مستقبل الهاشميين في اليمن

فؤاد مسعد
2022-09-07   Reads: 1056

ENGLISH

PDF

ملخص

      تتناول هذه الدراسة موضوع الهاشميين في اليمن، بدءاً بوصول أجدادهم الأوائل إلى البلاد قبل أكثر من ألف سنة، وتتبع الدراسة ظروف قدومهم إلى اليمن ومن ثم أهم محطات التحول والصراعات التي أثرت فيهم- وأثروا 

فيها، وصولاً إلى وضعهم في الوقت الراهن، ارتباطاً بواقع الحرب وظروفها وأهم أطرافها وأبرز مآلاتها. 

وتسلط الضوء على بروز تيارين رئيسيين لدى هاشميي اليمن، أولهما أتباع الإمام الهادي يحيى بن الحسين، ونظريته السياسية في الاستئثار بالسلطة كحق حصري للهاشميين من "البطنين"، ويعرف هذا التيار بالزيدي الهادوي، والتيار الآخر هم أحفاد الإمام أحمد  المهاجر في حضرموت، وبعض أقاربه في الحديدة، وقد انخرط هؤلاء بعد مدة من الزمن في مجتمعاتهم المحلية واتبعوا مذهب أهل السنة -خاصة المذهب الشافعي السائد في عموم اليمن، خلافاً لأتباع الهادي في صعدة الذين يتبعون المذهب الزيدي الشيعي، ويؤمنون بالنظرية الهادوية وأساسها الخروج على الحاكم والجهاد من أجل الوصول إلى السلطة. ويشمل هذا التيار الحركة الحوثية التي هي امتداد للحركة الهاشمية الهادوية التي خاضت الصراعات – مع القوى الأخرى تارة وفيما بينها تارة أخرى، من أجل السلطة.

وتركز الدراسة على دور التيار الهادوي في الصراعات السياسية منذ قدوم الهادي حتى الحرب الراهنة، وتتبع حضورهم ومناطق قوتهم ومراحل انحسارهم، كما تتناول التيار الثاني وأصوله الفكرية والمذهبية ومواقفه من نظرية الهادي وأتباعه، والعلاقة بين الحركة الحوثية والنظام الإيراني الداعم الأبرز للحوثيين، مع أهم آثار هذا الدعم على الواقع في اليمن والجوار الخليجي ومحيطه العربي، والتداعيات المستقبلية لوجود حلفاء يمنيين للنظام الإيراني يعملون لتنفيذ أجندته وتهديد خصومه في اليمن والخليج، وفي المقدمة منهم المملكة العربية السعودية التي تقود منذ العام 2015 تحالفاً عربياً لمواجهة الانقلاب الحوثي ودعم الحكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً.

وتحاول الدراسة استشراف مستقبل الهاشميين في ضوء حقائق الحرب وأسبابها وظروف اندلاعها ونتائجها وتداعياتها على حاضر اليمنيين ومستقبلهم. 

 

التمهيد

قدوم الهاشميين إلى اليمن

عرف شمال اليمن الهاشميين منذ قدم إلى صعدة جدّهم يحيى بن الحسين، والذي لقب نفسه بـ"الهادي إلى الحق"، أواخر القرن الثالث الهجري/القرن التاسع الميلادي، ويدعي هذا الشخص بآن أصوله حسنية تمتد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ابن بنت الرسول محمد ( فاطمة) ، ويتسلسل اسمه حسب ادعائه كالتالي: يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومن حيث المذهب يتبعون المذهب الزيدي نسبة إلى الإمام زيد بن علي. وبسبب التأثير الذي طال المذهب من قبل الهادي، وإضافة أفكاره الخاصة، أصبح المذهب يعرف بالزيدي الهادوي.

أما هاشميو حضرموت المعروفون بـ"آل باعلوي" فهم يدعون أنهم حسينيون ينتمون إلى الحسين بن علي، وجدّهم الذي قدم إلى اليمن في العام بداية القرن الرابع الهجري، يقولون آنه أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر (الصادق) بن محمد (الباقر) بن علي (زين العابدين) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد انتشروا في حضرموت وخارجها، ويتبعون أهل السنة على مذهب الإمام الشافعي في العبادات وعلى مذهب الأشعري في العقيدة، ولهم طريقتهم الخاصة في التصوف. 

بالنسبة للهاشميين في الحديدة وسواحل تهامة (غرب اليمن) فتذكر المصادر التاريخية أن محمد بن سليمان مع ابن عم له قدما اليمن في القرن السادس الهجري، سكن الأول في وادي سهام ثم انتقل الى منطقة المراوعة، وهو جدّ بني الأهدل، واستقر الثاني في سردد وهو جدّ بني القديمي، ويدعون انهم هاشميون حسينيون من نسل الحسين بن علي، كالهاشميين من آل باعلوي.

 

الهاشميون والصراعات السياسية

اهتم هاشميو حضرموت والحديدة بالدور العلمي في أوساط مجتمعاتهم، أما الهاشميون في صعدة فكان لهم وضع آخر، حيث أشعلوا كثيراً من الصراعات السياسية على السلطة، وفي بعض الصراعات كانوا جزءاً منها - فالهادي يحيى بن الحسين أول القادمين منهم إلى اليمن، ارتبط قدومه بالصراع الذي كان محتدماً بين القبائل اليمنية، خاصة قبائل خولان.

الحديث عن ارتباط الأئمة الهاشميين بالصراعات السياسية يشمل الهادي يحيى بن الحسين وذريته وأقاربه وأتباع مذهبه الزيدي الهادوي، ممن اتخذوا من دعوى الانتساب لبيت الرسول وسيلة لتحقيق غايتهم في الاستئثار بالسلطة، وأخذ كل من وجد في نفسه القوة يدّعي الإمامة ويدعو أتباعه لقتال الأئمة الآخرين، وهؤلاء هم الذين كانت مدينة صعدة- في الغالب معقلهم الرئيس، وقد تتوسع سلطاتهم إلى عمران وصنعاء وذمار، ولكنها سرعان ما تنحسر تحت ضغط عدو من خارج مناطق سيطرتهم أو خصم يظهر من داخل مناطق النفوذ ومن السلالة نفسها، وجميعهم ينطلقون من نظرية الهادي المعروفة بالنظرية الهادوية، ولها ركنان رئيسيان: الدعوة بمعنى "الإمامة"، ويكفي أن يكون الشخص من سلالة الحسن أو الحسين ليعلن نفسه إماماً، والركن الثاني هو الخروج، أي الجهاد وإعلان الحرب على كل من يقف في طريق الإمام الجديد.

وبالنظر إلى ظروف زيارة يحيى بن الحسين الأولى لليمن في العام 280 هـ، وما قام به من عرض لدعوته على القبائل، يتبين أن دعوته لم تحظ بالقبول والتأييد، فاضطر لمغادرة اليمن، لكنه عاد مرة أخرى بعد 4 سنوات، وكان معه هذه المرة وفد من بني سعد وآل فطيمة من خولان، وصلوا إلى مقره في جبل الرس، وأظهروا مناصرته وتأييد فكرته، بينما هم في الحقيقة استدعوه للاستعانة به ضد خصومهم بني ربيعة الذين ظلوا على ولائهم للدولة العباسية[1]، ما يؤكد أن الهادي كان بالنسبة لمن استدعوه أداة للصراع، وبالفعل ما إن وصل اليمن حتى بدأ الصراع مع القبائل اليمنية من أجل السلطة، مستغلاً العاطفة الدينية ومزاعم نسبه الهاشمي، وانتمائه لبيت الرسول (آل البيت).

أخذ الهادي المذهب الزيدي[2] عن طريق جده القاسم الرسي، ونشره في اليمن، وصارت زيدية اليمن على مذهبه، على أن الهادي كان له رأي في الإمامة يختلف عن رأي الإمام زيد، فهو يربط بين النبوة والإمامة، ويجعل الاعتراف بإمامة علي بن أبي طالب، جزءاً من الاعتراف بنبوة محمد، وبذلك يقترب من مذهب الإمامية، حيث يرى أن إمامة علي وولديه الحسن والحسين ثابتة بالنص، وينتقد خلافة أبي بكر وعمر، مخالفاً بذلك رأي الإمام زيد نفسه[3]. وقد طغت آراء الجارودية[4] على ما سواها من آراء لدى الزيدية في اليمن، إلى الحد الذي جعل العلّامة والمؤرخ اليمني نشوان الحميري، يجزم أنه "ليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية"[5].

