ما بعد هادي: اختبار الدولة في عدن وفرصة بناء الثقة

الإنذار المبكر والمؤشرات الاستراتيجية | 3 يونيو 2026 07:52
ما بعد هادي: اختبار الدولة في عدن وفرصة بناء الثقة

 

 


الخلاصة لصانع القرار:

ما بعد هادي ليس مجرد انتقال رمزي في الذاكرة السياسية اليمنية، بل اختبار لقدرة الدولة على إنتاج ثقة جديدة: ثقة في الأمن، وثقة في العدالة، وثقة في الشراكة، وثقة في أن الوحدة يمكن أن تتحول من ذكرى وطنية إلى مشروع دولة عادلة وقادرة.


المنهجية وآلية التحليل

يعتمد مرصد أبعاد للإنذار المبكر والمؤشرات الاستراتيجية على منهجية رصد وتحليل متعددة المراحل، تهدف إلى تحويل المواد الخام، والأخبار، والتقارير، والبيانات المتفرقة إلى مؤشرات قابلة للفهم والقياس والتقدير، بما يساعد صُنّاع القرار والباحثين والجهات المعنية على قراءة التحولات الجارية في اليمن واستشراف اتجاهاتها المحتملة.

تقوم المنهجية على جمع المواد المرصودة من المصادر الإعلامية، والبيانات الرسمية، والتقارير المحلية والدولية، ومخرجات المنظمات، وما يتاح من مؤشرات ميدانية، ثم تصنيفها ضمن مسارات رئيسية تشمل: المؤشرات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، العسكرية، الأمنية، الحقوقية، والإنسانية.

وبعد التصنيف، يجري تحليل المواد وفق أربعة مستويات رئيسية: كثافة الحدث، اتجاه المؤشر، مستوى التأثير، ودلالة الإنذار المبكر. ولا يتعامل المرصد مع الأخبار بوصفها وقائع منفصلة، بل بوصفها إشارات قد تكشف عن اتجاهات أوسع، أو مخاطر صاعدة، أو فرص قابلة للاستثمار.

ويستخدم مرصد أبعاد للإنذار المبكر والمؤشرات الاستراتيجية أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في معالجة المعلومات الخام، وفرز المواد، واكتشاف الأنماط المتكررة، وتصنيف المؤشرات، وتوليد قراءات أولية تساعد فريق التحليل على بناء تقدير موقف أكثر سرعة وتنظيمًا.

ولا يُستخدم الذكاء الاصطناعي كبديل عن التقدير البشري أو المسؤولية التحريرية، بل كأداة مساعدة ضمن عملية بحثية وتحليلية يشرف عليها فريق المرصد. وتخضع المخرجات للمراجعة البشرية، والتحقق من الاتساق، وإعادة الصياغة التحريرية، وتقدير الدلالات السياسية والاستراتيجية قبل اعتمادها في النسخة النهائية.


ملاحظة تحريرية ثابتة

لا يهدف هذا التقرير إلى تقديم أرشيف خبري شهري، ولا إلى إعادة سرد جميع الوقائع بحسب تسلسلها الزمني، بل إلى بناء قراءة تحليلية موجّهة لصانع القرار. لذلك تُرتّب القضايا في هذا التقرير بحسب مستوى التأثير والدلالة الاستراتيجية، لا بحسب تاريخ ورودها فقط.

وعليه، فإن بعض الأحداث التي تبدو محدودة في حجمها الإخباري قد تُمنح أهمية تحليلية أكبر إذا كانت متصلة بمستقبل الدولة، أو احتكار القوة، أو وحدة القرار الأمني، أو مسار التسوية، أو الوضع الحقوقي والإنساني.


أولًا: الخلاصة التنفيذية

كشف رصد مايو 2026 عن شهر انتقالي في المشهد اليمني، تداخلت فيه رمزية رحيل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي مع استمرار اختبار حضور الدولة في عدن، وتقدم ملف تبادل المحتجزين، وتصاعد الضغط الأمني المرتبط بملف الاغتيالات، واتساع الحاجة إلى بناء ثقة سياسية وأمنية وإنسانية.

