من التصعيد العسكري إلى تعظيم المكاسب..كيف يوظف الحوثيون باب المندب كورقة ضغط تفاوضية؟

عادل شمسان | 23 أغسطس 2026 16:11
من التصعيد العسكري إلى تعظيم المكاسب..كيف يوظف الحوثيون باب المندب كورقة ضغط تفاوضية؟

 

الملخص التنفيذي

تُقدّم هذه الدراسة قراءة تحليلية لتحوّل مليشيا الحوثي الإرهابية من نموذج السيطرة العسكرية المباشرة إلى نموذج أكثر تعقيداً يوظّف التصعيد العسكري والتهديد البحري كأداة لرفع الكلفة وتعظيم القيمة التفاوضية. وتفترض الدراسة أن أثر العمليات التي تستهدف الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لا يُقاس بمنطق السيطرة الميدانية وحده، بل كذلك بقدرتها على خلق ضغوط اقتصادية وسياسية على أطراف إقليمية ودولية، بما قد يفتح مسارات لمكاسب تفاوضية أو مؤسسية، فيما يتحمل اليمنيون والحكومة الشرعية جانباً كبيراً من كلفة هذا التصعيد.

وتستند الدراسة إلى بيانات موثّقة صادرة عن هيئات دولية ومتخصصة، من أبرزها: تراجع إيرادات قناة السويس من ذروة قياسية بلغت 10.25 مليار دولار عام 2023 إلى نحو 3.99 مليار دولار في 2024، مع بداية تعافٍ نسبي بنسبة 29.3% في النصف الأول من العام المالي 2025/2026 [26]-[30]؛ وتراجع تدفقات النفط عبر باب المندب من نحو 8.6 مليون برميل يومياً في 2023 إلى ما بين 4.1 و4.2 مليون برميل يومياً خلال 2024 والنصف الأول من 2025، ثم تعافٍ جزئي إلى 7.4 مليون برميل يومياً في يونيو 2026 قبل أن يُعاد اختباره بتصعيد المليشيا في يوليو-أغسطس 2026 [11]؛ وارتفاع أقساط تأمين مخاطر الحرب البحرية عشرات الأضعاف [21]-[25]؛ إضافة إلى توثيق فريق خبراء الأمم المتحدة لعائدات مليشيا الحوثي الإرهابية من الجمارك والرسوم على الوقود بما يقارب 5.5 مليار دولار بين عامي 2022 و2024 [33].

وتُظهر الدراسة أن هذا النمط لا يقتصر على البحر الأحمر، إذ أعلنت المليشيا في 20 يوليو 2026 حظراً بحرياً يستهدف السفن والمصالح الملاحية المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، في مؤشر على اتساع نطاق التهديد من استهداف سفن بعينها إلى محاولة التأثير في الثقة بالبنية التحتية التجارية والموانئ الإقليمية ذاتها [1][3]. وتوالت بعد ذلك حوادث بحرية متصاعدة: هجومان على الأقل قرب باب المندب في 6 أغسطس 2026 أثارا تحذيرات دولية، ثم هجوم أشد عنفاً في 11 أغسطس 2026 استهدف سفينة قرب المضيق بصواريخ متكررة وأسفر عن مقتل وإصابة عدد من أفراد طاقمها المدني [42][43][44].

وفي المقابل، أفرز هذا التصعيد استجابة إقليمية مؤسسية غير مسبوقة: ففي 30 يوليو 2026 أعلنت السعودية، بمشاركة ممثلي 43 دولة ومنظمة، تأسيس «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» بمشاركة 14 دولة مؤسِّسة من بينها الحكومة اليمنية الشرعية، وعُيّن قائد عسكري له في 6 أغسطس 2026 [45][46]. ورغم ذلك، واصلت المليشيا تصعيدها حتى منتصف أغسطس عبر ادعائها استهداف سفينة إنزال عسكرية سعودية قبالة المخا في 17 أغسطس، وتحرك ميداني لقوات المليشيا نحو مناطق الخوخة والمخا الخاضعة للحكومة الشرعية في محاولة للتقدم نحو ضفاف باب المندب [68][69]. وتضيف هذه النسخة المحدثة فصلاً مستقلاً يوثّق خسائر اليمن الشاملة الناجمة عن ممارسات المليشيا، مع تمييز صريح بين ما تروّجه المليشيا من أرقام لتبرئة سجلها، وما توثّقه الحكومة الشرعية والمنظمات الدولية المستقلة من بيانات مؤكدة.

وتخلص الدراسة إلى أن مواجهة هذا النمط لا تكون بالرد العسكري وحده، بل تستلزم مقاربة اقتصادية-سياسية متكاملة تقوم على: حماية خطوط الملاحة الدولية بصورة مستدامة، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع لمليشيا الحوثي الإرهابية، ومنع تحويل التهديدات الأمنية إلى مكاسب سياسية أو مالية لها، ودعم مؤسسات الحكومة اليمنية الشرعية لاستعادة السيطرة على الموانئ والموارد، وربط أي تسوية مستقبلية بإنهاء عسكرة الاقتصاد لا بمكافأة أدوات التصعيد.

 

المقدمة

دخل الصراع اليمني، منذ اجتياح مليشيا الحوثي الإرهابية للعاصمة صنعاء أواخر عام 2014 وإسقاطها المؤسسات الشرعية للدولة، بمراحل متعددة تباينت فيها أدوات المليشيا ووسائلها، لكن الثابت أن البعد العسكري وحده لم يعد كافياً لتفسير سلوكها. فمنذ نهاية 2023، تحوّلت المليشيا إلى فاعل قادر على التأثير في حركة التجارة العالمية عبر تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يجاوز حدود الساحة اليمنية إلى الاقتصاد الدولي بأكمله، بينما تواصل الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً محاولة استعادة مؤسسات الدولة ومواردها السيادية.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن التصعيد العسكري الذي تمارسه المليشيا لم يعد غاية في ذاته فقط، بل أداة محتملة لتعظيم قيمتها التفاوضية عبر رفع الكلفة الاقتصادية والأمنية على الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بأمن الملاحة. ولا تفترض الدراسة أن كل تصعيد ينتج مكسباً تلقائياً؛ بل تختبر ما إذا كانت الكلفة التي يفرضها التهديد تتحول فعلاً إلى تنازلات أو ترتيبات سياسية ومالية ومؤسسية. ويكتسب هذا التحليل أهمية إضافية في ضوء تطورات صيف 2026، حين وسّعت المليشيا نطاق تهديدها ليشمل السفن والمصالح المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، ثم صعّدت الهجمات في أوائل أغسطس 2026 إلى حد إسقاط قتلى وجرحى في صفوف طواقم مدنية، إلى جانب تصاعد التوتر مع إيران حول استخدام مطار صنعاء [1][3].

وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن سؤال رئيسي: لماذا لم يعد البعد العسكري وحده كافياً لفهم سلوك مليشيا الحوثي الإرهابية؟ ومن خلاله تتفرع أسئلة فرعية حول طبيعة اقتصاد الصراع، ودور باب المندب كأصل استراتيجي قابل للتوظيف التفاوضي من قبل المليشيا، وآليات تمويلها لعملياتها، والكلفة الفعلية التي يتحملها اليمن جراء ذلك، والسيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة.

 

الفصل الأول: الإطار النظري

1.1 مفهوم اقتصاد الصراع (Conflict Economy)

يشير مفهوم اقتصاد الصراع إلى مجموعة الأنشطة الاقتصادية التي تنشأ وتتغذى على استمرار النزاعات المسلحة، بحيث يتحول العنف المسلح ذاته إلى مصدر دخل ومنفعة للفاعل المسلح غير الشرعي، بدلاً من أن يكون مجرد كلفة يسعى إلى إنهائها. وفي حالة اليمن، يتجسد هذا النمط بوضوح في سلوك مليشيا الحوثي الإرهابية التي لا يشكّل السلام بالضرورة هدفاً نهائياً بالنسبة لها، إذ تجد في استمرار حالة اللا-حرب واللا-سلم بيئة مواتية لتعظيم مواردها ونفوذها على حساب مؤسسات الدولة الشرعية.

1.2 الاقتصاد السياسي للحروب وتحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي

تُبرز أدبيات الاقتصاد السياسي للحروب أن الفاعلين المسلحين غير الشرعيين غالباً ما يطوّرون استراتيجيات لتحويل قدراتهم العسكرية إلى أوراق ضغط سياسية، عبر خلق حالة من عدم الاستقرار يصعب على الأطراف الأخرى تجاوزها دون التفاوض المباشر معهم. وبهذا المعنى، تسعى مليشيا الحوثي الإرهابية إلى فرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية أو اقتصادية مستقبلية، رغم افتقارها لأي شرعية دستورية أو انتخابية، وفي مواجهة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً وممثلة في الشرعية الدستورية لليمن.

1.3 نظريات الردع والإكراه الاستراتيجي

توظّف الدراسة أدوات التحليل الخاصة بنظريات الإكراه الاستراتيجي (Coercive Bargaining)، التي تفسر لجوء مليشيا الحوثي الإرهابية إلى العنف المحدود والمتقطع بوصفه أداة ضغط ومساومة أكثر منه سعياً دائماً إلى حسم عسكري شامل. وتشير قراءات حديثة إلى أن المليشيا تتعامل مع الهجمات البحرية كأداة إكراه انتقائية تُفعّل بصورة مشروطة ومرتبطة بدورات تصعيد سياسي أوسع، لا كأداة تعطيل مستمرة، بما يمنح التهديد قيمة استراتيجية مع تجنب كلفة حرب استنزاف طويلة [2].

وتشير تحليلات أخرى إلى أن المليشيا تحتفظ بهامش قرار استراتيجي رغم اعتمادها الكبير على الدعم العسكري والتقني والاستخباراتي الإيراني، إذ توظّف هذا الدعم لخدمة أهدافها الخاصة في ترسيخ سيطرتها الأمنية غير الشرعية على المناطق الخاضعة لها وتعزيز موقعها التفاوضي في مواجهة الحكومة الشرعية والمجتمع الدولي [2][40].

 

الفصل الثاني: التحول في استراتيجية مليشيا الحوثي الإرهابية

يمكن تتبع تطور استراتيجية مليشيا الحوثي الإرهابية عبر ست مراحل متداخلة، تعكس انتقالاً تدريجياً من منطق السيطرة العسكرية المباشرة إلى منطق توظيف التهديد الاقتصادي والملاحي كأداة ضغط تفاوضية:

 

 

2.1 مرحلة السيطرة العسكرية المباشرة (2014–2018)

اعتمدت المليشيا في هذه المرحلة على التوسع الميداني المباشر والانقلاب على مؤسسات الدولة الشرعية والاستيلاء على الموارد العامة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، دون حاجة إلى أدوات ضغط اقتصادي غير مباشرة.

2.2 مرحلة تثبيت النفوذ والحكم الموازي (2018–2022)

مع تعثر الحسم العسكري وصمود الحكومة الشرعية، اتجهت المليشيا إلى بناء مؤسسات حكم موازية غير معترف بها، وفرض منظومة جبائية وضريبية محلية موسّعة على السكان الخاضعين لسيطرتها، بما مكّنها من تأمين تمويل ذاتي مستقل نسبياً عن الدعم الإيراني المباشر.

2.3 مرحلة الهدنة واقتصاد الحرب (أبريل 2022 – أكتوبر 2023)

شهدت هذه المرحلة تراجعاً نسبياً في وتيرة العمليات العسكرية المباشرة، تزامن مع توسّع كبير في مصادر تمويل المليشيا عبر الجمارك والرسوم على الوقود والواردات، إذ وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة تحصيل المليشيا لأكثر من 270 مليار ريال يمني خلال فترة الهدنة من هذه المصادر وحدها [35]، في وقت كانت الحكومة الشرعية محرومة من عائدات النفط والغاز الوطنية بفعل استهداف المليشيا لموانئ التصدير.

2.4 مرحلة توظيف الملاحة الدولية كورقة ضغط (نوفمبر 2023–2025)

بدءاً من نوفمبر 2023، تحوّلت المليشيا إلى استهداف السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر بدعوى مساندة غزة، لتتوسع دائرة استهدافها تدريجياً لتشمل سفناً مرتبطة بإسرائيل، ثم بالولايات المتحدة وبريطانيا، ثم كل السفن المرتبطة بشركات تُبحر إلى الموانئ الإسرائيلية، في تصعيد متدرج على أربع مراحل موثقة [7].

