الأمريكيين المحتجزين لدى المقاتلين الحوثيين[1]. كما التقى وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري الحوثيين في مسقط عام (2016) في لقاء علني، خرجت عقبه ما عُرف برؤية "كيري" التي رفضتها الحكومة اليمنية. والتقى المسؤولون الأمريكيون مع زعماء الحوثيين في ديسمبر/كانون الأول2018 في السويد خلال محادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة.

ولم تحدث أي مفاوضات مباشرة منذ تولي الرئيس ترامب مهام منصبه عام 2017. [2]  إلى أن أعلن مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشرق الأدنى ديفيد شينكر خلال زيارة للسعودية (الخامس من أيلول/سبتمبر2019) أنّ واشنطن تجري محادثات مع جماعة بهدف إيجاد حل "مقبول من الطرفين" للنزاع اليمني. وأوضح شينكر في تصريح للصحافيين في مدينة الخرج جنوب الرياض: "تركيزنا منصبّ على إنهاء الحرب في اليمن (...) ونحن نجري محادثات (...) مع الحوثيين لمحاولة إيجاد حل للنزاع يكون مقبولاً من الطرفين"[3].

يرفع الحوثيون "شعار الموت لأمريكا" منذ إعلان تأسيس الجماعة مطلع القرن الحالي، ومع ذلك يعتقد مسؤولون أمريكيون أن الشعارات الحوثية ليست حقيقية! لذلك فإن ذهابهم إلى مشاورات مع الحوثيين محمية بهذا الاعتقاد.

خلال سبتمبر/أيلول2019 كانت اللقاءات السعودية الأمريكية مستمرة وتزايدت مع إعلان الحوثيين تبنيّ استهداف معملي نفط ل"أرامكو" في "بقيق" و"خريص" السعوديتين، وأدى إلى توقف نصف انتاج السعودية من النفط الذي أدى بدورة إلى اضطرابات في أسواق الطاقة. والتقى مسؤول ملف اليمن ونائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ب"مايك بومبيو" وزير الخارجية الأمريكي في واشنطن إلى جانب لقاءات مستمرة بين مسؤولين أمريكيين وسعوديين في الرياض لبحث "المشاورات مع الحوثيين". 

حسب التسريبات فسيقود المحادثات الأمريكية مع الحوثيين، كريستوفر هينزل، الدبلوماسي المخضرم الذي أصبح أول سفير لإدارة ترامب في اليمن في (أبريل/نيسان2019)[4] والذي يتواجد بشكل دائم منذ مُدة في "مسقط" و"عمّان" و"الرياض". لكن المهمة الرئيسية للإدارة الأمريكية ستكون إقناع السعودية بالجلوس على طاولة المفاوضات وليس حكومة "الرئيس عبدربه منصور هادي" لأن الأمريكيون يعتقدون أن حكومة الرئيس "هادي" ضعيفة للغاية وساهمت جملة من الأحداث على تجاوزها بما في ذلك التهميش المضاعف لقراره من قِبل التحالف العربي.

فمن وجهة النظر الأمريكية فإن على السعودية الانتقال من "الحالة العسكرية" مع الحوثيين إلى "الحالة الدبلوماسية" خصوصاً مع انتقال الإمارات إلى ذات الاستراتيجية في (يونيو/حزيران2019). وتعتقد واشنطن أن احتمال إجراء محادثات في الوقت الراهن أكبر من السابق، إذ سيستفيد الجميع الأميركيون، والحوثيون، والسعودية من محادثات خفض التصعيد. إذ أن ذلك سيعني تخفيض الحوثيين لهجماتهم على السعودية وتهدئة على الحدود. لكن ذلك سيعني التفكير في خطط الأمريكيين والأمم المتحدة لإزاحة الرئيس عبدربه منصور هادي من منصبه وهو ما ترفضه الرياض -في الوقت الحالي- على الرغم من المبررات الأمريكية والأممية بشأن "هشاشة" سيطرة الحكومة الشرعية على مناطق نفوذها. لكن مع ذلك فبدون رضى الرياض لا يمكن لهذه المحادثات أن تنجح.