العنوان الأبرز لهذا الشهر هو أن اليمن يقف أمام لحظة ما بعد هادي، لا بمعنى تغيير مباشر في البنية السياسية القائمة، بل بمعنى إعادة تقييم مرحلة كاملة من تاريخ الدولة اليمنية خلال الحرب، وطرح سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع المؤسسات الحالية تجاوز إرث الانقسام، وتثبيت الدولة، وبناء نموذج حكم أكثر قدرة على إدارة عدن، وتوحيد القرار العسكري والأمني، واستعادة الثقة الشعبية؟

سياسيًا، حضر ملف الوحدة اليمنية بقوة في مايو، بالتزامن مع الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة، وما رافقها من مواقف محلية ودولية تؤكد وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه. كما برزت العلاقات اليمنية السعودية بوصفها شراكة استراتيجية أوسع، تتجاوز الدعم السياسي والعسكري إلى دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتعافي الاقتصادي، والاستقرار الخدمي والتنموي.

أمنيًا، بقيت عدن في قلب مؤشر الخطر، خصوصًا بعد استمرار تداعيات اغتيال وسام قائد وعبدالرحمن الشاعر، وإعلان وزير الداخلية إحباط مخطط اغتيالات مدعوم خارجيًا، وكشف خيوط خلايا منظمة. وهذا يعني أن معركة تثبيت الدولة في عدن لم تعد معركة حضور سياسي فقط، بل معركة أمن داخلي، وعدالة، ومحاسبة، وتجفيف لشبكات العنف.

إنسانيًا، مثّل اتفاق تبادل المحتجزين، المعلن عنه في الأردن، أهم مؤشر إيجابي خلال الشهر. فقد جرى الحديث عن الإفراج عن أكثر من 1700 محتجز وأسير، وتشكيل لجنة لكشف مصير السياسي محمد قحطان، مع ترحيب عربي ودولي وأممي واسع. غير أن تنفيذ الاتفاق بقي مشروطًا بالتحقق من مصير قحطان، وبمدى التزام الأطراف بتحويل الاتفاق من إعلان سياسي إلى خطوة عملية لبناء الثقة.

اقتصاديًا، ظل الحضور محدودًا، لكنه حمل دلالتين مهمتين: الحاجة إلى استئناف تصدير النفط والغاز كمدخل للتعافي، وخطورة الإجراءات المالية الحوثية ضد المنظمات الإنسانية، كما ظهر في تجميد أرصدة منظمة إنسانية دولية في بنوك صنعاء.


ثانيًا: مؤشر الخطر العام

مستوى الخطر العام: برتقالي / مرتفع قابل للتصاعد

يرتفع مؤشر الخطر في مايو بسبب أربعة عوامل رئيسية.

أولًا، استمرار هشاشة عدن أمنيًا، رغم الخطاب الحكومي المؤكد على أن الإرهاب والفوضى لن ينجحا في إضعاف حضور الدولة. فقضية الاغتيالات لم تعد حوادث متفرقة، بل مؤشر على وجود شبكات منظمة تحاول إرباك مؤسسات الدولة واستهداف شخصيات عامة وتنموية وسياسية.

ثانيًا، أن ملف الوحدة والدولة عاد بقوة إلى الواجهة، ليس بوصفه احتفالًا وطنيًا فقط، بل بوصفه قضية بقاء سياسي. فالكثير من المواقف في مايو ربطت بين حماية الوحدة، واستعادة الدولة، ومنع مشاريع التشظي والطائفية والمناطقية.

ثالثًا، أن اتفاق تبادل المحتجزين يمثل فرصة كبيرة، لكنه يحمل خطر الفشل إذا لم يُنفذ أو إذا بقي مصير محمد قحطان غامضًا. ففشل الاتفاق سيؤثر سلبًا على الثقة الإنسانية والسياسية، وسيعمق الشك في جدية الأطراف.

رابعًا، أن الاقتصاد بقي الحلقة الأضعف. فالدعوة إلى استئناف تصدير النفط والغاز تكشف أن الحكومة لا تزال بحاجة إلى موارد سيادية حقيقية، بينما الإجراءات الحوثية ضد المنظمات الإنسانية تظهر استخدام الأدوات المالية كوسيلة ضغط وسيطرة.

الخطر في مايو ليس انفجارًا عسكريًا واسعًا، بل خطر تعثر بناء الثقة: ثقة المواطن بالدولة، وثقة الأطراف بملف المحتجزين، وثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على ضبط عدن، وثقة الداخل بأن الوحدة يمكن أن تتحول إلى مشروع دولة لا مجرد ذكرى سياسية.


