من السلطة إلى المعارضة والانقلاب والحرب..

تحولات المؤتمر الشعبي العام في 40 سنة

فؤاد مسعد
2022-11-26   Reads: 443

PDF

ENGLISH

 

 ملخص

      بعد مرور 40 عاماً على تأسيس المؤتمر الشعبي العام يتساءل المراقبون والمتابعون عن مستقبله في ظل الانقسام الذي يعيشه في الوقت الراهن، خاصة بعد مرور نحو 5 سنوات على مقتل رئيسه المؤسس علي عبدالله صالح رئيس اليمن السابق، عقب انهيار تحالفه مع جماعة الحوثي.

تحاول هذه الدراسة أن تتبع أهم التحولات في مسار المؤتمر الشعبي خلال أربعة عقود من الزمن، شهدت البلاد فيها عدداً من الأحداث التاريخية والسياسية، وكان المؤتمر – الحاكم في أغلب سنوات هذه الحقبة- حاضراً في هذه المرحلة وشاهداً على ما طالها من تغيرات، بدءاً بمرحلة تأسيس المؤتمر كمظلة سياسية للتيارات الفكرية والقوى السياسية، ومروراً بإعلان الوحدة والسماح بالتعددية الحزبية والسياسية، وعقد المؤتمر سلسلة تحالفات أولاً مع الحزب الاشتراكي ثم مع الإصلاح، وصولاً إلى سيطرته على الأغلبية المريحة في مجلس النواب، ومن ثم الانفراد بالسلطة، حتى اندلاع الثورة في فبراير/شباط 2011، وتخلي الرئيس صالح عن السلطة لنائبه عبدربه منصور هادي، وتشكيل حكومة مناصفة بين المؤتمر والمعارضة، قبل أن تتمكن جماعة الحوثي من الاستيلاء على السلطة أواخر العام 2014، وما أعقبه من اندلاع الحرب الشاملة التي قسمت المؤتمر إلى جناحين رئيسيين، أحدهما تحالف مع الحوثي والآخر أعلن دعم الشرعية.

وتحاول الدراسة استشراف مستقبل المؤتمر في ضوء واقعه الراهن وبالنظر إلى مجموعة من العوامل المؤثرة في المشهد السياسي سواء داخل المؤتمر أو على مستوى اليمن بشكل عام.

 

النشأة والتأسيس

في الـ24 من شهر أغسطس/آب 1982، أُعلن عن تأسيس "المؤتمر الشعبي العام" في شمال اليمن (قبل الوحدة)، في أعقاب حوار سياسي شاركت فيه معظم القوى السياسية اليمنية، وضم المؤتمر في صفوفه مختلف القوى والتيارات الفكرية والسياسية، وكان الدستور يحظر التعددية الحزبية حينها، لذلك فقد أصبح المؤتمر يضم جميع التيارات التي كانت تعمل في ظروف العمل السري، وغدا هو الحزب الحاكم، ويرأسه رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح الذي تولى السلطة في شمال اليمن في يوليو/تموز 1978.

لم يحمل المؤتمر أي صبغة تنظيمية أو أيديولوجية خاصة، فقد كان بمثابة مظلة سياسية لجميع القوى السياسية، من إسلامية ويسارية وقومية، بالإضافة إلى أن المؤتمر احتوى قطاعات واسعة من المستقلين والعسكريين وشيوخ القبائل والتجار مستفيداً من صيغته الواسعة والفضفاضة.

ويلاحظ أن المؤتمر تأسس بعدما بدأ نظام الرئيس صالح يشهد شيئاً من الاستقرار بداية الثمانينيات، خاصة بعد اتفاقه مع قيادة النظام الحاكم في جنوب اليمن على وقف المواجهات، واستيعاب المعارضين المسلحين المدعومين من نظام عدن، واحتواء كافة التيارات السياسية – بما فيها تيار اليسار الذي كان يقود المواجهات في المناطق الوسطى ضد نظام صالح.

وقد كشفت المواجهات التي شهدتها المناطق الوسطى أواخر السبعينيات جانباً من الضعف في بنية نظام صنعاء وجيشه، وكذلك الخواء الفكري والسياسي، في مقابل امتلاك نظام عدن لمشروع سياسي يتبنى النظرية الماركسية ويعمل على نشرها على مستوى اليمن شمالاً وجنوباً، وكان ذلك سبباً كافياً للبحث عن صيغة سياسية جامعة تسد هذه الثغرة وتملأ الفراغ في هذا الجانب، ومن هنا بدأت الحوارات واللقاءات -بتوجيهات من الرئيس صالح ودعمه، لإنجاز مشروع فكري وسياسي وإطار تنظيمي يجمع القوى السياسية على الأسس العامة والقواسم المشتركة.

تشكلت لجنة للحوار الوطني، وتولت مهمة إعداد مشروع "الميثاق الوطني"، الذي سيكون الدليل النظري للإطار السياسي الجامع، وانعقد المؤتمر الشعبي العام في أغسطس 1982، وأقر المؤتمر صيغة الميثاق الوطني، وتم اختيار قائمة مؤسسي المؤتمر من شخصيات سياسية ومثقفين مستقلين وآخرين من مختلف القوى والأحزاب السياسية.

يقول الدكتور/ عبدالملك منصور المصعبي، وهو أحد أبرز مؤسسي المؤتمر: "لقد كان المؤتمر الشعبي العام في حينه ملبياً لاحتياجات النظام السياسي الجديد الذي كنا بصدد تأسيسه، كما أن المؤتمر جاء ملبياً لاحتياجات المجتمع اليمني في ذلك الوقت"[1].

وتضم الهياكل القيادية للمؤتمر إلى جانب رئيس المؤتمر اللجنة العامة، وهي أعلى هيئة قيادية للتنظيم، وأمانة عامة تضم الأمين العام وعدداً من مساعديه، كما يضم المؤتمر لجنة دائمة تعتبر بمثابة برلمان الحزب، كانت في السابق لجنة واحدة على مستوى البلد، وفيما بعد تم تشكيل لجان دائمة على مستوى الفروع.

وعلى الصعيد التنظيمي عقد المؤتمر عدداً من المؤتمرات العامة والدورات الاستثنائية، بدءاً بالمؤتمر العام الأول في العام 1982، وانتهاء بالمؤتمر السابع في العام 2005، وكذلك المؤتمر الاستثنائي في العام 2006، انعقدت جميعها في صنعاء باستثناء المؤتمر السابع فقد انعقد في عدن.