لكن هناك تحولات مهمة تضغط على الرياض من أجل الذهاب إلى مشاورات مع الحوثيين، قد تتخلى عن تحفظاتها بشأن بقاء الرئيس " هادي".

 

تحولات غيرت مسار الحرب

قبل الدخول في معرفة الخطط الأمريكية التي قد يُبنى عليها تصور إنهاء الحرب اليمن، يجب الإشارة إلى "تحولات مهمة" في الحرب التي بدأت قبل خمس سنوات بإسقاط الحوثيين صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة وتدخل التحالف الذي تقوده السعودية دعماً للحكومة الشرعية ضد الحوثيين (مارس/أذار2015)، حيث تشكل هذه التحولات أبعاد ومنطلقات الرؤية الدولية/الأمريكية تجاه الحرب اليمنية.

وأبرز هذه التحولات على النحو التالي:

  • إطالة أمد الحرب: أدت إلى إطالة أمد الحرب إلى زيادة أعداد الضحايا وتشير التقديرات إلى أكثر من 100 ألف قتيل في الحرب، إضافة إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم، ويجعل الحكومات الغربية الداعمة للسعودية والحكومة الشرعية في مرمى ضغط منظمات المجتمع المدني. كما أن الدبلوماسيين السعوديين مع انطلاق العمليات العسكرية قدموا وعوداً لتلك الحكومات بحرب تستمر أسابيع فقط لإحضار الحوثيين إلى طاولة التفاوض بناءً على شروط الحكومة الشرعية والسعودية، لذلك يشعر حلفاء المملكة أن إطالة أمد الحرب إلى سنوات يزيد من مخاوف إشعال حرب أوسع في المنطقة. ويعتقدون أن استمرار الحرب دون احتمالات بـ"انتصار عسكري" للتحالف يجبر السعودية على وقفها باتفاق يحفظ ماء الوجه. وهذا يزيد الضغوط الدولية لوقف هذه الحرب التي دخلت عامها السادس.
  • انسحاب الإمارات: يعزز إعلان الإمارات بالانسحاب من مواجهة الحوثيين، والانتقال نحو استراتيجية "السلام" من الضغوط على الرياض لإجراء محادثات مع الحوثيين لإنهاء الحرب.

،،

تحاول الرياض تأمين اليمن خوفاً من التمدد الإيراني واستهداف أراضيها وهي مخاوف ليست لدى أبوظبي إذ لا تملك الأخيرة حدوداً مع اليمن

،،

إذ أن الانسحاب الإماراتي يترك السعودية وحيدة لمواجهة أعباء حرب وسمعة دولية سيئة ترفض الإمارات كحليف المشاركة في تحمل أعبائها. وفي وقت تحاول الإمارات الظهور كمحب لـ"السلام" و"الاستقرار" في المنطقة تظهر حليفتها السعودية كمصدر قلق للاستقرار ورفض إنهاء الحرب. وهذا مرّدة إلى اختلاف الأهداف بين الدولتين منذ تدخلتا في التحالف العربي، حيث تحاول الرياض تأمين اليمن خوفاً من التمدد الإيراني واستهداف أراضيها وهي مخاوف ليست لدى أبوظبي إذ لا تملك الأخيرة حدوداً مع اليمن. لكنها تدخلت للبحث عن مصالح اقتصادية وجيوسياسية قرب مضيق باب المندب. ويعتقد الإماراتيون إنهم قد حققوا ذلك بصناعة ميليشيات خاصة وتشكيل هيئة سياسية جنوب اليمن حتى لو كان يعني ذلك خلّق مخاطر جديدة لحليفتها الرياض، وتفكيك جنوب اليمن إلى دويلات متناحرة.


  • ضربات الحوثيين والمخاوف من حرب إقليمية: منذ مايو/أيار 2019 تبنى الحوثيون بانتظام ضربات قوية على المنشآت الحيوية السعودية تشمل منشآت النفط والمطارات (شمل ذلك منشآت نفط "الشيبة" قرب الحدود الإماراتية مع السعودية وبقيق وخريص على بعد 1650كم من اليمن)، وهو ما يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، ويدفع بحرب أوسع في المنطقة باتهام إيران.