ثالثًا: التحولات الرئيسية في مايو

1. التحول السياسي: رحيل هادي وإعادة تقييم مرحلة الدولة في الحرب

أعاد رحيل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي فتح النقاش حول عقد كامل من التحولات اليمنية، منذ المرحلة الانتقالية، مرورًا بالحرب، وانتهاءً بنقل الصلاحيات إلى مجلس القيادة الرئاسي. وقد جاءت بيانات النعي والإشادات بمواقفه تجاه الوحدة واليمن الاتحادي لتؤكد أن رمزية هادي لا ترتبط بشخصه فقط، بل بمرحلة كاملة من الصراع على الدولة والشرعية والوحدة.

الدلالة السياسية أن اليمن دخل مرحلة ما بعد هادي دون تغيير دستوري مباشر، لكنه دخل أيضًا مرحلة مراجعة رمزية وسياسية. فالسؤال لم يعد فقط عن تقييم دور الرئيس السابق، بل عن قدرة مجلس القيادة والحكومة على إنتاج شرعية أداء تتجاوز شرعية المرحلة الانتقالية والشرعية الرمزية.

كما برزت ذكرى الوحدة اليمنية بوصفها منصة سياسية لإعادة تأكيد أن استعادة الدولة هي المدخل العملي لحماية الوحدة. وقد ظهر هذا المعنى في خطابات ومواقف متعددة أكدت أن غياب الدولة هو الخطر الأكبر على الوحدة والجمهورية، وأن الحفاظ على الوحدة لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء مؤسسات عادلة وقادرة.

لصانع القرار، تعني هذه التحولات أن مشروع الدولة بحاجة إلى خطاب جديد لا يكتفي بالدفاع عن الوحدة، بل يربطها بالخدمات، والأمن، والعدالة، والشراكة، وحل القضية الجنوبية عبر الحوار.


2. التحول الدبلوماسي والإقليمي: شراكة سعودية أوسع وحضور خارجي متحرك

شهد مايو حضورًا لافتًا للعلاقات اليمنية السعودية، إذ أكد الرئيس العليمي انتقالها إلى مرحلة شراكة استراتيجية أوسع تشمل دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتعافي، والاستقرار، والقدرات الاقتصادية والخدمية والتنموية. وهذا يعني أن الدور السعودي لم يعد يقتصر على إدارة الأزمة أو الدعم الأمني، بل يتجه نحو هندسة مسار طويل لإعادة بناء الدولة.

كما حضرت مصر بقوة عبر الحوار الاستراتيجي اليمني المصري، ورفض عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، والتأكيد على دعم وحدة اليمن. وهذا يعطي الملف اليمني بعدًا عربيًا يتصل بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وبمنع أي ترتيبات تتجاوز الدول المطلة عليه.

في الوقت ذاته، شهد الشهر نشاطًا دبلوماسيًا يمنيًا في واشنطن من خلال تسليم السفيرة جميلة رجاء أوراق اعتمادها، ومواقف أمريكية وأوروبية داعمة لوحدة اليمن والحكومة. كما برز التنسيق مع جيبوتي والصومال في مواجهة التحديات الأمنية.

الدلالة أن اليمن يمتلك فرصة لإعادة بناء حضوره الدبلوماسي، إذا استطاع تحويل هذه التحركات إلى ملفات عملية: دعم الدولة، أمن البحر الأحمر، استئناف الصادرات، مكافحة التهريب، حماية الموانئ، وبناء شراكات أمنية واقتصادية.


3. التحول الأمني والعسكري: عدن بين كشف الخلايا وتحدي العدالة

كان الملف الأمني في مايو حاضرًا بقوة، خصوصًا في عدن. فقد تكرر الحديث عن اغتيال وسام قائد وعبدالرحمن الشاعر، وإدانة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والسفيرة البريطانية واليونسكو لهذه الجرائم، باعتبارها استهدافًا لمؤسسات الدولة والعمل الإنساني والتنموي.

الأكثر أهمية أن وزير الداخلية أعلن إحباط مخطط اغتيالات واسع مدعوم خارجيًا في عدن، وأن التحقيقات كشفت ارتباط خلايا الاغتيالات بجهات خارجية. كما كشفت التحقيقات الأولية في اغتيال عبدالرحمن الشاعر عن متهمين وخيوط خلية منظمة.

