حروب الطاقة ومستقبل الأمن بعد تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية

2022-11-05   Reads: 602

 PDF

 ENGLISH

مقدمة 

    شنت جماعة الحوثي المسلحة ثلاث هجمات على الأقل خلال أكتوبر/تشرين الأول (2022) على موانئ تصدير النفط الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، في أبرز تصعيد متعلق بالحرب منذ سيطرة الجماعة المسلحة على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 واشتداد القِتال عقب تدخل التحالف الذي تقوده السعودية دعماً للحكومة المعترف بها دولياً ضد الحوثيين المدعومين من إيران. عادة ما تم تحييد موانئ النفط والغاز عن استهداف الحوثيين خلال سنوات الحرب إذ سيعتبر خرقاً كبيراً لاتفاقيات وقوانين دولية حيث تقع اليمن على جغرافيا مهمة للملاحة الدولية. 

ورداً على ذلك أعلن مجلس الدفاع الوطني تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية" في سابقة لم تحدث منذ نشوء الجماعة وقِتالها القوات الحكومية عام 2004م. ما يغير من ديناميكيات الحرب والسلم في اليمن، والوصول إلى نهاية للحرب في البلاد.

تفترض هذه الورقة أن متغيّرات محلية ودولية دفعت الحوثيين إلى شن هجمات على سفن المشتقات النفطية، وتناقش الآثار الاقتصادية لهذه الهجمات على اليمنيين، كما تناقش انعكاس تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية على الأوضاع الإنسانية والسياسية والعسكرية، وكذلك على ديناميكيات الحرب في اليمن، وسياسات الإقليم تجاه الصراع اليمني. 


أولاً، هجمات الحوثيين على الموانئ

استهدف الحوثيون الناقلة "نيسوس كيا" التابعة لشركة شحن يونانية ترفع علم جزر مارشال، في 22 أكتوبر/تشرين الأول، كما استهدفوا ميناء الضبة في مديرية الشحر بمحافظة حضرموت، قبل ذلك بأيام 18و19 أكتوبر/تشرين الثاني استهدف الحوثيون ميناء النشيمة (الرضوم ) النفطي. وقالت شركة يونانية تمتلك الناقلة التي ترفع علم جزر مارشال، إنها لم تتكبد أي أضرار في الهجوم بطائرات مسيرة محملة بالمتفجرات[1]. جاءت الهجمات بعد أسابيع فقط من تهديد المجموعة بمهاجمة البنية التحتية للطاقة في اليمن والمنطقة الأوسع بعد انتهاء الهدنة. 

وذكرت الحكومة اليمنية، قبل عام، استئناف خمس شركات ضمن شركات النفط العالمية لأعمالها بالبلاد. قبل الحرب كانت اليمن تحصل على إيراد سنوي يتجاوز 2.2 مليار دولار من تصدير النفط الخام. وكانت تشكل حصة صادرات الخام التي تحصل عليها الحكومة اليمنية من تقاسم الإنتاج مع شركات النفط الأجنبية نحو 70% من موارد الموازنة العامة للدولة و63% من إجمالي صادرات البلاد و30% من الناتج المحلي الإجمالي.

تنتج اليمن منذ بداية العام في المتوسط 55 ألف برميل يومياً عبر مينائي الضبة والنشيمة وهو ارتفاع عن 51 ألف برميل يومياً عام 2021. وصدرت اليمن20.5 مليون برميل نفط في 2021، حسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية[2].

 


ي

عتبر الهجوم أول عمل عسكري معلن منذ انتهاء الهدنة بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً، والتي استمرت ستة أشهر وانتهت في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول؛ كما أنها المرة الأولى التي يقصف فيها الحوثيون موانئ تصدير النفط. كان الحوثيون قد وجهوا رسائل قبل وبعد انتهاء الهدنة أنهم سيقصفون موانئ تصدير النفط إذا لم تدفع الحكومة المعترف بها دوليا رواتب الموظفين الحكوميين والجنود في مناطق سيطرتهم والتي يصل عددهم إلى 1.2 مليون موظف، وتفتح الموانئ ومطار صنعاء بشكل كامل دون وجود آليات تفتيش الأمم المتحدة في موانئ الحديدة، أو وجهات محددة من مطار صنعاء مع قَبول دول العالم بجوازات السفر الصادرة من الجماعة. 

بعث الحوثيون برسائل لشركات الشحن والسفن وخارجيات الدول بشأن منع وصول الناقلات إلى موانئ النفط اليمنية، وبعث الحوثيون برسائل أخرى لشركات النفط العاملة في اليمن لوقف إنتاج النفط، يريد الحوثيون أن يشاركوا الحكومة المعترف بها دوليا في إيرادات النفط والغاز؛ لكنه أيضاً محاولة من الحوثيين لفرض صورة أن صنعاء هي مصدر السيادة على البلاد والموانئ الوطنية وأن القرار في يدها[3]، لإلغاء شرعية المجلس الرئاسي والاعتراف الدولي بسيادة على البلاد. 

وهناك عدة أمور شجعت الحوثيين على شن الهجمات: أ) فتح ميناء الحديدة دون قيود الحوثيين خلال الهدنة، ب) على الرغم من فشل الحوثيين في الوصول إلى محافظة مأرب للوصول إلى النفط والغاز في المحافظة[4] والمحافظات المجاورة إلا أن ضعف الردع من التحالف والحكومة المعترف بها دولياً والمجتمع الدولي شجعهم على استهداف موانئ تصدير النفط للحصول على مصادر دخل بديلة عن تلك التي خسرتها خططهم في محافظة مأرب. ج) تابع الحوثيون باهتمام وحذر سلوك المجلس الرئاسي، ومع فشله في تسيير أمور وإنهاء التباين بين أعضاءه، وطرد القوات الحكومية من محافظة شبوة واستبدالها بقوات شبه عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، وفشل توحيد القوات والتي كانت المهدد الرئيس لأي تحركات للجماعة مستقبلاً، أدت ذلك مجتمعة لحصول الحوثيين على فرصة شن تلك الهجمات لانشغال خصومهم بخلافاتهم الداخلية. د) الموقف الدولي المتباين بشأن اليمن والمشاورات الخلفية التي تجري في سلطنة عُمان مع المسؤولين السعوديين برعاية بريطانية وأمريكية وتيسير عُماني، اعتبرت أن جماعة الحوثي لها اليد الطولى في تهديد أمنهم واحتياجاتهم النفطية القادمة من الخليج، ولأن من الصعب ضرب المنشآت الخليجية في تلك المشاورات والمشاورات الأخرى بين السعوديين والإيرانيين فإن ضرب الموانئ اليمنية رسالة مفهومة للجميع.