وبغض النظر عن الجهة التي هاجمت منشآت النفط السعودية فإن اتهام إيران وميليشيات عراقية بالضلوع في الاستهداف يشير إلى أن الحوثيين لم يعودوا وحدهم ، فهم يقاتلون ضمن محور أوسع تديره إيران، فحجم الخطاب الإعلامي الإيراني المرافق لهذه الهجمات تجعل من "حافة الهاوية" التي تستخدمها إيران خطر قد يهدد ممرات التجارة العالمية.

لذلك ستتجه الحكومات إلى الضغط على السعودية للخروج من حرب اليمن، ويبدو أن مخاوف الإمارات ذهبت في نفس الاتجاه، مع تهديدات الحوثيين بضرب أبوظبي ودبي؛ إلى جانب تهديد إيراني أخر باستهدافها بعد إسقاط الطائرة الأمريكية التي انطلقت من قاعدة عسكرية أمريكية في أبوظبي، لذلك تخشى الإمارات من دخول المنطقة في حرب إقليمية يؤثر بشكل كبير على اقتصادها.

  • طريق مسدود لـ"ستوكهولم": وصل اتفاق ستوكهولم الذي جرى توقيعه في ديسمبر/كانون الأول 2018 بين الحكومة والحوثيين إلى طريق مسدود حيث أن اتفاق الحديدة الذي يفترض أن يؤدي إلى "اتفاق شامل" –كما تأمل الأمم المتحدة- لم يتم تنفيذه وسط خلافات بين الطرفين على فهم بنود ذلك الاتفاق.
  • تفكك معسكر الشرعية: ظهر هذا التفكك في أسوأ حالته مؤخراً كتبعات لتشكيل ميليشيات خارج سيطرة الحكومة الشرعية وتبايّن الأهداف بين قائدتي التحالف العربي (السعودية والإمارات)، حيث شكل "تمرد مسلح" للمجلس الانتقالي الجنوبي (STC) المدعوم من الإمارات على السلطة الشرعية في عدن ومحافظات جنوبية أخرى في أغسطس/آب 2019، انكشافاً واضحاً لهذا التبايّن؛ وما زاد الطيّن بلّه قيام أبوظبي بشن غارات على الجيش اليمني دعماً للانتقالي الجنوبي على تخوم مدينة عدن –أثناء محاولته استعادة السيطرة على المدينة- واصفاً في بيان رسمي أنه شن الغارات على "إرهابيين". وكانت تلك الهجمة الأخيرة التي أعلنت وفاة علاقة أبوظبي بالحكومة الشرعية تماماً. وجعلت السعودية في موقف محرج بيّن دعم الشرعية صاحبة مشروعية التدخل العسكري، أو المضي قُدماً مع الإمارات في مشروعها جنوب اليمن نتيجة المصالح المشتركة للدولتين في ملفات متعددة في المنطقة والسياسة الخارجية ويعني بذلك انتهاك شرعية التدخل بالموافقة على تمرد مسلح في العاصمة المؤقتة للبلاد!

وفي كل الحالات فإن "التمرد" وإخراج الحكومة من عدن وحملة التطهير المناطقي التي مارسها المجلس الانتقالي الجنوبي في مناطق سيطرته تشير إلى أنه جرى انتهاك "الشرعية" ومشروعية التدخل بشكل كبير، وبدون إنهاء التمرد خارج أُطر التسويات والحلول الوسط التي تجعل من "الانتقالي الجنوبي" شريك في الحكومة مع احتفاظه بالميليشيات المسلحة التي أسستها الإمارات، فإن هذه واحدة من محددات نهاية التحالف.

