مشاورات السعودية وإيران.. البحث عن نظام أمني إقليمي متوازن

عدنان هاشم
2023-01-04   Reads: 453

ENGLISH

PDF

 

مدخل:

   منذ عام  1979  مع مجيء الثورة الإسلامية إلى الحكم في إيران، تأرجحت العلاقات بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بين مد التقارب وجزر الخلاف، لكن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وتجييش إيران للطائفية دخلت العلاقات بين البلدين حالة صراع وعداء، وكان لتصدير إيران لثورتها في الإقليم آثارا مدمرة على العراق وسوريا والبحرين  ولبنان واليمن. 

كانت المخاوف الأمنية واضحة في خطاب الدولتين، فقد تخلّقت المعضلة الأمنية في المنطقة من الرؤية الإيرانية الثورية وتصديرها إلى خارج حدود الجمهورية والتي اعتبرت سوء نوايا تجاه منطقة شبه الجزيرة العربية وفي مقدمتها السعودية أكبر دول المنطقة مساحة وأكبر مصدري النفط. أدى ذلك إلى تقييد العلاقات الإيرانية السعودية بعدد من العوامل التي تحد من التعاون الأمني الكبير بسبب التوجه الثوري لجمهورية إيران الإسلامية. ومن هذه العوامل "الأيدلوجيا والقومية، والقيادة، وعوامل محلية"، التي تساعد في تفسير هذه العلاقة. وأدت الأحداث منذ الثورة الخمينية إلى تفاقم التهديد من إيران للمنطقة، كما أدت إلى زيادة عدم الثقة بين إيران وجيرانها العرب. 

بدأت السعودية وإيران مشاورات منذ ابريل/نيسان العام 2021، وقد سبقتها حوارات ولقاءات غير رسمية وغير معلنة قبل ذلك بما يقرب العامين، عقب هجوم (سبتمبر/أيلول2019) استهدف منشآت النفط السعودية في "بقيق" و"خريص" التابعة لعملاق الاقتصاد السعودي " أرامكو". تبنته جماعة الحوثي من اليمن، لكن السعودية والولايات المتحدة تقولان إن الهجوم جاء من طهران. 

وتعود تلك المشاورات إلى قناعة أن التفاهمات ين المملكة العربية السعودية وإيران تحكمها العوامل الجغرافية التي تجعل البلدين جارين دائمين. وعلى الرغم من أن "الأمن القومي" هو مصدر النزاعات المستمرة بين الدول المطلة على مياه الخليج العربي، فإن إيران والسعودية سعتا في كثير من الأحيان إلى تجنب إزعاج علاقتهما بشكل لا يمكن إصلاحه لمجرد أنهما جيران يجب أن يعيشوا معًا؛ ومن ثم، لم يجري قطع التواصل بينهما حتى في أسوأ الأوقات، وحتى في أسوأ الخلافات حول القضايا السياسية، فإن تفضيلهما هو تجنب المواجهة المفتوحة. وبدلاً من ذلك، تعتمد الدولتين على عمليات غير مباشرة أو سرية أو بالوكالة، بغض النظر عن مدى الوصول إلى حلول سياسية من خلال هذه الوسائل، لكن المواجهات غير المباشرة امتدت من العراق إلى لبنان، وسوريا واليمن، الأخيرة هي أقرب المعارك إلى الأراضي السعودية وأكثرها تأثيراً على أمنها القومي. 

تجادل هذه الورقة التي تدرس العلاقات الدولية بين الدولتين فرضية أن مصالح مشتركة بين بلدين كبيرين متجاورين، يمكنها أن تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات السعودية-الإيرانية لا تكون مثالية أو دائمة وفقا لنظام أمني إقليمي، تمنح استقرارا لمنطقة تستحوذ على معظم احتياطات العالم من الطاقة. فتوازن القوى بين السعودية وإيران حتمي، وسيعتمد استقرار هذا التوازن إلى حد كبير على طبيعة التحولات المحلية داخل الدولتين. لكن تحقيق ذلك مرتبط بمدى قدرة النظام الإيراني على تغيير نفسه.

وتناقش الورقة متغيّرات متعددة داخلية وإقليمية ودولية، تدفع الدولتين إلى تحقيق تقارب بينهما. كما تناقش العوامل الهيكلية المؤثرة للعلاقات بينهما. وترى أن النظام في السعودية أكثر قُدرة من النظام الإيراني على إنجاز نظام أمني إقليمي يبدأ من الملف اليمني كبناء ثقة. وترى صعوبة في تغيير النظام الإيراني لأيدولوجيته الثورية لمعالجة التحديات الجديدة التي تواجهها المنطقة وحاجتها لنظام إقليمي أمني.

 

أولاً: العوامل الهيكلية المؤثرة في العلاقات السعودية-الإيرانية 

ولفهم طبيعة الخلافات السعودية-الإيرانية ينبغي معرفة العوامل الهيكلية المؤثرة على العلاقة بين البلدين، ونشير إلى أبرز تلك العوامل.

1- الهوية كمعضلة أمنية: تصنف الدول بعضها البعض كصديق أو عدو على أساس مفهوم الهوية: من يكونوا؟ وما الخلفية الهوياتية التي تقوم عليها دولهم؟ وهي وجهة نظر النهج البنائي في العلاقات الدولية، الذي يرى أن المعضلة الأمنية هي نتاج تصورات الدول لهوياتهم الخاصة أكثر من موقف معين يتسم به النظام الدولي الفوضوي كما تفترضه الواقعية الجديدة. ودراسة المخطط البنائي للمعضلة الأمنية يفسر الكثير، إذ أن الأفكار والهوية التي تتبناها الدولتان مهمتان في شرح قضيتهما.

 تشير هوية الدولة أيضًا إلى تصور الدولة للدور الذي يجب أن تلعبه والمكانة التي يجب أن تتمتع بها في العلاقات الدولية. كانت الهوية هي العامل المهيمن في تحديد وجهة نظر السعودية وإيران من بعضهما البعض منذ أوائل الثمانينيات. الدين هو أهم عنصر في الهوية السعودية والإيرانية. الدين هو مصدر الشرعية في المملكة العربية السعودية ونظام آيات الله في إيران[1]

"المذهب الشيعي" هو مصدر التشريع في الدستور الإيراني، بصبغته الثورية التي فرضها الخميني. و"المذهب السلفي/ الوهابي " هو مصدر الشريعة في السعودية وأحد أعمدة الحُكم فيها، ومؤخرا قام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بإصلاحات دينية فيما يتعلق بإرث الوهابية، لكن لازال تأثير تلك الإصلاحات على الهوية السعودية قيد الدراسة لدى الباحثين. 