وأياً كانت الأسباب التي شجعت الحوثيين إلا أن تهديدهم الجديد بشن هجمات على موانئ ومنشآت النفط ينعكس على مستويين: الأول، محلياً على اقتصاد اليمنيين والثاني، إقليمياً، على المنطقة والعالم. 

 

 انعكاس هجمات الحوثيين على اليمنيين

تؤدي هجمات الحوثيين إلى تحويل المياه اليمنية إلى جمرة ملتهبة من المخاطر، يدفع السفن إلى تجنب الرسو في الموانئ اليمنية والتعامل معها؛ وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى عديد من الأمور الكارثية. 

1-   تضرر احتياطي النقد الأجنبي للبلاد: إن دفع شركات الشحن لمنع إرسال ناقلات النفط والغاز إلى موانئ التصدير يَفقد الحكومة اليمنية مصدر الموازنة الوحيد المتبقي الذي يُدر عمله صعبة للبلاد، يؤدي ذلك إلى تراجع قيمة العملة الوطنية التي انهارت بالفعل خلال سنوات الحرب وفقدت ثلثي قيمتها. 

كان التهديد المباشر الذي واجهته الناقلة اليونانية بإسقاط الطائرة المسيّرة بجوارها تأكيد أن من الصعب قبول درجة عالية من المخاطر ليس فقط شركات الشحن الدولية ولكن حتى على مستوى البحارة. إن عدم حصول الحكومة اليمنية على النقد الأجنبي يمنعها من تقديم مزادات بيع العملة الوطنية لدعم شراء المواد الغذائية الأساسية والتي كانت الوديعة السعودية 2 مليار دولار ومبيعات النفط تساهم في تعزيز عملية الشراء؛ سيرفع ذلك قيمة السلع الأساسية لمستوى قياسي ما يزيد من الجوع في البلاد.

2-   السفن التجارية ومخاطر التأمين:

إن التهديدات الحوثية لن تقتصر على موانئ النفط في البلاد بل إنها ستمتد إلى فقدان الثقة التجارية مع اليمن لفترة أطول في حال تكرر هذا التهديد، يشمل التهديد وصول السفن التجارية إلى الموانئ اليمنية التجارية بما فيها الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، يرسل الحوثيون رسالة مفادها أن المياه والموانئ اليمنية معرضة للقصف والاستهداف يهدد ذلك الشركات العالمية في تجنب إرسال البضائع إلى اليمن بما فيها المواد الأساسية؛ على عكس ما يعتقد كثيرون فمعظم الشركات التجارية الخارجية ترى الحوثيين باعتبارهم "متمردين" أو "جماعة" غير رسمية تهدد المصالح والتجارة البينية مع اليمن. 

كما أن ذلك يزيد من تكاليف التأمين للسفن التي تصل إلى اليمن أو تمر بجوار المياه اليمنية، سيؤدي ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، ويهدد إمكانية التجارة البينية بين اليمن والأسواق خارجها.

3-   تهديد صناعة النفط: إن تهديد منشآت النفط العاملة في اليمن ومعظمها أجنبية فعلاً بالاستهداف، أو تهديد إمكانيتها لتصدير النفط سيؤدي بنتائج عكسية على الثقة بصناعة النفط في البلاد. سيؤدي ذلك إلى مغادرتها وتصفية أملاكها ولن تكون هناك شركة أخرى خارجية قادرة على الاستثمار في اليمن. 

حسب المعلومات فإن تخزين النفط وصل حده الأقصى في "المسيلة" بحضرموت، وسيتوقف الإنتاج بالفعل، لعدم تصدير النفط ونقله إلى الموانئ؛ كما أن مصافي عدن غير قادرة على تكرير النفط للاستخدام المحلي. سيؤدي ذلك إلى تبعات سيئة في صناعة النفط في البلاد.

 

انعكاس هجمات الحوثيين على المنطقة والعالم: 

تتذكر أسواق النفط بالتأكيد يوم 14 سبتمبر/أيلول 2019، عندما شن الحوثيون هجوماً بطائرة بدون طيار على منشآت نفط أرامكو في شرق المملكة العربية السعودية، مما أدى إلى خفض إنتاج النفط السعودي، وأدى الهجوم إلى زعزعة استقرار الأسواق المالية العالمية، حتى ولو لفترة وجيزة.. الآن نرى شبح الحوثيين مجدداً يعود لتهديد منشآت النفط السعودية بعد التهديدات والهجمات على موانئ النفط اليمنية التي سرعان ما ستتحول باتجاه دول الخليج العربي إذا فشل في تمديد الهدنة والوصول إلى اتفاق مع الحوثيين. 

ليس ذلك فقط بل إن الهجمات الحوثية على ناقلات النفط في الموانئ الوطنية تهديد مباشر للأمن البحري والقوانين الدولية المتعلقة به، إنه يهدد إمدادات النفط العالمية التي تبحر في المياه الدولية قُبالة اليمن، وهدد قادة حوثيون بعد الهجمات على الموانئ باستهداف هذه السفن ووقف الملاحة الدولية حتى تنفيذ طلباتهم. وتأتي الهجمات في وقت يدخل فصل الشتاء حيث تعيش أوروبا حاجة ماسة للنفط والغاز، وتضخم غير مسبوق يغزو الاتحاد الأوروبي يكاد لا يحتمل هذه التهديدات. 

استخدم الحوثيون هذا التهديد المثقل بخيبات التعامل الدولي معهم خلال السنوات الماضية لصالحهم، عادة ما يحاول الحوثيون قراءة المحيط الإقليمي والدولي لتحقيق أهدافهم المحلية، وأهداف الحليف إيران التي تخشى التحولات السريعة في المنطقة في وقت تواجه فيه ضغوط الاحتجاجات في الداخل. 