 

من التحالف إلى الانفراد

استمر هذا الوضع حتى تم إعلان الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب في مايو/أيار 1990، ودخل المؤتمر- الحاكم شمال اليمن في تحالف ثنائي مع الحزب الاشتراكي الذي كان يحكم جنوب اليمن، تقاسما خلالها المناصب والمؤسسات الحكومية في الفترة التي أعقبت إعلان الوحدة، وسميت تلك الفترة بالفترة الانتقالية، ومع أن كثيراً من أعضاء المؤتمر كانوا محسوبين على قوى وأحزاب سياسية، فقد غادر الغالبية منهم المؤتمر وانخرطوا في أحزابهم بعدما أصبح النشاط الحزبي مسموحاً، غير أن المؤتمر احتفظ بكتلة جماهيرية سيما من غير الحزبيين، ومن القيادات العسكرية والمدنية في المحافظات الشمالية، بالإضافة إلى أن المؤتمر نجح في احتواء عدد كبير من أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية الذين تضرروا من نظام الحزب الحاكم في الجنوب، خاصة أبناء السلاطين والأمراء الذين انتهت سلطاتهم بعد الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في العام 1967.

انتهت الفترة الانتقالية بإجراء الانتخابات النيابية في أبريل/نيسان 1993، وأسفر عنها فوز حزب المؤتمر بأكثر من 120 مقعداً من مقاعد البرلمان البالغ عددها 301، وحصول حزب الإصلاح على 63 مقعداً، وفي المرتبة الثالثة حل الحزب الاشتراكي بحصوله على 56 مقعداً.

دخلت الأحزاب الثلاثة في تحالف ثلاثي وتنسيق برلماني لكن التجربة لم تصمد سوى بضعة أشهر حتى بدأت الخلافات تعصف بها، سيما مع نشوب أزمة سياسية أواخر العام 1993، قادت إلى حرب بين حليفي اتفاق الوحدة، (المؤتمر والاشتراكي)، استطاع صالح وحلفاؤه حسم الحرب لصالحهم بعد نحو شهرين من نشوبها، وبعدها دخل المؤتمر وحزب الإصلاح في تحالف ثنائي، استمر قرابة 3 سنوات، وبعدها أجريت انتخابات برلمانية في أبريل 1997، نتج عنها حصول المؤتمر على غالبية المقاعد ما أدى لخروج الإصلاح من السلطة وانفراد المؤتمر في تشكيل الحكومة والسيطرة المطلقة على السلطة معتمداً على ما لديه من أغلبية مريحة في البرلمان.

كانت انتخابات العام 1997 بالنسبة للمؤتمر هي بداية الحكم منفرداً بدون حلفاء، فقد تلتها عدة جولات انتخابية واستطاع أن يحسمها لصالحه، بدءاً بالانتخابات الرئاسية الأولى في العام 1999، والانتخابات المحلية عام 2001، والنيابية عام 2003 والرئاسية الثانية في العام 2006، وهي آخر انتخابات شهدها اليمن، باستثناء الانتخابات التكميلية (النيابية) التي شملت عدداً من الدوائر الانتخابية في العام 2009 .

انفرد المؤتمر بحكم اليمن، منذ العام 1997 غير أن الإخفاق المستمر لحكوماته المتعاقبة وضعف أداء مؤسسات الدولة، مع الفشل الذريع في محاربة الفساد وتحقيق الإصلاح المالي والإداري، فضلاً عن الإخفاق في الجوانب الأمنية وفي التنمية وتوفير الخدمات، بالإضافة إلى وصول المؤتمر والقوى السياسية المعارضة التي انضوت في إطار واحد أسمته (اللقاء المشترك) إلى طريق مسدود في مختلف جولات الحوار، كل ذلك أدى لظهور عدد من الأزمات السياسية والاقتصادية جراء تنفيذ الجرعات السعرية الناجمة عن رفع الدعم عن المشتقات النفطية، ناهيك عن نشوب حروب صعدة وتصاعد الحراك الشعبي في المحافظات الجنوبية ودعواته المستمرة لانفصال جنوب اليمن.

ومع ذلك بقي المؤتمر الشعبي العام مكاناً جاذباً للراغبين في الحصول على مغانم السلطة من وظائف وامتيازات وغيرها، خاصة في ظل سيطرته المطلقة على كل مؤسسات الدولة واحتكاره الوظيفة العامة ووسائل الإعلام الرسمية، الأمر الذي جعل منه بوابة عبور في الغالب لتحقيق المكاسب الخاصة للملتحقين به، ومقابل ما يحصل عليه المنتسب للمؤتمر من منافع فإن الانتساب لا يكلفه شيئاً من حيث الالتزام الفكري والأيديولوجي، فالمؤتمر يعتمد فقط خطاباً عاماً يسهل التعاطي معه، ناهيك عن ارتباطه الوثيق بشخصية مؤسسه الرئيس صالح، الأمر الذي يلزم المنتسبين بالولاء الشخصي للرئيس أكثر من الولاء للحزب. وهو ما عبر عنه قيادي في حزب المؤتمر بالقول: "المؤتمر مرتبط بالرئيس صالح وحده، والمنتسبون للمؤتمر يبحثون عما في يد المؤتمر وجيبه"[2].

وبحسب عبد الملك منصور، أحد مؤسسي المؤتمر فـ"قد تحقق الكثير من أهداف المؤتمر، لكن هذا لم يستمر بسبب عوامل عدة، تظافرت لتجعل من المؤتمر مجرد منصة عامة علنية، بينما يبني كل قياداته تنظيماتهم الخاصة"[3].

 

الثورة والحرب

وبالنظر إلى التأّزم الداخلي والظروف الخارجية فقد اندلعت الثورة الشعبية اليمنية بداية العام 2011 مطالبةً بإسقاط نظام صالح، وشهد المؤتمر هزة عنيفة بعد انشقاق عدد كبير من قياداته وقواعده وانضمامهم للثورة، وبينهم قادة عسكريون وسياسيون وسفراء ووزراء، غير أن المؤتمر بقيادة صالح بقي متماسكاً، وقد استعاد أنفاسه مع مرور الوقت، ومن ثم بدأ بالمناورة مع القوى السياسية مستفيداً من حالة الجمود التي وصلت إليها البلاد بعد أشهر من اندلاع الثورة، حتى تدخلت المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج، وبذلت جهودها من أجل الوصول إلى تسوية سياسية، وبالفعل تم الاتفاق على التوقيع على آلية نقل السلطة من صالح إلى نائبه عبدربه منصور هادي، وتشكيل حكومة (وفاق وطني) مناصفة بين المؤتمر والمعارضة، والترتيب لحوار وطني شامل بمشاركة مختلف القوى السياسية اليمنية.