سيطر يحيى بن الحسين على السلطة في صعدة وسط صراع مستمر مع القبائل التي ظلت تحاربه حتى وفاته، وتولى السلطة بعده أبناؤه لكنهم كانوا أضعف من مواجهة الرافضين والمعارضين، واستمر الصراع على السلطة، ولم يَكُف أبناء الهادي وأحفاده عن استخدام الدين ومزاعم أحقيتهم بالسلطة باعتبارهم من آل البيت، دون أن يتحقق لهم ما سعوا إليه بفعل وجود الأطراف القوية المتنافسة على السلطة.

ولم يـُـتحْ لليمن العيش بهدوء واستقرار إلا في فترات زمنية قليلة، ذلك أن نظام الإمامة الذي حصر حق الحكم في أبناء الحسن والحسين (البطنين)[6]، جعل لكل من توافرت فيه شروط الانتماء للبطنين، أن يعلن نفسه إماماً على البلاد، ويحدث أن يدّعي الإمامة أشخاصٌ كثيرون في وقت واحد، فيظهر إمامٌ في صنعاء، وآخر في شهارة، وثالث في جبلة[7].

برزت الصراعات الداخلية بين أتباع الهادي من الهاشميين، ومنها ما حدث أحفاد الهادي المؤسس وبيت العياني، وحدث أن تقاتل الآباء والأبناء على السلطة، كما هو الحال في الحرب بين الإمام المتوكل يحيى شرف الدين وابنه المطهر، منتصف القرن السادس عشر الميلادي، وتقاتل الإخوة فيما بينهم كما حدث بين الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين مع أخويه عبدالله والعباس في خمسينيات القرن الماضي. ودمغ الصراع الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن بميسم الانقسام والاقتتال بين الطامحين والمتصارعين من أئمة البيت الحاكم، حتى أرهق المجتمع وفقدت الدولة المركزية السيطرة وانجرفت البلاد إلى سنوات طويلة من الفوضى[8].

وقد اتخذ الصراع الدموي الذي خاضه الأئمة الهاشميون في اليمن أشكالاً مختلفة منها:

- الصراع مع المعارضة والمقاومة المحلية من القيادات القبلية مثل آل الضحاك وآل الدعام وآل الطريف، وغيرها.

- الصراع مع الدول اليمنية التي قامت في مناطق مختلفة من اليمن، الصليحية (1047-1138)، والحاتمية (1099-1173)، والرسولية (1229-1454)، والطاهرية (1454-1517)، وغيرها.

- الصراع مع الدول التي امتد نفوذها إلى اليمن مثل الأيوبيين (1173-1229)، والمماليك (1517- 1538)، والعثمانيين في الفترة الأولى (1538-1635)، وفي الفترة الثانية (1872-1918). كما خاضت الدولة الزيدية حرباً ضروسا ضد الإسماعيلية (903- 947)، ومع أن الفرقتين الزيدية والإسماعيلية تتبعان المذهب الشيعي، إلا أن الدولة الهادوية (الزيدية) في عهد الإمام الناصر بن الهادي، تحالفت مع الدولة الزيادية (818-1012) بزعامة محمد بن زياد، ودولة بني يعفر (839-1003) بزعامة أسعد بن أبي يعفر الحوالي، من أجل القضاء على الدولة الإسماعيلية[9]. وظل الصراع حاضراً بقوة لدى الأئمة المتنافسين الذين يقومون بـ"دعوة القبائل لحمل السلاح والقتال، ويحرضونهم على الفتك بمنافسيهم ويبشّرونهم بالجنة، ويدفعون القبائل لقتال بعضها البعض باسم الله واسم كتاب الله وأبناء رسول الله[10].

 

الهاشميون السُّنَّة 

ارتباط الهاشميين بالصراعات السياسية بالطبع لا يشمل الهاشميين في حضرموت وعدن وغيرها، لأنهم يختلفون عن الهاشميين الهادويين الذين جعلوا من فكر الهادي وصراعاته مرجعاً لهم في ادعاء الإمامة وخوض الحرب من أجلها، وأهم ما يميز هاشميي الجنوب التزامهم بموقف أهل السنة في رفض النظرية الهادوية، وكذلك فيما يتعلق بالمسلمات الأساسية حول الخلافة، إذ يعتقدون بصحة خلافة الخلفاء الأربعة (أبوبكر وعمر وعثمان وعلي)،

وتذكر المصادر التاريخية أن العلويين (الهاشميين) كانوا – كآبائهم- على جانب من التشيع، واستمروا كذلك سنوات طويلة، ويذكر المؤرخ الحضرمي الشهير صالح الحامد (العلوي)، أن المهاجر كان إمامي المذهب، وأن المذهب الشافعي طرأ على العلويين بعد فترة من الزمن. وهو ما يؤكده العلامة والمؤرخ عبدالله بن طاهر الحداد[11]، (وهو علوي هاشمي أيضاً)، استناداً إلى مصادرهما، وإلى أن جد المهاجر علي العريضي كان إمامي المذهب[12]، وإلى ذلك يذهب العلامة والمؤرخ العلوي عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف الذي "يستبعد أن يكون المهاجر شافعياً"[13].

في البداية شارك العلويون في الصراع ضد أتباع المذهب الإباضي الذي كان منتشراً في حضرموت، وكان جدهم المهاجر مشاركاً في مواجهة الإباضيين، واستمر الصراع سنوات عدة حتى انتهى بهزيمة الإباضيين وانحسار مذهبهم لصالح المذهب الشافعي، وهو المذهب الذي أصبح سائداً في حضرموت وغالبية المناطق اليمنية، وقد انخرط العلويون في المجتمع هناك، وتخلوا عن السلاح والصراع بعد حربهم مع المذهب الإباضي، وساهموا مع بقية أبناء حضرموت في نشر الدين الإسلامي في البلدان التي هاجروا إليها خاصة دول شرق وجنوب آسيا وأجزاء من أفريقيا.

وبين يدينا وثيقة تاريخية من القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، تجلى فيها الموقف الفكري لهاشميي حضرموت وبقية مناطق الجنوب اليمني من نظرية الأئمة الهاشميين، وهذه الوثيقة هي رسالة موجهة من علي زين العابدين بن عبدالله بن الشيخ العيدروس، أحد أعلام الهاشميين من آل باعلوي، إلى الحسن بن القاسم بن محمد، أحد أمراء دولة الأئمة الهادويين، كان الأخير حريصاً على مراسلة العلماء من غير مذهبه الزيدي الهادوي، يدعوهم لاعتناق مذهبه ومبايعته إماماً على كل اليمن، وممن خاطبهم برسائله الشيخ العيدروس الذي رد على الحسن برسالة مطولة فندت أفكار الأئمة ونظريتهم السياسية والمذهبية، وأوضحت موقف الهاشميين السُّنة إزاء القضايا الخلافية الرئيسية:

الموقف من الإمامة وفق النظرية الهادوية.

 الموقف من الخلافة والخلفاء الراشدين وصحابة الرسول.

الموقف من دعاوي الانتساب للرسول وآل بيته.  

بالنسبة لدعوة الحسن لطاعته والإقرار بإمامته، قال زين العابدين العيدروس: "إن طاعته (الحسن) عندنا على ما تقرر في مذهبنا إنما تلزم أهل بلده، ومن يدين له بعقيدته"[14]،وبيّن أن دعوات الأئمة المتصارعين لا تلزم سوى أصحابها وأتباعهم وأشياع مذهبهم. 

أما الموقف من الخلفاء الراشدين وصحابة الرسول، فيذكر العيدروس أن "أشياع ولاة السواد الأعظم، وأتباع هداة الصراط الأقوم أهل السنة والجماعة الذين أوجب الله سلوك طرائقهم واتباعه يعتقدون صحة خلافة الخلفاء الأربعة"، "وأن الصحابة قد وفقوا للإصابة في جميع ما فعلوه باجتهادهم، وأجمعوا عليه بدلائلهم وإسنادهم، فهم أساطين الدين المحمدي، وهم النجوم يهتدي بهداهم كل مهتدِ. فلا نتبع غير سبيل المؤمنين من بعدما تبين لنا الهدى المستبين في تضليل الهادين من الأنصار والمهاجرين"[15].

وبعدما يسرد عدداً من آيات القران الكريم وأحاديث الرسول الدالة على فضل الصحابة وعدالتهم، يتساءل: ألا ترون أنكم إذا قدحتم في منصبهم العلي وقلتم بانحصار الخلافة في سيدنا علي فقد أبطلتم عدالتهم التي بني عليها الإسلام الحنيفي من أصله، ورددتم روايتهم التي توارد بها نقل كتاب الله على أئمته وأهله"، ويوجز الموقف منهم قائلاً: وجب على كل موحد لله تعالى أن يجاهدكم في الله حق جهاده، حتى تسلموا للدين بطاعته وانقياده، فلا يتجاوز أحدٌ منكم حدّه، فقد بدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء حتى تؤمنوا بالله وحده"[16].