يدفع بذلك المجتمع الدولي إلى تحييد الملف اليمني حتى لا يتحول إلى ملف مقايضة دولية، ما سيبقى أمام دول الإقليم خيارين رئيسيين: الأول، متعلق بالرضوخ للحوثيين ومطالبهم وثمن ذلك سيكون باهظاً في مستقبل أمنهم القومي وبشأن الحل في اليمن الذي يفترض خسارتهم. والثاني، المواجهة وتحقيق تقدم عسكري على الأرض يدفع الحوثيين إلى حلول وسط تضمن تحولهم من جماعة مسلحة إلى حزب سياسي وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة للدولة؛ لكن يبدو أن الغرب والمسؤولين الأمنيين في الخليج العربي سيضغطون من أجل تحقيق الخيار الأول بعد أن فشل التحالف في تحقيق الهدف في الخيار الثاني خلال سنوات الحرب، إضافة إلى طبيعة المجلس الرئاسي المتباين بداخله وفشله حتى الآن في إقرار قواعده المنظمة وتوحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية، وهو أمرٌ يستخدمه الحوثيون بحذر لتحقيق مطالبهم.

لقد انعكست ردود الفعل على هجمات الحوثيين ضد الموانئ النفطية على الأوضاع التي تعيشها أوروبا والولايات المتحدة، تبنت الأخيرة نبرة قلقة من أن تقوم الحكومة اليمنية بالتصعيد باعتبار اقتراب الانتخابات الأمريكية النصفية[5]. وفيما أشار الاتحاد الأوروبي إلى مخاوف بشأن انتهاك قوانين أمن البحار[6] وهو قلق مرتبط بنقل النفط والغاز إلى القارة. 

 

ثانيا: تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية 

في اليوم التالي لهجمات الحوثيين على مينائي الضبة والنشيمة ( الرضوم) ، أعلن مجلس الدفاع الوطني اليمني عن تصنيف جماعة الحوثي "منظمة إرهابية"، وهي المرة الأولى التي يصنف فيها اليمن الجماعة المسلحة "منظمة إرهابية". ولا يوجد قانون معلوم حول إعلان التنظيمات الإرهابية في اليمن، بما في ذلك "تنظيم القاعدة" أو تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

ويشير قرار مجلس الدفاع الوطني إلى اعتبار الحوثيين منظمة إرهابية إلى "قانون الجرائم والعقوبات (1994)، والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والاقليمية المصادق عليها من قبل الجمهورية اليمنية". بالنظر إلى الأساس المبني عليه القرار فإنه يعاني من إشكاليات قانونية عديدة وجدل متزايد يفقد التصنيف قيمته والذي يبدو أنه القرار الوحيد الذي يمتلكه المجلس الرئاسي اليمني بعد تصعيد الحوثيين إذ أن الميناءين "الرضوم " و"الضبة" لا يخضعان لسيطرة مباشرة من قِبل الحكومة اليمنية، حيث يفترض أنها تحت حماية قوات إماراتية أو تابعة لأبوظبي والتي فشلت كما يبدو في تأمينها. 

لكن القرار بحد ذاته يعتبر سابقة في مسار علاقة الحكومة اليمنية مع الحوثيين منذ إعلانهم التمرد عام 2004م، والجماعة بالتأكيد تستحق هذا التصنيف المحلي بناءً على الجرائم المتعددة التي ارتكبتها. وما لفت الانتباه لهذا القرار أن جاء من الرئيس "رشاد العليمي" الشخصية التي عملت في مجال مكافحة الإرهاب إذ كان وزيراً للداخلية منذ العام 2001 وحتى العام الى عام 2008 وهي ذروة مواجهة تنظيم القاعدة في اليمن.

ويلفت القرار إلى عدة أمور متعلقة بالحكومة المعترف بها دولياً: 

آولاً، أن القرار يحيي مجلس الدفاع الوطني في مجلس رئاسي 80% من أعضائه قادة عسكريين. تأسس مجلس الدفاع بقانون رقم (62) عام 1991 ويتكون من: رئيس مجلس الرئاسة القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيساً. وعضوية: نائب رئيس مجلس الرئاسة وأعضاء مجلس الرئاسة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية، ووزير الإعلام، ووزير المالية، ورئيس هيئة الأركان، ومستشار مجلس الرئاسة. ضم اجتماع 22 أكتوبر/تشرين الأول إضافة إلى هؤلاء محافظا حضرموت وشبوه حيث الموانئ التي هاجمها الحوثيون. 

وحسب نص القانون "عند إعلان التعبئة أو قيام حرب يباشر مجلس الدفاع الوطني جميع مسائل التعبئة ويشرف على تنفيذها ويتولى إدارة الحرب عند نشوبها وفقاً للقوانين المنظمة" (المادة/3-7)، و"إعادة النظر في مشاريع الاتفاقيات الحربية والتحالفات العسكرية واتفاقيات الهدنة ومعاهدات الصلح واتخاذ التوصيات المناسبة بشأنها" (المادة 5).

وهو ما يضع تساؤل محوري: هل يعني ذلك مرحلة جديدة للرئيس "رشاد العليمي" بتفعيل مؤسسات الدولة مثل مجلس الدفاع الوطني لتمرير القرارات التي تحتاج جدية وحزم، منعا لأي عرقلة لها عبر التوافق في إطار المجلس الرئاسي، خاصة في ظل تأخر الوصول إلى توافق بشأن إقرار القواعد المنظمة لعمل المجلس الرئاسي.

 كما أنه يشير إلى أن مجلس الدفاع الوطني بإمكانه إعادة النظر في التحالفات العسكرية ومعاهدات الصلح في وقت تشير المعلومات إلى تقارب بين الحوثيين والمسؤولين السعوديين في مسقط بشأن ملفات متعددة متعلقة بمستقبل المرحلة الانتقالية. وهو ما يشير إليه عدم الحماس الخليجي لقرار الحكومة اليمنية اعتبار الحوثيين منظمة إرهابية. رد رئيس البرلمان اليمني على تصريحات خليجية تدعو للحل السياسي معتبراً هذه البيانات الخليجية: تتصدق على اليمن بحل سياسي هي تعلم أن الحوثي أبعد مايكون عن الحل[7].