وعلى الرغم من تأكيدات الرئيس السابق صالح وقيادات حزبه على دعم الرئيس الجديد عبدربه منصور هادي- الذي يعتبر الرجل الثاني في المؤتمر، إذ يشغل منصب النائب الأول- الأمين العام للمؤتمر، إلا أن الملاحظ أن بيانات صالح ولقاءاته الإعلامية والجماهيرية وتغطيات وسائل الإعلام الموالية له، كانت تتبنى موقفاً معارضاً للسلطة الجديدة التي يستأثر المؤتمريون بأكثر من النصف فيها. وظهر ذلك منذ مارس/أذار 2012، بعد أيام فقط من تسلم الرئيس هادي مهام الرئاسة عقب الانتخابات التوافقية التي أجريت في 21 فبراير/شباط 2012، وفقاً لاتفاقية نقل السلطة (المبادرة الخليجية) التي تضمنت منح صالح وأنصاره حصانة برلمانية من أي مساءلة قانونية عن فترة حكمه، وقد صدر قانون الحصانة عن البرلمان في يناير/كانون 2012.

انعقد مؤتمر الحوار الوطني في الفترة من مارس/أذار 2013 حتى يناير/كانون ثان 2014، بمشاركة المؤتمر الشعبي وحلفائه (نحو خمسة أحزاب صغيرة)، الذين كان لهم نصيب الأسد في أعضاء مؤتمر الحوار، 112 عضوا من إجمالي عدد المشاركين البالغ 565، وخرج بوثيقة تضمنت الحلول والمعالجات لمختلف القضايا والإشكاليات التي تعاني منها البلاد، ومنها الصراعات السياسية ومعوقات بناء الدولة، بالإضافة إلى التوافق على اختيار شكل الدولة ووضع الأسس اللازمة لها، وفي مقدمتها الدستور الذي بدأ العمل على إنجازه وإعداده للاستفتاء عليه.

بعد انتهاء مؤتمر الحوار الشامل تسارعت وتيرة الأحداث، وبدأت عجلتها تسير في اتجاه مغاير لما تم الاتفاق عليه، خاصة وأن جماعة الحوثي الشيعية المسلحة المدعومة من إيران أخذت في التوسع متجاوزة مناطق وجودها وسيطرتها في بعض مناطق محافظة صعدة، وخاضت سلسلة من الحروب الهادفة لاجتياح المناطق في المحافظات الشمالية، مستفيدة من الدعم الإيراني الذي يشمل الخبرات والتسليح والتدريب، كما أن  الحوثيين استغلوا حالة الصراع والمكايدات بين القوى والأطراف السياسية اليمنية، حتى تمكنوا من السيطرة على العاصمة صنعاء أواخر العام 2014، والاستيلاء على مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والأمن والبنك المركزي وكافة موارد الدولة.

في الفترة التي كان الحوثيون يعملون على توسيع رقعة سيطرتهم كان المؤتمر الشعبي العام قد بدأ يعاني مظاهر الانقسام لأول مرة، ففيما كان جزءاً منه مشاركاً في الحكومة الشرعية التي يهاجمها الحوثيون، كان قطاع واسع من المؤتمريين بقيادة الرئيس السابق علي صالح- رئيس المؤتمر، يهاجمون الحكومة ويعملون على توفير الدعم السياسي والإعلامي للحوثيين، وقد انخرطت قيادات مؤتمرية ضمن حركة الحوثيين، واتضح أن صالح دعم الحوثيين نكاية بخصومه، وفي محاولة منه للعودة للسلطة – ولو عن طريق التحالف مع الجماعة التي خاضت ضده 6 حروب بين عامي 2004 و 2010.

وفي نوفمبر/تشرين 2014 أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً بفرض عقوبات على رئيس المؤتمر علي صالح، واثنين من قيادات الحوثيين، بتهمة عرقلة التسوية السلمية وتهديد السلم والأمن، وعلى الفور سارعت قيادة المؤتمر الموالية لصالح لإقالة الرئيس هادي ومستشاره السياسي عبد الكريم الإرياني من موقعيهما في حزب المؤتمر، حيث يشغل الأول نائب رئيس المؤتمر وأمينه العام، ويشغل الثاني نائبا لرئيس المؤتمر، واتهمت قيادة المؤتمر الرئيس هادي بوقوفه خلف القرار الصادر عن مجلس الأمن وقالت إنه جاء بناء على طلبه[4]

بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء بدا تحالف صالح مع الحوثيين أكثر وضوحاً، سيما بعد صدور قرار مجلس الأمن الذي وضع صالح مع قيادات حوثية ضمن معرقلي التسوية السياسية، ومع نشوب الحرب الشاملة، وتدخّل التحالف العربي لدعم الشرعية في مارس/أذار 2015، غدا صالح وأنصاره المتحالفون مع الحوثيين هدفاً لغارات التحالف، خاصة وأنهم يُشكّلون قوةً ضاربةً ضمن جيش الحوثي. وفي الجانب الآخر أعلنت قيادات في المؤتمر وقوفها إلى جانب الرئيس هادي والشرعية ضد الانقلاب الحوثي.

 

مؤتمر واحد وأجنحة متعددة

بدأت مؤشرات الانقسام داخل المؤتمر لأول مرة عقب انتقال السلطة من صالح إلى هادي، حيث بدأ يظهر المؤتمر كما لو كان كائناً يحمل رأسين، رأس يحكم ورأس يعارض، يمثل هادي الرأس الأول، ويمثل صالح الرأس الثاني، وانعكس ذلك على قيادات المؤتمر وقواعده،  وفيما بدأ بعضهم يوالون الرئيس هادي،  انخرط آخرون في حركة الحوثيين الذين كانوا يعملون جاهدين لتقويض التسوية السياسية وإسقاط الحكومة، وإفشال المبادرة الخليجية باعتبار ذلك محاربة لما يسمونها "الوصاية السعودية"، بدعم إيراني مكشوف، تسعى طهران من خلاله لاستهداف خصومها في السعودية وبقية دول الخليج العربي.