2.5 مرحلة توسيع نطاق الإكراه الاقتصادي (يوليو 2026)

في 20 يوليو 2026، أعلنت مليشيا الحوثي الإرهابية حظراً بحرياً تدّعي من خلاله استهداف السفن والمصالح المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، ليشمل التهديد - للمرة الأولى بهذا الوضوح - السفن غير السعودية التي تتعامل تجارياً مع الموانئ السعودية في البحر الأحمر، بما يعكس انتقالاً من استهداف السفن إلى استهداف الثقة بالبنية التحتية التجارية والموانئ الإقليمية ذاتها. ونفت الرياض رسمياً فرضها أي حصار على اليمن، في مقابل ادعاء المليشيا استمرار «الحصار السعودي» [1][3][42].

 

2.6 مرحلة الذروة والرد الإقليمي المؤسسي (أغسطس 2026)

توالت الحوادث البحرية في الأسبوع الأول من أغسطس 2026: ففي 6 أغسطس أفادت مصادر أمنية بحرية بوقوع هجومين على الأقل قرب باب المندب، بالتزامن مع ادعاء المليشيا مهاجمة ناقلتي نفط سعوديتين لم تؤكدهما الرياض. وفي 11 أغسطس 2026 نفّذت المليشيا هجوماً بصواريخ متكررة على سفينة قرب باب المندب أدى إلى اندلاع حريق على متنها ومقتل عدد من أفراد طاقمها المدني من الجنسيتين الباكستانية والإندونيسية وإصابة آخرين، بينهم عناصر من خفر السواحل اليمني التابع للحكومة الشرعية شاركوا في عملية الإنقاذ [42][43][44].

وردّاً على هذا التصعيد، استضافت الرياض في 30 يوليو 2026 اجتماعاً أمنياً بمشاركة رؤساء أركان وممثلين عن 43 دولة ومنظمة، أسفر عن إعلان مشترك من 14 دولة مؤسِّسة - من بينها الحكومة اليمنية الشرعية - لإطلاق «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» بقيادة سعودية. وفي 6 أغسطس 2026 عيّنت السعودية قائداً عسكرياً للتحالف، في خطوة تمثل أول رد إقليمي مؤسسي منسق على تصعيد المليشيا منذ بدء موجة التهديد البحري [45][46]. ورحّب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بإطلاق التحالف، واصفاً إياه بأنه خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن الجماعي وحماية الممرات البحرية الدولية، ودعا القوى السياسية اليمنية إلى توحيد صفوفها في مواجهة تصعيد المليشيا [66][67].

2.7 تصعيد الساحل الغربي ومحاولات المليشيا التقدم نحو باب المندب (17-20 أغسطس 2026)

واصلت المليشيا تصعيدها في منتصف أغسطس 2026 على جبهتين متلازمتين: الملاحة الدولية والساحل الغربي اليمني. ففي 17 أغسطس 2026 زعمت المليشيا استهداف سفينة إنزال عسكرية سعودية وأربعة زوارق مرافقة لها قبالة سواحل مدينة المخا، في ادعاء لم تتمكن جهات إعلامية دولية من التحقق منه بشكل مستقل ولم يصدر عنه تعليق فوري من السلطات السعودية؛ وجاء ذلك بعد أيام من إطلاق المليشيا صواريخ باليستية على ميناء المخا اضطرته لاحقاً لوقف عملياته، بحسب الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً [68][69].

وفي الوقت نفسه، أفادت مصادر عسكرية ميدانية بأن المليشيا تعيد الانتشار وتُعِدّ لعملية عسكرية واسعة تستهدف مناطق خاضعة لسيطرة القوات الحكومية الشرعية على امتداد الساحل الغربي، من الخوخة جنوب الحديدة مروراً بالمخا ووصولاً إلى باب المندب، في محاولة - بحسب متحدث «قوات المقاومة الوطنية» التابعة للحكومة الشرعية - لإيجاد موطئ قدم للمليشيا على ضفاف المضيق وتحويل المشهد هناك إلى وضع شبيه بمضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران فعلياً. كما أفادت مصادر عسكرية بفشل محاولة سابقة للمليشيا لاقتحام جزيرة زُقر، أكبر الجزر اليمنية في البحر الأحمر [69][70].

وحمّل مجلس القيادة الرئاسي اليمني الشرعي المليشيا مسؤولية إغراق سفينة شحن هندية في البحر الأحمر، مؤكداً في اجتماعات متتالية استمرار تماسك مؤسسات الدولة الشرعية ووحدة قرارها العسكري في مواجهة تصعيد المليشيا، ورافضاً ما وصفه بمحاولات المليشيا «الابتزاز» عبر تهديد الملاحة الدولية لفرض أمر واقع [71].

 

الفصل الثالث: باب المندب كأصل اقتصادي واستراتيجي

يُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وتبلغ أضيق نقطة فيه نحو 29 كيلومتراً فقط، ما يجعل حركة الملاحة فيه محصورة في قناتين ملاحيتين لا يتجاوز عرض كل منهما 3 كيلومترات تقريباً [9].

3.1 حصة باب المندب من التجارة العالمية

يمر عبر المضيق في الأوضاع الطبيعية ما يقارب 12–14% من إجمالي التجارة البحرية العالمية، ونحو ربع حركة الحاويات العالمية [11][13].

بلغت تدفقات النفط ومشتقاته عبر المضيق نحو 8.6 مليون برميل يومياً في عام 2023، أي ما يعادل قرابة 9% من إجمالي التجارة البحرية العالمية للنفط [9][12].

يُستخدم المضيق أيضاً كممر رئيسي لشحنات الغاز الطبيعي المسال (LNG) المتجهة من الخليج إلى أوروبا وآسيا، وقد تراجعت هذه الشحنات بشكل حاد مع تصاعد هجمات المليشيا [16].

