الأسرى والمعتقلون في اليمن: إنسانية الملف وتعقيدات السياسة

Situation Assessment | 25 May 2026 11:31

 

 

  ملخص تنفيذي

   يُعدّ ملف الأسرى والمعتقلين في اليمن أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً وأشدها ارتباطاً بديناميكيات النزاع المستمر منذ عام 2015. لذلك فإن هذه المادة تبحث في مسار المفاوضات بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثيين، مستعرضةً المحطات الرئيسية التي تراوحت بين اختراقات ناجحة (مثل اتفاق ستوكهولم 2018، وجولات سويسرا 2020 و2023) وانكسارات بنيوية شهدتها جولات عُمان والأردن، وصولاً إلى المحطة الأبرز والأحدث المتمثلة في "اتفاق مسقط الإطاري" (ديسمبر 2025)، وكفاءة القنوات الإقليمية الثنائية في صناعة أكبر صفقة تبادل تم التوقيع عليها منتصف العام الجاري (مايو 2026).

تُناقش المادة العوامل والمعوقات التي تعترض الوصول إلى تصفير كامل للسجون وفق مبدأ "الكل مقابل الكل"، وتخلص إلى أن "انعدام الثقة المتبادلة" و"التوظيف السياسي الممنهج" للمحتجزين كأوراق ضغط تفاوضية يحولان دون حل هذا المسار الإنساني وعزله عن تقلبات الميدان العسكري.

كما تسلط المادة الضوء على محدودية الدور الأممي والدولي، الذي انكفأ نحو "التيسير التقني واللوجستي" مفتقراً لأدوات الضغط الحقيقية، في مقابل تصاعد فاعلية الدور الإقليمي الثنائي (الذي تقوده سلطنة عُمان بالتنسيق مع القوى الإقليمية المؤثرة)، حيث أثبتت التجربة أن التقدم في هذا الملف يتحرك طردياً مع نضج التفاهمات الإقليمية الكبرى، وليس بفعل الضغوط الدولية التقليدية.

 

   المنهجية:

     تعتمد هذه الدراسة على منهج وصفي تحليلي يقوم على تتبع تطور ملف الأسرى والمعتقلين في اليمن خلال مراحل التفاوض المختلفة، وتحليل السياقات السياسية والعسكرية والإنسانية التي أثرت في مسار هذا الملف.

وتستند الدراسة إلى ثلاثة مستويات تحليلية رئيسية:

الأول: المستوى التاريخي التتبعي
من خلال رصد أبرز محطات التفاوض والاتفاقات المرتبطة بملف الأسرى، بدءًا من اتفاق ستوكهولم عام 2018، مرورًا بجولات سويسرا والأردن ومسقط، وصولًا إلى التفاهمات والصفقات الأحدث في عام 2026.

الثاني: المستوى السياسي التفسيري
عبر تحليل كيفية تحوّل ملف الأسرى من قضية إنسانية يفترض عزلها عن مسارات النزاع، إلى أداة ضغط سياسي وعسكري تستخدمها الأطراف لتحقيق مكاسب تفاوضية، أو إدارة التصعيد والتهدئة.

الثالث: المستوى الإقليمي والدولي
من خلال تقييم أدوار الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والوسطاء الإقليميين، وقياس فاعلية كل طرف في تسهيل المفاوضات أو الضغط باتجاه تنفيذ الاتفاقات، مع التركيز على التحول من الوساطة الأممية التقليدية إلى القنوات الإقليمية الثنائية.

كما تعتمد الدراسة على تحليل مضمون الاتفاقات والتفاهمات المعلنة، ومقارنة مخرجات الجولات التفاوضية، واستنتاج الاتجاهات العامة والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل هذا الملف.

 

تاريخ التفاوض: نجاح جزئي وإخفاق شامل

خاضت الأطراف اليمنية – بدعم إقليمي ودولي- سلسلة طويلة من المفاوضات حول ملف الأسرى والمعتقلين، ورغم كل الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية، فإن هذا الملف لا يزال عالقاً على مشجب عدم الثقة والتوظيف السياسي، الأمر الذي يبقي آلاف المعتقلين رهينة الوصول إلى اتفاق شامل لا يبدو أنه قريب المنال. وفيما كان ينبغي أن يسير التفاوض على قاعدة "الكل مقابل الكل"، إلا أن كثيراً من المعوقات وقفت في الطريق، سيما من جانب الحوثيين الذين أعاقوا التفاوض في بعض الأحيان، وعرقلوا التنفيذ في أحيان أخرى.