هذا التحول يعني أن ملف الاغتيالات لم يعد مجرد ملف جنائي، بل أصبح ملف أمن قومي داخلي. فالاغتيالات تستهدف الرموز المدنية، والشخصيات التنموية، والقيادات السياسية، وتضرب ثقة المجتمع بقدرة الدولة على الحماية والمحاسبة.

كما واصل الجيش ووزارة الدفاع خطوات مرتبطة برفع الجاهزية، وتوحيد القرار العسكري، واستلام معسكر بدر ضمن خطة إخراج المعسكرات من عدن، وتطوير قدرات القوات المسلحة، ومكافحة الإرهاب، وتأمين الملاحة البحرية.

الدلالة الاستراتيجية أن الدولة أمام فرصة لإعادة بناء الردع الأمني في عدن، لكنها لن تنجح ما لم تتحول التحقيقات إلى محاكمات، وتتحول التصريحات إلى نتائج معلنة، وتتحول عملية إخراج المعسكرات وتوحيد القوات إلى واقع مؤسسي مستقر.


4. التحول الإنساني والحقوقي: صفقة المحتجزين وفرصة بناء الثقة

مثّل ملف المحتجزين أبرز تحول إنساني وحقوقي في مايو. فقد أعلن الوفد الحكومي من الأردن اتفاقًا للإفراج عن أكثر من 1700 محتجز وأسير، ضمن صفقة وُصفت بأنها الأكبر منذ بداية الحرب، مع ترحيب عربي ودولي وأممي واسع.

لكن أهمية الاتفاق لا تتعلق بالعدد فقط، بل بدلالته السياسية والإنسانية. فهو يفتح نافذة لبناء الثقة بين الأطراف، ويمثل اختبارًا لقدرة الأمم المتحدة والرعاة الإقليميين والدوليين على تحويل الاتفاقات الإنسانية إلى خطوات تنفيذية.

غير أن ملف السياسي محمد قحطان بقي في قلب الاختبار. فقد أكد الرئيس العليمي والوفد الحكومي أن قضيته أولوية قصوى، وأن تنفيذ صفقة التبادل مرتبط بالكشف عن مصيره. وهذا يعني أن قحطان لم يعد حالة فردية فقط، بل أصبح رمزًا لاختبار جدية الحوثيين في التعامل مع ملف المختطفين والمخفيين قسرًا.

كما استمر ملف حرية الصحافة في الواجهة، مع تراجع اليمن إلى المرتبة 164 في مؤشر حرية الصحافة، والتحذير من انهيار بيئة العمل الإعلامي، والدعوات الأوروبية والدولية لحماية الصحفيين والإفراج عن المحتجزين منهم.

الدلالة أن مايو حمل فرصة إنسانية حقيقية، لكنها مشروطة بالتنفيذ. فإذا نجحت صفقة التبادل وكُشف مصير قحطان، يمكن أن يتحول الملف إلى بوابة ثقة. وإذا تعثر التنفيذ، فسيصبح الملف دليلًا جديدًا على عجز المسار الإنساني عن اختراق بنية الصراع.


5. التحول الاقتصادي: النفط والغاز كشرط للتعافي

رغم محدودية الرصد الاقتصادي، فإن الدعوة إلى دعم دولي وإقليمي لاستئناف تصدير النفط والغاز تعكس جوهر الأزمة الاقتصادية في اليمن: الدولة تحتاج إلى موارد سيادية مستقرة، لا إلى دعم خارجي متقطع فقط.

استئناف الصادرات النفطية والغازية ليس ملفًا ماليًا فقط، بل ملف سيادة، وأمن، وتنمية، ورواتب، وخدمات. ومن دون استعادة الموارد، ستظل الحكومة محدودة القدرة على تحسين الخدمات، ودفع المرتبات، وتعزيز الثقة، وتمويل المؤسسات.

في المقابل، شكّل تجميد الحوثيين أرصدة منظمة إنسانية دولية في بنوك صنعاء مؤشرًا خطيرًا على استخدام السيطرة المالية والمصرفية كأداة ضغط ضد العمل الإنساني. وهذا يربط الاقتصاد بالإنسانية، ويكشف أن الأزمة المالية ليست محايدة، بل تخضع لاستخدام سياسي وأمني.