ومع أن حركة الحوثيين كانت تستهدف الحكومة والرئيس الجديد، إلا أن خطابها كان في الغالب يشدد على استهداف حزب الإصلاح وحلفائه من القبائل والقادة العسكريين الذين وقفوا مع الثورة في العام 2011، لذلك فقد وجد صالح في الحوثيين ضالته، لأنهم سيعملون على تقويض خصومه من الإصلاحيين وحلفائهم الذي أعلنوا الوقوف مع الثورة، وعلى رأسهم القائد العسكري الأبرز علي محسن الأحمر، وشيوخ قبيلة حاشد من آل الأحمر.

توسعت المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين الذين استفادوا من الدعم الخارجي الإيراني، والدعم الداخلي الذي يقدمه أنصار صالح، ومع ذلك فقد استمر الموقف المعلن للمؤتمر الشعبي يتبنى الحياد فيما يعتبرها صراعات بين "أطراف سياسية وعسكرية"، حتى عندما كانت الحرب بين الجيش والحوثيين تقترب من صنعاء، ظلت بيانات المؤتمر تدعو "التجمع اليمني للإصلاح وأنصار الله (الحوثيين) إلى تحكيم العقل وعدم الاقتتال"[5]. دون أن ينسى المؤتمريون التأكيد على "وقوفهم على مسافة واحدة من جميع الأطراف"[6].

وعلى الرغم من تبني صالح موقفاً داعماً للحوثيين بشكل مباشر حيناً، وبشكل غير مباشر أحياناً أخرى، فقد أعلنت قيادات مؤتمرية مواقف مناهضة للحوثيين، وأعربت عن رفض التحالف معهم، أمثال محافظ عدن الأسبق عبد العزيز بن حبتور الذي بادر لتجميع محافظي المحافظات إلى عدن لتبني موقف رافض للانقلاب الحوثي باسم السلطات المحلية في مختلف المحافظات، (فيما بعد غيّر موقفه وتحالف مع الحوثيين، وهو يشغل منذ أغسطس/آب 2016 رئيساً للحكومة الموالية لهم)، والوزير السابق/ أحمد الميسري، وعدد من قيادات المؤتمر في عدن ولحج وأبين، ومنهم أعضاء في البرلمان ومسؤولون تنفيذيون وقيادات عسكرية وأمنية.

ومع كل تقدم يحققه الحوثيون في الميدان كانت تتجلى حقائق دعم صالح وأنصاره، حتى ظهر التحالف أكثر وضوحاً بعد مغادرة الرئيس هادي صنعاء إلى عدن، حين أعلن صالح – كما فعل زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي- شنّ الحرب على محافظات الوسط والجنوب تحت دعوى محاربة داعش والقاعدة، وتزامن الخطابان مع بدء مهاجمة الحوثيين وقوات صالح محافظات تعز وإب والضالع ولحج وعدن وأبين في مارس/ أذار 2015. وهو ما أدى لتدخل التحالف العربي الذي أعلن عن عملية عسكرية باسم "عاصفة الحزم" لدعم الشرعية ومواجهة الانقلاب.

أصبح صالح والموالون له داخل المؤتمر جزءاً من تحالف الانقلاب الذي قاده الحوثيون، وصارت القوات الموالية لصالح ضمن القوات التي يحركها الحوثيون لاجتياح المحافظات، وبعدما تعرض منزل الرئيس صالح لغارات جوية من مقاتلات التحالف العربي أعلن تحالفه مع الحوثيين في حديثٍ متلفز، كما صدرت بيانات ومواقف تؤكد هذا التحالف، بل إن قيادة المؤتمر الموالية لصالح اعتبرت المؤتمريين الداعمين للشرعية مخالفين لأنظمة المؤتمر، وموقفهم "يخالف الميثاق الوطني ونصوص النظام الداخلي ومواقف المؤتمر الشعبي العام وقرارات هيئاته التنظيمية"[7]. وأصدرت قيادة المؤتمر قراراً يقضي بـ"أنه لا يحق لأي أحد التحدث باسم المؤتمر الشعبي العام، أو تمثيله في الداخل أو الخارج، مهما كانت صفته القيادية إلا بتكليف من هيئاته في الداخل ممثلة بلجنتيه العامة والدائمة"[8].

وبدا وضحاً من هذه القرارات أن صالح وأنصاره أرادوا قطع الطريق على قيادات المؤتمر التي أعلنت وقوفها مع الشرعية، لذلك سرعان ما عقد عدد من قيادات المؤتمر اجتماعاً لهم في العاصمة السعودية الرياض بقيادة الرئيس هادي، وأقر الاجتماع الذي عقد أواخر أكتوبر/تشرين 2015، عزل الرئيس السابق علي صالح من رئاسة المؤتمر، واختيار هادي رئيسا جديداً للحزب، وأحمد بن دغر نائباً أول لرئيس المؤتمر، وعبدالكريم الإرياني نائباً ثانياً[9] (توفى في نوفمبر/تشرين 2015).

في المفاوضات التي كانت تجري بين الحكومة الشرعية والانقلابيين كان أنصار صالح يشاركون مع الحوثيين في وفد واحد، يقابله وفد آخر يمثل الحكومة الشرعية، ومنها مفاوضات جنيف الأولى في يونيو/حزيران 2015، ومفاوضات جنيف الثانية ديسمبر/كانون 2015، وكذلك في مفاوضات الكويت التي استمرت قرابة 5 أشهر في العام 2016.

وفي يوليو من العام نفسه وقع المؤتمر الشعبي العام بقيادة صالح مع الحوثيين على اتفاق يقضي برفع مستوى التنسيق، و"تشكيل مجلس سياسي أعلى يتكون من عشرة أعضاء من كلٍ من المؤتمر الشعبي العام وأنصار الله (الحوثيين) بالتساوي، بهدف توحيد الجهود لمواجهة العدوان السعودي وإدارة شؤون الدولة"[10].