3.2 أثر الاضطراب الملاحي على تدفقات الطاقة

تراجعت تدفقات النفط عبر باب المندب من 8.6 مليون برميل يومياً في 2023 إلى نحو 4.1–4.2 مليون برميل يومياً خلال 2024 والنصف الأول من 2025، أي بتراجع يفوق 50%، قبل أن تسجل ارتفاعاً جزئياً إلى نحو 7.4 مليون برميل يومياً في يونيو 2026 نتيجة إعادة توجيه السعودية جزءاً من صادراتها عبر موانئها على البحر الأحمر [11]. غير أن تصعيد المليشيا في يوليو وأغسطس 2026 أعاد اختبار هذا التعافي الهش؛ إذ أظهرت بيانات تتبع نقلتها رويترز تراجع عدد السفن العابرة للمضيق من 28 سفينة في يوم إلى سفينة واحدة فقط في يوم آخر خلال أوائل أغسطس، بالتزامن مع ادعاءات المليشيا استهداف ناقلتي نفط سعوديتين لم تؤكدهما الرياض [47][48].

3.3 من ممر بحري إلى أصل تفاوضي

إن سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية الفعلية على أجزاء من الساحل الغربي لليمن المطل على باب المندب - نتيجة انقلابها المسلح على الحكومة الشرعية - تمنحها موقعاً جغرافياً يتيح لها التأثير في واحد من أكثر ممرات العالم حساسية. غير أن الجغرافيا وحدها لا تتحول تلقائياً إلى مكسب تفاوضي؛ فقيمة هذا الموقع تتوقف على قدرة المليشيا على الحفاظ على تهديد قابل للتصديق، وعلى حجم الكلفة التي يفرضها، وعلى طبيعة استجابة الأطراف الإقليمية والدولية. وبذلك يصبح باب المندب أصلاً استراتيجياً قابلاً للتوظيف في أي عملية تفاوضية مستقبلية، سواء مع الرياض أو مع المجتمع الدولي [1].

 

 

الفصل الرابع: اقتصاد التصعيد — من التهديد إلى المكاسب

تُفسّر هذه الدراسة سلوك مليشيا الحوثي الإرهابية عبر ما يمكن تسميته «دورة اقتصاد التصعيد»، بوصفها نموذجاً تفسيرياً لا سلسلة سببية حتمية. تبدأ الدورة بعملية عسكرية محدودة أو تهديد للملاحة، ثم تنتقل آثارها - إذا اتسعت - إلى تقدير المخاطر والتأمين ومسارات الشحن وكلفة التجارة، قبل أن تنشأ ضغوط سياسية قد تفتح مسارات تفاوضية. ولا يُعد تحقق المكسب السياسي أو المالي نتيجة تلقائية؛ بل يحتاج إلى إثبات صلة قابلة للتتبع بين التصعيد وبين تغير فعلي في سلوك الأطراف الأخرى.

 

 

ووفق هذا النموذج، فإن العملية التي تستهدف الملاحة أو تهدد أمن البحر الأحمر لا تمثل هدفاً عسكرياً بحتاً؛ فقد تسهم أيضاً في رفع تكلفة الأزمة على الاقتصاد العالمي وزيادة أهمية المليشيا في حسابات الأطراف المعنية بالأمن البحري. لكن ارتفاع الكلفة لا يكفي وحده لإثبات نجاح استراتيجية الإكراه؛ إذ ينبغي التمييز بين القدرة على إحداث الضرر وبين القدرة على تحويله إلى تنازل سياسي أو ترتيب أمني أو مكسب تفاوضي على حساب الشرعية الدستورية لليمن.

وفي هذا الإطار، لا تُعد المفاوضات مع المليشيا نهاية للصراع بالضرورة، بل قد تكون امتداداً له بوسائل مختلفة؛ فنفوذها العسكري يمكن أن يُترجم إلى مطالب سياسية وترتيبات مؤسسية، وربما إلى مكاسب اقتصادية أو تخفيف للضغوط والعقوبات عليها. غير أن تحقق هذه النتائج يظل رهناً باستجابة الأطراف الأخرى، وهو ما يجعل استمرار التصعيد متوافقاً أحياناً مع دعوات التهدئة بوصفه محاولة لتحسين شروط أي تسوية مستقبلية [1][4].

 

 

الفصل الخامس: تحليل البيانات

5.1 تراجع إيرادات قناة السويس وبوادر التعافي

تُعد قناة السويس أحد أوضح المقاييس الكمية للكلفة الإقليمية المرتبطة بأزمة البحر الأحمر؛ إذ سجّلت إيراداتها ذروة قياسية بلغت 10.25 مليار دولار عام 2023، قبل أن تتراجع بنسبة 61% إلى نحو 3.99 مليار دولار عام 2024، ونحو 3.6 مليارات دولار في السنة المالية 2024/2025 (تراجع 45.5%)، فيما قدّر الرئيس المصري إجمالي الخسارة التراكمية للقناة منذ بداية العقد بنحو 10 مليارات دولار [26]-[30]. غير أن هذه الخسائر لا تُنسب إلى عامل واحد حصراً؛ فهي تعكس تفاعل مخاطر البحر الأحمر مع قرارات شركات الشحن وتحويل المسارات وعوامل سوقية أوسع. وأظهرت بيانات النصف الأول من العام المالي 2025/2026 بداية تعافٍ نسبي بلغت نسبته 29.3% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، مدعومة بخدمات بحرية إضافية استحدثتها هيئة القناة [49][50].

 

5.2 ارتفاع أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب

قفزت أقساط تأمين مخاطر الحرب البحرية للسفن العابرة للبحر الأحمر من مستوى شبه رمزي لا يتجاوز 0.07% من قيمة السفينة في أكتوبر 2023، إلى ما بين 0.7% و1% مطلع 2024، ولتصل في بعض الحالات المرتبطة بسفن أمريكية أو إسرائيلية إلى 2% من قيمة السفينة، أي ما يعادل زيادة تفوق 2700% عن مستوياتها الأصلية [21][22]. ومع إعلان المليشيا حظرها البحري ضد السعودية في 20 يوليو 2026، سجّلت الأقساط قفزة جديدة إلى نحو 0.75% من قيمة السفينة [24].