وعن رابطة النسب يقرر العيدروس ضرورة اقترانها بالالتزام بكتاب الله، والاقتداء بالصحابة الأخيار، ويقول "إن من خالفهم وعاداهم حرم من إرث تلك الأنساب، وقطع ما أمر الله به أن يوصل فتقطعت به الأسباب، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، لا أولاده الذين غيّروا دينه وقطعوه وإن غَرّهم دينهم بما كانوا يفترون"[17].


الهاشميون بعد ثورة سبتمبر

قوّضت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول 1962 آخر دولة إمامية في اليمن، ودخلت مع فلول الإمامة في حرب استمرت ثمان سنوات، وبعدها تم الاتفاق بين الجمهوريين والإماميين في العام 1970 واستوعبت الجمهورية الجديدة أتباع الإمامة الهاشميين وحصلوا على مناصب مرموقة في مختلف مرافق الدولة، وأصبحوا جزءا من الحكومات المتعاقبة، وتوارت حينها الأطماع المشتركة للإماميين، غير أن فكرة الإمامة وأحقيتهم بالحكم ظلت باقية لديهم، كما أكدت ذلك الأحداث فيما بعد.

ووفقاً لباحثين فإن الهاشميين، أو ما يطلق عليها "الهاشمية السياسية" أنشأت تنظيماً سرياً لإعادة ترتيب البيت الهاشمي – بعد اتفاق عام 1970، من خلال تشكيل "المجلس الأعلى لحكماء آل البيت"، بهدف "استعادة الحكم من خلال التغلغل في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وعبر خطة استراتيجية طويلة المدى تنتهي بالاستيلاء على الحكم"[18]. ويضم المجلس الأعلى 12 عضواً يمثلون أبرز الأسر الهاشمية، وترأسه أحمد محمد الشامي الذي كان وزير خارجية الإماميين في حكومة المنفى التي شكلوها للحرب على الثورة، وأصبح يشغل عضواً في المجلس الجمهوري- أعلى هيئة قيادية في الحكومة.

ووجدت الهاشمية السياسية ضالتها في الرئيس السابق/ علي صالح (1978-2011) الذي استغلت شغفه بالسلطة وسعيه لتوريثها لنجله، فتحالفت معه وعززت علاقتها به، ومن جانبه سهّل لها التغلغل في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، والتحق الكثير من الهاشميين في قوات الحرس الجمهوري والاستخبارات والشرطة والأمن المركزي، وتسلموا مناصب قيادية في الحكومة والسلطة القضائية والحزب الحاكم، مما وفر لهم غطاء سياسيا قويا وسلطة عسكرية ومدنية كبيرة[19].

ومع قيام الأحزاب وتأسيس التنظيمات السياسية، وفي إطار التعددية والديمقراطية التي اقترنت بقيام الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه عام 1990، أعلن عدد من الشخصيات الهادوية (الهاشمية) عن قيام حزب الحق بداية العام 1991، وحرص المؤسسون على ان تضم هيئة الحزب القيادية العليا أبرز المرجعيات العلمية في المذهب الزيدي الهادوي، أمثال: مجد الدين المؤيدي، وبدر الدين الحوثي، ومحمــد المنصور، وأحمد محمـد الشامــي (غير الشامي الذي شغل عضوية المجلس الجمهوري)، وحمـود المؤيــد، وقاسـم الكبســي[20].

 

الهاشميون والحركة الحوثية

يرى باحثون متخصصون في الفكر الهادوي أن "الحركة الحوثية إنما هي إحياء لتراث وفكر وممارسة الأئمة في اليمن، خلال ألف عام مضت، وقد أحيا الحوثيون النظرية الهادوية بركنيها: الدعوة (الإمامة)، والخروج (الجهاد)"[21].

وقد بدأت الحركة الحوثية في الظهور بداية الألفية الجديدة، بزعامة المرجعية الزيدية بدر الدين الحوثي، وابنه حسين، بعدما سيطر الأخير على "منتدى الشباب المؤمن"، رغم أنه لم يكن من المؤسسين للمنتدى الذي أنشئ في العام 1992، بهدف "سد حاجة الشباب الثقافية"[22]، وفقاً لأحد مؤسسيه، وأمينه العام محمد سالم عزان، الذي يقول إن أول جولة خلاف داخل الشباب المؤمن كانت بين الشباب المؤسسين (عزان وآخرين) من جهة ومرجعيات زيدية يمثلها مجد الدين المؤيدي، أبرز مرجعيات الزيدية من جهة ثانية، غير أن الأهم هنا حدوث تحول آخر بعيداً عن الخلافات الداخلية، فقد بدأ "الشباب المؤمن" يحصل على دعم الرئيس علي صالح، منذ العام 1997، بعد توتر العلاقة بينه وبين حزب الإصلاح- حليفه السابق الذي غادر السلطة في العام نفسه، وانتقل إلى المعارضة.

 ويرى مراقبون أن دعم صالح لـ"منتدى الشباب المؤمن" في تلك الفترة يهدف لاستغلال هذا المنتدى وتوظيفه في مواجهة حزب "الإصلاح"، أكبر أحزاب المعارضة، بالاستفادة من التناقضات الفكرية والمذهبية، ففيما ينتمي الشباب المؤمن للمذهب الزيدي (الشيعي)، يُعدّ الإصلاح حزباً إسلامياً أكثر ارتباطاً بالفكر السلفي (السُّني)، كما أن النظام نفسه كان يدعم منذ ثمانينيات القرن العشرين مركزاً دينياً يتبع المدرسة السلفية التقليدية (الوهابية) في صعدة نفسها، بقيادة الشيخ/ مقبل بن هادي الوادعي.

وبعد سيطرة حسين الحوثي على "الشباب المؤمن" في العام 1999، أقدم على إحداث تغيير جوهري في دوره، وحوّله إلى منصة لأجندة سياسية سرعان ما تطورت في نهاية المطاف لتصبح تمرّداً عسكرياً، مُستخدماً لهذا الغرض التظلمات المذهبية[23]

وتشير الدروس التي ألقاها حسين الحوثي إلى أن حركته تهدف إلى استعادة ما يَرى أنه حق أهل البيت في ولاية أمر المسلمين، باعتبار ذلك اختياراً إلهياً ليس للناس فيه يد ولا خيار، ولا سبيل إلى خلاص الأمة مما هي فيه إلا إذا اجتمعت تحت راية أهل البيت، وذلك لا يتم إلا بعودة "حق الولاية" المطلق إليهم[24]. ويزعم أن الخلفاء الراشدين، ومن أيّدهم من الصحابة سلبوا أهل البيت ذلك الحق، وتعاقب الخلفاء على ظلمهم وإقصائهم حتى اليوم، مما تسبب في ضعف الأمة وهوانها وانهزامها أمام أعدائها، مشيراً إلى أن خلاص الأمة وعزتها لا يمكن أن يكون إلا على يد أهل البيت.[25]

ومع وجود بعض الخلافات داخل أتباع المذهب الزيدي الهادوي والشباب المؤمن إلا أن الجميع يؤمنون بالأفكار نفسها التي تأسست عليها دول الأئمة الهادويين منذ الهادي يحيى بن الحسين، وجميعهم يرفضون أي محاولة للتشكيك بالقضايا الرئيسية التي قامت عليها النظرية السياسية للهادوية، وعلى رأسها الاصطفاء الإلهي لآل البيت، ووجوب الإمامة وحصرها في البطنين، واعتبار ذلك أصلاً من أصول الدين[26].

ومنذ ما قبل الإفصاح المسلح عن الجماعة في جبال صعدة، كان المؤسس حسين الحوثي قد بدأ في إعداد أتباعه لـما أسماه "الجهاد ومواجهة الطاغوت"، واتجه لتخزين الأسلحة وحفر التحصينات في الجبال وتنظيم طلابه في مجاميع، وبدأ بربط العلاقات والتواصل مع الوجهاء والشخصيات المؤثرة وحثهم على شراء السلاح والاستعداد للمعركة[27]. وقد بدأت المواجهات في يونيو/حزيران 2004 واستمرت ثلاثة أشهر انتهت بمقتل زعيم الحركة حسين الحوثي.