تقدم السعودية نفسها كقائد للعالم الإسلامي، بصفتها وصية على الحرمين الشريفين "مكة والمدينة"، ويأتي تحالف السعودية مع السلفية الوهابية كميزة تميز نظام الحكم الملكي في المملكة. بالمقابل بعد الثورة الإيرانية قُدمت القومية "الفارسية" و"الإسلام الشيعي الفارسي"، آلية تمكن "الخميني" من دمج أفكاره الثورية في "المذهب الشيعي" التي دُمجت لاحقاً في الهوية الوطنية الإيرانية وفي مقدمتها "تصدير الثورة" وأن تكون إيران " قيادة المظلومين ضد الظالمين". ما خلق معضلة أمنية بين الدولتين، تغذيهما الطموحات الإقليمية فيعتقد صانعو القرار في طهران والرياض أن لا استقرار داخلي بدون إضعاف الطرف الأخر.

وبالتالي، فإن هوية الدولة تعني تفضيلاتها وأفعالها. إن وجود المعايير بين الدول التي لها نفس الهوية مهم لبناء العلاقات. ونقصد بالمعايير: التوقعات المشتركة حول السلوك المناسب من قبل الدول ذات الهوية الخاصة. وهي مثال على سبب عدم خوف المملكة العربية السعودية من القدرة العسكرية النووية الباكستانية، ولكنها تشعر بالقلق حيال حصول إيران على قدرة نووية. وذلك لأن السعودية تعتبر إيران دولة معادية لها هوية مختلفة، لكن باكستان دولة تشترك معها في الهوية.

منذ الثمانينات تُقدم إيران نفسها ابتداءً كنصير للشيعة في العالم، وتقدم حوزتها في "قُم" كأم الحوزات الشيعية، على الرغم من أن الحوزة في لبنان ولاحقاً العراق هي أصل الحوزات لدى الشيعة. تستقطب إيران سنوياً مئات الطلاب العرب للدراسة في مدارس قُم الدينية، بما في ذلك اليمن التي ينعدم وجود المذهب الشيعي الاثنى عشري فيها. وكانت الدعوات الإيرانية للخليجيين بحماية الأقليات الشيعية تثير غضب المسؤولين في السعودية وباقي دول الخليج، إذ تُقدم طهران نفسها كراعية للطائفة الشيعية. لكن الدعم الإيراني في العادة يكون برغماتياً، إذ لا يقتصر على الانتماء للمذهب الشيعي، فأي طرف أو جهة تخدم الأجندات الإيرانية، حتى لو كانوا من المذهب السني أو دون مذهب فمرحب به. دعمت إيران طرفاً في الحرب الأهلية جنوب اليمن (1986)، ودعمت فصائل من الحراك الجنوبي وقيادات سياسية وقبلية وحزبية سنية في اليمن قبل وبعد الربيع العربي (2011)، وتدعم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي، التي تواجه الاحتلال الإسرائيلي على الرغم من كونهما حركتان سنيتان.

ولعل اعتبار إيران أنها وصية على العرب الشيعة، انعكاس كبير على دول المنطقة التي أصبحت تنظر إلى "الشيعة" على أنهم مجرد أدوات مفترضة لإيران، ما جعل شيعة العرب يفقدون الحاضنة الآمنة ويندفعون إلى النظام الطائفي في إيران.

2- رؤية الأمن في الخليج العربي: إن أساس الكثير من هذا التوتر الجيو-سياسي هو رؤية غير متناسقة لتنظيم الأمن على ضفتي الخليج العربي (ونقصد دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق). بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يتم الحفاظ على الأمن في الخليج من خلال شبكة علاقات طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. ومن وجهة نظر إيران، ينبغي الحفاظ على الأمن من قبل الدول الموجودة في المنطقة فقط[2]. تفاقم هذا الانقسام في السنوات التي أعقبت غزو العراق عام 2003، حيث حث المسؤولون السعوديون نظرائهم الأمريكيين على تقليص النفوذ الإيراني المتنامي في العراق ومواجهة البرنامج النووي الإيراني؛ وفي ذروة أعمال العنف في العراق(2008)، حث الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز الولايات المتحدة على "قطع رأس الأفعى"[3].

إن مشكلة الأمن في الخليج تشير إلى دول مجلس التعاون الست المُهدّدة لما تمتلكه من احتياطات نفطية وفوائض مالية واستثمارات كبيرة، ومخاوفها الأمنية تأتي من عدم قدرتها على حماية ما تملكه في جوار عملاقين إقليميين، إيران وعراق ما قبل الاحتلال الأمريكي. وكانت الحرب بين إيران والعراق التي أوقعت أكثر 600 ألف قتيل في الثمانينات سبباً في تراجع قواتها[4]، حتى انهارت العراق بعد حربي 1991 و2003م، لتظهر إيران كخطر وجودي أمام الأنظمة الخليجية ما جعلها أبرز مهددات الأمن القومي لشبه الجزيرة العربية خاصة مع النفوذ الإيراني المتعاظم في العراق ثم سوريا ولبنان واليمن. 

كذلك يتداخل أمن الخليج في أمن الطاقة الدولية على مستوى منابع النفط والغاز والممرات الاستراتيجية والبيئة الجيو-سياسية العامة. وتقتضي دراسة البيئة الجيو-سياسية للطاقة تحليلاً ثلاثي الطبقات تتكون في طبقته الأولى من المعطيات الداخلية للدول الحاضنة لمنابع الطاقة، ودول أخرى واقعة على تخومها، أو ضمن ممراتها الاستراتيجية (اليمن-وإيران). وتتشكل الطبقة الثانية من طبيعة التفاعلات السائدة ضمن الوحدات الإقليمية (الفرعية) المختلفة، أو ما يسمى اصطلاحاً "النسق الإقليمي للتفاعلات". والطبقة الثالثة فترتبط بالمعطى الملاحي للطاقة، أي بالوضع السائد في المضايق والممرات البحرية التي تسلكها السفن بين الدول المصدرة والدول المستهلكة. ولذلك يمكن التأكيد أن أمن الخليج اليوم أصبح أمناً كوني الطابع والامتداد. ويعد أحد مؤشرات الأمن الدولي بالمعنى القياسي. ومن هنا تأتي ضرورة بلورة رؤية متماسكة لهذا الأمن تضمن حفظه واستقراره[5].