5.3 مؤشرات إضافية على اضطراب الملاحة (UNCTAD)

توضح بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن حمولة السفن العابرة لخليج عدن تراجعت بنسبة 76%، وتراجعت الحمولة العابرة لقناة السويس بنسبة 70% بحلول منتصف 2024، مقابل ارتفاع وصول السفن عبر رأس الرجاء الصالح بنسبة 89%، فيما ارتفعت أسعار الشحن على خط شنغهاي–أوروبا بنسبة تجاوزت 256% خلال ذروة الأزمة أوائل 2024 [17][15]. وتدعم هذه المؤشرات وجود كلفة اقتصادية واضحة لاضطراب الملاحة، لكنها لا تثبت بمفردها أن هذه الكلفة تحولت إلى مكاسب سياسية مباشرة للمليشيا.

 

5.4 تصعيد أغسطس 2026 والرد الإقليمي: مؤشرات لحظية

أظهرت بيانات تتبع نقلتها رويترز في 2 أغسطس 2026 تراجع عدد السفن العابرة لباب المندب من 28 سفينة يوم الجمعة إلى 18 يوم الأحد. وفي 6 أغسطس نقلت رويترز عن بيانات Kpler انخفاضاً أكثر حدة في يوم واحد إلى سفينة واحدة مقابل 20 في اليوم السابق، بالتزامن مع ادعاء المليشيا مهاجمة ناقلتي نفط سعوديتين لم تؤكدهما الرياض [47][48]. وجاء هجوم المليشيا في 11 أغسطس 2026، الذي أدى إلى مقتل وإصابة عدد من أفراد الطاقم المدني، ضمن نمط متصاعد لاستهداف الملاحة المدنية [42][43][44]. وتبقى هذه الأرقام مؤشرات لحظية شديدة الحساسية للأحداث، ولا ينبغي تعميمها على اتجاه طويل الأمد دون سلسلة زمنية أوسع. في المقابل، شكّل تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة سعودية (30 يوليو 2026) وتعيين قائده (6 أغسطس 2026) أول استجابة مؤسسية إقليمية منسقة بهذا الحجم منذ بدء موجة التهديد البحري [45][46].

 

الفصل السادس: اقتصاد الحرب — مصادر تمويل مليشيا الحوثي الإرهابية

يوثّق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، إلى جانب مصادر يمنية ودولية متخصصة، استمرار المليشيا في تنويع مصادر تمويلها غير المشروع رغم العقوبات الدولية المفروضة عليها، عبر منظومة متكاملة من الجباية والرسوم الجمركية والتهريب، تُفرض جميعها على السكان الخاضعين لسيطرتها والاقتصاد الوطني اليمني:

و

إلى جانب الجباية المباشرة، يشير تقرير فريق الخبراء الصادر في أكتوبر 2025 إلى استمرار المليشيا في انتهاك حظر توريد السلاح عبر شبكات تهريب متنوعة المسارات وأساليب العمل، مع ضبط السلطات اليمنية الشرعية أكثر من 750 طناً من الأسلحة والمواد غير المشروعة المتجهة إلى المليشيا خلال يونيو 2025 وحده، في مؤشر على أن التهريب بات مصدراً مزدوجاً للتمويل ولتعزيز القدرات القتالية للمليشيا في آن واحد [38][39].

 

 

الفصل السابع: خسائر اليمن الشاملة — ادعاءات المليشيا في مقابل بيانات الحكومة الشرعية والمنظمات الدولية

تلتزم هذه الدراسة بالتمييز الصريح بين مستويين من المعلومات: (1) ما تروّجه مليشيا الحوثي الإرهابية من أرقام وادعاءات ضمن خطابها السياسي؛ و(2) ما توثقه الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً ومؤسساتها، إلى جانب الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الحقوقية الدولية المستقلة. ويُستخدم المستوى الثاني أساساً لتقدير الكلفة، مع الإقرار بأن بعض البيانات الحكومية تحتاج هي الأخرى إلى قراءة في سياق مصدرها وفترتها الزمنية، وعدم جمع المؤشرات المختلفة في رقم واحد من دون أساس محاسبي موحد.

 

 

7.1 ادعاء المليشيا: أرقام دعائية لتبرئة سجلها

روّجت مليشيا الحوثي الإرهابية في تقرير أصدرته أوائل أغسطس 2026 لتقدير خسائر «تفوق 1.13 تريليون دولار» جراء ما وصفته بـ«الحرب والحصار» الذي تحمّله بالكامل لأطراف خارجية. وقد وصف اقتصاديون وباحثون يمنيون مستقلون هذا الرقم بأنه محاولة مكشوفة من المليشيا لإعادة صياغة مسؤولية الانهيار الاقتصادي والتنصل من تبعات انقلابها المسلح على مؤسسات الدولة الشرعية، لافتين إلى أن التقرير يخلط - في مخالفة لأبسط قواعد إعداد التقارير الاقتصادية - بين خسائر مباشرة وغير مباشرة وافتراضية وتقديرات مستقبلية وتعويضات مزعومة، بينما تتعمد المليشيا إخفاء الإيرادات الضخمة التي جنتها هي نفسها من الجمارك والضرائب ومصادرة ممتلكات المواطنين والشركات [52]. تُدرَج هذه الأرقام في هذه الدراسة بوصفها ادعاءً دعائياً من المليشيا وليست واقعة مؤكدة.