وعلى الرغم من إعلان أغلب الهاشميين موقفاً مناهضاً للحوثيين بداية ظهورهم، في بيانات وتصريحات صحفية كانت تتصدر وسائل الإعلام الرسمية، فقد اعتبرها مراقبون مجرد مراوغة نتيجة وقوعهم تحت الضغط من قبل الرئيس السابق صالح، حيث أصدر مجموعة من علماء الزيدية في العام 2004، بياناً يحذر من "ضلالات حسين الحوثي وأتباعه وعدم الاغترار بأقواله وأفعاله"، وقال إنه "لا يجوز الإصغاء إلى تلك البدع والضلالات ولا التأييد لها ولا الرضا بها"، وكان أبرز العلماء الموقعين على البيان الذي حمل عنوان "هذا بيان للناس ولينذروا به": محمد بن محمد المنصور، وحمود عباس المؤيد وأحمد محمد الشامي[28]. غير أن الموقف تغير فيما بعد، حيث صدرت بيانات باسم علماء الزيدية، تعلن الوقوف إلى جانب الحوثي- خاصة بعدما أصبحت الحركة الحوثية تسيطر على مناطق واسعة، ومن هذه البيانات بيان صدر بداية العام 2012، أعلن إن "الوقوف مع الحوثيين واجب على كل مؤمن، ودعا إلى وقف التحريض على الحوثيين والمنتمين للمذهب الزيدي"[29].

 

الانقلاب الحوثي

انطلقت الثورة الشعبية اليمنية بداية العام 2011، بعد نحو عام على انتهاء آخر جولة من جولات الحرب بين الحكومة والحوثيين، حيث دخل الطرفان في ست حروب بين عامي 2004 و 2010، وقد احتفى شباب الثورة بمشاركة الحوثيين، وتفاءلت القوى السياسية والثورية بانضمام الحوثيين كجماعة مسلحة، وتوقعت هذه القوى أن ينخرط الحوثيون ضمن القوى السياسية المناهضة للنظام الحاكم ويتخلوا عن حمل السلاح ومواجهة الدولة والمجتمع، لكن الجماعة الحوثية بقيت كما هي محتفظة بما لديها من سلاح، بل إنها أخذت تعمل على توسيع رقعة سيطرتها مستفيدة من التباينات الموجودة بين القوى السياسية وضعف الدولة وأجهزتها المركزية.

ومع إن الاتفاقية تضمنت إزاحة صالح من رئاسة الجمهورية وتعيين نائبه بدلاً عنه، وإشراك المعارضة في تشكيل حكومة وفاق، إلا أن الحوثيين أعلنوا رفضهم للمبادرة الخليجية وبدأوا العمل ضد الحكومة التي تشكلت على أساسها، وكانت حجة الحوثيين حينها أن المبادرة تعزز الوصاية السعودية – الأمريكية على اليمن، وفي هذه الفترة زاد الدعم الإيراني لجماعة الحوثي، بهدف إعدادها من قبل الإيرانيين لمواجهة خصومهم في الإقليم والمنطقة وفي مقدمتهم السعوديين والأمريكان.

وفي الفترة ذاتها واصل المجتمع الدولي تشجيع الحوثيين على الانخراط والمشاركة في العملية السياسية رغم ما أبدوه من تصلب ورفض لهذا المسار، واستمروا في مواجهة الجيش والأمن والمجتمعات المحلية في صعدة والجوف وحجة من أجل تحقيق مزيد من السيطرة وفرض سياسة الأمر الواقع دون اكتراث بالجهود التي تقودها الأمم المتحدة والدول الكبرى الداعمة لعملية الانتقال السلمي في اليمن.

شارك الحوثيون في مؤتمر الحوار الذي انطلق بداية العام 2013، واستمر نحو 10 أشهر، لكن دون أن يتخلوا عن السلاح، كما أنهم لم يوقفوا تمددهم العسكري واجتياحهم المتواصل للمناطق داخل صعدة وخارجها، حيث أخذ تحركهم يمشي في مسارين متوازيين، مسار سياسي من خلال وفدهم المشارك في مؤتمر الحوار، وإقامة التحالفات مع بعض القوى السياسية والمدنية بهدف تحييدها على الأقل، ومسار عسكري ميداني بالتوسع والاجتياح واستهداف الخصوم.

وقوبلت تحركاتهم بردود فعل سلبية من القوى اليمنية المتصارعة فيما بينها، وأحيانا بتواطؤ قوى محلية وخارجية، رأت أن تمدد الحوثيين سيؤدي إلى إضعاف قوى الثورة وتفكيك مكوناتها، وهي النسخة اليمنية من الربيع العربي الذي بدأ خصومه يستعيدون أنفاسهم، ويعملون على محاصرته ومحاربة مكوناته في أكثر من بلد عربي.

خرج مؤتمر الحوار الوطني الشامل بوثيقة بناء الدولة المدنية الجديدة، من خلال اللامركزية والحكم الفيدرالي، وأهم ما اشتملت عليه الوثيقة بسط سيادة الدولة على كل المناطق، وحل المليشيات المسلحة، وسحب السلاح منها، وحصر امتلاك السلاح على الدولة فقط، وعالجت الوثيقة المشاكل والقضايا الكبرى، وتداعيات الحروب والصراعات السابقة، وأكدت على الشراكة في السلطة والثروة المواطنة المتساوية، وبذلك رسمت ملامح اليمن الاتحادي الجديد.

رفض الحوثيون وثيقة الحوار الوطني -رغم مشاركتهم في الحوار، وأعلنوا الحرب على التوافق اليمني والسلطات الشرعية المعترف بها دولياً، رافعين شعارات تطالب بتحسين الوضع المعيشي تارة، وتارة أخرى يعلنون محاربة ما يسمونها الوصاية الأمريكية، استمروا في اجتياح المناطق مستفيدين من دعم النظام السابق الذي ساندهم نكاية بخصومه وطمعاً في العودة إلى السلطة، حتى سيطروا على صنعاء وأعلنوا الانقلاب في 21 سبتمبر/أيلول 2014، وبعده أدخلوا اليمن في أتون حرب شاملة لا يزال لهيبها يشتعل في عدد من المناطق اليمنية، كما لا تزال تداعياتها الكارثية ومآسيها حاضرة بقوة بعدما تم تدمير الاقتصاد والبنية التحتية وتدهورت الأوضاع العامة والخدمات الأساسية، ولا يزال الحوثيون – مع ذلك- يخوضون حروباً أخرى داخل مناطق سيطرتهم، بل إنهم حاربوا غالبية حلفائهم وداعميهم المحليين، وفي مقدمتهم الرئيس السابق/ علي عبد الله صالح  الذي انقضوا عليه وعلى أنصاره أواخر العام 2017، وقاموا بتصفيته واعتقال المئات من مساعديه وأنصاره وأقاربه وقيادات حزبه.

 

الدور الإيراني

كانت الإمامة قد سقطت كدولة في ثورة سبتمبر/أيلول 1962، لكنها لم تسقط كفكرة، ورغم أنها عاشت في مرحلة كمون طوال عقد السبعينيات، إلا أنها سرعان ما بدأت تطل برأسها وتبحث لها عن أنصار، ساعدها في ذلك انتصار الثورة الايرانية بداية العام 1979 بقيادة الامام الخميني، حيث رأى فيها دعاة الامامة الزيدية الهادوية انتصاراً لمذهبهم[30].

وقد أدى قيام الثورة الشيعية في إيران إلى حدوث تقارب بين التيارين الشيعيين، "الاثني عشري" الإمامي في إيران و"الزيدي الهادوي" في اليمن، ونتج عن ذلك التقارب ظهور شخصيات شيعية يمنية متطرفة تجاهر بالعداء للسُّنة عامة وتهاجم صحابة الرسول، في انحراف واضح عن ما عرف به المذهب الزيدي في هذا الجانب، وشكّل ذلك بداية لاختراق إيراني – اثني عشري للتيار الزيدي اليمني، ترتب عليه فيما بعد انتقال شعارات الثورة الإيرانية إلى اليمن واتخاذها شعاراً للتيارات والتشكيلات المسلحة التي تشكلت وحظيت بدعم إيراني، وأبرزها الحركة الحوثية.

ويمكن الإشارة هنا إلى أن العلاقات الرسمية بين إيران واليمن مرت بثلاث مراحل[31]:

الأولى: على مدى الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، دعم اليمن العراق سياسياً وعسكرياً وشارك آلاف المتطوعين والعسكريين اليمنيين ضمن ما كان يسمى ألوية العروبة في القتال إلى جانب الجيش العراقي، هذا عن اليمن الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية) أبرز حلفاء العراق حينها، أما اليمن الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) فقد كانت علاقتها متوترة مع النظام العراقي لكنها لم تقف مع إيران.

الثانية: في نهاية حرب الخليج الثانية بدأت علاقات البلدين تتحسن، وهذا التحسن استمر حتى بداية العام 2004.

الثالثة: منتصف العام 2004 اشتعلت أول مواجهة بين القوات اليمنية والحركة الشيعية المسلحة (جماعة الحوثي).