  • مبادرة الحوثيين: بعد نحو أسبوع من الغارات التي استهدفت "أرامكو" في بقيق (14 سبتمبر/أيلول) واتهام إيران بالضلوع في العملية من قِبل السعودية والولايات المتحدة؛ أعلن الحوثيون عن مبادرة من طرف واحد تنص على وقف الجماعة للهجمات بطائرات دون طيار والصواريخ الباليستية على المملكة العربية السعودية، مقابل وقف السعودية للحرب (الغارات الجوية) ووقف ما أسموه "الحصار". تمهلت السعودية في الرد حيث قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إن بلاده تحكم بالأفعال وليس الأقوال. موقف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان-الذي يشغل منصب وزير الدفاع كذلك- كان أكثر تحديداً في مقابلة تلفزيونية إذ بدا متفائلاً بإنهاء الحرب في اليمن مرحباً ب"مبادرات السلام المطروحة"، وقال إن مبادرة الحوثيين "خطوة إيجابية للدفع للأمام نحو حوار سياسي أكثر جدية ونشاطا". عن ما إذا كان مستعدا للتفاوض على إنهاء الحرب في اليمن، قال ابن سلمان: "نحن نقوم بذلك كل يوم، لكن نحاول أن ينعكس هذا النقاش إلى تطبيق فعلي على الأرض"[5].

 مع حلول نهاية سبتمبر/أيلول 2019 تحدثت صحيفة وول استريت جورنال عن نيّة السعودية وقف إطلاق النار في أربع مناطق بينها العاصمة اليمنية صنعاء، على احتمال أن يتوسع ذلك إذا استمر وقف إطلاق النار[6]. رد الحوثيون على الفور بالرفض مطالبين بوقف إطلاق نار كامل[7]. كما أن ثمان دول بينها الدول الخمس دائمة العضوية اعتبرت مبادرة الحوثيين "خطوة أولى مهمة" نحو وقف التصعيد "سيحتاج إلى اتباعه بإجراءات إيجابية على الأرض من جانب الحوثيين وضبط النفس من جانب التحالف"[8].

  • حاجة الحوثيين إلى إنهاء الحرب: يبدو أن الجماعة المسلحة بحاجة إلى استراحة من الحرب بعد إنهاك مقاتليها على مدى خمس سنوات، ومقتل معظمهم في جبهات القِتال ولم يتبقى إلا الكثير من المراهقين يتم تدريبهم لأسابيع وإلحاقهم بجبهات القتال[9]، ويتضح ذلك بشكل أكبر من إعلان الحوثيين "التجنيد الإجباري"، وزيادة حملات التجنيد بالقوة في المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم. كما أن الجماعة المسلحة فشلت في إدارة المحافظات الخاضعة لسيطرتهم من حيث توفير الخدمات مع زيادة السخط الشعبي بفعل زيادة "الضرائب" و"الجمارك" والجبايات المستمرة. لذلك ستفكر بشكل أكبر في مبادرة يتم طرحها وتكون شاملة.

 

رؤية واشنطن للحل

لم تُقدم الولايات المتحدة مع إعلان محادثاتها مع الحوثيين، أي ملفات سيجري مناقشتها. لكنها قدمت عرضاً للحوثيين عبر مبعوث واشنطن الخاص بإيران براين هوك الذي وضع الحوثيين بين

،،

تقود الولايات المتحدة لعبة خطرة في اليمن، من خلال الدفع نحو تكتيك جديد ضمن حملتها ضد إيران، وليس دعماً لحلفائها التقليديين في الخليج العربي

،،

خيارين بالقول: "الحوثيون ليس لديهم الكثير ليفوزوا به ولديهم الكثير يخسرونه من خلال مواصلة شراكتهم مع إيران. يمكن للحوثيين إما دعم جهد سياسي حقيقي من أجل السلام في اليمن والتمتع بالمزايا - أو الاستمرار في الترويج للعنف وتعزيز طموحات إيران الإقليمية. الخيار السابق سيجلب لهم الشرعية ومقعد على الطاولة. وسيؤدي الأخير إلى العزلة وإطالة معاناة الشعب اليمني"[10]. جاء الرد الحوثي بعد أيام من خلال الإعلان عن وقف الهجمات على السعودية. والتصريح ل"وول استريت جورنال" أن الجماعة رفض طلبات إيرانية بتبني عمليات جديدة ستقوم بها طهران وحلفائها ضد مواقع حيوية سعودية[11]. وهو ما بعث آمالاً لدى الدبلوماسيين الغربيين المتعلقين في اليمن إضافة إلى دول في مجلس التعاون الخليجي بإمكانية تخلي الحوثيين عن إيران –حسب الصحيفة الأمريكية-. لكنهم ربطوا هذه الآمال بخطة الولايات المتحدة التي يجب أن توافق عليها المملكة العربية السعودية.