ثانياً، القرار يتعدي إعلان نقل السلطة "الإعلان الرئاسي" الذي نقل السلطة من الرئيس عبدربه منصور هادي إلى المجلس الرئاسي في السابع من ابريل/نيسان 2022، ينص الإعلان بوضوح إلى أن مهمة المجلس الرئاسي هي التفاوض مع الحوثيين. وأطلق الإعلان الرئاسي على الحوثيين "أنصار الله" وهي التسمية التي يحبها الحوثيون، وهي المرة الأولى منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء تطلق عليهم هذه التسمية. بعد ستة أشهر من الهدنة التي نفذتها الحكومة من طرف واحد ورفض الحوثيون تنفيذ ما عليهم إضافة إلى الشروط التي فرضها الحوثيون لتمديدها واعتبرت غير مقبولة على نطاق واسع. يبدو أن تصعيد الحوثيين بقصف الموانئ، دفع المجلس الرئاسي للاعتقاد أن جماعة الحوثي المسلحة تراه ضعيفاً وتريد التفاوض معه من منطق القوة، وآنه لن يذهب لأي إجراءات جديدة للمواجهة العسكرية حيث تستمر حالة الركود والهدنة غير الرسمية منذ نهايتها مطلع أكتوبر/تشرين الأول.

برؤية منطقية فإن تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية يبقي خيار الحرب وحده مع الجماعة، لا يمكن العودة للتفاوض مع "جماعة إرهابية"، ويهدم أي جسور ممكنة لإحداث مصالحة؛ يلغي أي اتفاقات سابقة بما في ذلك ستوكهولم، ويفترض أنه يفقد أي أمل لجهود الأمم المتحدة للعودة لتجديد الهدنة التي تريدها للوصول إلى سلام كما يرى خبراؤها، لكن يرى مسؤولون في الحكومة إن المفاوضات مع الحوثيين لن تتوقف حتى مع تصنيفهم: تصنف السعودية الحوثيين ضمن المنظمات الإرهابية لكنها تفاوضهم. في كل الحالات فإن وضع الحوثيين في القائمة السوداء يضيف تعقيداً جديداً للحرب اليمنية عادة ما تسبب الحوثيون في معظم هذه التعقيدات. 

وهناك تحديات أمام الحكومة المعترف بها دولياً للمضي قُدماً في هذا القرار نشير إلى بعضها:

أ‌.  التحدي القانوني: لا توجد مادة في قانون الجرائم والعقوبات-الذي استند إليه مجلس الدفاع الوطني- يشير إلى تصنيف الجماعات كمنظمات إرهابية، هناك تشريع متعلق بالانضمام إلى عصابة مسلحة، حيث تشير المادة (133)، يعاقب بالحبس مدة تزيد على عشر سنوات: (1  كل من اشترك في عصابة مسلحة بقصد اغتصاب أراضي او نهب أموال مملوكة للدولة او لجماعة من الناس او لمقاومة القوة العسكرية المكلفة بمطاردة مرتكبي هذه الجرائم.  (2كل من اشترك في عصابة مسلحة هاجمت جماعة من الناس أو قاومت بالسلاح رجال السلطة العامة المكلفين بتنفيذ القوانين، وإذا نتج عن أي من افعال الجناة المذكورة في الفقرتين السابقتين موت انسان تكون العقوبة الإعدام حدا ولا يخل ذلك بحق ولي الدم في الدية إذا كان المجني عليه من غير المقصودين بالجريمة.

يقوم القرار بناءً على الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (1998م) وعلى الرغم من أن اليمن تشير إليه في أدبياتها بشأن تعريفها للإرهاب، إلا أن الاتفاقية[8] غامضة بشأن عدة أمور: وردت عبارة "عدم تقديم الدول لأية تسهيلات للجماعات الإرهابية على أرضيها" فلا تذكر ما هي التصرفات التي يمكن اعتبارها تسهيلات للجماعات الإرهابية، وهل فتح مكتب للحوثيين على سبيل المثال في سلطنة عُمان يعتبر نوعاً من التسهيلات؛ أو تفاوض دول عربية مع الحوثيين والتواصل معهم يعتبر نوعاً من التسهيل. 

كما لم توضح الاتفاقية ما هي صور التعاون والتنسيق التي يجب على الدول المتجاورة التي تعاني من الجرائم الإرهابية أن تقوم بها. كما تشير الاتفاقية إلى "تعزيز نظم تأمين وحماية الشخصيات والمنشآت الحيوية ووسائل النقل العام". ولم تشر إلى نوعية المنشآت الحيوية التي يجب حمايتها، هل تتضمن موانئ النفط وما الخطوات المتعلقة بنوعية نظُم التأمين وحجم المساعدة العربية.

يمكن أن تستفيد الحكومة من "تبادل المعلومات" التي تلزم حكومات الدول العربية بتقديم المعلومات حول الجماعات الإرهابية وقيادتها والأسلحة التي تصل إليها وتحركاتها، وباستثناء العراق ولبنان يعتقد أن معظم الدول العربية تستطيع تقديم هذه المعلومات، إذا ما استطاعت الحكومة اليمنية الخروج من المعضلة فيمن تعتبره إرهابياً. كما أن ذلك ينسجم مع موقف وزراء الداخلية العرب الذين أعلنوا في مارس/آذار 2022 اعتبار الحوثيين جماعة إرهابية؛ فلا يعتقد أن يقدم الأمر أكثر من تطور أكبر في تبادل المعلومات.

أما فيما يتعلق بالاتفاقيات والبرتوكولات الدولية فإن اليمن طرف في 12 اتفاقية من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية لمكافحة الإرهاب. البروتكولات ليست ملزمة في الغالب، لكن يمكن للدبلوماسية اليمنية بناءً عليها أن تحدث تأثيراً في مواقف الدُول من الحوثيين، ومراقبة تسلح الجماعة ومصادر تمويلها الخارجية؛ وفرض ضغوط على الحد من توسيع التعامل والاعتراف بالحوثيين.

ب‌.  تحدي تقديم المساعدة: حسب قرار مجلس الدفاع الوطني فإنه حذر من وصفها بـ"الكيانات والأفراد الذين يقدمون الدعم والمساعدة، أو التسهيلات أو أي شكل من أشكال التعاون والتعامل مع هذه الجماعة الإرهابية (الحوثيين)، بأنه سيتم اتخاذ اجراءات وعقوبات صارمة تجاههم". كانت اليمن قد أصدرت قانون رقم 1 لسنة 2010 لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وحسب المادة (4): يعد مرتكبا لجريمة تمويل الإرهاب كل من:

أ‌- يجمع أو يقدم أموالا بشكل مباشر أو غير مباشر وبأي وسيلة كانت مع علمه بأنها ستستخدم كليا أو جزئيا، في تمويل ارتكاب الأعمال التالية: 1-أي فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردى أو جماعي، ويهدف إلى بث الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم وتعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر أو إجبار حكومة أو منظمة دولية على القيام بأي عمل غير مشروع أو الامتناع عن أي عمل مشروع.