ومنذ تلك الحرب توترت العلاقة مجدداً بين البلدين، واتهمت الحكومة اليمنية النظام الإيراني بدعم المتمردين الحوثيين، وتطور الدعم الإيراني ليشمل فيما بعد صفقات أسلحة حديثة ومتنوعة، وتمكنت الأجهزة الأمنية اليمنية من ضبط شحنات من الأسلحة الإيرانية كانت في طريقها للحوثيين، ومنها السفينتان جيهان1 وجيهان2، ضبطت الأولى في يناير/كانون ثان 2013، والثانية في مارس/آذار من العام نفسه، وحينها طلبت الحكومة اليمنية رسميًا من مجلس الأمن الدولي إجراء تحقيق في الموضوع، وبالفعل زار وفد من خبراء الأمم المتحدة اليمن للتحقيق في شحنات الأسلحة التي ضبطت في المياه الإقليمية اليمنية.

وبحسب مراقبين فإن الدعم الإيراني للحوثيين أخذ أشكالاً عدة، منها الدعم السياسي إقليمياً ودولياً بهدف إشراك الحوثيين كفاعل رئيس في اليمن، والدعم الديني عن طريق حشد وتجنيد الشباب في صفوف الحوثي من منطلق مذهبي، والدعم العسكري من خلال تدريب وتسليح المقاتلين الحوثيين بأحدث الأسلحة، وأثبتت تقارير الأمم المتحدة أن إيران تقدم الأسلحة للمتمردين الحوثيين منذ العام 2009 [32].

وبعد الثورة الشعبية اليمنية أخذت الحركة الحوثية تتوسع في شمال اليمن معتمدة على الدعم المقدم من إيران التي وجدت في الحوثيين حليفاً محلياً تتقاسم معه الانتماء للمذهب الشيعي، كما ويتقاسمان معا العداء للمملكة العربية السعودية وحلفائها من اليمنيين، وقدمت إيران للحوثيين شحنات من الأسلحة كما وفرت لهم التدريب والتأهيل في مختلف المجالات العسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية.

وفور سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء أعلن مسؤولون إيرانيون ابتهاجهم، وقال أحدهم إن رابع عاصمة عربية سقطت في يد الثورة الإيرانية[33]، وكانت إيران الدولة الوحيدة التي تعاملت مع سلطات الحوثيين في صنعاء بعدما بدأت الدول تسحب بعثاتها الدبلوماسية تباعاً، وتعززت علاقة الانقلابيين الحوثيين مع إيران.

وقد اعترفت إيران العام الماضي وأقرّت بمشاركتها في الحرب اليمنية، من خلال تقديم الدعم العسكري للحوثيين، لأول مرة بعد سنوات من إنكار الاتهامات الموجهة إليها من الحكومة اليمنية والتحالف العربي، في دعم انقلاب الحوثيين وإطالة أمد الحرب.

وقال الجنرال رستم قاسمي، مساعد قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، إنّ كل ما يمتلكه الحوثيون من أسلحة ناتج من مساعدات قدمتها طهران، وخصوصاً في تكنولوجيا صناعة السلاح، وقال إنّ عملية التصنيع تجري في اليمن، ولا سيما الطائرات المسيَّرة بدون طيار والصواريخ الباليستية. واعترف بوجود خبراء إيرانيين في اليمن "مهمتهم تقديم الاستشارات"[34].

 

مستقبل الهاشميين في اليمن

في الحديث عن المستقبل واحتمالاته المرتبطة بالحاضر اليمني، تحضر العلاقة بين الحوثيين كحركة مسلحة تمردت على الحكومة وقاتلتها نحو سبع سنوات، ثم قادت انقلاباً مسلحاً من جهة، والهاشميين الذين يتبعون النظرية الهادوية، وما تعرف بنظرية البطنين من جهة ثانية، كعلاقة ارتباط وثيقة الصلة، فالحوثية – كما تبين – هي امتداد لمذهب الهادي ونظريته التي ظل أبناؤه وأحفاده يشعلون الحروب والصراعات اعتماداً عليها، والتزاما بها.

ومن هنا فإن سيطرة الحوثيين على السلطة قد جمعت كل أتباع النظرية الهادوية في بوتقة واحدة، أساسها الاعتقاد بالحق الإلهي في السلطة، وظهروا بموقف واحد يكاد يكون نسخة مكررة لما فعله أجدادهم.

ويرى مراقبون أن سيطرة الحوثيين شكلت عبئاً إضافياً على البلاد، وخلقت بؤراً جديدة تؤدي إلى انهيار دولة المذهب التي ظلوا يحلمون بها، كما أن الحوثيين وغالبية الهاشميين بتمددهم المسلح وعبثهم بمؤسسات الدولة، زرعوا مشاكل جديدة لا علاج لها، ومنها أنهم وضعوا أنفسهم في خصومة مع المجتمع وقواه السياسية والاجتماعية، بالذات في المناطق التي عانت كثيراً من تصرفاتهم كالتجنيد الاجباري والاختطافات والقتل واغتيال المعارضين والتهجير وتفجير المنازل وغيرها[35].

خاض أسلافهم الحروب بكل ما أوتوا من قوة من أجل ترسيخ سلطتهم – حتى لو كانت محصورة في نطاق جغرافي محدود، وهم اليوم يخوضون حرباً مشابهة من حيث الأسباب والدوافع، لكنها أكثر كلفة من حيث الضحايا والخسائر والآثار والتداعيات إلى الحد الذي جعل من هذه الحرب حرباً إقليمية بالوكالة، تقف في أحد طرفيها إيران الداعمة لهم، ويقابلها في الطرف الآخر تحالف عسكري تقوده السعودية ويضم عدداً من الدول العربية التي ترى في سيطرة الحوثيين- أداة إيران المحلية- على اليمن مهدداً إقليمياً للأمن والاستقرار والسلم في الجزيرة العربية والخليج وبالقرب من المنافذ البحرية الدولية، وفي مقدمتها باب المندب.

وبعد مرور سنوات من الحرب ظهرت الحركة الحوثية أداة تحركها طهران وفق أجندتها وأهدافها، كما ظهرت الحوثية من قبل على أنها امتداد للهاشمية الهادوية، تعمل جاهدة لتطبيق نظرية البطنين، وتظهر هنا ثلاثة أطراف متداخلة في معادلة الانقلاب والحرب الحوثية، بيانها كما يلي:

الحركة الحوثية: جماعة حملت السلاح وأعلنت التمرد على الدولة، وبدأت الحرب – منذ نحو عشرين سنة، من أجل الوصول للسلطة، حتى تحقق لها ذلك بالانقلاب والسيطرة على مؤسسات الدولة، واجتياح غالبية المحافظات اليمنية.

التيار الهاشمي الهادوي: بداية ظهور الحوثي لم يكن التيار الهاشمي يميل للحركة المسلحة، بل صدرت بيانات ضده باسم علماء الزيدية، لكن تغير الأمر والموقف بعدما قويت شوكة الحوثيين، وأصبح التيار رديفاً اجتماعيا وسنداً سياسيا للانقلاب الحوثي، باستثناء بعض الهاشميين الذين انحازوا لخيار الدولة ضد النظرية الهادوية، وشاركوا في مقاومة الانقلاب الحوثي.

الحركة الثورية الإيرانية: الطرف الداعم والموجه والممول للحركة الحوثية منذ وقت مبكر، استطاع اختراق الحركة بالشعارات والأفكار الجديدة على المذهب الزيدي الهادوي، حتى أصبحت مرجعيات طهران المسيطرة في الغالب على القرار والمواقف الحوثية.

 

العلاقة بين الأطراف الثلاثة

ويمكن إيجاز العلاقة بين هذه الأطراف في كون الحركة الحوثية أولا استفادت من تراث المذهب الهادوي ونظريته في السعي للسلطة كحق حصري بأبناء البطنين، كما أنها استفادت من التيار الهاشمي ككتلة بشرية ذات حضور كبير وفاعل ومؤثر في مؤسسات الدولة والمجتمع، خاصة في مناطق شمال الشمال. وقد استفادت الحركة الحوثية من التيار الهاشمي، واحتوت أعداداً كبيرة منهم وعملت على تجنيدهم في خدمة أهدافها وتوسيع رقعة سيطرتها.

استفادت الحركة الحوثية بداية ظهورها من التيار الهاشمي – فكرياً وبشرياً- ثم استفادت لاحقاً من الدعم الإيراني، سواء المالي أو العسكري الذي شمل الأسلحة المتطورة والخبرات والتدريب وتوفير المعدات والأدوات اللازمة لتكوين ترسانة ضخمة من الأسلحة باتت تشمل طائرات مسيرة وصواريخ مختلفة، بالإضافة للألغام والمتفجرات والعبوات الناسفة والقذائف والذخيرة الحية بمختلف أنواعها، وكل ذلك بطبيعة الحال أفاد الحوثيين في حروبهم السابقة وفي وصولهم إلى السلطة بعد الانتصار على خصومهم من الجيش والقبائل والتجمعات المناهضة لهم، وفي الحرب الراهنة يتجلى الدعم الإيراني بقوة من خلال قدرة الحوثيين على الصمود في مواجهة التحالف العسكري العربي بقيادة السعودية، بل إن الحوثيين استطاعوا في السنوات الثلاث الأخيرة استعادة كثير من المناطق التي كانوا فقدوها في السنوات الأولى من الحرب، فضلاً عن قيامهم بشن هجمات صاروخية على السعودية والإمارات.