في مقابل تحالف صالح مع الحوثيين باتت قيادات رفيعة في المؤتمر مع عدد كبير من قواعده يقفون في صف الشرعية برئاسة هادي،  وعلى الرغم من محاولة صالح وأنصاره احتكار الحديث باسم المؤتمر فقد كان الموالون للشرعية يعتبرون أنفسهم ممثلين للمؤتمر ولهم فيه مناصب رفيعة أمثال رئيس الوزراء السابق الدكتور/ أحمد عبيد بن دغر الذي يشغل حالياً رئيس مجلس الشورى إلى جانب كونه نائب رئيس المؤتمر، والشيخ سلطان البركاني- الأمين العام المساعد للمؤتمر، ويشغل حالياً رئيس مجلس النواب، ومنذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي مطلع أبريل الماضي (2022) أصبح أهم شخصية في المؤتمر الداعم للشرعية هو الدكتور/ رشاد العليمي باعتباره رئيس مجلس القيادة الرئاسي.

ويُعدُّ المؤتمر الشعبي – جناح الشرعية، أحد أحزاب التحالف الوطني للقوى السياسية اليمنية، الذي تأسس في أبريل 2019، بهدف دعم الحكومة الشرعية واستعادة الدولة، ويضم 16 حزباً ومكوناً سياسياً أبرزها المؤتمر الشعبي العام والإصلاح والاشتراكي والتنظيم الناصري.

 

صراع صالح والحوثيين

تصاعدت الخلافات داخل تحالف الحوثيين وصالح، بعدما أحكم الحوثيون السيطرة على مقاليد السلطة بما فيها الجيش والشرطة والموارد الاقتصادية، وظل المؤتمريون يشكون من تهميشهم من قبل حلفائهم الحوثيين، وعلى الرغم من تطور هذه الخلافات واستمرار تذمر المؤتمريين إلا أن الحوثيين استمروا في التعامل معهم كتابعين لا كحلفاء وشركاء في إدارة الدولة، كما ينص الاتفاق الموقع بين الطرفين في يوليو/تموز 2016، وهو الاتفاق الذي لم يلتزم الحوثيون بتنفيذ بنوده، وهو ما أثار حفيظة كثير من قيادات المؤتمر وقواعده.

وفي الشهرين الأخيرين من العام 2017 بدا أن الحوثيين قرروا أن يسلبوا حليفهم صالح كل ما تبقى لديه، وحينها لم يعد معه سوى المسجد الذي يحمل اسمه، وهو "جامع الصالح"، حيث قام المئات من مسلحي الحوثي باقتحامه وإطلاق قذائف آر بي جي وقنابل يدوية، وحاصروا أفراد حراسته بهدف الاستيلاء عليه، كما قاموا بالانتشار حول مساكن خاصة بالرئيس السابق وأفراد عائلته وعدد من مقرات المؤتمر، وفرضوا حصاراً مسلحاً عليها، ما أدى لاندلاع اشتباكات بين الطرفين سقط فيها قتلى وجرحى[11].

وتوسعت المواجهات في شوارع صنعاء خلال الأيام الثلاثة الأولى من شهر ديسمبر 2017، واستنفر الحوثيون بكامل قواتهم للإجهاز على الحليف الذي أصبح خصماً، وشنوا هجوماً وسعاً على مناطق وجود صالح وأنصاره، حتى تمكنوا من قتله في اليوم الرابع من ديسمبر نفسه. وتعددت روايات الحادثة بين روايتين، رواية تفيد أن صالح تعرض للتصفية على أيدي الحوثيين بعد اقتحام منزله، فيما تفيد رواية الحوثيين أنه قتل أثناء اشتباك مع موكبه بعد اعتراض عملية هروبه إلى مسقط رأسه في منطقة سنحان جنوب العاصمة صنعاء.

ومع أن المواجهات اقنعت قطاعا واسعا من المؤتمريين – سيما المقربين من صالح – بانتهاء التحالف مع الحوثيين، والبدء في المواجهة معهم، فإن قيادات مؤتمرية اختارت البقاء ضمن هذا التحالف، مع أن العلاقة أصبحت مجرد تبعية من المؤتمريين لجماعة الحوثي المسيطرة على كل شيء.

 

المؤتمر في الوضع الراهن

يتنازع كل فريق من المؤتمر الشرعية مع الفريق الآخر، بسبب الانقسام الحاصل في الحزب، ونتيجة لتعذر عقد مؤتمر عام ينتخب قيادة جديدة، وآخر مؤتمر عام عقده المؤتمريون هو المؤتمر العام السابع في العام 2005، وآخر هيئة قيادية هي التي انتخبت في ذلك المؤتمر، وتشمل رئاسة المؤتمر واللجنتين العامة والدائمة، وكان الجناح الذي يسيطر عليه صالح قد أقال نائبيه عبدربه منصور هادي والراحل عبدالكريم الإرياني، واختار هيئة قيادية جديدة تشمل نائبي الرئيس وأمينه العام، وذلك في اجتماع استثنائي للجنته الدائمة في نوفمبر 2014، وأصبح أحمد عبيد بن دغر نائباً أول لرئيس المؤتمر(غادر صنعاء والتحق بالشرعية بداية العام 2015)، وصادق أمين أبو رأس نائباً ثانياً، وعارف الزوكا أميناً عاماً للمؤتمر (قتل مع صالح في ديسمبر 2017). فيما قام الجناح التابع لهادي في أكتوبر 2015، بعزل صالح من رئاسة المؤتمر، واختيار هادي رئيساً له، ومعه اختار أحمد عبيد بن دغر وعبد الكريم الإرياني نائبين للرئيس، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

فيما بعد حدثت تغيرات جديدة على مستوى المؤتمر وعلى مستوى البلد عامة، وأبرزها مغادرة زعيمي الجناحين المؤتمريين، صالح قُتِل في ديسمبر 2017، وهادي أعلن نقل السلطة إلى مجلس قيادة مكون من رئيس وسبعة أعضاء في أبريل 2022، بالنسبة للمؤتمر المتحالف مع الحوثي فقد اختار لرئاسته صادق أبو راس، وأحمد علي (نجل الرئيس السابق) نائباً، أما المؤتمر الداعم للشرعية فيقف على رأسه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ورئيسا مجلسي النواب والشورى: سلطان البركاني وأحمد عبيد بن دغر.