2-   أي فعل يشكل جريمة تندرج في نطاق إحدى الاتفاقيات أو المعاهدات ذات الصلة والتي تكون الجمهورية قد صادقت أو انضمت إليها.

3-   أي فعل يشكل جريمة منصوص عليها في قانون مكافحة جرائم الاختطاف والتقطع.

ب‌- كل من شرع في ارتكاب أو شارك أو حرض أو عاون على ارتكاب أي من الأفعال الواردة أعلاه.

تقع معظم المراكز المالية والاقتصادية في صنعاء، ويتعاملون بشكل مباشر مع الحوثيين الذين يفرضون ضرائب وجمارك وجبايات لصالح جهود الحرب ما يعتبر انتهاكاً للقانون. كما أن الامر يشمل السياسيين بمن فيهم حزب المؤتمر الشعبي العام الكيان الرئيسي الموجود في صنعاء والذي معظم قادة السلطات في المحافظات الجنوبية يتبعونه؛ إضافة إلى الموظفين الحكوميين المدنيين في مناطق الحوثيين، ومنظمات الإغاثة الإنسانية المحلية والدولية العاملة في مناطق الحوثيين؛ وحتى الطائرات التابعة للأمم المتحدة التي تصل إلى مطار صنعاء الدولي. 

يقوم البنك المركزي اليمني بمصارفة العملة المحلية بالدولار، ومعظم رجال الأعمال الذين يتقدمون للعطاءات البنكية في مناطق الحوثيين ويدفعون أمولاً بانتظام للجماعة المسلحة تستخدم في جهود الحرب. كما أن الموانئ مصدر دخل كبير للحوثيين بما في ذلك ميناء الحديدة، فهل ستدفع الحكومة اليمنية من أجل إغلاقه في وجه الحوثيين أم ما هي الإجراءات التي ستقوم بها؟ 

 

انعكاس التطورات اليمنية على الحرب والإقليم 

يفترض بالأحداث الأخيرة: تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية واستهدافها لموانئ النفط وتهديد شركات النفط وانتهاء الهدنة في اليمن؛ أن يؤثر على ديناميكيات الحرب في اليمن، ويغيّر من سياسات الإقليم تجاه الصراع اليمني. 

على المستوى الاقتصادي، فإن صناعة النفط في البلاد مهددة بالفعل، ستندفع شركات النفط إما لتجميد العمل في حقول النفط أو الخروج من البلاد، ويحد من التنقيب عن النفط والغاز والذي بدأته شركات فرنسية وألمانية وأمريكية منذ بداية العام؛ يضع ذلك ضغوط على الحكومة اليمنية إيجاد حلول سريعة لتمرير وتفريغ خزانات النفط التي يبدو أن معظمها أمتلأ خلال الأسبوع الأول عقب هجمات الحوثيين. سترتفع الأسعار ويرتفع التأمين على الملاحة إلى الموانئ اليمنية، وسيتأثر اقتصاد البلاد بتراجع أكبر للعملة خاصة مع غياب المعالجات المفترضة والمتوقعة من السعودية والإمارات بشأن المنحة المالية المعلن عنها بثلاثة مليارات دولار. 

على المستوى السياسي والعسكري للحكومة،  قد يبدو المجلس الرئاسي متوحداً حول قرار تنصيف الحوثيين منظمة إرهابية، فمن الصعب تقبل أي طرف مشارك في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة هجمات الحوثيين على المصدر الوحيد لتغذية البلاد بالعملة الصعبة، وفقدان صورة المجلس الرئاسي كجهة سيادية- مسؤولة عن حماية الموانئ والملاحة وشركات النفط في مناطق سيطرتهم- لصالح الحوثيين؛ لكن مع ذلك تبقى مخاطر الخلافات قائمة وقد توصل إلى معركة داخلية جديدة خاصة مع استمرار المجلس الانتقالي الجنوبي بالتحشيد للدخول إلى وادي حضرموت واستهداف قبائلها، ومحافظة المهرة المجاورة؛ وفشل توحيد ودمج القوات، وزيادة حالة عدم الاستقرار في محافظة شبوة النفطية نتيجة طرد القوات الحكومية. 

كشفت هجمات الحوثيين أن بإمكان الأطراف المكونة للمجلس الرئاسي التوحد متى ما واجهت تهديدا مشتركا أكبر؛ منحهم الحوثيون هذه الميّزة بالهجمات على الموانئ والذي إذا لم يُترجم عملياً بعملية عسكرية واسعة في محافظات الجوف والبيضاء والحديدة فإن الخلافات ستعود بقوة وأكثر تمزيقاً للمجلس مع تصاعد الاتهامات والتخوين؛ وهو ما يعوّل عليه الحوثيون. 

وبما أنه تم إحياء مجلس الدفاع الوطني، وفشل انعقاد هيئة الحوار والتشاور، فإن الرئيس رشاد العليمي سيستمر في استخدام مجلس الدفاع الوطني لتعزيز اختياراته وقراراته بشأن الحوثيين وربما بشأن أمور أخرى متعلقة بالوصول إلى تحالفات أخرى في المنطقة. خلال كلمته في مؤتمر القمة العربية طلب الرئيس العليمي: عمل عربي جماعي في اليمن يتصدى للمشروع الانقلابي التخريبي (جماعة الحوثي)[9]؛ باعتبار أن الحوثيين تهديداً إيرانياً للأمن القومي العربي، واستهداف الموانئ اليمنية يعتبر تهديداً واضحاً للملاحة في البحر الأحمر، الذي تطل عليه عديد من الدول العربية.

على مستوى الحوثيين: يثير قرار تصنيف الجماعة منظمة إرهابية غضباً داخل قيادات الجماعة، لكنه لن يمثل ضغطاً على الجماعة ينزع منها حالة الشعور بالانتصار، إلا إذا حدث تحرك عسكري حكومي في "الجوف" التي سيطروا عليها في 2021، أو "الحديدة" التي توقفت عمليتها العسكرية في 2018 بضغوط دولية أوصلت إلى اتفاق ستوكهولم نهاية العام ذاته، آو البيضاء التي يشكل تداخلها الجغرافي وتضاريسها المرتفعة حالة خطر مستمر على المناطق المحررة في الجنوب. يشير إلى ذلك مجلس الدفاع الوطني بالقول إن تصعيد الحوثيين يعفي الحكومة من "كافة الالتزامات المتعلقة باتفاق ستوكهولم وعناصر الهدنة الانسانية المنهارة، والتسهيلات الخدمية الأخرى".[10] لذلك قد يدفع الحوثيون إلى هجوم جديد باتجاه محافظة مأرب أو محافظة شبوة لتحديد أرض المعركة الجديد، في الوقت الذي سيستمرون بإرسال الطائرات المسيّرة لتهديد الموانئ وشركات وحقول النفط في مناطق سيطرة الحكومة لتنفيذ تهديداتهم. وستلجأ الحكومة إلى إجراءات جديدة لكنها كما يبدو لن تكون فعالة بدرجة كبيرة لمواجهتها. 