أما بالنسبة للتيار الهاشمي فقد استفاد هو الآخر من الانقلاب الحوثي، وحصل الهاشميون على المناصب وامتيازات السلطة والثروة وتقاسموا الموارد والإمكانيات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، معتمدين على خبراتهم السابقة في إدارة مؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي لا يتوافر لعناصر الحركة الحوثية القادمين من أرياف صعدة بخبرات متواضعة ومؤهلات متدنية جداً في إدارة مؤسسات الدولة مقارنة بخبراتهم في الحرب والمواجهات، وهذا جعل الهاشميين- غير المقاتلين الحوثيين- يستولون على المؤسسات والموارد الحيوية ومنها النفط والغاز والاتصالات والضرائب والجمارك والزكاة والمساعدات الإنسانية والأسواق السوداء التي صارت طريقاً سريعاً للثراء الفاحش، الذي أصبح سمة ملازمة لمنتسبي التيار الهاشمي في مناطق سيطرة الحوثيين.

ويعني ذلك أن العلاقة شبه متبادلة بين الطرفين، كل منهما استفاد من الآخر وأفاده، فيما يختلف التقييم لدى مراقبين يرون أن الهاشمية الهادوية وظفت الحوثيين من أجل الحصول على مكاسب تتعلق بالسلطة والاستيلاء على مؤسسات الدولة، وفي المقابل تبرز استنتاجات مغايرة في الموضوع، مفادها أن الحركة الحوثية نجحت في جرّ التيار الهاشمي بأكمله إلى أتون حرب ضروس مع اليمنيين كافة ومع الدول المجاورة، حيث أصبح التيار عدواً يجب مواجهته – بمعنى أنه أصبح لهم مع اليمنيين ثأر يكبر كلما زاد ضحايا الحرب من قتلى وجرحى ومعتقلين ومشردين ولاجئين ونازحين، وهي كلها أعداد كبيرة جداً، وهذا الثأر بات يعبر عنه بعضهم بالدعوات الصريحة لتجريم الهاشمية ونظريتها السياسية وكتلتها البشرية ، وظهرت حركات فكرية يمنية تعتبر الهاشمية عدواً لدوداً، مثل الحركة القومية اليمنية (أقيال) و( العباهلة)، وما كان لذلك أن يحدث لولا انقلاب الحوثيين وحربهم.

والخلاصة هنا أن الحوثيين ورطوا الهاشميين في الدفع بهم إلى المواجهة المصيرية، وإن بدا إن الحركة الحوثية باتت تحكم السيطرة على أكثر من نصف المحافظات وتهدد النصف الآخر، إلا أن الاطمئنان لهذا الأمر يعد مخاطرة وركوناً في غير محله، فالأحداث تتغير والظروف تتبدل، خاصة في ظل حرب لها ملامح كثيرة، قليل منها ثابت والكثير منها قابل للتغيير الذي يؤدي بدوره إلى تبدل موازين القوة، وتغير رقعة النفوذ وخارطة السيطرة من طرف لآخر.

وبما أن الحركة الحوثية برمتها غدت مجرد أداة في لعبة إيران بالمنطقة، فإن المستفيد الحقيقي من انقلاب الحوثيين وحربهم صناع القرار في طهران، فهم الأكثر نفوذا وتأثيرا في القرار الحوثي داخل اليمن، وقد أصبح القادة الإيرانيون يديرون مناطق الانقلاب ومؤسساته الكبرى، والأهم من ذلك أن قرار الحرب والسلم غدا في أيدي القادة الإيرانيين الذين يتعبرون الحرب في اليمن جزءاً من مشروعهم، وسيوظفونها فيما يخدم استراتيجيتهم وسياستهم الخارجية. 

ومن يعرف طبيعة التراتب القيادي السري للحركة الحوثية يدرك مدى تغلغل العنصر الإيراني في الهرم القيادي الحوثي، فالحركة يقف على رأسها ما يسمى "المجلس الجهادي"، وهو "التنظيم والبُنية السرية الصلبة، والأساس الذي أنشأ هياكل الواجهات الأخرى. وتعمل بقية المجالس أو الهيئات المعلنة كلها لهدف واحد هو حماية المجلس الجهادي وخدمة أهدافه وتوفير الغطاء والإمكانات لعمل المجلس الذي ينظّم ويقاتل ويتوسع"[36]، وأبرز عناصر المجلس جنرال من الحرس الثوري الإيراني يعتبر القائد العسكري العام، يطلق عليه "المعاون الجهادي"، ويليه نائب المعاون الجهادي، وهو قيادي لبناني من حزب الله.

وفيما بات الحوثيون ومعهم الهاشميون يحملون عبء المواجهة واحتمالات المستقبل، محلياً وإقليمياً، يستأثر الإيرانيون برسم سياسة الحركة الحوثية وتقرير مصير الحرب في اليمن وتحديد خياراتها وفقاً لما تمليه المصالح والاستراتيجية الإيرانية، وبما يضمن لطهران تعزيز موقفها التفاوضي مع الدول الكبرى حول برنامجها النووي، وحماية مصالحها في المنطقة.

ويمكن استشراف مستقبل الهاشميين في اليمن في ضوء عدد من العوامل المؤثرة في المشهد اليمني عامة، والحرب الراهنة على وجه الخصوص، وتشمل هذه العوامل:

  • الانقلاب وما تبعه من حرب شاملة مضى على اندلاعها حتى الآن- 2022- أكثر من سبع سنوات، وما أفضت إليه من نتائج وتداعيات كارثية ودمار وخراب طال معظم المنشئات والمؤسسات وأسفرت عن مقتل قرابة 400 ألف شخص، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فضلاً عن تشريد ملايين اليمنيين في الداخل والخارج، وتدمير الاقتصاد الوطني، وارتفاع الضحايا والخسائر واستمرار المعاناة تضع الطرف الذي أشعل الحرب في دائرة المسؤولية، مهما حاول الحوثيون تزوير الحقائق وتضليل أتباعهم، والتشويش على الأمر الأكثر وضوحاً في مسؤوليتهم عن اندلاع الحرب.
  • العلاقة بين الحركة الحوثية كجماعة (شيعية) متمردة ومسلحة من جهة، والهاشميين كتيار اجتماعي يعيش في محافظات يمنية مختلفة، ولهم انتماءات وارتباطات فكرية وسياسية متعددة من جهة ثانية، في ظل انحياز غالبية الهاشميين إلى الحركة الحوثية وانخراطهم في الحرب التي أشعلتها، وطال لهيبها كافة مناطق اليمن، وإزاء ذلك، تصاعد خطاب مناهض يعتبر كل الهاشميين أعداء، ويتحملون مسؤولية الحرب المستمرة وما يقترفه الحوثيون وأتباعهم من جرائم وانتهاكات، ويرى أصحاب هذا الخطاب أن جميع الهاشميين يشاركون الحوثيين في حربهم.
  • ارتباط الحركة الحوثية – الطرف الأقوى والأبرز في الحرب، بالنظام الإيراني وما تبعه من استخدامها واستغلالها في تحقيق الأهداف والأجندة الإيرانية، وتجلت تبعية الحوثيين لإيران وارتباطهم بأجندتها من خلال الدعم الإيراني بالسلاح والمال والتدريب والتأهيل، سواء قبل الحرب أو خلالها، سيما وقد ظهر الموقف الإيراني الرسمي على حقيقته، ولم يعد دعمه خافياً على أحد، وبالتالي أصبحت الحركة الحوثية وكل من يدور في فلكها أدوات في المشروع الإيراني الذي يملك أذرعا مسلحة- على غرار الحركة الحوثية- في عدة دول عربية، وهذا يجعل الحوثيين وغالبية الهاشميين في مواجهة مكشوفة مع الشعب اليمني- بغض الطرف عما يمكن أن تقود إليه جهود التسوية السياسية التي تسعى لإيقاف الحرب وإحلال السلام. ذلك أنهم في الداخل يتحملون مسؤولية الانقلاب والحرب، وخارجياً تعتبرهم الدول المجاورة والمجتمع الدولي عوامل تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، خاصة بعدما نفذوا عشرات من الهجمات الصاروخية ضد المصالح الاستراتيجية والمناطق الحيوية في المملكة العربية السعودية.