7.2 بيانات الحكومة الشرعية: الكلفة الاقتصادية المباشرة

  • توقف صادرات النفط: أدت هجمات المليشيا على موانئ التصدير التابعة للحكومة الشرعية (الضبة في حضرموت والنشيمة في شبوة) منذ أكتوبر 2022 إلى توقف شبه كامل لصادرات النفط الخام، وهو المورد الرئيسي لموازنة الدولة. وقدّر محافظ البنك المركزي اليمني - التابع للحكومة الشرعية - الخسائر الذاتية الناجمة عن ذلك بأكثر من 6 مليارات دولار حتى نهاية 2024، وصولاً إلى تقديرات لاحقة قاربت 7.5 مليار دولار مع امتداد التوقف الذي فرضته المليشيا قرابة أربع سنوات، ما حرم الدولة الشرعية من أكثر من 70% من مواردها الذاتية [53][54].
  • انقسام العملة الوطنية: أدت سياسات المليشيا النقدية - وأبرزها حظرها تداول الأوراق النقدية الجديدة الصادرة عن البنك المركزي اليمني في عدن داخل مناطق سيطرتها منذ 2016 - إلى نشوء سعرين متوازيين لليمن تباعدا بشكل حاد: نحو 530-540 ريالاً للدولار في مناطق سيطرة المليشيا مقابل نحو 1550-1580 ريالاً للدولار في مناطق الحكومة الشرعية بحلول منتصف 2026، أي بفارق يقارب ثلاثة أضعاف، ما ضاعف معاناة السكان في مناطق الشرعية ودفع معدلات الفقر هناك لتجاوز 80% بحسب مسؤولين حكوميين [55][56].
  • استمرار الجباية غير المشروعة: وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة تحصيل المليشيا نحو 994 مليار ريال يمني كرسوم جمركية على الوقود وحده بين أبريل 2022 ويونيو 2024، مع تقدير إجمالي دخلها من القطاع - عند احتساب الرسوم غير القانونية - بنحو 1.34 تريليون ريال، إلى جانب مصادرة ممتلكات المواطنين والشركات وفرض جبايات دفعت آلاف المنشآت التجارية إلى الإغلاق أو الهجرة خارج مناطق سيطرة المليشيا [33][52].

7.3 بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: الكلفة البشرية والإنسانية

  • أزمة إنسانية من الأكبر عالمياً: يحتاج نحو 22.3 مليون يمني إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية في 2026، بينهم نحو 18.3 مليون شخص يعانون من انعدام أمن غذائي حاد، وأكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد. ويُعد اليمن خامس أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم بنحو 5.2 مليون نازح، وتتركز الأزمة الأشد قسوة في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا حيث تُستخدم المساعدات الغذائية أحياناً كأداة ولاء سياسي قسري [57][58][59].
  • انتهاكات جسيمة بحق الأطفال: وثّق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن الأطفال والنزاعات المسلحة 742 انتهاكاً جسيماً بحق 652 طفلاً في اليمن خلال 2025 (زيادة 27.3% عن 2024)، شملت القتل والتشويه والتجنيد والعنف الجنسي والهجمات على المدارس والمستشفيات، مع تحميل المليشيا مسؤولية جزء كبير منها بما في ذلك تجنيد أطفال واستخدامهم في أنشطة عسكرية. كما وثّقت اللجنة الوطنية اليمنية لشؤون الطفولة سقوط 3816 طفلاً بين قتيل وجريح منذ 2016، و1368 حالة تجنيد أطفال، و708 ضحايا أطفال من الألغام التي زرعتها المليشيا [60][61][62].
  • احتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين: منذ حملة الاعتقالات التي بدأتها المليشيا في 31 مايو 2024، ظل حتى فبراير 2026 نحو 73 موظفاً تابعاً للأمم المتحدة وعشرات العاملين الإنسانيين الآخرين قيد الاحتجاز التعسفي لدى المليشيا، وتُوفي أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه في فبراير 2025. وجدد مجلس الأمن الدولي في يونيو 2026 إدانته الشديدة لهذه الممارسة وطالب المليشيا بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين [63][64][65].
  • ضحايا مدنيون في التصعيد البحري: أسفر هجوم المليشيا في 11 أغسطس 2026 وحده عن مقتل وإصابة عدد من البحارة اليمنيين والآسيويين، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت سابقاً بموانئ يمنية مثل ميناء المخا، ما يوضح أن الكلفة البشرية لتصعيد المليشيا البحري يتحملها اليمنيون العاملون في القطاع البحري والساحلي بالدرجة الأولى [43][44].

ملاحظة منهجية: الأرقام الواردة في هذا الفصل مستقاة من الحكومة الشرعية ومؤسساتها ومن الأمم المتحدة ووكالاتها ومنظمات حقوقية دولية مستقلة، وتغطي فترات زمنية متفاوتة؛ لذلك لا ينبغي جمعها ميكانيكياً في رقم إجمالي واحد، بل قراءتها كمؤشرات تكميلية على حجم الكلفة. كما أن اختلاف المصادر والفترات والتعريفات المحاسبية يقتضي التمييز بين الأرقام الموثقة والتقديرات، وبين الارتباط الزمني والسببية المباشرة.

 

 

 

الفصل الثامن: السيناريوهات المستقبلية

 

وتشير قراءة المؤشرات الراهنة حتى 20 أغسطس 2026 إلى أن السيناريو الأول (استمرار تصعيد المليشيا وتوسعه) يظل الأكثر اتساقاً مع مؤشرات الأمد القصير، مقروناً بتفعيل تدريجي للسيناريو الثالث (الاحتواء الدولي المنسق) بعد تأسيس التحالف البحري الدفاعي. أما السيناريو الثاني (التسوية السياسية الجزئية) فيبقى مرهوناً بمدى استعداد المليشيا لتقديم تنازلات فعلية وقابلة للقياس، فيما يرتبط السيناريو الرابع بحدوث توسع ملموس للصراع إلى ساحات أو فاعلين إقليميين إضافيين.

 

التوصيات

أولاً: للحكومة اليمنية الشرعية

  • تسريع استعادة السيطرة على الموانئ والمنافذ الرئيسية من مليشيا الحوثي الإرهابية، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد السيادية كبديل موثوق للجباية غير المشروعة التي تفرضها المليشيا.
  • بناء قدرة مؤسسية على توثيق آثار تصعيد المليشيا اقتصادياً وإعلامياً وتقديمها للمجتمع الدولي بصورة دورية ومستندة إلى بيانات موثقة، لمواجهة الروايات الدعائية التي تروّجها المليشيا عن نفسها.
  • العمل على معالجة الانقسام النقدي بين مناطق سيطرة المليشيا ومناطق الشرعية، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والمانحين الدوليين.

ثانياً: لدول الخليج العربي

  • ربط أي مسار تفاوضي مستقبلي مع المليشيا بمعايير واضحة تمنع تحويل تصعيدها إلى أداة لانتزاع مكاسب متكررة.
  • تعزيز التنسيق الأمني البحري المشترك، وفي مقدمته التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، لحماية الموانئ والمنشآت الساحلية من التهديدات الموسّعة التي تشنها المليشيا.