3- استراتيجيات الدفاع: تشير المدرسة الواقعية (كلاسيكية وجديدة) إلى أن الدول تلجأ في مواجهة المعضلات الأمنية بالهجوم لأجل الدفاع، تعززها سباق التسلح لأن النظام الدولي الفوضوي يدفع الدول باتجاه حماية نفسها لانعدام قوة أعلى قادرة على ضبط الأمن العالمي[6]. ولأن أمن الطاقة -بالضرورة أمن الخليج- يعتبر أمناً دولياً قامت إستراتيجيات الدفاع في دُول الخليج العربية في التعامل مع العراق وإيران، على مبدأين شهيرين، هما توازُن القِـوى في الخليج والتحالفات الدفاعية مع الأطراف الدولية، وأدّى هذا الوضع إلى تدويل كامل لأمن الخليج عبر سلسلة من الاتفاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة، التي أبرمتها السعودية (1945) والبحرين (1971-1991) وعُـمان (1980) والكويت (1987) وقطر (1992) والإمارات (1994). ولأن مبدأ توازُن القِـوى قد توقّـف عن العمل بتصدّع العراق عام 1991 قبل انهيار قوته بشكل كامل عام 2003 ؛ لم تبق سوى "التحالفات الدفاعية" مع الولايات المتحدة، لكن مشكلة التحالفات الدفاعية أنها كانت دائما مسبِّـبة للمشاكِـل[7]

لكن تلك التحالفات الدفاعية كانت محرجة في كثير من الأحيان لدول الخليج العربي، وأصبحت تُثار تساؤلات داخلية في المنطقة حول أهمية آن لا تكون دول الخليج تابعة للتصورات الأمريكية. فلم يكن هناك وضوح في الخط الفاصل بين هدف مساعدة دول مجلس التعاون الخليجي والأهداف الأخرى انطلاقاً من القواعد الأمريكية والغربية فيها والتي استخدمت في حرب أفغانستان 2001م، وفي غزو العراق 2003، حتى لو كانت دول ضد التصور الأمريكي: استخدمت الولايات المتحدة القواعد العسكرية والتسهيلات الكويتية في غزو العراق رغم معارضة الكويت للغزو.

يثير ذلك مخاوف إيران بشأن استخدام أجواء وأراضي دول مجلس التعاون في حال هجوم غربي على أراضيها، وعادة ما يثير المسؤولون الإيرانيون هذه المخاوف في اللقاءات والتصريحات، وفي التهديدات ضد دول مجلس التعاون الخليجي. يضيف الوجود الإسرائيلي مؤخراً في الإمارات والبحرين المخاوف الإيرانية التي تتهم الاحتلال الإسرائيلي بقتل العلماء النوويين والسعي لشن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية والتي طالما هددت إسرائيل على القيام به. ولذلك تقدم إيران تصورها للأمن في الخليج بأن يكون خليجياً فقط وطرد القوى الأخرى من الخليج، وتوقيع اتفاقيات عدم اعتداء. لكن حماس النظام وطبيعته الثورية يثير مخاوف أمنية بالنسبة لدول مجلس التعاون بشأن "النوايا" الإيرانية الشريرة تجاهها، فالقوة الموجودة في الخليج هي لردع إيران وليس لمهاجمتها. ولو لم تكن هناك مخاوف خليجية من إيران ما وجدت في المنطقة خاصة مع انتهاء نظام صدام حسين، وسيطرة إيران على سلطة القرار السياسي في العراق في الحكومات اللاحقة للغزو الأمريكي. وبما أن نظام صدام حسين عرض على السعودية توقيع اتفاق عدم اعتداء قبل اجتياح الكويت فما يزال صانع القرار السياسي الخليجي قلقاً من تكرار التجربة.

يضع ذلك جدلية: هل إيران مصدر تهديد لدول مجلس التعاون الخليجي، أم مصدر قوة يمكن الثقة بها؟ بالنسبة لصانع القرار في السعودية فإيران هي مصدر التهديد ولا يُـمكن الثقة فيما تطرحه، ونظامها السياسي الحالي يثير هواجس لا حد لها، خاصة في بيئة إقليمية متغيّرة. إذ كان للاستخدام الإيراني للطائفية في العراق وتحويلها إلى دولة تابعة، لها أثر بالغ في هذه التوترات خاصة أنه جاء بعد اتفاق أمني بين الدولتين في عهد محمد خاتمي (2001). وعززت هجمات جماعة الحوثي على منشآت النفط السعودية هذه المخاوف السعودية. في حادثة واحدة عام (2019) استهدفت منشآت النفط السعودية في "أبقيق" و"خريص" شمال شرق السعودية، وتبناها الحوثيون، لكن الرياض وواشنطن قالتا إن الاستهداف جاء من الأراضي الإيرانية وليس من الأراضي اليمنية. تسببت ردة الفعل الأمريكية البطيئة إلى جانب سلوكيات أمريكية أخرى إلى إعادة السعودية لقراءتها لمنظور اتفاقيات الدفاع مع الولايات المتحدة على الرغم من أن ولاية دونالد ترامب امتازت بعلاقات جيدة مع السعوديين ومع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشكل خاص. 

بالنسبة للأكاديميين الخليجيين فإن الرؤية الإيرانية تريد أن تستبدل التحالفات الدفاعية الدولية بتحالف دفاعي إقليمي -تمثل مبادرة هرمز لحسن روحاني (2019) واحدة من تلك المبادرات- تعني في حده الأدنى "أننا لن نعتدي على الضفّـة الأخرى، إذا تم إخراج هؤلاء من المنطقة"، أما في حدِّه الأقصى، فإنه يعني "أننا يجب أن نشكِّـل حلفا دفاعيا أو أمنيا خليجيا ضد الغرب"، وهي مسألة غير مقبولة من جانب دول الخليج[8].

4- الاتفاق النووي الإيراني: تخشى دول مجلس التعاون الخليجي حصول إيران على القنبلة النووية، لذلك ترى في اتفاق يمنعها من الحصول على القنبلة النووية نصف الطريق نحو تقليص مخاوفهم بشأن إيران. النصف الآخر متعلق بأن رفع العقوبات الاقتصادية على إيران وإعادة إدماجها في النظام الدولي يزيد من دعمها لوكلائها في المنطقة بما في ذلك الحوثيين في اليمن، الذين باتوا يهددون خارطة دول مجلس التعاون الخليجي. لذلك سعت أن يحقق الاتفاق النووي التزامات إيرانية بعدم التدخل في المنطقة ووقف دعم وكلائها. 

 لذلك خلال رئاسة باراك أوباما، تسببت المبادرات الدبلوماسية الأمريكية تجاه إيران في قدر كبير القلق لدى دول مجلس التعاون الخليجي خاصة في السعودية، مما أدى إلى سياسة سعودية خارجية أكثر استباقية سعت إلى الحد من النفوذ الإيراني في جميع أنحاء المنطقة[9]. تفاقمت المخاوف السعودية بعد توقيع الاتفاق النووي، خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في عام 2015 الذي وافق عليه الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دون تضمين المخاوف الخليجية. في عهد خليفة أوباما، دونالد ترامب المعادي لإيران بشدة، تحسنت العلاقات مع السعودية – والأمير محمد بن سلمان على وجه الخصوص - بشكل كبير، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى قرار الانسحاب من الاتفاق النووي.[10] قبل أن تأتي إدارة جو بايدن وترغب بالعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني وتوقف الدعم العسكري للسعودية في حربها ضد الحوثيين في اليمن. وأخرجت الحوثيين من قائمة الارهاب. 