على مستوى المفاوضات، يفترض بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أن يمنع الحكومة اليمنية من التفاوض مع الحوثيين على الرغم من أنها أعادت تشكيل وفدها المفاوض قبل يومين من هجمات الجماعة المسلحة على الموانئ[11]؛ يُعقد ذلك جهود الأمم المتحدة المستمرة لاستعادة الهدنة التي انتهت مطلع أكتوبر/تشرين الأول (2022)، كما أنه يهدد استمرار "عناصر الهدنة الانسانية، والتسهيلات الخدمية الأخرى"؛ بما في ذلك استمرار رحلات مطار صنعاء الدولي إلى عمّان، وتدفق سفن المشتقات النفطية إلى ميناء الحديدة. لكن مع ذلك لا يبدو أن الحكومة ستوقف مهمة التشاور مع الحوثيين.

من جهتها فإن السعودية التي صنفت الحوثيين كمنظمة إرهابية (2014)[12]ستستمر في تفاوضها مع الحوثيين في مسقط، إذ وصلت إلى تبادل زيارات متعلقة بالأسرى -كما قال الحوثيون والتحالف[13]؛ لكنه خطوة -وربما غطاء- في مرحلة متقدمة من التفاهم المتبادل حول ملفات ظلت تعاني من تحقيق تقدم بطيء للغاية بتيسير من المخابرات العُمانية.

على المستوى الدولي، يبدو أن سلوك الحوثيين خلال الهدنة والتنازلات التي قدمتها الحكومة للوصول إلى حلّ سياسي أقنع المجتمع الدولي، خاصة الدول المرتبطة بالملف اليمني أن هناك حاجة إلى ضغط هائل على الجماعة المسلحة من أجل دفعهم إلى اتفاق ترعاه الأمم المتحدة. لذلك على الرغم من أن الهجمات على الموانئ وتهديد شركات النفط والناقلات والملاحة يمثل تحدياً خطيراً للأمن البحري وإمدادات الطاقة في ظل الحاجة الدولية لها، ويدفعها للغضب والتنديد بالهجمات، إلا أن جزءاً من الإدانة يأتي لفقدان الثقة بأن الحوثيين لا يريدون تسوية تنهي الحرب دون أن تلبية شروطهم وتحقق أهدافهم بالهيمنة على اليمن خلال أي مرحلة انتقالية؛ لذلك وصف مجلس الأمن الدولي هجمات الحوثيين بـ"الإرهابية"، وهو توصيف تكرر للمرة الثانية، وكانت المرة الأولى في فبراير/شباط (2022) بعد الهجمات الحوثية على منشآت النفط في أبوظبي[14]؛ ولم تكن هناك إدانة دولية لإعلان الحكومة اعتبار الحوثيين "منظمة إرهابية" كما لم يلحظ وجود تأييد لهذا الإعلان. 

كما أن هناك اعتبارات أخرى طارئة، مثل: التوتر السعودي/ الأمريكي، والحاجة الإيرانية. 

التوتر الأمريكي/السعودي: ارتفع التوتر بين البلدين منذ ولاية باراك أوباما الثانية، وشهدت تحسن بسيط في ولاية دونالد ترامب، لكن في إدارة جو بايدن كان التوتر وصل مستويات قياسية منذ الحملة الانتخابية، اعتمد بايدن في حملته في السياسة الخارجية المتعلقة بمنظمة الشرق الأوسط على: جعل السعودية منبوذة، إنهاء حرب اليمن، العودة إلى الاتفاق النووي. لكنه فشل فشلاً ذريعاً فيها فقد زار المملكة في يوليو/تموز (2022)، ولم تنته حرب اليمن، بل شجع قراره إزالة الحوثيين من قوائم الإرهاب الأمريكية هجماتهم العابرة للحدود والملاحة الدولية وتوسعت المعارك الداخلية. وفشل في عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران رغم التنازلات التي قدمتها إدارته، بل يقوم النظام في طهران بتزويد روسيا بالطائرات المسيّرة التي تستخدم في أوكرانيا؛ وهو ما يثير غضب واشنطن وحلفائها الغربيين بسبب تأثيرها الكبير على البنية التحتية والطاقة الأوكرانية، وهو تحذير كان يمكن أن يكفي مواجهته في اليمن والخليج قبل أن ينتقل إلى أوروبا الشرقية. 

يجد الديمقراطيون أنفسهم في مواجهة مواقفهم السلبية في الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني (2022)، بعد خفض السعودية انتاج النفط وارتفاع التضخم في الولايات المتحدة. الملف الوحيد الذي كان بايدن يزعم تحقيق تقدم فيه هو الملف اليمني بسبب الهدنة، لكن تصعيد الحوثيين وتصنيف الحكومة اليمنية للجماعة منظمة إرهابية يفتح باب صراع طويل الأمد في البلاد. بذلك تكون سياسة بايدن في الشرق الأوسط خلال العامين الأولين فاشلة وفقدت الكثير من التفاعل مع حلفاءها في ظل تهديد تواجهه بفعل الحرب الروسية في أوكرانيا وتنامي القوة الصينية العالمية. 

في ردة فعل غضب من الديمقراطيين وبعضاً من الجمهوريين، بفعل قرار أوبك+، يجري دراسة مشاريع قوانين في الكونجرس وفي البيت الأبيض بشأن تقليص بيع السلاح للسعودية، أو الإبطاء بتسليم دفعة من الدفاعات الجوية باتريوت التي تعترض صواريخ الحوثيين وطائرات المسيّرة[15]. إضافة إلى إقرار قانون "نوبك" الذي يحظر احتكار التكتلات الاقتصادية في الولايات المتحدة؛ وهو ما سيؤثر بشكل كبير على العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة. ومن غير المتوقع أن تجد مشاريع تلك القوانين النور في وقت قريب لكنها بالتأكيد ستؤثر على مدى دعم واشنطن للسعودية في حرب اليمن واحتمالية المقايضة المواقف والدعم الأمريكي مقابل الإجراءات السعودية. لكنها في كل الحالات ستأتي بعد انتهاء الانتخابات النصفية.