الدلالة أن الاقتصاد يجب أن يصبح أحد محاور الإنذار المبكر شهريًا، لأن ضعف الموارد، وتوقف الصادرات، والسيطرة على البنوك، وعرقلة المنظمات، كلها عوامل تقود إلى تدهور الاستقرار السياسي والاجتماعي.


رابعًا: ماذا تعني مؤشرات مايو لصانع القرار؟

تعني مؤشرات مايو أن اليمن دخل مرحلة تتطلب بناء الثقة بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات. فملف المحتجزين يفتح فرصة لبناء ثقة إنسانية، وملف الاغتيالات يفرض اختبارًا للثقة الأمنية، وملف الوحدة بعد رحيل هادي يحتاج إلى ثقة سياسية جديدة، والاقتصاد يحتاج إلى ثقة عملية بأن الدولة قادرة على توفير الموارد والخدمات.

كما تعني المؤشرات أن عدن لا تزال مركز الاختبار. فإذا نجحت الدولة في كشف خلايا الاغتيال، ومحاسبة الجناة، وحماية المؤسسات، وإخراج المعسكرات، وتحسين الخدمات، فإن عدن يمكن أن تتحول إلى نموذج لاستعادة الدولة. أما إذا بقيت الاغتيالات دون نتائج قضائية واضحة، فإن المدينة ستبقى عنوانًا للهشاشة.

وتعني أيضًا أن العلاقات اليمنية السعودية والمصرية والخليجية والدولية يمكن أن تتحول إلى رافعة مهمة، بشرط أن تُترجم إلى ملفات تنفيذية لا بيانات سياسية فقط.

المؤشر الأهم هو أن اليمن لا يفتقر إلى فرص، بل يفتقر إلى إدارة فعالة لهذه الفرص. صفقة المحتجزين، الشراكة السعودية، الحوار مع مصر، تنسيق البحر الأحمر، دعم الصحفيين، واستعادة الصادرات كلها نوافذ متاحة، لكنها تحتاج إلى ترتيب أولويات، وقياس أداء، ومتابعة تنفيذ.


خامسًا: المخاطر الصاعدة

1. فشل تنفيذ صفقة المحتجزين

إذا لم تُنفذ صفقة التبادل، أو بقي مصير محمد قحطان غامضًا، فقد يتحول الاتفاق من فرصة ثقة إلى مصدر إحباط سياسي وإنساني.

2. عودة الاغتيالات كأداة لإرباك الدولة

استمرار الاغتيالات أو ضعف المحاسبة سيقوض حضور الدولة في عدن، ويمنح الشبكات المتضررة من عودة الدولة فرصة لإضعاف المؤسسات.

3. تحويل الوحدة إلى خطاب رمزي دون إصلاحات

الاحتفاء بالوحدة لن يكون كافيًا إذا لم يرتبط بإصلاح مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، ومعالجة القضية الجنوبية، وتوسيع الشراكة السياسية.

4. ضعف التعافي الاقتصادي

عدم استئناف تصدير النفط والغاز، واستمرار ضعف الموارد، سيجعل الحكومة أكثر اعتمادًا على الدعم الخارجي، وأقل قدرة على إنتاج شرعية أداء.

5. تدهور بيئة الصحافة والحقوق

تراجع اليمن في مؤشر حرية الصحافة واستمرار الانتهاكات ضد الصحفيين يهددان صورة الدولة، ويضعفان المسار الحقوقي والرقابي.


سادسًا: الفرص المتاحة

1. تحويل صفقة المحتجزين إلى مدخل لبناء الثقة

إذا نُفذت الصفقة، وكُشف مصير محمد قحطان، يمكن أن تتحول إلى خطوة إنسانية وسياسية تمهّد لتفاهمات أوسع.

2. استثمار الشراكة السعودية الاستراتيجية

يمكن تحويل الشراكة اليمنية السعودية إلى برنامج عملي لإعادة بناء المؤسسات، وتحسين الخدمات، ودعم التعافي الاقتصادي، وتطوير القدرات الأمنية.

3. جعل عدن نموذجًا لاستعادة الدولة

كشف خلايا الاغتيال، إخراج المعسكرات، ضبط الأمن، وحماية المؤسسات يمكن أن يجعل عدن نموذجًا عمليًا لاستعادة الدولة.

4. بناء محور عربي لأمن البحر الأحمر

المواقف المصرية والخليجية والتنسيق مع جيبوتي والصومال تتيح فرصة لبناء رؤية يمنية عربية لأمن البحر الأحمر وخليج عدن.