 

ثانياً: المصالح الوطنية المشتركة

وسط هذه التحديات، ليس من المستغرب أن تزداد التوترات بين المملكة العربية السعودية وإيران، والتي تجلت في المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. كان لهذا الانصهار للسياسات المحلية والإقليمية تأثير كبير على العلاقات، وفتح مجالات جديدة للمنافسة وأدى إلى تصعيد التوترات بين الاثنين وتأطير العلاقات بلغة الأمن[11]. يشير بعض الخبراء إلى أن المصالح الوطنية والتهديدات المشتركة الاقتصادية قد تطغى على حقيقة المخاوف "المادية والفكرية" التي تلعب دوراً محورياً في التنافس، وأن تجزئة الخلافات في ساحات يمكن أن يدفع الرياض وطهران إلى حل. وتشير الأدبيات في العلاقات الدولية إلى أن التنافس ليس ثابتًا ولكنه يتشكل من خلال خصائص الزمان والمكان.

وكانت السنوات الأربع الماضية توقيت مناسب لبدء التقارب مع تضخم المشكلات الأمنية بين البلدين، وكانت العراق مكاناً مناسباً لتسهيل حدوث هذه المشاورات محققة خصائص الزمان والمكان. وأعلن عن تلك المشاورات في 2021م، لكن قبل ذلك كانت هناك مشاورات على المستوى الأدنى لوضع أسس الجهود الدبلوماسية والتي استغرق وقتًا طويلاً، يُعتقد أنها استغرقت أكثر من عامين[12]؛ من بينها نشر مقالات رأي رفيعة المستوى كتبها حسين موسويان وعبد العزيز صقر، اللذان يتمتعان بعلاقات مع مسؤولين بارزين في طهران والرياض على التوالي[13]

يعد استمرار الحوار بين الجانبين، لست جولات صعبة وما قبلها، إرادة جديدة وجدّية لديهما لإغلاق ملفات الخلاف والصراع التي شغلتهما واستنزفت الكثير من جهودهما ومواردهما. وما يشير إلى تحقيق تقدم في هذه المشاورات، هي تصريحات الطرفين وإعطائها المستوى الرسمي حيث تنوي الدولتان رفع التمثيل إلى مستوى وزراء الخارجية في الجولة السادسة من المشاورات، حسب تصريحات وزيري الخارجية السعودية[14] والإيرانية[15].

وهنا نطرح تساؤلاً: لماذا تحتاج السعودية وإيران إلى تقليل التوترات بينهما؟. وفقاً لأدبيات العلاقات الدولية فإن بالإمكان أن تتغير الأولويات الخاصة بالأمن القومي للدول بناءً على الظروف المحيطة بها والحاجة إلى تهدئة المخاوف إما لوجود مخاوف أعلى منها قد تكون داخلية، أو اعتبارات جديدة في السياسة الإقليمية والدولية[16]

يمكن أن نشير إلى مجموعة من المتغيّرات والمصالح المشتركة التي أدت إلى دفع الدولتين لإجراء مشاورات:-

1- المخاوف من تصعيد الصراع: مع تصاعد التوتر بين الدولتين والهجمات على السفن في الخليج العربي وبحر العرب، والوجود الإسرائيلي في دول الخليج، عادت المخاوف القديمة بشأن تصعيد الصراع والوصول إلى حرب مباشرة. ظهر ذلك في أعقاب هجمات 2019 على شركة أرامكو السعودية التي يُعتقد على نطاق واسع أن إيران نفذتها. بالنسبة للمسؤولين في السعودية، كانت الهجمات هي أحدث مثال على بيئة أمنية إقليمية غير مستقرة بشكل متزايد، مما دفع إلى اتخاذ خطوات لتخفيف التوترات. كما لاحظ أحد المسؤولين الأمريكيين، "للبدء في تخفيف حدة النزاعات المختلفة في المنطقة، فإن أحد أكبر الأشياء التي يمكنك القيام بها هو بدء حوار بين الرياض وطهران يمكن أن يخفف التوترات"[17].

 

2- الحرب الروسية-الأوكرانية: تدفع الحرب الروسية-الأوكرانية دول المنطقة لبحث إطار أمن إقليمي يبعدها عن التوترات في المحاور العالمية التي تتشكل. وعلى عكس الحرب الباردة فإن منطقة الخليج العربي تملك علاقة جيدة مع روسيا، ومع الولايات المتحدة، لكن تزايد الانقسامات الدولية في محورين يعزز المخاوف من تمحور في المنطقة يزيد من عدم استقرارها. كما أن إيران مهتمة للغاية بمنطقة آسيا الوسطى (جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة)، واحتمالات تأثر وجودها في تلك المنطقة بالحرب في ظل التمحور مع روسيا أو مع النيتو في شرق أوروبا كبيرة، لذلك قد تحاول بناء استقرار مع جيرانها العرب، للتعامل مع المخاوف القادمة من حدودها الشمالية. 

بالمثل لا ترغب السعودية في وجودها وسط حالة من الحرب الباردة، خاصة مع ضعف عربي واضح، حيث العراق وسوريا تحت السيطرة الإيرانية، ومصر ضعيفة بسبب المشكلات الداخلية. 

3- الاقتصاد كمحفز رئيسي: حفزت أزمة وباء كورونا، ورؤى الدولتين الاقتصادية، والاحساس بالحاجة إلى التحرك نحو تنويع الاقتصاد بعيداً عن الكربون إلى دفع رؤى الدولتين الطموحة إلى أعلى الأولويات. 

في أكتوبر/تشرين الأول 2018، أعلن الأمير محمد بن سلمان عن تطلعاته لمستقبل المملكة والشرق الأوسط الأوسع ليكون "أوروبا الجديدة". كان محمد بن سلمان يتحدث في مؤتمر مبادرة الاستثمار المستقبلي، وهو تجمع دولي تستضيفه الرياض سنويًا، لجذب الاستثمارات العالمية كجزء من إطاره لتنويع الاقتصاد السعودي لتنفيذ رؤية 2030. حرب اليمن تكلف السعودية مالاً وسمعة: تشير التقديرات إلى أن المملكة أنفقت حوالي 200 مليون دولار في اليوم خلال حرب اليمن، بما لا يقل عن 5-6 مليار دولار شهريًا[18]أي ما يقارب420 مليار دولار خلال السنوات السبع. وتفقد المملكة سمعتها في جذب الاستثمارات إلى المملكة ما يدفع برؤية 2030، إلى المعاناة، كما أن معظم المنشآت الصناعية والتجارية جنوبي المملكة متوقفة بسبب الحرب.