وبالنظر إلى مبادرات واشنطن بين (2016 -2018) يمكن معرفة طبيعة هذه المبادرة:

  • مبادرة كيري: قَدم جون كيري المبادرة في أغسطس/آب2016، عقب اجتماع مع وزراء خارجية (السعودية والإمارات والمملكة المتحدة ومبعوث الأمم المتحدة السابق إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد)، في وقت لم يكن هناك تشظي داخل طرفي الحرب الرئيسيين (الحوثيون/ وحزب المؤتمر التابع للرئيس السابق علي عبدالله صالح من جهة والتحالف العربي من جهة أخرى)، شملت في المرحلة الأولى من الخطة تشكيل حكومة وحدة وطنية، بنسبة الثلث لكل طرف(هادي وحلفاءه، والحوثيون، وحزب المؤتمر)، وتقاسم السلطة بين القوى المتحاربة، وانسحاب المسلحين من صنعاء وغيرها من المدن، بما في ذلك المدن والقرى الحدودية مع السعودية، وتسليم الأسلحة الثقيلة، بما فيها الصواريخ الباليستية التي بحوزة الحوثي، إلى طرف ثالث محايد؛ وتشير إلى أن الإجراءات السياسية قبل الإجراءات الأمنية وهو ما رفضته الحكومة. كما أنها تشير إلى تنازل عبدربه منصور هادي لجزء من صلاحياته لـ"نائب توافقي" من كل الأطراف وهو ما رفضته الحكومة الشرعية.
  • مبادرة ماتيس/بومبيو: في أكتوبر/تشرين الأول2018 وبعد لقاءات مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث" مع مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، وجيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي- آنذاك- دعا الرجلان إلى إنهاء القتال. دعمت بريطانيا المبادرة وقام وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت بالتحرك في جولات مكوكية من أجل دعم جهود غريفيث في اليمن شملت أبوظبي والرياض وطهران وأيضاً سلطنة عمان. كما زار هنت مدينة عدن حيث توجد الحكومة اليمنية، مهدداً من فشل الاتفاقات الدولية.

تحدث بومبيو وماتيس في لقاءات وبيانات منفصلة عن سُبل وقف الحرب في اليمن وتصور بلادهما لحل الأزمة وإيقاف الحرب أبرز نقاطها[12]:

  • يوقف الحوثيون إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية والإمارات، بعد ذلك سيكون على التحالف وقف الغارات الجوية التي تستهدف الحوثيين في المناطق السكنية. من الملاحظ أن الحوثيين بدأوا بالفعل في تنفيذ هذه النقطة من خلال إعلان المبادرة في (20 سبتمبر/أيلول2019).
  • عمل منطقة حدودية منزوعة السلاح بين اليمن والسعودية.
  • سحب الأسلحة الكبيرة مثل الصواريخ الباليستية من اليمن “لن يغزو أحد اليمن-قال ماتيس”.
  • منطقة حكم ذاتي للحوثيين في شمال اليمن "من أجل أن يتأزروا ويتركوا إيران ويكون صوتهم مسموعاً". إذ يعتبر "بومبيو/ماتيس/كيري"[13] الحوثيين أقليّة وساهم الخطاب الحكومي اليمني والسعودي[14] في إبراز كون الحوثيين أقلية –وفي ظل نزوع العالم نحو تمكين الأقليات إذا تشعر في العادة بالمظلومية - ما يجعلهم في معركة دفاع عن النفس وليس انقلاباً على الحكومة الشرعية.