وفي أبريل/نيسان 2020 قرر جناح المؤتمر المتحالف مع الحوثيين فصل 31 من القيادات المؤتمرية المؤيدة للشرعية، بتهمة "مساندة العدوان"، في إشارة للتحالف العربي الداعم للشرعية، ومن بين المشمولين بقرار الفصل رئيس مجلس النواب سلطان البركاني، وعدد من الوزراء والنواب والمحافظين، وبدوره علق رئيس مجلس النواب على قرار الفصل قائلاً: إن "من أقدموا على هذا الفعل العدمي هم الذين خانوا المؤتمر ووافقوا على اغتيال قائده (علي صالح) وأمينه (عارف الزوكا)"[12].

وإلى جانب الجناحين البارزين في المؤتمر ظهرت فصائل جديدة، منها المؤتمر الشعبي الجنوبي والمكتب السياسي للمقاومة الوطنية، وأخرى تقود جناحا تصفه بالمحايد بين الحوثيين والشرعية.

 

المؤتمر الشعبي الجنوبي

في السياق نفسه يقود وزير الداخلية السابق أحمد الميسري عضو اللجنة العامة للمؤتمر، فصيلاً مؤتمرياً يطلق عليه "المؤتمر الشعبي الجنوبي"، ويتبنى بقوة دعم الشرعية ويؤكد على ضرورة مواجهة الحوثيين، وقد بدأ هذا الفصيل يظهر منذ أواخر العام 2014 عقب صدور قرارات مؤتمرية بإقالة الرئيس هادي من موقعه في قيادة الحزب، وعقدت القيادات المؤتمرية الموجودة في عدن ولحج وأبين اجتماعات مناهضة لتلك القرارات، آزرت فيها الرئيس هادي وأعلنت الوقوف ضد الحوثيين ورفضت التحالف معهم.

وكان هذا الفصيل أول المنادين بعزل صالح من قيادة المؤتمر بعدما تحالف مع الحوثيين، وذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، ودعا الفصيل نفسه في فعاليات ومؤتمرات صحفية وبيانات عدة، لانتخاب الرئيس هادي رئيساً للمؤتمر، وهو ما فعله المؤتمريون بعد ذلك بنحو عام، وقد حقق الميسري حضوراً قوياً حينها لاتخاذه موقفاً مناهضاً لقيادة المؤتمر في صنعاء.

بداية العام 2018 تم الإعلان عن تشكيل لجنة تحضيرية برئاسة الميسري، الذي كان يعتبر المسؤول الأبرز في الحكومة الشرعية داخل اليمن، سيما في الفترة التي شهدت مواجهات عسكرية بين القوات الحكومية وقوات مدعومة من دولة الإمارات، أهمها مواجهات يناير/كانون 2018، وأغسطس/آب 2019، وبانتهاء الجولة الأخيرة من المواجهات لصالح القوات الموالية لأبوظبي غادر الميسري عدن، وفي الوقت الراهن يقيم خارج البلاد، ويظهر بين وقت وآخر على وسائل الإعلام منتقداً أداء التحالف العربي، وعلى وجه الخصوص دولة الإمارات والتشكيلات المسلحة التابعة لها.

 

المكتب السياسي للمقاومة الوطنية

بعد خروجه من صنعاء عقب الموجهات المسلحة مع الحوثيين أواخر العام 2017، بدأ القائد العسكري البارز طارق محمد عبدالله صالح يجمع القادة والضباط والجنود الموالين لعمه الراحل (علي صالح)، واستقر في منطقة المخا على ساحل البحر الأحمر بعد حصوله على دعم من دولة الإمارات، وهناك شكل إطاراً جديداً لمواجهة الحوثيين أسماه "المقاومة الوطنية"، كما بدأ تشكيل وحدات عسكرية تحت اسم "حراس الجمهورية"، وفي مارس/اذار 2021 أعلن عن تأسيس مكون سياسي يحمل اسم "المكتب السياسي للمقاومة الوطنية"، وقال في بيان الإشهار إن المكتب السياسي "يشكل امتداداً أصيلاً لتضحيات الرئيس السابق علي عبدالله صالح ورفيق دربه الأمين عارف الزوكا وكل شهداء مراحل النضال، وسيقوم بمسئولياته الوطنية بما يحافظ على الثوابت الوطنية والقومية"[13].

وعلى الرغم من محاولة قيادته الظهور بعيداً عن المؤتمر الشعبي العام إلا أن غالبية منتسبيه هم في الأساس من المحسوبين على المؤتمر، وبتشكيل هذا المكون يخسر المؤتمر جزءاً من قاعدته الجماهيرية – خاصة وأن المكتب السياسي استوعب في صفوفه عدداً من أعضاء مجلس النواب المحسوبين على المؤتمر، بالإضافة لقيادات سياسية ومدنية في محافظات عدة.

 

فصائل أخرى

كما يوجد في الخارج- تحديداً في القاهرة وأبو ظبي قيادات مؤتمرية مناهضة للحوثي وليست على وفاق مع الشرعية، ولها ارتباط وثيق بدولة الإمارات الذين يحاولون توظيف هذه القيادات في خدمة مصالحهم، ويتوقع مراقبون أن تحركات هذه الشخصيات القيادية ستأتي وفقاً لما تمليه أجندة داعميها في أبوظبي، وعلى رأس هذا الفصيل أحمد نجل الرئيس السابق صالح- المقيم في الإمارات منذ أكثر من 8 سنوات، بالإضافة إلى حمود الصوفي وأحمد الكحلاني، وهما وزيران سابقان ولهما شبكة علاقات داخل المؤتمر وخارجه، خاصة وأن الأخير متهم بارتباطه الوثيق بالقيادات الحوثية.

وبين وقتٍ وآخر تظهر قيادات مؤتمرية في مواقف مستقلة عن الجناحين الرئيسيين، أمثال الدكتور عادل الشجاع الذي ينتقد بشدة في كتاباته وتصريحاته جماعة الحوثي، كما ينتقد التحالف العربي والحكومة الشرعية، وكذلك الدكتور أبوبكر القربي – وزير الخارجية الأسبق، الذي لم يبدِ انحيازاً لطرف محدد من أطراف الصراع، ويحرص على الظهور مستقلاً عن الاستقطابات والتباينات الموجودة، وفيما تظهر بعض القيادات موقفاً صريحاً مما يجري، فإن قيادات مؤتمرية أخرى تفضل الصمت والبقاء بعيداً عن الأضواء، وبينهم مسؤولون تبوأوا مراكز رفيعة في الحزب والدولة.