وبعد أقل من عام على الإعلان الملكي جاء هجوم (سبتمبر/أيلول 2019) تعرضت مصافي تكرير النفط في أبقيق لأضرار جراء هجوم بطائرة مسيرة وصواريخ باليستية، واحتمالية ضلوع إيران بشكل مباشر كبير، وحتى وإن كان بشكل غير مباشر عبر الحوثيين فإن ذلك يدفع المملكة لتنشيط قنوات الاتصال مع طهران حتى لا تكسر القاعدة الرئيسية بين الدولتين بعدم الدخول في معركة مباشرة؛ ودفع إيران لمحاولة تقليص هجمات الحوثيين. ففي العامين التاليين شن الحوثيون المزيد من الهجمات على السعودية كاشفين عن تهديد خطير للأمن القومي السعودي وتهديد لرؤية 2030. لذلك إذا أرادت السعودية تحقيق طموحاتها الاقتصادية الداخلية فإنها ستحتاج إلى استقرار إقليمي. 

بالمثل تملك إيران رؤية 20 عاماً (2025) والتي لها أهداف اقتصادية وسياسية[19]. وتؤثر العقوبات الدولية وحالة العزلة الإقليمية بشكل كبير على الاقتصاد الإيراني. تبنت طهران سياسة "المقاومة القصوى" لمعالجة أزمة العقوبات الدولية بالاعتماد على القدرات المحلية. لكن العقوبات في عهد دونالد ترامب ضد إيران تحت "الضغط الأقصى" كانت "أكثر العقوبات تدخلاً في التاريخ المعاصر، والتي كانت تسعى إلى تدمير اقتصادها ومجتمعها"[20]؛ وأثر فعلاً بشكل كبير في الاقتصاد الإيراني.

 ويعرف صانع القرار الإيراني أنه بحاجة ماسة لموافقة السعودية على الاتفاق النووي مع الغرب لتحسين اقتصاده، والخطاب الجيد للسعودية في باقي دول العالم الإسلامي عن إيران لتحقيق تعاون معها[21].

4-  استدارة سعودية وإيرانية: يبدو أن السعودية وإيران وجدتا أن صراعهما المُكلف في سياستهما الخارجية لن يحقق الكثير من الانتصار. فمن الواضح أن هناك "استدارة" سعودية في قراءة الملفات السياسة الخارجية، وبينما كان يجري التحضير للجولة السادسة للمشاورات مع إيران. كان الرئيس التركي في الرياض، في زيارة هي الأولى منذ سنوات وصلت فيها العلاقات إلى مستوى أدنى، بسبب موقف أنقرة من الربيع العربي وعلاقتها بالإخوان المسلمين في مصر (2013)، ووقوفها مع قطر في الأزمة الخليجية (2017-2021)، ثم تداعيات مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول (2018). 

كما قامت الرياض بتحسين علاقتها مع "باكستان" بعد برود وفتور استمر سنوات، رغم العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. خاصة بعد العزوف الباكستاني عن إرسال قوات إلى الحدود السعودية مع اليمن. كما بدأت منذ عدة سنوات في محاولة لتحسين العلاقات مع العراق والتواصل مع الجماعات الشيعية فيها. 

كما غيرت إيران وجهة نظرها بشأن أهمية الاتفاق النووي في علاقتها بالمنطقة، تعتقد طهران أن السعودية أداة أمريكية، وأن توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة يعني أنه "عندما تطبع العلاقات الأمريكية الإيرانية، ستطبع العلاقات السعودية الإيرانية". فدائماً ما شككت إيران في إمكانية تشكيل العلاقة السعودية وشبه الجزيرة العربية مع إيران بشكل مستقل عن العامل الأمريكي[22]. اثبت توقيع الاتفاق النووي (2015)، والحرب الروسية-الأوكرانية (2022) أن دول الخليج تملك سياسية أكثر استقلال عن الولايات المتحدة مما تعتقده خارجيات الدول وفي مقدمتها إيران، إذا تجاهلت الولايات المتحدة أخذ المخاوف السعودية/الخليجية بعين الاعتبار.

5- صورة قاتمة لحرب إيران بالوكالة: تدعم إيران جماعات من غير الدول في مواجهتها وبناء نفوذها، يقلل ذلك التكاليف الكبيرة على إيران إذا انخرطت بشكل مباشر. وبالإضافة إلى التكلفة الرخيصة نسبيًا (مقارنة بالصواريخ وأنظمة الأسلحة الرئيسية)، فإن شبكة الجهات الفاعلة غير الحكومية الإيرانية تسمح لها أيضًا بالدخول في صراعات خارج حدودها. كما أن الإنكار الذي يوفره استخدام القوات بالوكالة يقلل أيضًا من التكلفة السياسية لإيران[23]. ولهذه الأسباب جادل المرشد الأعلى الإيراني بأنه "لا توجد حكومة حكيمة من شأنها أن تتخلى عن العمق الاستراتيجي و "الدفاع عن بعد" عن إيران عبر التحالف مع الجهات الفاعلة من غير الدول"[24].

ومع ذلك، على المدى الطويل، إذا استمرت التدخلات الإيرانية على نفس المنوال، فمن الطبيعي أن تصطدم في وقت ما في المستقبل بجدار يتعارض ومصالحها. لذلك من مصلحة إيران ألا تعتمد بشكل كبير على شبكة نفوذها إذا كانت تخطط للبقاء قوة إقليمية لفترة أطول، فتكاليف وعواقب استخدام إيران للاعبين الإقليميين من غير الدول ليست مستدامة. فمن المحتمل أن تنتقل هذه الدول إلى حكومات مستقرة وستكون المجموعات داخلها مدفوعة في المقام الأول بمصالحها الخاصة لا مصالح إيران. علاوة على ذلك، في حين أن مناطق الصراع والدول الفاشلة توفر أرضًا خصبة لإيران لإنشاء موطئ قدم، فإن مثل هذه البيئات تخلق أيضًا أرضًا خصبة للجماعات الإرهابية -مثل تنظيم الدولة "داعش"- التي يمكن أن تشكل تهديدًا خطيرًا لإيران نفسها. لذلك، سيكون من قصر النظر أن تعتقد إيران أن شبكتها هي بديل مناسب لترتيب أمني إقليمي مع السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي[25].

على عكس إيران، تحاول السعودية أن تكون علاقتها بالدول أولاً وبدرجة أقل بالجماعات المحلية، إذا ما استثنينا الحالة السورية وتعقيداتها.

6- النفط: عندما يتعلق الأمر بالموارد الطبيعية، يعتبر النفط مثالًا رائعًا لدراسة كيفية تحقيق إمكانات هائلة من خلال المصالحة. بدلاً من ذلك، تستخدم السعودية وإيران النفط كأداة في الصراع. يمثل البلدان أكثر من الثلث (35.5 في المائة وفقًا لمنظمة أوبك) من احتياطيات العالم المؤكدة من النفط. ليس هناك شك في أن التنافس قد أثر سلبًا على أسعار النفط بسبب الأضرار التي لحقت بمنشأة بقيق وطرق الإمداد غير المستقرة عبر الخليج العربي. بالنظر إلى دور النفط في كلا الاقتصادين، فإن خلق بيئة أكثر استقرارًا لتأمين الأسعار سيكون له تأثير كبير على كلا الدولتين وتنميتهما الاجتماعية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تظهر مجموعة من الأنشطة الأخرى، بما في ذلك السياحة، وهي مبدأ مركزي في رؤية 2030 يمكن أن يفيد كلتا الدولتين[26].