يساهم ضغط الكونجرس الأمريكي بشكل دائم ضمن مطالبات وقف الحرب في اليمن في إجبار "إدارة ترامب" على الذهاب بعيداً من أجل الضغط على حلفاءه السعوديين والإماراتيين في وقف حرب اليمن. حيث زادت المطالبات بين المشرعين الأمريكيين عقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في سفارة بلاده بإسطنبول (أكتوبر/تشرين الأول2018). وفي مارس/أذار 2019 صوت مجلس الشيوخ على مشروع قرار لوقف دعم واشنطن للسعودية والإمارات في اليمن، ورغم مروره في مجلس النواب إلا أن ترامب استخدم الفيتو لوقفه. في نفس الوقت تضغط دول في الاتحاد الأوروبي لوقف الحرب من خلال وقف تصدير الأسلحة إلى السعودية والإمارات كما فعلت على سبيل المثال ألمانيا والنرويج.

  • مبادئ غريفيث: هذه المبادرات لم تكن أمريكية معزولة بل هي توجه أكبر لمبادرة الأمم المتحدة للسلام، وفي افتتاحية بصحيفة نيويورك تايمز في (سبتمبر/أيلول2019) تظهر تمثيل تلك المبادرات الأمريكية في سياق سبعة مبادئ وضعها "مارتن غريفيث" على النحو الآتي:
  • أولاً، يجب إعادة احتكار القوة إلى الحكومة اليمنية ويجب ألا يُسمح لأي يمني خارج نطاق الدولة باستخدام العنف لتحقيق غاياته. إن هذا مطلب بسيط ولكنه مطلق، ويجب استبدال الميليشيات التي تقاتل على أرض اليمن بسلطة الدولة الحصرية. يمكن تحقيق ذلك من خلال عملية تشرف عليها الأمم المتحدة لنقل الأسلحة تدريجياً من الميليشيات إلى الحكومة الجديدة.
  • ثانياً، يجب أن تكن الحكومة أكثر من مجرد ائتلاف بل شراكة شاملة بين الأحزاب السياسية التي تتخذ الآن جوانب مختلفة. هذه الدولة تتطلب حل الخلافات من خلال السياسة وهذه القوة تخدمها ولا تهددها.
  • ثالثاً، يجب على الحكومة ضمان عدم استخدام بلادها للهجمات على دول الجوار أو حتى أبعد من ذلك. يجب أن يكون هذا الاتفاق بين قادة اليمن الجدد والدول التي تجاور اليمن.
  • رابعاً، ستتبنى الحكومة وتلتزم بمسؤوليتها التاريخية المتمثلة في ضمان سلامة التجارة التي اعتمدت منذ آلاف السنين على أمن البحار وسيقوم اليمن بحراسة حدوده، هذا وسيتم دعمه من قبل أولئك الذين يستفيدون من هذا الضمان.
  • خامساً، سيقوم الشعب اليمني بالقضاء على التهديد الإرهابي الذي نراه الآن، ويحظره من أراضيه.
  • سادساً، سيضمن جيران اليمن رخاء واستقرار سكانه من خلال التجارة والسخاء الذي سيزيل مخاوف هذه الحرب.
  • سابعاً، سيكون الشعب اليمني وقادته هم من يقررون مستقبل الدولة. لا حاجة للآخرين للتدخل في ذلك. إن شكل اليمن المستقبلي يمكن، لا بل ينبغي، تحديده فقط من قبل اليمنيين المتحررين من ضغوط الحرب وأن يكونوا على استعداد للتفاوض حول مستقبل بلدهم بحسن نية.