الحاجة الإيرانية، تمر الجمهورية الإيرانية بحالة فريدة من نوعها متعلقة بالتظاهرات، حيث دفعت وفاة مهسا أميني (22 عاماً)، في 16 سبتمبر/أيلول بعد اعتقالها بثلاثة أيام من قبل شرطة الأخلاق في طهران، إلى انتشار احتجاجات غير مسبوقة في إيران من حيث اتساع رقعتها الجغرافية لتشمل معظم المدن الإيرانية، في أكبر تهديد يواجه بنية النظام الإيراني منذ الثورة الخمينية قبل 43 عاماً. وعلى عكس ما يراه البعض بأن التهديدات الداخلية للنظام ستؤثر في مستويات دعمه لجماعة الحوثي المسلحة في اليمن، فإن طهران دأبت على استخدام التهديدات الخارجية كأداة لمواجهة التهديدات والمطالب الداخلية. 

وبغض النظر عن النتائج للمشاورات بين الحوثيين والسعوديين فإن النظام الإيراني بدلاً من توجيه ضربة تشعل حرباً في المنطقة، قد يستخدم الحوثيين لتوجيه ضربة مباشرة للمنشآت الحيوية في دول مجلس التعاون الخليجي خاصة السعودية والإمارات؛ يعزز ذلك أمرين رئيسيين: تراجع المشاورات السعودية/ الإيرانية في بغداد خلال الأسابيع الماضية بسبب ما تراه الرياض نظرة في جدوى فشل المفاوضات الغربية لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي. والثاني، وجود مضادات دفاع جوي إسرائيلية في الإمارات حيث تعتقد طهران أن وجود النظام الدفاع الجوي الإسرائيلي على مقربة من أراضيها جزء من حالة الحرب بين النظام والاحتلال الإسرائيلي وانتهاك لأمن المنطقة. كان قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي قد وجه في 20 أكتوبر/ تشرين الأول ما وصفه بأنه تحذير للقادة السعوديين من الاعتماد على إسرائيل وأشار إلى أنهم "يحتمون بقصور زجاجية". 

في نوفمبر/تشرين الثاني (2022) تبادلت السعودية معلومات مخابرات مع الولايات المتحدة تحذر من هجوم إيراني وشيك على أهداف في المملكة[16].  عادة ما قام النظام الإيراني باستخدام الهجمات الخارجية ومواجهة التهديدات الخارجية كمحاولة لصرف الانتباه عن الاحتجاجات. وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي إن الولايات المتحدة قلقة من تهديدات إيران للسعودية وإنها لن تتردد في الرد إذا لزم الأمر. "نحن قلقون من التهديدات، ونظل على اتصال مستمر مع السعوديين من خلال القنوات العسكرية والمخابراتية.. لن نتردد في التحرك دفاعا عن مصالحنا وشركائنا في المنطقة"[17]. منذ بدء الاحتجاجات في سبتمبر/أيلول (2022) هاجمت إيران بالفعل شمال العراق بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المسلحة، أسقطت طائرة حربية أمريكية إحداها أثناء توجهها نحو مدينة أربيل، حيث تتمركز القوات الأمريكية. وألقت طهران علنا ​​باللوم على ما تصفه الجماعات الكردية الإيرانية الانفصالية المتمركزة هناك في إثارة الاضطرابات في الداخل[18].

عقب هجوم استهدف مدينة شيراز تبناه تنظيم الدولة (داعش) وأدى إلى مقتل 12 شخصاً، أعلن قائد الحرس الثوري حسين سلامي مسؤولية السعودية والولايات المتحدة عن التظاهرات وتوعدها بالرد.[19] كان الخطاب الإيراني واضحاً في اعتبار الاحتجاجات تحمل يداً سعودية في تأجيج ما أسموه الفتنة بسبب ما يصفونه "فشل السعودية في اليمن"[20]. عادة ما استخدمت إيران الحوثيين كأداة لتجنب اللوم بشأن مهاجمة السعودية، في عام 2019م تعرضت منشآت النفط السعودية لهجوم مدمر اُتهمت إيران بشن الهجوم لكن الحوثيين تبنوه على أي حال. 

يخطئ صانعو القرار السياسي على المستوى الخليجي والدولي بشأن درجة سيطرة إيران وحزب الله اللبناني على الحوثيين، ويقولون إنه على درجة متوازنة من تبادل المصالح، يعزز الإيرانيون والحوثيون من هذه النظرة من خلال إعطاء تصريحات تناقض الأفعال. لكن في الحقيقة فقد تعززت العلاقة بين الحوثيين والإيرانيين خلال سنوات الحرب وصولاً إلى البنية الداخلية لصناعة القرار داخل الجماعة، حيث يوجد نائبين لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي الأول من الحرس الثوري الإيراني والآخر من حزب اللبناني، ولا تقطع الجماعة أي قرار متعلق بالهجمات وسلطة الحرب بدون موافقة مجلس يضم هذين النائبين[21].

 

سيناريوهات تخفيض التصعيد:

ليس أمام المجتمع الدولي إلا بضع خيارات لتخفيض التصعيد ابتداء من المستجدات اليمنية:

الأول، الضغط على الحكومة اليمنية والسعودية والإمارات لتنفيذ شروط الحوثيين والعودة إلى الهدنة، لضمان استمرار تدفق إمدادات النفط والغاز دون اعتراض. لكن ليس هناك ضامن من أن الحوثيين الذين يُعتبرون فصيلاً مدعوماً وتابعاً لإيران أن يلتزموا بهذه الهدنة. 

الثاني، دعم تحرك عسكري ضد الحوثيين لإجبارهم على تجديد الهدنة دون شروط، وهذا الضغط سيحتاج إلى تدخل أمريكي وبريطاني يشارك في حماية منشآت وموانئ تصدير النفط والغاز في اليمن ودول الخليج، وحماية الملاحة الدولية من التهديدات. وهو خيار ممكن لكنه مرتبط بجدية السعودية والإمارات في تحقيق هذا التحرك العسكري. 