وبالتزامن مع الحرب الروسية في أوكرانيا، يشجع إثبات أن النفط ما يزال سلاح قوة في المستقبل القريب، التواصل بين البلدين. حيث أن السيطرة على سوق النفط بدلاً من التنافس يؤثر لصالح مصلحة دول المنطقة. وترغب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في العودة إلى الاتفاق النووي لتزيد إيران من تصدير النفط بما يسهم في خفض الأسعار؛ وهو ما سيؤثر سلباً على كِلتا الدولتين، وباقي الدول المصدرة للنفط.

7- تعاقب الأجيال في المجتمع: وهو أمر يغفل عنه الباحثون في شؤون المنطقة؛ بدأت السعودية وإيران في بناء هويتهما الدينية في السياسة الخارجية في الثمانينات، منذ ذلك الحين نشأ أكثر من جيل. في جيل الشباب الحالي بين (15-30 عاماً) لا يتذكرون المنطلقات التي بدأت فيها تلك الإشكاليات من بينهم الأمير محمد بن سلمان (38 عاماً). لذلك سعت السعودية إلى إصلاحات تواكب حالة الانفتاح الاجتماعي وتنفيذ رؤية 2030. وأدى صعود الأمير محمد بن سلمان، إلى تجاوز الخطاب القومي السعودي الخلافات الطائفية لتوحيد الأمة تحت الراية السعودية. ويمكن ملاحظة ذلك أيضًا في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية التي شهدتها المناطق المأهولة بالشيعة منذ عام2015 [27]. كما يظهر ذلك بوعد ولي العهد السعودي بتنقية التراث الإسلامي[28]

تمرّ إيران بذات المسار، فلم تعد "الشيعية" تمثل أهمية لدى الكثير من الشباب الإيراني، ويرون أن النظام السياسي في البلاد فاسد يجب أن يصلح نفسه أو يتم استبداله[29]. لا يعرف هؤلاء السبب الذي قامت من أجله الثورة الخمينية والدوافع لقيام نظام الولي الفقيه وتصدير الثورة، ما يريد الجيل الجديد، وظائف، ومنزل، وتأمين لمستقبله، وإنهاء القوانين الرجعية التي تقيّد حريته وحقوقه[30].

ما يؤيد ذلك اندلاع تظاهرات في معظم المحافظات الإيرانية الثلاثين، في سبتمبر/أيلول2022، عقب مقتل الشابة الإيرانية من أصل كردي مهسا أميني (22 عاماً) بعد تعرضها للضرب المبرح أثناء احتجازها واعتقالها من قِبل شرطة الأخلاق بسبب عدم ارتدائها للحجاب على «الطريقة الإسلامية الصحيحة». قوبلت هذه الاحتجاجات بقمع واعتقال طال المتظاهرين، لكن حدة التظاهرات ارتفعت حينما أقدمت عددٌ من الإيرانيات على خلع حجابهن وحرقه تضامناً مع ما جرى ل"أميني". اللافت إلى أن التظاهرات توسعت ليخرج الرجال والشباب وتهتف ب"الموت للدكتاتور" في إشارة إلى المرشد "خامنئي"، و"خامنئي قاتل وحكومته باطلة"، كما توسعت المطالب لتدعو لإضراب عام في كل طهران ووقف التعليم؛ وقتل العشرات واعتقل أكثر من 1200 في ال19يوماً الأولى من التظاهرات.

 وكانت تظاهرات ضد التردي الاقتصادي والفساد قد استمرت عدة أشهر نهاية 2017 وبداية 2018، وأخرى بين 2019-2021، والتي تطالب بمعالجة مشكلات الفقر، والاقتصاد، والفساد الاقتصادي، وتنادي خصوصًا برفع مستوى الأجور، والمعاشات التقاعدية. ووعدت الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية أكثر من مرة حلها[31]. تعزز هذه الاحتجاجات دفع النظام الإيراني للتفاوض أسرع مع السعودية من أجل كسر العزلة الاقتصادية الإقليمية والإسلامية التي يعاني منها النظام؛ ومع استمرار تعثر عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي فإن النظام بحاجة للمفاوضات مع السعودية للتخفيف من حدة العقوبات المستمرة عليه.

 

ثالثاً: مرتكزات تحقيق نجاح في المشاورات الإيرانية- السعودية 

إن الوصول إلى تحقيق المصالح المشتركة بين البلدين، مرتبط بمرتكزات رئيسية لخفض الاحتقان وتهدئة المخاوف بين الدولتين التي ذكرتها العوامل الهيكلية المؤثرة في العلاقات الدولية بين السعودية وإيران، نشير إلى أبرز ثلاث مرتكزات إجرائية لتحقيق تقدم في المشاورات بين الدولتين.

1-إزالة الأمننة(Securitization[32]: من الأمور المركزية لتحسين العلاقات بين السعودية وإيران، الحاجة إلى تحويل الخطاب حول التنافس من التنافس الأمني ​​إلى خطاب مبني على أشكال سياسية أقل عدائية، والتي يشير إليها الخبراء أنها عملية إزالة الأمننة، أي “العمل على التحرر من التهديد” ولا يعني ذلك نهاية التهديد أو تحييده كلياً.  وأظهرت الأدبيات حول "إلغاء التوريق"[33] الطرق التي يتم بها بناء الأمن بين الدول وانعكاساتها على السياسة. وهناك ثلاثة أشكال من إلغاء التوريق: الأول هو عدم الحديث عن قضية ما باعتبارها تهديدًا؛ والثاني هو إدارة عملية التوريق لتجنب حدوث دوامة ردود فعل، وثالثاً، إعادة القضية التي تم إضفاء الطابع الأمني عليها سابقاً إلى عالم السياسة العادية. يخفف ذلك من ضغط توتر المعضلة الأمنية التي جرى تضخيمها خلال السنوات الست الماضية.

ويبدو أن خطاب النُخب منذ الإعلان عن بدء المشاورات أقل عدائية من ذي قبل، والذي يأتي بناءً على حاجة كلتا الدولتين إلى الاستقرار الإقليمي والتماسك المحلي لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وقال ولي العهد السعودي إن حكومته تسعى لإقامة “علاقات حسنة” مع إيران و”إننا نعمل مع شركائنا في المنطقة للتغلب على خلافاتنا مع إيران”[34]. وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي: "إن حضور إيران الفاعل في المحادثات الثنائية مع السعودية، التي تستضيفها العراق، ينطلق من استراتيجية الجمهورية المبدئية في مجال التعاون والصداقة مع جيرانها"[35].