وفيما يلي نستعرض أهم جولات التفاوض المتعلقة بالأسرى:

  • اتفاق ستوكهولم (ديسمبر 2018): وقع الطرفان اتفاقية تبادل نحو 15 ألف أسير ومعتقل ومخفي قسرياً، وعلى الرغم أنه لم يتم التنفيذ إلا أن الاتفاق شكّل قاعدة أساسية للتفاوض في مراحل لاحقة.
  • جولة مونترو- سويسرا (سبتمبر 2020): أدت لإنجاح أول وأكبر صفقة تبادل أسرى منذ بداية الحرب، وأسفر عنها الإفراج عن 1056 أسيراً من الطرفين.
  • جولة برن- سويسرا (مارس 2023): أنجحت ثاني صفقة تبادل، شملت 887 محتجزاً من الطرفين. وأهم من شملتهم الصفقة من طرف الحكومة: وزير الدفاع السابق محمود الصبيحي، وشقيق رئيس الجمهورية السابق/ ناصر منصور هادي، وأقارب الرئيس الراحل علي صالح، بالإضافة إلى 4 صحفيين محكوم عليهم بالإعدام من محكمة تتبع الحوثيين.
  • جولات عمّان- الأردن (بين عامي 2019 و 2021): باءت بالفشل، جراء ربط الملف بالمسارات العسكرية والسياسية. ودخلت في مضامين التفاوض تفاصيل كثيرة تتعلق بكشوفات المفقودين، وتبادل الطرفان الاتهامات بوجود أسماء وهمية.
  • جولة مسقط- عُمان (يوليو 2024): كانت قد بدأت تحقق تقدماً ملموساً، غير أن ربطها فيما بعد بالتصعيد العسكري والاقتصادي في المنطقة أدى إلى تعثرها، ومن ثم فشلها.
  • جولة مسقط- عُمان (ديسمبر 2025): لم يسفر عنها اتفاق نهائي، لكنها شكّلت تمهيداً للجولة التالية.
  • جولة عمّان- الأردن (مايو 2026): وتم الاتفاق على تبادل يشمل أكثر من 1700 أسيراً من الطرفين.

 

انعدام الثقة

يمثل انعدام الثقة بين الأطراف المعنية، العقبة الهيكلية الأبرز التي تحوّل ملف الأسرى والمحتجزين من قضية إنسانية بحتة إلى ورقة تفاوض بالغة التعقيد. وعلى الرغم من توقيع عدد من الاتفاقيات، وتكرار إعلان حسن النوايا، ظل التوجس والريبة يحكمان مواقف الأطراف، مما أدى إلى تحويل جولات التفاوض إلى ما يشبه معركة كسر الإرادة.

وتتمثل عرقلة المفاوضات الناتجة عن أزمة الثقة في المظاهر التالية:

  • التشكيك في القوائم والإنكار المتبادل: تبادل الطرفان كشوفات الأسماء، وبعدها قوبلت كل قائمة بظلال من الشك. واتهم كل طرف الآخر بتقديم أسماء وهمية، أو إدراج عناصر قضوا في جبهات القتال، أو المطالبة بمقاتلين لم يتم أسرهم أصلاً. واستهلك هذا التشكيك شهوراً طويلة في آليات التحقق والتفنيد المتبادل، في ظل غياب آليات التحقق المستقلة والفعالة.
  • تسييس الشخصيات الرمزية (المعتقلين السياسيين): يتعامل الحوثيون مع القيادات الرفيعة والمخفيين قسرياً، بوصفهم أوراق ضغط استراتيجية لا يمكن التنازل عنها إلا بمكاسب سياسية أو اقتصادية كبرى. وفي المقابل، ترى الحكومة الشرعية أن التنازل في ملفات معينة دون إطلاق سراح شخصيات رمزية محددة هو رضوخ سياسي. كما أن هذا المنظور يُفشل مبدأ "الكل مقابل الكل"، ويجزّئ الصفقات ويجعلها مرهونة بحسابات سياسية وميدانية.
  • اشتراطات وتعطيل التنفيذ: بعد التوصل إلى تفاهم أولي، يبرز انعدام الثقة عبر الشروط اللوجستية المفاجئة، مثل الخلاف حول مقار انطلاق طائرات الصليب الأحمر، أو رفض النزول الميداني إلى مناطق الاحتجاز، خشية الكشف عن المواقع العسكرية والأمنية، ويعزز هذا عدم وجود شفافية في أماكن الاحتجاز.

والخلاصة هنا إن غياب الثقة بين الأطراف يمتد من التفاوض إلى مرحلة التنفيذ، ويؤدي إلى ربط الملف الإنساني بمسارات التصعيد العسكري أو الاقتصادي. فكلما تدهورت الأوضاع الميدانية أو تجدد التصعيد، تراجعت الرغبة في تقديم تنازلات، وبات يُنظر إلى أي مرونة خلال التفاوض على أنها ضعف وتنازل بدون مقابل. ونتيجة لذلك، يتحول الاتفاق من مسار إنساني دائم إلى صفقات مؤقتة ومتقطعة، تُدار بعقلية الربح والخسارة، وينجم عنها إطالة أمد معاناة آلاف من المحتجزين وعائلاتهم.