 

مستقبل المؤتمر الشعبي العام

إن استشراف مستقبل أي مكوّن سياسي يستدعي بالضرورة النظر في الواقع الراهن لهذا المكون، وعدم إغفال الظروف المحيطة به والعوامل المؤثرة في مسيرته سلباً أو إيجاباً، ومن هنا فإن المؤتمر الشعبي العام في الوقت الراهن موجود وبشكل رسمي في معسكري الحرب التي تعيشها اليمن منذ أكثر من سبع سنوات، فالمؤتمر يعد أحد المكونات السياسية الداعمة للشرعية، والمؤتمر – نفسه ولكن بقيادات وممثلين آخرين- موجود ضمن معسكر الحوثي. 

ويبدو مستقبل الحزب مرتبطاً بمصير الحرب الراهنة وأطرافها الفاعلة، حيث أن استمرار الانقسام المؤتمري بين أطراف الحرب سوف يؤدي إلى إضعافه وإنهاكه، وربما المزيد من الانقسامات والانشقاقات في صفوفه، فضلاً عن ذلك قد يواجه المؤتمر تحديات وصعوبات جديدة تهدد بنيته التنظيمية، سيما إذا استمر تهميش المؤتمر في صنعاء من قبل الحوثيين وفي الخارج من قبل أطراف إقليمية عدة تسعى لتوظيفه في خدمة أجندتها داخل اليمن. مع الأخذ بعين الاعتبار أن المؤتمر نفسه قبل الانقسام كان قد تعرض لعدد من الصدمات، وفقاً للقيادي المؤتمري الدكتور/عادل الشجاع الذي يرى أن المؤتمر "تعرّض لصدمات كثيرة، من بينها صدمة 2011، وما تلاها من استقالات جماعية من المؤتمر، ثم الصدمة الكبرى التي كانت في انتفاضة الحزب ضد الحوثيين أواخر العام 2017، وكل هذه الصدمات أثّرت على المؤتمر"[14].

ولا يمكن النظر إلى واقع المؤتمر – كحزب وتنظيم سياسي – دون النظر بعين الاعتبار لما تعرضت له المنظومة السياسية اليمنية برمتها من استهداف خلال السنوات الأخيرة، حيث تقلص الحضور السياسي والجماهيري للأحزاب اليمنية وانحسر تأثيرها وتراجع دورها في السنوات الأخيرة بسبب ظروف الصراع المسلح، فيما برزت التكتلات والتشكيلات المسلحة ذات الدور الوظيفي المرتبط بأهداف الداعمين والممولين، وجرى تجريف واسع للحياة السياسية والمدنية بدأته جماعة الحوثي فور سيطرتها على العاصمة صنعاء، ولا زالت تمارسه في مناطق سيطرتها.

ولا يزال كل فريق في المؤتمر يعتقد أنه وحده صاحب الشرعية التنظيمية، كما يقول البيان الأخير الصادر عن مؤتمر صنعاء- بمناسبة مرور الذكرى الـ40 لتأسيس المؤتمر، حين جدد التأكيد "أن قيادته التنظيمية والسياسية الشرعية هي المتواجدة في صنعاء، هي المخولة بتحديد مواقف المؤتمر من مختلف القضايا"[15]، ومثل هذه البيانات والمواقف تعزز الانقسامات داخل المؤتمر، غير أن صدورها عن الجناح الموجود في صنعاء يشير إلى أنها تصدر تحت الضغط والإكراه من قبل الحوثيين الذين يستخدمون المؤتمريين الموالين لهم لمواجهة المؤتمريين الداعمين للشرعية.

ومن هنا فإن مستقبل المؤتمر الشعبي العام مرتبط بالواقع الراهن للعملية السياسية التي فقدت قيمتها لصالح مجموعات وكتل جديدة مسلحة في الغالب، أفرزتها الحرب، ولا صلة لها بالعملية السياسية، التي تراكمت خلال العقود الماضية، وشهدت سجالاً فكرياً وجدلاً سياسياً وإعلامياً، استمر في التصاعد والتطور بصورة مباشرة منذ إعلان التعددية الحزبية قبل أكثر من 30 سنة.

ويبدو مستقبل حزب المؤتمر رهناً بتحرره من القيود التي تكبله، ففيما يعجز المؤتمريون في مناطق سيطرة الحوثيين عن اجتراح أي فعل خارج إطار الخطاب والسياسة التي يحددها الحوثيون، يواجه المؤتمريون الآخرون مصاعب ومعوقات كثيرة أبرزها تعدد قيادات الحزب وتباين فصائله المختلفة، وأهداف قياداته التي يرتبط كل منها بطرف أو أكثر من الأطراف الداخلية والخارجية.

ومع استمرار الحرب يصعب الحديث عن إمكانية استعادة وحدة التنظيم الذي جعلته الظروف موزعاً بين صنعاء وعدن وعواصم إقليمية، والمتوقع بقاء كل فصيل على حاله، مع استمرار التنازع بينها على الشرعية التنظيمية، فكل جناح يدعي أنه الكيان الشرعي والوحيد، وفق ما تعلنه بيانات المؤتمر في أكثر من مناسبة، وهو ما يؤكده بعض المؤتمريين الذين يرون أن الحرب قسمت قيادات حزبهم إلى قسمين: "قسم تحالف مع الحوثيين تحت ذريعة مواجهة (العدوان)، وقسم آخر اصطف مع التحالف تحت ذريعة مواجهة (الانقلاب)، ومن داخل هذين القسمين خرجت أقسامٌ أخرى بدعمٍ إماراتي، واصطفّت مع الدعوات الانفصالية والمناطقية، وبعض القيادات احتفظت بجزءٍ من القرار، وساومت به السعودية مقابل مصالح مالية ومراكز إدارية"[16]. وبالتالي فهناك من يُرجّح أن يظل الانقسام في المؤتمر قائماً ومتعدداً، "لأن العملية الحزبية انتهت في اليمن على يد الحوثيين، وعلى يد التحالف الذي سيستمر في استقطاب بعض الشخصيات باسم المؤتمر، ليبعث برسالة مفادها أن المؤتمر سيعود إلى السلطة، فتزداد كراهية المؤتمر لدى الآخرين، ويؤدي ذلك إلى ضرب ما تبقى من تماسك قواعد هذا الحزب"[17].