2-  اليمن كأساس لتجزئة الملفات: إن تجزئة الملفات السعودية-الإيرانية مهم في الانتقال إلى تحسين للعلاقات وتحقيق إطار أمن إقليمي. ومن أجل بناء الثقة وتهدئة التوترات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من الضروري حل حرب اليمن، إذ يمكن القول إن الحرب اليمنية التحدي الإيراني الأكثر مباشرة لمصالح السعودية منذ عقود. إذ تعتبر السعودية الحوثيين تهديد وجودي لها وتضاعف هذا التهديد بسبب الأسلحة التي تزودهم إيران، وبقاءهم جماعة مسلحة على حدودها تدين بالولاء لإيران. وتعتبر الهدنة التي بدأت في ابريل/نيسان 2022 أساساً يمكن من خلاله أن تدعم الدولتين إنهاء الحرب بما يحقق وجود دولة يمنية موحدة وذات سيادة. 

لكن مخاوف اليمنيين من أن تدعم السعودية بقاء الحوثيين كقوة مؤثرة ومعطلة في مرحلة انتقالية مقابل تأمين حدودها بشرط وقف تواصلهم مع الإيرانيين، وهي معضلة بحد ذاتها إذ من الصعب إيجاد أداة قياس لابتعاد الحوثيين عن إيران. ومنهجية "الثورة الإيرانية" مع انخراطهم في ما يسمى "محور المقاومة" وحجم الوجود الإيراني وحزب الله وتأثيره في الجماعة المسلحة. يسمح ذلك للانتقال إلى عودة العلاقات الدبلوماسية والسفارات بين البلدين، وتنازلات سعودية في العراق أو دعم مشاريع تنموية اقتصادية في بغداد التي تعتبر إيران الوجود فيها أهمية لأمنها القومي. ودعم عودة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية.

كما أن الاتفاق الإيراني/السعودي بشأن اليمن لن يعني إنهاء الحرب في اليمن، أو إنهاء المعضلة الداخلية اليمنية التي تصاعدت مع سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على العاصمة صنعاء في (سبتمبر/أيلول2014)، وتدخل تحالف تقوده الرياض في مارس/آذار2015م؛ كما لا يعني أن يصب هذا الاتفاق لصالح حلفاء المملكة العربية السعودية (الحكومة المعترف بها دولياً)، لكنه بكل تأكيد سيصب في مصلحة الحوثيين الذين ترى إيران أهمية وجودهم قرب مضيق باب المندب كجزء من هيمنة أوسع على المنطقة حتى وإن دخلت الجماعة في حالة ركود لفترة من الوقت؛ فما تزال السياسة الخارجية الإيرانية قائمة على "تصدير الثورة" ولم يتغيّر ذلك بَعد في الدستور.

3- التعاون الاقتصادي: يوفر زيادة التجارة بين البلدين وسيلة سهلة لتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية، تملك السعودية رؤية طموحة للسياحة والتعاون التجاري، إيران أمة من 100 مليون نسمة عانت من عقوبات منذ عقود وستكون بحاجة إلى تعاون اقتصادي، وتواصل مع السعودية. بالمثل بالنسبة للسعوديين فيما يتعلق بإيران. 

 

خاتمة:

توجد معضلة إيرانية دائمة تفسد التوافقات إذ أن هذه المسارات إضافة إلى مسارات أخرى متعلقة بالطاقة والتعاون في مجالات النفط والسياحة. تصطدم بأمر واحد وهو النظام القائم في إيران، الذي يقوم على "تصدير الثورة"، ويريد من الخليج، أن يكون جزءاً من تغييره الثوري، وجزء من مواجهته مع الغرب. 

كما أن تجربة السعودية مع الاتفاقات الإيرانية مؤلمة، في عام 2001، وقعت طهران والرياض اتفاقية تعاون أمني، قالت الصحافة السعودية في ذلك الوقت إنه نهاية لفترة طويلة وعقيمة من الخلافات[36]. ويعود التوقيع إلى الحاجة الإقليمية مع الحرب الأمريكية على الإرهاب ومخاوف تضرر المنطقة. لكن هذا الاتفاق لم يستمر طويلاً، اغتنم المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي والمسؤولين الذين على عاتقهم تصدير الثورة الغزو الأمريكي للعراق (2003) لتجديد حملتهم للسيطرة الشيعية. إذ رأت طهران إلى الحرب على أنها فرصة لإعادة التواصل مع الشيعة العراقيين. واستبعاد رؤية محمد خاتمي الرئيس الإيراني الذي قاد الجهود في ذلك الوقت للتصالح مع دول مجلس التعاون الخليجي.

 الأمر ذاته استمر حتى اليوم فالحرس الثوري الإيراني وفيلق قدس هما من يديران الميليشيات في المنطقة ولا يأتمران بأوامر الحكومة الوطنية في طهران. إذ كان تحسين العلاقات الخارجية مع العالم العربي على رأس أجندة حسن روحاني، لكنه تعرض لانتقادات من خصوم محافظين عازمين على تقويضه. والأكثر ضرراً هو المشاركة المتزايدة للحرس الثوري الإيراني في الحرب اليمنية، التي أحبط محاولة حكومة روحاني التواصل مع السعودية. واعتبر قاسم سليماني اليمن ذات أهمية استراتيجية، لأسباب ليس أقلها دعم آية الله خامنئي لخطة 20 عاما للبحرية. التي تهدف إلى إعاقة الجهود الأمريكية لتسيير دوريات في البحار[37]، والسعودية جزء كبير من تلك الرؤية. وإذا لم تتخلى إيران عن تصدير الثورة فإن الإشكاليات ستستمر وإن هدأت المعضلة الأمنية وقت من الزمن نتيجة اتفاقات فإنها ستعود من جديد، ما يجعل الوصول إلى نظام أمني إقليمي جديد صعباً في الوقت القريب. 

 

مراجع:

[1] Binhuwaidin, Mohamed, The Security Dilemma in Saudi- Iranian Relations (2015) Review of History and Political Science (RHPS), December 2015, Vol. 3, No. 2, pp. 69-79 
http://rhpsnet.com/vol-3-no-2-december-2015-rhps

 

[2] Simon Mabon, Samira Nasirzadeh & Eyad Alrefai, De-securitisation and Pragmatism in the Persian Gulf: The Future of Saudi-Iranian Relations,(2021) The International Spectator, Volume 56, 2021 - Issue 4, P 66–83

[3] برقيات ويكليكس  SAUDI KING ABDULLAH AND SENIOR PRINCES ON SAUDI POLICY TOWARD IRAQ

شوهدت في 22/6/2022 على الرابط: https://wikileaks.org/plusd/cables/08RIYADH649_a.html

[5] المرهون عبدالجليل، اتجاهات الردع في الخليج، مجلة سياسات عربية، العدد 22 أيلول/سبتمبر2016 ص30-41 

[6] J.J. Mearsheimer, ‘The False Promise of International Institutions,’ International Security 19:1(1994), pp. 11-12; J. J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (New York: Norton, 2001), pp. 1-3.