ثالثاً: للولايات المتحدة

  • مواصلة تشديد العقوبات على شبكات تمويل الوقود والتهريب المرتبطة بمليشيا الحوثي الإرهابية، مع تحسين آليات إنفاذها.
  • دعم عمليات حماية الملاحة الدولية بصورة مستدامة لا تقتصر على الاستجابة الآنية لهجمات المليشيا.

رابعاً: للاتحاد الأوروبي

  • توسيع المشاركة في مهام تأمين الملاحة الأوروبية في البحر الأحمر بما يقلل الاعتماد الأحادي على أطراف بعينها.
  • دعم برامج تعافٍ اقتصادي لليمن ولدول مثل مصر المتضررة بصورة مباشرة من تراجع إيرادات قناة السويس بفعل تصعيد المليشيا.

خامساً: للأمم المتحدة

  • تعزيز صلاحيات فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن في تتبع شبكات تمويل المليشيا وتهريبها وتحديثها بصورة أكثر تواتراً.
  • ربط أي مبادرة أممية للتهدئة بمعايير واضحة لإنهاء عسكرة الاقتصاد اليمني ووقف جباية المليشيا غير المشروعة، لا الاكتفاء بوقف مؤقت للعمليات.
  • الضغط المستمر من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع موظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين المحتجزين لدى المليشيا.

الخاتمة

تكشف التجربة اليمنية أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح نموذجاً متقدماً لتداخل اقتصاد الصراع مع أدوات الإكراه والضغط السياسي. ويتيح مفهوم «اقتصاد التصعيد» تفسير كيفية استخدام العنف المحدود والتهديد البحري لرفع كلفة الأزمة ومحاولة تحويلها إلى قيمة تفاوضية. غير أن البيانات لا تسمح بافتراض أن كل تصعيد ينتج مكسباً تلقائياً؛ فالحصيلة الاستراتيجية تتحدد بما إذا كانت الضغوط تفضي فعلاً إلى تنازلات أو ترتيبات سياسية ومالية، أو تقابلها بدلاً من ذلك عقوبات وردود عسكرية وتحالفات مضادة.

والأهم أن الفاتورة الأثقل يدفعها اليمنيون أنفسهم والحكومة الشرعية: اقتصاد منهار، وعملة منقسمة، ونفط متوقف عن التصدير منذ سنوات بفعل استهداف المليشيا لموانئه، وأطفال يُجندون أو يُقتلون أو يُشوَّهون على يد المليشيا، وموظفو إغاثة يُحتجزون لديها في بلد يحتاج فيه أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية. وكما توثق هذه الدراسة، فإن الأرقام التي تروّجها المليشيا عن نفسها لتصوير نفسها ضحية لا تصمد أمام مقارنتها ببيانات الحكومة الشرعية والمنظمات الدولية المستقلة.

ودون معالجة البعد الاقتصادي للصراع بصورة متكاملة، وتوثيق الادعاءات والوقائع بدرجات واضحة من الثقة، سيظل التصعيد العسكري والبحري قادراً على فرض كلفة واسعة على اليمن والمنطقة. وتكمن الأولوية في منع تحويل هذه الكلفة إلى مكاسب سياسية أو مالية دائمة، عبر حماية الملاحة وتجفيف شبكات التمويل ودعم مؤسسات الدولة وربط أي تسوية مستقبلية بالتزامات قابلة للقياس تنهي عسكرة الاقتصاد وتحد من إعادة إنتاج أدوات التصعيد.

 

 

المراجع

[1] Chatham House, "The Houthi Red Sea blockade: Will collective maritime security be defended, or break down?", 24 Jul 2026.

[2] Horn Review, "The Red Sea, Maritime Coercion and Regional Escalation Dynamics", 2026.

[3] Horn Review, "The Expanding Houthi Threat: Strategic Infrastructure and Energy Security in the Red Sea", 2026.

[4] CSIS, "A Strategic Approach to Red Sea Security", 2025.

[5] International Crisis Group, "Red Sea: Calming the Waters", Report No. 248, 2025.

[6] Wilson Center, "Timeline: Houthi Attacks".

[7] The Washington Institute, "Houthi Shipping Attacks: Patterns and Expectations for 2025", 2024.

[8] House of Commons Library, "UK and international response to Houthis in the Red Sea 2024/25".

[9] U.S. Energy Information Administration (EIA), "The Bab el-Mandeb Strait is a strategic route for oil and natural gas shipments".

[10] Rystad Energy, "Chokepoints under pressure: The fragile lifelines of global energy", 2026.

[11] The National, "Middle East energy routes explained: The chokepoints and pipelines shaping oil trade", 2026.

[12] Coface, "Bab el-Mandeb Strait: chokepoint threatens global trade", 2025.

[13] The Conversation, "Why a second global shipping chokepoint could soon live up to its name as the 'Gate of Tears'", 2026.

[14] Anadolu Agency, "Around 70% of global oil demand transported through strategic maritime chokepoints".

[15] UNCTAD, "Navigating Troubled Waters: Impact to Global Trade of Disruption of Shipping Routes in the Red Sea, Black Sea and Panama Canal", Feb 2024.

[16] UNCTAD, "Red Sea Crisis and implications for trade facilitation in Africa", 2024.

[17] UNCTAD, "Review of Maritime Transport 2024".

[18] UNCTAD, "Unprecedented shipping disruptions raise risk to global trade", 2024.

[19] UNCTAD, "Stormy seas for global shipping: UNCTAD warns of uncertainty, volatility and rising costs", 2025.

[20] UNCTAD (Jan Hoffmann), cited in AllAfrica, "The Red Sea Shipping Crisis Is Having a 'Dramatic' Impact", Jan 2024.

[21] AGBI, "Cost of Red Sea shipping insurance rises 2,700%", Feb 2024.

[22] Policyholder Pulse, "Red Sea Dangers: Increasing Insurance Premiums...", Feb 2024.

[23] ASIS International, "War Risk Insurance Market Grows Amid Global Volatility", 2025.

[24] Yemen Monitor, "Surge in Red Sea War Risk Insurance Costs Following Houthi Announcement", 2026.

[25] Reuters, "Red Sea insurance rates to stay firm as US airstrikes raise fears for ships".

[26] Egypt Today, "Egypt's Suez Canal revenues go down by 61% to $3.9 billion in 2024 due to Red Sea tensions", Apr 2025.