وتتوافق رؤى كثيرة داخل المؤتمر الشعبي العام وخارجه على أن "مستقبل المؤتمر- مثل بقية الأحزاب، ومثل اليمن كله غامض، لأن القرار في اليمن وفي الأحزاب وعلى كل صعيد ليس قراراً يمنياً وطنياً داخلياً"[18]، وأن "المؤتمر وبقية الأحزاب السياسية، جميعها خرجت من العملية السياسية، وتحولت إلى مليشيا"[19].

فيما يتعلق بالأجنحة المناوئة للانقلاب الحوثي فهي لم تجتمع على موقف واحد بسبب التباين الملحوظ فيما بينها تجاه الشرعية ومكوناتها وحلفائها، حيث لا يزال بعض المؤتمريين يعتبر الشرعية خصماً كالحوثي تماماً، ومنهم من يرى إمكانية التنسيق والاتفاق مع الشرعية أو بعض مكوناتها من أجل مواجهة الحوثيين.

 

خاتمة

يحتاج المؤتمريون اليوم إلى إرادة جَمْعية تُغلّب مصلحة البلد ووحدة التنظيم، وتعمل على توحيد كل جهودها في تدعيم المؤتمر وتعزيز مكانته وتبذل كل طاقاتها من أجل استعادة الدور القيادي لحزبها، بالتحالف والتنسيق مع القوى التي تلتقي معها على الأهداف ذاتها، وعلى قاعدة المشاركة الفاعلة في معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

 ولا يزال حزب المؤتمر يمتلك الكثير من الإمكانيات المادية والمعنوية والقيادات المؤهلة – سواء في العمل الحكومي أو الحزبي، لكنه في وضعه الحالي يفتقد الرأس أو القيادة القادرة على احتواء التباينات الموجودة وبناء قاعدة تنظيمية متماسكة، وفي حال جَمَع المؤتمريون شتاتهم وتمكنوا من توحيد صفوفهم والتقى التنظيم تحت قيادة واحدة، حينها يمكنه استعادة دوره وحضوره.

ومن ناحية الشرعية التنظيمية لا يستطيع أي جناح أن يلغي بقية الأجنحة، فالملاحظ أن قيادات هذه الأجنحة – أو غالبيتها على الأقل- تبوأت مناصبها ووصلت لمستويات قيادية عليا وفقاً للوائح الحزبية المنظمة، قبل أن تظهر الانقسامات التي جعلت كل جناح يتجاوز اللوائح تحت مبرر ظروف الحرب ووطأتها، الأمر الذي يجعل الحل منوطاً بالعودة إلى قواعد المؤتمر ولوائحه، ومن ثم الخروج برؤية وقيادة جديدتين لمواكبة التحديات الراهنة والمستقبلية.

وهذا الحل يجعل من سيناريو استعادة المؤتمر لمكانته السياسية والشعبية ممكنة، رغم الصعوبات والعراقيل والتعقيدات التي أفرزتها الحرب ووضعت المؤتمر ضمن سيناريو التفكك، لكن أخطر السيناريوهات على مستقبل الحزب والدولة، هو عودة المؤتمر إلى الواجهة كمظلة لمشاريع لاوطنية، ممولة من جهات خارجية, وتنطلق من منطلقات ضيقة (طائفية آو مناطقية) .

 

مراجع


[1]  عبد الملك منصور، حديث خاص مع الباحث، في 2 سبتمبر 2022.

[2]  د. عبد الوهاب الروحاني، وزير الثقافة الأسبق، قيادي في المؤتمر الشعبي العام، حديث خاص مع الباحث في 29 أغسطس 2022. 

[3]  د. عبدا لملك منصور، مرجع سابق.

[4]  بيان صادر عن الاجتماع الاستثنائي للجنة الدائمة الرئيسية للمؤتمر الشعبي العام، 8 نوفمبر 2014.

[5]  بيان صادر عن المؤتمر الشعبي وحلفائه إزاء المواجهات في محافظة عمران في 9 يوليو 2014، نشرته وسائل إعلام المؤتمر، ومنها المؤتمر نت في اليوم نفسه، وشوهد في 8 سبتمبر 2022، على الرابط: https://www.almotamar.net/news/118090.htm .

[6]  المرجع نفسه.

[7]  بيان صادر عن الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العام في 20 أكتوبر 2015، نشره حزب المؤتمر على موقعه الرسمي في اليوم نفسه، وشوهد في 8 سبتمبر 2022، على الرابط: https://www.almotamar.net/news/125970.htm .

[8]  المرجع نفسه.

[9]  قيادات في المؤتمر الشعبي العام تعزل صالح من رئاسته وتعين هادي، نشره Arabic.news.cn في 21 أكتوبر 2015، وشوهد في 9 سبتمبر 2022، على الرابط: http://arabic.news.cn/2015-10/21/c_134736970.htm .

[10]  نص اتفاق وقعه المؤتمر والحوثيون، ونشرته وسائل الإعلام في 26 يوليو 2016.

[11]  من بيان صادر عن المؤتمر الشعبي العام في 29 نوفمبر 2017، نشره في وسائل إعلامه ومنها موقعه على الانترنت، وشوهد في 9 سبتمبر 2022، على الرابط: https://www.almotamar.net/news/archive.php?category=81&m=11&y=2017 .

[12]  المؤتمر يفصل 31 من قياداته المؤيدة للشرعية، تقرير نشرته وكالة الأناضول في 9 أبريل 2020، وشوهد في 8 سبتمبر 2022، على الرابط:https://cutt.us/EgCn8 .

[13]  الإعلان عن تأسيس مكتب سياسي لقوات طارق صالح غرب اليمن، نشره موقع ديبريفر في 25 مارس 2021، وشوهد في 3 سبتمبر 2022، على الرابط: https://debriefer.net/news-24033.html

[14]  د. عادل الشجاع، ناقد أكاديمي وقيادي في المؤتمر الشعبي العام، في حديث خاص مع الباحث، في 3 سبتمبر 2022.

[15]  بيان صادر عن المؤتمر الشعبي العام (صنعاء)، بمناسبة الذكرى 40 لتأسيس المؤتمر، نشره موقع المؤتمر في 23 أغسطس 2022، وشوهد في 9 سبتمبر 2022، على الرابط: https://www.almotamar.net/news/165092.htm .

[16] د. عادل الشجاع، مرجع سابق.

[17]  المرجع نفسه.

[18]  د. عبد الملك منصور، مرجع سابق.

[19]  د. عادل الشجاع، مرجع سابق.



Read Also


Comments

Add Comment