[7] عبدالسلام، محمد، أمن الخليج بين رؤية إيرانية وتصورات عربية وتحالفات دولية، نشر (swissinfo.ch)-2008-

وشوهد في 22/6/2022 على الرابط: https://tinyurl.com/26ow76xj

[8] عبدالسلام، محمد (مصدر سابق)

[9]Mabon, Simon, Muting the trumpets of sabotage: Saudi Arabia, the US and the quest to securitize Iran (2016) British Journal of Middle Eastern Studies 45(5):1-18 https://doi.org/10.1080/00396338.2018.1448579

[10] Simon Mabon, Samira Nasirzadeh & Eyad Alrefai,(2021) مصدر سابق

[11]Simon Mabon, Samira Nasirzadeh & Eyad Alrefai, (2021)

[12] Ibish, Hussein, Saudi Arabia’s New Dialogue With Iran was Long in the Making, 4/5/2021, Accessed, 25/6/2022  https://agsiw.org/saudi-arabias-new-dialogue-with-iran-was-long-in-the-making/

[13] كتب عبدالعزيز صقر وحسين موسيان مشتركين مقالتين الأولى في صحيفة نيويورك تايمز في 14 مايو/أيار2019، والثانية في صحيفة الجارديان في 31 يناير/كانون الثاني2021،

https://www.nytimes.com/2019/05/14/opinion/saudi-arabia-iran.html

https://www.theguardian.com/commentisfree/2021/jan/31/iran-saudi-arabia-joe-biden-cooperation

[14] یک مقام عربستانی احتمال دیدار وزرای خارجه ایران و عربستان در آینده نزدیک را رد کرد (راديو فردا) نشر في 27/5/2022 وشوهد في 25/6/2022 على الرابط: https://www.radiofarda.com/a/no-saudi-iranian-foreign-ministers-meeting-in-foreseeable-future--saudi-official/31870432.html

[15] جزییات پیشرفت مذاکرات ایران و عربستان (دنياى اقتصاد) نشر في 26/5/2022 وشوهد في 25/6/2022 على الرابط: https://tinyurl.com/29tk6sr7

[16] J.J. Mearsheimer/مصدر سابق

[17] Simon Mabon, Samira Nasirzadeh & Eyad Alrefai< مصدر سابق

[18] Riedel, B. (2017), ‘In Yemen, Iran outsmarts Saudi Arabia again’, Brookings Markaz blog, 6 December 2017, https://www.brookings.edu/blog/markaz/2017/12/06/in-yemen-iran-outsmarts-saudi-arabia-again (accessed 1 Dec. 2020)

[19] چشم انداز جمهوري اسلامي ايران در افق 1404 هجري شمسي 

http://www.yu.ac.ir/uploads/Sanad%20Cheshmandaz_971.pdf

[20] Nuruzzaman, Mohammed. (2020). President Trump’s ‘Maximum Pressure’ Campaign and Iran’s Endgame. Strategic Analysis  (6): 570–82.

[21] Nasirzadeh, Samira, and Alrefai, Eyad . Saudi and Iran: How Our Two Countries Could Make Peace and Bring Stability to the Middle East. The Conversation, 14/6/2019. Accessed, 25/6/2022 https://theconversation.com/saudi-and-iran-how-our-two-countries-could-make-peace-and-bring-stability-to-the-middle-east-118696.

[22] Keynoush, Banafsheh, Saudi Arabia and Iran, Friends or Foes? ( palgrave, 2016) pp15

[23] Rouhi, Mahsa, Responding to US-Iran Military Escalation, (2021) Book: STEPPING AWAY FROM THE ABYSS: A Gradual Approach Towards a New Security System in the Persian Gulf PP 106-122 

[24] 31        Khamenei.ir , “Imam Khamenei sets 7 conditions for Europe to prevent breaching of their commitment.” 23/5/2018. https://tinyurl.com/299bbapj

[25] Rouhi, Mahsa, مصدر سابق

[26] Simon Mabon, Samira Nasirzadeh & Eyad Alrefai (2021) مصدر سابق

[27] آل ربح، عبدالله, العوامية، ما وراء مشروع وسط البلد (معهد الخليج العربية في واشنطن) نشر في 30/12/2019 وشوهد في 25/6/2022 على الرابط: https://agsiw.org/ar/awamiya-beyond-downtown-arabic/

[28] Inside the Palace With Mohammed bin Salman - The Atlantic, Publication Date 3-3-2022 /See 28/9/2022:  https://is.gd/ZZZtpZ

[29] تصريحات فايزة رفسنجاني في 27/9/2022، حسب مقطع صوتي نشر على الانترنت، تؤيد التظاهرات النسائية وشوهد في 28/9/2022: فائزه هاشمی: اغتشاش خواندن اعتراض‌ها، بهانه‌ای برای سرکوب است

https://www.radiofarda.com/a/32048206.html

[30] يمكن الاطلاع على تفاصيل التباين وعلاقته بالسياسة في كتاب فاطمة الصمادي: التيارات السياسية في إيران (2012) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

[31] دولت، مجلس و قوه قضاییه مصمم به پیگیری مطالبات مردم برای حل مشکلات آنها هستند

isna.ir/xd2pxF

[32] Simon Mabon, Samira Nasirzadeh & Eyad Alrefai (2021)

[33] التوريق في علاقات دولية هي عملية قيام الجهات الفاعلة تحويل الموضوعات إلى مسائل "الأمان": نسخة متطرفة من التسييس تتيح استخدام وسائل غير عادية باسم الأمن. لا تمثل القضايا التي يتم توريقها بالضرورة قضايا ضرورية للبقاء الموضوعي للدولة، ولكنها تمثل قضايا نجح فيها شخص ما في تحويل قضية ما إلى مشكلة وجودية.

يمكن الاطلاع على:Buzan, Barry, Wæver, Ole, and De Wilde, Jaap. 1998. Security: A New Framework for Analysis. Boulder, CO: Lynne Rienner Pub.

[34] Robert Tollast & Mina Aldroubi, Prince Mohammed bin Salman says peace with Iran is possible if Tehran stops backing regional militias, 28/4/2021, Accessed, 22/6/2022 https://tinyurl.com/27ucr2np

[35] روایت شمخانی از دلیل حضور ایران در گفتگو‌های دوجانبه با عربستان سعودی (جام جم آنلاين) نشر في 5/5/2022 وشوهد في 22/6/2022 على الرابط: https://tinyurl.com/2btm9a3a

[36]Al-Maeena, Khaled, Kingdom, Iran Sign Historic Agreement/ Arab News /Publication Date: 2001-04-18 /See 7/8/2022: https://www.arabnews.com/node/211187

[37] F. Rezaei, Iran’s Foreign Policy After the Nuclear Agreement, (Middle East Today, 2019),pp21-32



Read Also


Comments

Add Comment