الثالث، تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية لاعتبارات الأمن البحري، وورقة مساومة مع السعودية لزيادة انتاج النفط بعد أن قلصت أوبك+ انتاج النفط مليوني برميل منذ بداية نوفمبر/تشرين الثاني (2022) الجاري. وكان البيت الأبيض قد بدأ تقييم يعين تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية مطلع العام الجاري (2022)[22] بعد عام من إزالتهم من القائمة، كما أن بريطانيا بدأت بدراسة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية في ابريل/نيسان (2022)[23]. وساهمت الهدنة إلى حد كبير في تجميد تلك السلطات النقاشات بشأن إمكانية تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية. 

 

خلاصة:

تثبت الأحداث يوماً بعد يوم أن الحوثيين مصلحة إيرانية بدرجة رئيسية، وكل ما تحقق من تقدم في تخفيض التصعيد في حرب اليمن، كان مرتبطا بالمفاوضات بين السعودية وإيران في بغداد من جهة، وبين المجتمع الدولي وإيران بشأن الاتفاق النووي من جهة أخرى، وعودة الحرب في اليمن بدءاً من استهداف مصادر النفط والطاقة، هو رد فعل إيراني غير مباشر، قد يتطور ضد منشئات نفط الخليج، كلما ذهبت الأوضاع داخل إيران للتصعيد. ولذلك من المهم أن تفقد إيران ورقة الحوثيين في اليمن، لتقليل تهديداتها ضد منشآت النفط والطاقة، وممرات التجارة الدولية.

 

 

 

مراجع:


[3] المحرر السياسي لوكالة الأنباء التابعة للحوثيين 22/10/2022 

https://www.saba.ye/ar/news3208078.htm

[4] القبيلة والنفط في حرب اليمن.. معركة مأرب الأخيرة، مركز أبعاد للدراسات والبحوث 10 أكتوبر/تشرين الأول2020 

https://abaadstudies.org/news-59852.html

[5] السفير الأمريكي في اليمن: ندين الهجوم الحوثي على ميناء الضبة، نشر في 22/10/2022 وشوهد في 31/10/2022

https://is.gd/97KY80

[6] إدانات عربية ودولية واسعة لهجوم الحوثيين على ميناء الضبة النفطي باليمن نشر في 22/10/2022 وشوهد في 31/10/2022 على الرابط: 

https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/80141

[7] تغريدات سلطان البركاني رئيس البرلمان اليمني على تويتر نشرها في 24 أكتوبر/تشرين الأول2022

https://twitter.com/AlbarkaniS/status/1584482752933789703

[8] الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب يمكن الاطلاع عليها عبر الرابط: 

http://www.moj.gov.jo/EchoBusV3.0/SystemAssets/8153a162-466c-4c6f-9f91-a04cf80fa918.pdf

[9] العليمي في القمة العربية يدعو القادة العرب لتصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية" وعزل إيران (الموقع بوست) نشر في 2/11/2022 على الرابط: https://almawqeapost.net/news/79377

[10] مجلس الدفاع الوطني يعقد اجتماعا طارئا برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، سبأ، نشر في 22/10/2022 وشوهد في 2/11/2022 على الرابط: https://www.sabanew.net/story/ar/91306

[11] مصدر حكومي لـ"المصدر أونلاين": إقرار تشكيلة جديدة للفريق الحكومي المعني بالتفاوض مع الحوثيين برئاسة وزير الخارجية (المصدر اونلاين) نشر في 18/10/2022 وشوهد في 2/11/2022 على الرابط: https://almasdaronline.com/articles/261879

[12] السعودية تدرج الإخوان وداعش والحوثيين على قائمة الإرهاب (دوتشيه فيله) نشر في 7/3/2014 وشوهد في 2/11/2022 على الرابط: https://p.dw.com/p/1BLpR

[13] وفد الحوثيين في السعودية يزور أسرى الجماعة في سجون المملكة، (الموقع بوست)، نشر في 14/11/2022 وشوهد في 2/11/2022 على الرابط: https://almawqeapost.net/news/78610

[14] UN Security Council calls Houthis a terrorist group for first time, expands arms embargo 28/2/2022

https://www.arabnews.com/node/2033376/middle-east

[15] Biden admin has discussed slow-rolling military aid to Saudis, including Patriot missiles, as payback for oil production cut/29/10/2022 

https://www.nbcnews.com/politics/joe-biden/biden-admin-discussed-slow-rolling-saudi-military-aid-payback-oil-prod-rcna54505

[16]Nissenbaum, Dion: Saudi Arabia, U.S. on High Alert After Warning of Imminent Iranian Attack/1/11/2022 

https://www.wsj.com/articles/saudi-arabia-u-s-on-high-alert-after-warning-of-imminent-iranian-attack-11667319274

[17] أمريكا تبدي قلقها من تهديدات إيرانية للسعودية (رويترز) نشر في 2/ 11/2022م وشوهد في4/11/2022 على الرابط: https://is.gd/l9ugx3

[18] Tehran strikes Kurdish opponents in Iraq as protests over Mahsa Amini’s death convulse Iran/24/9/2022 https://www.al-monitor.com/originals/2022/09/tehran-strikes-kurdish-opponents-iraq-protests-over-mahsa-aminis-death-convulse#ixzz7jifOmnHW

[19] فرمانده سپاه: امروز آخرین روز شرارت شما بود، دیگر به خیابان نیایید/

[20] قائد الحرس الثوري الإيراني يهدّد المحتجين: "اليوم هو آخر أيام الشغب" (العربي الجديد) نشر في 29/10/2022 وشوهد في 4/11/2022م على الرابط: https://is.gd/QKD8n5

[21] The Houthi Jihad Council: Command and Control in ‘the Other Hezbollah’ October 2022 Issue VOLUME 15, ISSUE 10 https://ctc.westpoint.edu/the-houthi-jihad-council-command-and-control-in-the-other-hezbollah/

[22] Klippenstein, Ken: WHITE HOUSE DISCUSSES REINSTATING TRUMP’S TERROR DESIGNATION FOR YEMEN’S HOUTHIS https://theintercept.com/2022/02/08/yemen-terrorist-group-houthis-uae/

OR: Biden says administration mulling re-designating Yemen's Houthis a terrorist group> 20/1/2022 

https://is.gd/t9W3N7

[23] Wintour, Patrick: UK plan to label Houthis as terrorists risks disaster in Yemen, aid bodies warn. 1/4/2022 https://www.theguardian.com/world/2022/apr/01/yemen-uk-houthi-rebels-aid-agencies-letter

 


Read Also


Comments

Add Comment