5. إعادة ملف النفط والغاز إلى صلب التعافي

استئناف التصدير يمكن أن يشكل مدخلًا لتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي، وتمويل الخدمات والرواتب، واستعادة الثقة الاقتصادية.


سابعًا: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: بناء ثقة محدود

الاحتمال: متوسط

تنجح صفقة المحتجزين جزئيًا، ويُكشف مصير قحطان، وتتقدم التحقيقات في اغتيالات عدن، ما يمنح الحكومة دفعة سياسية وإنسانية محدودة.

السيناريو الثاني: تعثر إنساني وأمني

الاحتمال: متوسط إلى مرتفع

يتأخر تنفيذ صفقة التبادل، وتبقى نتائج التحقيقات الأمنية غير حاسمة، ما يؤدي إلى تراجع الثقة في الحكومة والمسار الأممي.

السيناريو الثالث: تعزيز الدولة في عدن

الاحتمال: متوسط

تنجح الحكومة في ضبط الأمن، وتوحيد القرار العسكري، وإخراج المعسكرات تدريجيًا، ما يعزز حضورها في العاصمة المؤقتة.

السيناريو الرابع: استمرار ضعف الاقتصاد

الاحتمال: مرتفع

يتأخر استئناف تصدير النفط والغاز، وتبقى الموارد محدودة، ما يضعف قدرة الحكومة على تحسين الخدمات والرواتب.


ثامنًا: التوصيات لصنّاع القرار

1. تحويل صفقة المحتجزين إلى اختبار ثقة وطني

ينبغي متابعة تنفيذ الاتفاق يوميًا، وربط أي تقدم بالكشف عن مصير محمد قحطان، وضمان عدم تحويل الصفقة إلى ورقة دعائية.

2. إعلان نتائج شفافة في ملف اغتيالات عدن

يجب نشر نتائج التحقيقات، وملاحقة المتورطين، وتوضيح الجهات الداعمة، لأن الشفافية هي الطريق الوحيد لاستعادة ثقة المجتمع.

3. ربط خطاب الوحدة بإصلاحات عملية

حماية الوحدة تتطلب خدمات، وعدالة، وشراكة، وحوارًا جنوبيًا، ومؤسسات لا مركزية فعالة، لا مجرد احتفالات وخطابات.

4. تحويل الشراكة السعودية إلى برنامج أداء

يجب تحديد مشاريع وأهداف قابلة للقياس في الأمن، والخدمات، والتعافي، وبناء المؤسسات، حتى يشعر المواطن بأثر الشراكة.

5. بناء رؤية يمنية عربية لأمن البحر الأحمر

ينبغي تنسيق الموقف مع مصر، السعودية، جيبوتي، والصومال، وتقديم اليمن كطرف أساسي في أي ترتيبات تخص البحر الأحمر وخليج عدن.

6. استئناف تصدير النفط والغاز كأولوية سيادية

لا يمكن بناء تعافٍ اقتصادي دون استعادة الموارد. لذلك يجب التعامل مع ملف الصادرات بوصفه قضية سيادة واستقرار، لا مجرد ملف مالي.

7. حماية الصحفيين وحرية الإعلام

ينبغي اعتبار حرية الصحافة مؤشرًا على جدية الدولة، والعمل على إطلاق الصحفيين المحتجزين، ومحاسبة منتهكي حقوقهم، وحماية المؤسسات الإعلامية.

8. تطوير مؤشر شهري للثقة العامة

يقيس هذا المؤشر ثقة المواطنين بالحكومة عبر الأمن، الخدمات، الرواتب، العدالة، حرية الإعلام، وتنفيذ الاتفاقات الإنسانية.


تاسعًا: خلاصة تقدير الموقف

يشير رصد مايو 2026 إلى أن اليمن يقف أمام فرصة محدودة لكنها مهمة لبناء الثقة. فرحيل الرئيس السابق هادي أعاد فتح سؤال الدولة والشرعية والوحدة. وملف المحتجزين فتح نافذة إنسانية يمكن أن تدعم مسار السلام. وملف اغتيالات عدن وضع الحكومة أمام اختبار حاسم في الأمن والعدالة. أما الاقتصاد، فلا يزال الحلقة الأضعف ما لم تُستأنف الموارد السيادية وعلى رأسها النفط والغاز.

نشر :