 

الخطوط الحمراء:

  • تجاوز المرجعيات الثلاث: ظلت عملية السلام في اليمن مقيّدة بالمرجعيات الثلاث المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية (2011) ومخرجات الحوار الوطني (2014)، والقرار 2216 (2015) التي تشير إلى شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي وصلاحيته، واستعادة مؤسسات الدولة من الحوثيين وتسليم الأسلحة. وهذه الشرعية هي من أعطت التحالف العربي مشروعية التدخل في اليمن والخروج عنها سيعني المزيد من المتاعب للسعودية في السياسة الخارجية وتدفع ثمناً باهظاً. وتعتقد الأمم المتحدة ودول أخرى أن الأحداث الأخيرة التي أدارتها الإمارات جنوب البلاد يجب أن يدفع مجلس الأمن إلى إصدار قرار يدعو إلى وقف إطلاق نار فوري وإلى تجدد المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة بحيث تشمل الانفصاليين الجنوبيين لإنهاء الحرب وتأسيس فترة انتقالية، وهو ما تشير اليه الرؤى الأمريكية التي ترى أنها يجب أن تكون بدون الرئيس "هادي". إلا أن هذه الحصيلة تبقى احتمالاً بعيد التحقق، بالنظر إلى معارضة السعودية لأي قرار جديد وكذلك احتمال استعمال الولايات المتحدة الأميركية للفيتو ضد مثل ذلك القرار.

ما يشير إلى الرغبة الأمريكية/الأممية بتقليص صلاحيات الرئيس عبدربه منصور هادي أو نقل صلاحياته إلى نائب جديد يتوافق عليه الأطراف حديث الرئيس اليمني عقب لقاءه بمسؤول أمريكي أن "الانتخابات" هي الوسيلة للمغادرة من السلطة.

  • تأجيل الحرب: إن أي حلول وسط لا تبدأ بسحب الأسلحة الثقيلة من الحوثيين والميليشيات الأخرى التي تمولها أطراف خارجية يعني تأجيل الحرب إلى المستقبل وستكون حروب صغيرة يصعب وقفها أو حلها.
  • فتح الباب لأطراف جديدة: إن فتح طاولة المفاوضات لأطراف جديدة يعني فتح الباب لكل تكوين يُشكل ميليشيا جديدة أن يكون جزء من السلطة والمرحلة الانتقالية. وهو الأمر الذي يركز عليه "غريفيث" لحل الأزمة في اليمن.

 

خاتمة:

تقود الولايات المتحدة لعبة خطرة في اليمن، من خلال الدفع نحو تكتيك جديد ضمن حملتها ضد إيران، وليس دعماً لحلفائها التقليديين في الخليج العربي. قد تدفع نحو تفاهمات إيرانية-أمريكية في نهاية المطاف يشمل تسوية للوضع في اليمن والمنطقة لكنه في نفس الوقت سيكون خارج مخاوف الأمن القومي لمنطقة الشرق الأوسط بل يتمثل في الحفاظ على مصالح واشنطن التي تكرر دائماً بأنها لم تعد مسؤولة عن حماية المنطقة.

إن توفير الدعم المادي والاستشاري للقوات بالوكالة بدلاً من المشاركة المباشرة يُمكّن إيران من الدخول في صراعات إقليمية بدرجة من القابلية للإنكار. تُستخدم هذه القوى في صياغة التطورات السياسية في مناطق محددة مع تقليل التكاليف المحتملة لإيران إلى أدنى حد ويمكن اعتبارها داخل النظام أداة مفيدة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. لذلك فرؤية الولايات المتحدة وحلفائها بإمكان فصل الحوثيين عن إيران لن يكون ملموساً ولا توجد له أداة للقياس إلا في حال "سحب السلاح الثقيل من يد الجماعة" وتحولها إلى حزب سياسي والاندماج مجتمعيا مع إعادة تأهيل لجنودهم وإنهاء التسلسل الهرمي لـ"ميليشيا مسلحة"، وليس إعطائها إقليماً خاصاً كما يقترح الأمريكيون.