 

سيناريوهات مستقبل الهاشميين

السيناريو الأول: تنامي نزعة العداء لدى اليمنيين كافة تجاه الهاشميين- باستثناء قليلين منهم، وما يؤدي إليه من عزم على الاستمرار في الحرب والمواجهة معهم، والعمل على تجريم كل ما له صلة بالهاشمية والهاشميين، خاصة إذا تراجعت قوة الحوثيين وانحسر نفوذهم، وسواء توقفت الحرب أو استمرت فإن نزعة العداء تستمر لدى غالبية اليمنيين.

وقد برزت في الآونة الأخيرة قوى جديدة تتجاوز نظرتها الحرب الراهنة إلى دائرة أوسع، تدعو إلى الاعتزاز بالهوية اليمنية و ورموزها التاريخية في مواجهة الهاشمية برمتها، على اعتبار أن الحرب الراهنة ليست إلا جزء من سلسلة صراع تخوضه الهاشمية منذ مئات السنين ضد اليمنيين، وما الحركة الحوثية إلا حلقة في تلك السلسلة الطويلة، ما يعني -وفق هذه الرؤية- أن الحل لا يقتصر على حسم الحرب فقط، بل لابد من منازلة الخطر الحقيقي المتمثل في النزعة العنصرية السلالية (الهاشمية)، ومع اعتبار الهاشمية والهاشميين طرفاً رئيسياً- إلى جانب الحوثيين، فإن المستهدف في الهاشمية ليس عموم المنتسبين إليها، ولكن المؤمنين بأفضلية سلالتهم وأحقيتهم- دون غيرهم- بالسلطة، وفق ما يعتقدون أنه استحقاق إلهي. حيث تفيد هذه الرؤية أن الخلاص المنشود يكمن في القضاء على الفكرة السلالية من أساسها، لأنه سبق لليمنيين أن جربوا الحل الجزئي في ثورة سبتمبر 1962 حينما تم القضاء على بيت حميد الدين حكام الدولة التي قامت ضدها الثورة، وبقي الخطر كامناً سنوات عدة حتى ظهر مرة أخرى من بيت بدر الدين، وبالتالي فإن المطلوب بعد حسم المعركة لصالح استعادة الدولة، أن يتم الحسم بشكل نهائي وجذري بالإجهاز على فكرة الإمامة ونظريتها السياسية، وبما يضمن عدم ظهور أي شكل من أشكال الإمامة في المستقبل، وكلما طال أمد الحرب زادت دوافع الانتقام من الهاشميين والإصرار على توسيع المواجهة معهم وانكشاف المزيد من مخاطر فكرتهم التي طالما أشعلت حرائق الصراع قديماً وحديثاً. 

 

السيناريو الثاني: الصدام بين الحركة الحوثية والهاشمية السياسية، سيما اذا نجحت الحكومة الشرعية ومعها المملكة العربية السعودية في استقطاب قيادات هاشمية فاعلة ومؤثرة، خاصة مع إصرار الحوثيين على البقاء ضمن أدوات المشروع الإيراني، ما يعني وصول الفريقين (قطبي الانقلاب) مفترق طريقين، واحد باتجاه الرياض، والآخر باتجاه طهران، وفي ظل وجود تمايز بين الطرفين يكشف عن نفسه في بعض مواقف وخلافات داخلية وصراعات بينية لا تخرج إلى العلن في الغالب، فمع نجاح الحركة الثورية الإيرانية ممثلة بالحرس الثوري في احتواء الحركة الحوثية، لا يبدو أنه تم احتواء التيار الهاشمي بالكامل، خاصة وأن التيار العريض بما فيه من قيادات ذات خبرات طويلة وعلاقات واسعة يحرص على ضمان بقائه ونفوذه- ولو بشكل جزئي- خارج إطار الانقلاب والسلطة التي نجمت عنه، وبعيداً عن دائرة الاحتواء الإيراني.

 وفي هذا السياق تقرأ عمليات الاغتيال التي طالت رموزاً وقيادات هاشمية عسكرية وسياسية بارزة منذ العام 2014، واتهم بارتكابها الحوثيون، وإن قيدت رسمياً- كما هو حال كثير من الاغتيالات- ضد مجهولين، ومن أبرز الشخصيات الهاشمية التي جرى استهدافها الدكتور/ محمد عبدالملك المتوكل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، والأمين العام لحزب اتحاد القوى الشعبية، الذي اغتيل في العاصمة صنعاء بداية نوفمبر/تشرين ثان 2014، بعد أسابيع قليلة من سيطرة الحوثيين على صنعاء، وهو من الشخصيات السياسية والأكاديمية التي تحظى بتقدير واحترام مختلف القوى السياسية، وله علاقات مع النخب السياسية والثقافية على المستوى العربي، سيما وأنه يعدّ من رموز ومؤسسي المؤتمر القومي الإسلامي، وشغل فيه المنسق العام في وقت سابق، كما تم اغتيال الصحفي والناشط السياسي/عبدالكريم الخيواني، المحسوب على الحوثيين، في مارس/أذار 2015 بالعاصمة صنعاء أيضاً، وكان ينتقد بعض تصرفات جماعته، وطريقتها في إدارة علاقاتها وتحالفاتها.

 وفي أكتوبر/تشرين أول 2020، اغتيل القيادي البارز في التيار الهاشمي حسن زيد وزير الشباب والرياضة في حكومة الحوثيين، وتشير أصابع الاتهام – حسب بعض أقاربه لضلوع قيادات حوثية في تصفيته، وقالت أسرته في بلاغها للجهات الأمنية (الحوثية) إن القاتل – وهو أحد مسؤولي الحركة الحوثية- معترف بجريمته ولا يزال يهدد الأسرة، وقد أبلغ أقارب القتيل أنه نفذ حكما صادرا بإعدام حسن زيد[37]، وأثيرت  علامات استفهام حول وفاة القيادي الأبرز للهاشمية السياسية يحيى محمد الشامي، الذي أعلن الحوثيون وفاته في أبريل/نيسان 2021 بفيروس كورونا، وجاء الإعلان بعد يومين فقط من تشييع ابنه الأكبر زكريا الذي لف الغموض أسباب وفاته أيضاً، وقد شغل رئيس هيئة الأركان لديهم، وهو – رغم صغر سنه، من أبرز قياداتهم العسكرية، والاثنان يحملان رتبة لواء، وينظر إليهما على أنهما من أهم وأخطر القيادات التي عملت لصالح الانقلاب منذ وقت مبكر. 

ولوحظ خروج بعض منتسبي التيار الهاشمي، أو الهاشمية السياسية، من صنعاء عقب المواجهات التي وقعت بين الحوثيين والرئيس السابق/علي صالح، في ديسمبر/كانون أول 2017، خشية البطش بهم من قبل الجماعة، سيما بعد قيامها بتصفية صالح حليفها السابق الذي كان له ولأنصاره الدور الأكبر في نجاح الانقلاب،  ومع أن هؤلاء لم يصدر عنهم موقف مناهض للحوثي إلا أن احتمال تبلور موقف هاشمي رافض يظل وارداً، خاصة وأن أغلب قيادات التيار يجيدون التكيف مع الظروف المحيطة، وهذا قد يشكل بداية لتمايز طائفة من الهاشميين عن الحركة الحوثية بعدما بدا وضحاً لغالبية اليمنيين أن الهاشميين عموماً تماهوا مع الحوثيين في الانقلاب والحرب.

وثمة من يستبعد هذا السيناريو في ظل السيطرة المطلقة للحركة الحوثية في الوقت الراهن، وعدم وجود بوادر ومؤشرات لانشقاق هاشمي في هذا السياق، خاصة بعد مرور 8 سنوات على انقلاب الحوثيين وحربهم التي التهمت الأخضر واليابس، واستبعاد هذا السيناريو يعني بقاء حالة الرفض للحوثي بين الهاشميين مقتصرة على أشخاص وحالات فردية دون الوصول إلى تبلور حالة رفض لها صيغة جماعية تأخذ شكل التكتل المتماسك القادر على خوض صراع مع الحركة الحوثية القابضة على زمام السلطة والثروة.

 

السيناريو الثالث: تصاعد الخلافات داخل القوى المناهضة للانقلاب الحوثي، ووصولها إلى الصراع المسلح كما حدث بين القوات الحكومية وقوات موالية لدولة الإمارات، في أكثر من منطقة محررة في السنوات الماضية، ومنها أحداث يناير 2018 بعدن، ومواجهات أغسطس 2019 في عدن وأبين وشبوة، وحرب أبين في مايو ويونيو 2020، وأحداث شبوة في أغسطس 2022، وهذا يعني مزيداً من الاستنزاف لسنوات طويلة قادمة في صراعات قد تتخذ أشكالاً جديدة، وقد تظهر تيارات وأطراف وتشكيلات جديدة أيضاً، خارج سياق الصراع الرئيس الذي يضم طرفي الحرب الرئيسيين، الحوثيين وحلفائهم من جهة، والحكومة المعترف بها وحلفائها من جهة أخرى.