[27] Africanews / Arab News, "Egypt's revenue from the Suez Canal plunged sharply in 2024", Apr 2025.

[28] Middle East Eye, "Suez Canal revenues plunge by 60 percent...", Dec 2024.

[29] Amwal Al Ghad (Central Bank of Egypt), "Suez Canal revenues drop 45.5% in FY 2024/2025", Oct 2025.

[30] MEXC News, "Suez Canal revenue down $10bn due to regional conflicts", Mar 2026.

[31] Daily News Egypt, "Egypt Loses $7 Billion of Suez Canal Revenues...", Dec 2024.

[32] Sana'a Center for Strategic Studies, "The Yemen Review — The Economy", Q4 2025.

[33] FDD's Long War Journal, "Treasury targets Houthi oil revenue...", Jul 2025.

[34] Sana'a Center for Strategic Studies, "The Yemen Review — The Economy", Apr–Jun 2025 (citing SARI).

[35] Asharq Al-Awsat (English), "UN Experts Condemn Yemen's Houthis for Hampering Aid Delivery", 2023.

[36] Global Trade Review (GTR), "Houthis raising billions of dollars from illicit fuel imports, UN says", Nov 2024.

[37] The Washington Institute, "In Damning Report, UN Panel Details War Economy in Yemen".

[38] HRITC, summary of UN Security Council document S/2025/650, Nov 2025.

[39] UN Security Council, Panel of Experts on Yemen, S/2025/650, 15 Oct 2025.

[40] NESA Center for Strategic Studies, "CSAG Strategy Paper: Yemen after the KSA–Iran Agreement", Feb 2024.

[41] ACLED, "Regional power struggles fuel simmering tensions across the Red Sea".

[42] CNN Arabic, "بعد هجومين قرب باب المندب.. تحذيرات من تصعيد يهدد الملاحة في البحر الأحمر", 6 Aug 2026.

[43] CNN Arabic, "وسط غموض بشأن هويتها.. قتلى إثر استهداف حوثي لسفينة في باب المندب", 11 Aug 2026.

[44] Asharq Al-Awsat / Al-Mal News, "16 قتيلاً ومصاباً بهجوم حوثي على سفينة في باب المندب", 12 Aug 2026.

[45] Al Jazeera Encyclopedia, "التحالف البحري الدفاعي بقيادة السعودية لحماية الممرات البحرية", 7 Aug 2026.

[46] Ean Libya / Asharq Al-Awsat, "التحالف البحري الجديد.. من يقوده وما الدول المشاركة؟", 7 Aug 2026 (تعيين القائد 6 Aug 2026).

[47] Reuters, "Two tankers with Saudi oil exit Red Sea over weekend, data shows", 2 Aug 2026.

[48] Reuters, "Gulf shipping traffic down after Houthis say they attacked Saudi tanker", 6 Aug 2026.

[49] Suez Canal Authority, statements by Chairman Osama Rabie on H1 FY2025/2026 navigation and revenue recovery, Jul–Aug 2026.

[50] Al-Dostor, "122.5 مليار جنيه عائدات قناة السويس في النصف الأول من 2026", Aug 2026.

[51] U.S. Department of the Treasury, "Treasury Increases Pressure on Houthi Smuggling and Illicit Revenue Generation Networks", 16 Jan 2026.

[52] Asharq Al-Awsat, "الحوثيون يروجون أرقاماً تريليونية لتبرئة سجلهم الانقلابي", 6 Aug 2026.

[53] Anadolu Agency (AA), "اليمن: خسرنا 6 مليارات دولار جراء وقف تصدير النفط منذ عامين", Oct 2024 (متابعة 2026).

[54] Al-Araby Al-Jadeed / Al Jazeera, تغطية توقف تصدير النفط اليمني وأثره الاقتصادي، تحديثات 2024–2026.

[55] Yemen Monitor, "الريال اليمني يواصل التراجع في عدن وسط استقرار نسبي في صنعاء", 6 Jul 2026.

[56] Al Jazeera, "بعد عامين كيف أثر توقف تصدير النفط على اقتصاد اليمن؟"، Oct 2024.

[57] UN OCHA, Yemen Humanitarian Response Plan 2026 launch, 18 Mar 2026.

[58] World Food Programme (WFP) Yemen, IDP food security monitoring report, Q1 2026.

[59] Al Jazeera, "الأمم المتحدة: 18 مليون يمني يواجهون خطر المجاعة", 19 Apr 2026.

[60] UN Secretary-General, Annual report on Children and Armed Conflict, Yemen chapter (2025), Jun 2026.

[61] National Committee to Address Issues Related to Recruitment and Use of Children in Yemen; UNICEF partnership, 21 Nov 2025.

[62] Human Rights Watch, World Report 2026 — Yemen chapter, Feb 2026.

[63] UN News (Arabic), "أعضاء مجلس الأمن يجددون إدانة احتجاز الحوثيين لموظفين في الأمم المتحدة", 5 Jun 2026.

[64] Al-Watan (Saudi Arabia), "كيف حول الحوثيون العمل الإنساني إلى ورقة ابتزاز", Aug 2026.

[65] Yemen Monitor, "منظمات دولية تطالب الحوثيين بالإفراج عن موظفي الأمم المتحدة", 7 Jun 2026.

[66] Al-Dostor, "اليمن: التحالف البحري متعدد الجنسيات خطوة بالغة الأهمية لتعزيز الأمن الجماعي", Aug 2026.

[67] Ejaz Network, "رئيس مجلس القيادة يشيد بالتحالف البحري متعدد الجنسيات والدعم السعودي", 31 Jul 2026.

[68] CNN Arabic, "الحوثيون يزعمون استهداف سفينة عسكرية سعودية في البحر الأحمر", 17 Aug 2026.

[69] Euronews Arabic, "تحركات للحوثيين تثير القلق.. هل تسعى الجماعة للسيطرة على باب المندب؟", 19 Aug 2026.

[70] Al-Sadara News, "تحركات للحوثيين في البحر الأحمر.. ماذا يجري بين هرمز وباب المندب؟", 17 Aug 2026.

[71] Yemen Monitor, "الرئاسي اليمني يؤكد وحدة المجلس والقرار العسكري ويحمل الحوثيين مسؤولية إغراق سفينة هندية", Aug 2026.

نشر :