إن الرؤى الأمريكية المُقدمة للحل في اليمن يجب أن تجعل من الحل يمني/يمني وليس بين الحوثيين وطرف خارجي، فهذه الرؤية التي يحاول الأمريكيون جلب السعودية إلى طاولة المفاوضات مع الحوثيين، وحديث ولي العهد السعودي عن إمكانية التفاوض بعد أن كان يرفضها باعتبار الحكومة الشرعية صاحبة الحق في التفاوض وليس الرياض، يجعل من مبرر تدخل الحرب في مهب الريح وسيضاعف التزامات الرياض الخارجية. فأي حلّول خارج أُطر المرجعيات الثلاث يجعل من الحرب مؤجلة بثمن أكبر على الرغم من أن المأساة الإنسانية الحالية في البلاد أسوأ أزمة إنسانية عرفتها البلاد منذ عقود وعرفها العالم في العصر الحديث.

إن تعرض السعودية للهجمات الحوثية طوال الأربع السنوات الماضية قد يدفعها تحت الضغط الدولي للذهاب نحو مشاورات مع الحوثيين وليس ذلك بجديد فقد سبق أن حدثت مشاورات بين الطرفين –دون رعاية أمريكية- فيما عُرف بمشاورات "ظهران الجنوب" (2016) والتي أدت إلى هدنة على الحدود لم تستمر طويلاً. لذلك قد تذهب الرياض إلى المفاوضات مع الحوثيين من أجل تخفيف الضغط ، على الرغم من حجم الدعاية الحوثية الذي تظهره كمنتصر في الحرب، لكن التساؤل الممكن : ما هو الثمن الذي قد تدفعه من أجل ذلك؟! وهل التخلي عن الحكومة الشرعية سيكون أحد الخيارات؟!وهل ستقبل إيران بوضع في اليمن لا تتحكم فيه، ولا تمارس هواية إيذاء السعودية منطلقة من قاعدة استقرار الحوثيين لدولتهم جنوب الرياض؟!

تشير بعض المعطيات إلى أن إيران محتاجة لاستقرار اقتصادي، لكن لن تسمح لحليفها الحوثي عمل هدنة مع السعودية دون استفادتها منها وعودة تصدير نفطها، ولذلك حتى لو حصلت الهدنة مع الحوثيين، فطهران ستبحث في المرحلة الثانية من الفوضى في المنطقة آلية نقل المعركة إلى عمق الخليج، وقد تبدأ بالاشارة لميلشيات شيعية خليجية لبدء عمليات مسلحة بالذات جنوب وشرق المملكة، وستبقى كل الخيارات غير خيار حسم المعركة في اليمن مغلقة لصالح إيران وميلشياتها .

مراجع:

[4] وول استريت مصدر سابق.

[7] جماعة الحوثي تنفي وجود وقف إطلاق نار جزئي من قِبل السعودية http://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/34722

[8] الدول الثمان هي فرنسا وألمانيا والكويت والصين وروسيا والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة http://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/34724

[9] سكان وقائدان عسكريان في صنعاء تحدثوا ل"أبعاد" في سبتمبر/أيلول2019

[12] دراسة مركز أبعاد للدراسات والبحوث: "السلام الصعب لليمنيين.. هل يولد في مشاورات السويد؟"
العربي: http://www.abaadstudies.org/news-59786.html

الانجليزي: http://www.abaadstudies.org/news-59789.html

[13] تحدث كيري في مؤتمر صحافي في أغسطس/آب2016 عن الحوثيين كأقلية يمكن الاطلاع على: قراءة في مبادرة جون كيري لحل الأزمة اليمنيةhttps://www.noonpost.com/content/13668

[14] بعض الخطاب الاعلامي الذي وصف الحوثيين اقلية لنزع مشروعية تمثيل اليمنيين منهم خدمهم رغم  أن الانقلاب كان كافيا لنزع شرعية تمثيل اليمنيين منهم، وهذا الخطاب أسس للحوثيين شعوراً بالمظلومية لدى الدول الغربية بصفتهم أقلية تحتاج إلى حماية. وسبق أن قال محمد عبدالسلام متحدث الحوثيين عقب إنهاء مشاورات الكويت (2016) إن الحديث عن نزع سلاح الجماعة يعني "إبادة جماعية" للجماعة وأنصارها في إشارة إلى ضرورة بقاء السلاح بأيدي الجماعة بصفتهم "أقلية".



Read Also


Comments

Add Comment