ومع ما يحمله هذا السيناريو من مخاطر وخسائر وتداعيات إضافية، ومع أن حدوثه قد يفيد الحوثيين وعموم الهاشميين، من حيث أنه يؤجل الحرب معهم، أو يجعلها أمراً ثانوياً إلى حين، إلا أن حالة العداء ضد الانقلاب ومكوناته ستظل حاضرة لدى أغلب القوى اليمنية، وسيبقى الهاشميون- أو غالبيتهم في دائرة الاستهداف مستقبلاً، وبشكل يتناسب مع ما ألحقته الهاشمية الجديدة (بنسختها الحوثية) من دمار شامل وما خلفت من ضحايا وخسائر ومآسٍ لا حصر لها.

 

السيناريو الرابع: التوصل إلى اتفاق شامل- تحت ضغوط دولية وإقليمية- يضع حداً للحرب والصراعات السياسية والعسكرية، ويؤسس لمستقبل جديد بتوافق القوى السياسية اليمنية الفاعلة، مع إقرار معاهدات وقوانين ولوائح جديدة للتعامل مع وضع ما بعد الحرب، مع النظر بعين الاعتبار لكافة الظروف والملابسات التي قادت إلى الحرب وساهمت في إطالة أمدها، ووضع المعالجات والحلول القانونية المناسبة، والتسليم بصلاحيات الأجهزة القضائية والرسمية – وحدها دون غيرها بالحسم في كل ما له صلة بالصراع وآثاره ونتائجه، وخضوع الجميع لمؤسسات الدولة المختصة واحترام القانون وأحكام القضاء، مع احتمال وقوع حوادث وردود فعل فردية غير ملتزمة بما تم التوافق عليه. وهذا السيناريو في الغالب سيكون مرتبطاً بالعوامل والظروف التي تخلق فيها، كما أنه سيكون متصلاً بالقوى والأطراف التي ترعى الاتفاق وتدعم المصالحة، ونجاحه يتوقف بدرجة رئيسية على ما يتوفر له من العوامل الذاتية والموضوعية، بالإضافة لارتباطه بمدى الجدية والرغبة لدى الفاعلين (اليمنيين) البارزين والأكثر تأثيراً في المشهد السياسي والعسكري. 

 

 مراجع


[1]  محمد يحيى الحداد، التاريخ العام لليمن، المجلد الثاني، (صنعاء: وزارة الثقافة، 2010)، صـ127.

[2]  الزيدية هم طائفة دينية إسلامية، من أقدم فِرَق الشيعة، بعد وفاة الإمام زيد تعددت فِرَقــُها وتكاثرت إلا أنها كلها تــُــــنسب إلى الزيدية رغم بعدها وافتراقها عن أصول الزيدية، على الرغم من ذلك يرى باحثون ومختصون أن زيد بن علي لم لكن له مذهب خاص به، بل لديه اجتهادات فقهية، ورؤية في الإمامة لا تتفق مع رؤية الشيعة التي ظهرت في القرون التالية، ويأتي الانتساب إلى الزيدية من كون تلك الفرق تؤمن بإمامة زيد بينما بقية فرق الشيعة لا يرون ولا يعتقدون بإمامته، لأنهم وجدوه لا يعتقد ما يعتقدونه من (الوصية) و(الرجعة) و(عصمة الأئمة). وكان للزيدية وجود في نجد وشمال أفريقيا وحول بحر قزوين، لكن أتباعها فيما بعد تخلوا عنها التحقوا بالمذاهب السائدة في بلادهم، أما الهادوية فهي نسبة إلى الإمام الهادي يحيى بن الحسين، وهي تسمية خاصة بالفرع الوحيد المتبقي داخل الزيدية وهو الموجود في اليمن. 

[3]  حسن خضيري أحمد، قيام الدولة الزيدية في اليمن، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996)، صـ136. 

[4]  إحدى فرق الزيدية، وتنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، ترى أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، نص على إمامة علي، وابنيه الحسن والحسين من بعده، ثم إن الإمامة بعد ذلك شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين، يستحقها من شَهَـر سيفه، وتطرّف الجارودية في آرائهم وخرجوا عن آراء الإمام زيد مع أنهم يعترفون بإمامته. 

[5]  حسن خضيري أحمد، قيام الدولة الزيدية في اليمن، (القاهرة: مكتبة مدبولي 1996)، ص133.

[6]  علي محمد زيد، معتزلة اليمن دولة الهادي وفكره، (بيروت: دار العودة، 1981)، صـ37.

[7]  محسن العيني، معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن، (القاهرة: دار الشروق، 1999)، صـ80.

[8]  فؤاد مسعد، ستة عقود من عدم الاستقرار في اليمن، (مركز أبعاد للدراسات والبحوث، مايو 2020)، صـ10.

[9]  يُنظر: عبدالرحمن عبدالواحد الشجاع، تاريخ اليمن في الإسلام في القرون الأربعة الهجرية الأولى، (دون دار نشر، 2013)، صـ152.

[10]  محسن العيني، معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن، مرجع سابق، صـ80.

[11]  صالح الحامد، تاريخ حضرموت، الجزء الأول، (صنعاء: مكتبة الإرشاد، 2003)، صـ325.

[12]  المرجع نفسه، صـ324.

[13]  المرجع نفسه، صـ325.

[14]  إسماعيل بن علي الأكوع، هجر العلم ومعاقله في اليمن، الجزء الثاني، (بيروت: دار الفكر المعاصر، 1995)، صـ1241.

[15]  المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[16]  المرجع نفسه، صـ1242

[17]  المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[18]  رياض الغيلي، الحوثية الثورية والهاشمية السياسية: تحالف الحكم وصراع البقاء، دراسة لمركز أبعاد للدراسات، فبراير 2018.

[19]  المرجع نفسه.

[20]  زايد جابر، الهادوية والحوثية: الإمامة في البطنين، دراسة نشرها مركز أبعاد للدراسات والبحوث، فبراير 2018.

[21]  المرجع نفسه. 

[22]  عبدالباسط القاعدي، قصة إنشاء الشباب المؤمن، حوار مع محمد سالم عزان، في صحيفة الناس، نشره موقع مأرب برس على الرابط: https://marebpress.net/articles.php?lng=arabic&id=1501  (شوهد في 9 أغسطس 2022).

[23]  أحمد ناجي، الهويات المتعددة لصعود الحوثيين، مرجع سابق. 

[24]  محمد أبو رأس، قراءة لنشأة الحوثية وأهدافها، دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات، على الرابط: 

https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2009/201172110593234241.html (شوهد في 9 أغسطس 2022).

[25]  المرجع نفسه.

[26]  زايد جابر، الهادوية والحوثية، مرجع سابق.

[27]  عدنان الجبرني، الحوثيون من الداخل، تقرير نشره موقع المصدر اونلاين، في مارس 2022.

[28]  عبدالفتاح البتول، علماء الزيدية والموقف من الحوثية، صحيفة أخبار اليوم، نشر يوم الأحد 5 فبراير 2012.

[29]  المرجع نفسه.

[30]  زايد جابر، الهادوية والحوثية، مرجع سابق. 

[31]  يُنظر: مصطفى زهير، السياسة الخارجية الإيرانية وأثرها على مستقبل اليمن (2011-2015)، رسالة ماجستير منشورة، قسم العلوم السياسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، (جامعة الأزهر- غزة 2017)، صـ30.

[32]   المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[33] تصريح صحفي تناقلته وسائل إعلام إيرانية عن علي رضا زكاني، عضو البرلمان الإيراني، (طهران، سبتمبر 2014).

[34]  إيران تقر لأول مرة بمشاركتها في حرب اليمن: كل ما يمتلكه الحوثيون بفضلنا، تقرير نشره "العربي الجديد" على موقعه الإليكتروني في الرابط: https://2u.pw/NgdXf (شوهد في 10 أغسطس 2022).

[35]  عبدالسلام محمد، مسارات الحركة الحوثية.. بذور الفناء، دراسة نشرها مركز أبعاد للدراسات والبحوث، في الرابط: https://www.abaadstudies.org/news-59719.html (شوهد في 11 أغسطس 2022).

[36]  عدنان الجبرني، الحوثيون من الداخل، مرجع سابق.

[37]  أسرة الوزير حسن زيد تتهم قيادات حوثية باغتياله وتشكو من تهديدات مستمرة، تقرير نشره موقع المصدر اونلاين، على الرابط: https://almasdaronline.com/articles/227770 (شوهد في 14 أغسطس 2022).

 

 



Read Also


Comments

Add Comment