 

التوظيف السياسي لملف الأسرى: من الأنسنة إلى أدوات الضغط الاستراتيجي

بالإضافة إلى انعدام الثقة بين أطراف التفاوض حول الأسرى والمعتقلين، فإن التوظيف السياسي لهذا الملف ساهم كثيراً في تعقيده، ووضع كثير من العراقيل والمعوقات التي تحول دون التوصل إلى حل نهائي وشامل ينهي معاناة آلاف المحتجزين الذين مضى عليهم سنوات طويلة.

ويُعدّ التسييس الممنهج لملف الأسرى والمحتجزين أحد أبرز العوامل التي تحول دون تحويل التفاهمات الإنسانية إلى واقع تنتهي معه معاناة الضحايا. وعلى الرغم من أن القانون الدولي الإنساني (وفي المقدمة اتفاقيات جنيف) ينص على ضرورة عزل الملفات الإنسانية عن مسار المقايضات السياسية، إلا أن الواقع اليمني يكشف عن تحول المحتجزين إلى "أوراق ضغط" تُدار وفق حسابات سياسية وميدانية.

وتبرز ثلاثة أبعاد رئيسية في التوظيف السياسي لموضوع الأسرى والمعتقلين:

1. استخدام الملف كأداة لإدارة التصعيد أو التهدئة:

وهنا يظهر الحوثيون قدرة كبيرة على هذا التوظيف، وإدارة العمليات من خلاله، فلكما شعروا أن ثمة ضغوط خارجية عليهم من أجل وقف التصعيد سارعوا للتجاوب في موضوع الأسرى، مبدين مرونة في التعامل، ومعلنين "حسن النوايا"، وفي المقابل يسارعون لتجميد الملف والتراجع عن التزاماتهم السابقة عندما يجدون الفرصة موانية للتنصل عن الاتفاقات والالتزامات السابقة.

2. التمايز في القيمة التفاوضية للمعتقلين والمحتجزين:

حيث تتعامل الأطراف مع المحتجزين بمنطق "قيمة تفاوضية متفاوتة" بدلاً عن المنطق الإنساني الذي يجعل الجميع متساوين وعلى قاعدة واحدة من التعامل. فمن جانب الحوثيين يتم الاحتفاظ بالقيادات الرفيعة والصحفيين والسياسيين كرهائن استراتيجيين، لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية كبرى في مقابل الإفراج عنها. أما المقاتلون العاديون فيتم التعامل معهم كعدد لتأمين التوازن الكمي في الصفقات الجزئية، وهذا في المجمل يؤدي إلى عرقلة الحل الشامل للملف على مبدأ "الكل مقابل الكل"، لصالح صفقات مرحلية منتقاة تخدم الأهداف الجزئية والمؤقتة.

3. التوظيف الدعائي والبحث عن شرعية محلية:

غالباً ما تستغل عمليات التبادل في تحقيق أهداف سياسية وإعلامية وتعبئة حواضن شعبية، ويتجلى ذلك من خلال احتفالات استقبال الأسرى، وتسويق ذلك باعتباره نصراً معنوياً، يثبت التزام كل طرف تجاه منتسبيه، واستثمار التبادل في تعزيز شرعيته المحلية. 

وتتجلى إشكالية التوظيف السياسي في كونها تؤدي إلى إفراغ الملف من مضامينه الإنسانية، وتحويلها إلى مكاسب سياسية كنوع من المقايضة بين الحرية الإنسانية والمصالح السياسية.

 

الدور الخارجي في ملف الأسرى: التيسير التقني بدلاً عن الضغط السياسي

المتابع لتطورات ملف الأسرى والمحتجزين يلاحظ محدودية الدور الخارجي، وتحوله من دور سياسي فاعل وضاغط إلى دور تقني ميسّر، لذلك فإن المقاربة الإقليمية والدولية تُواجه انتقادات بنيوية متزايدة تركز على تحوّل هذا الدور إلى دور هامشي أو ثانوي، يفتقر إلى الإرادة السياسية والأدوات التنفيذية اللازمة لفرض حل شامل. ورغم الحضور المستمر لمكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن الفجوة تظل واسعة بين حجم الآمال المعقودة على الدور الدولي وبين مخرجاته على الأرض.

ويمكن تفكيك مظاهر هذا الضعف الهيكلي في الدور الخارجي عبر النقاط التالية:

1. الانكفاء نحو "الوساطة الفنية

اقتصر دور البعثة الأممية والمنظمات الراعية في كثير من المحطات على الجوانب الإجرائية واللوجستية؛ مثل: تنظيم اللقاءات، وتوفير قاعات التفاوض، وإعداد جداول الأعمال، وتسهيل الجوانب اللوجستية لنقل الأسرى عبر طائرات الصليب الأحمر. وهذا الانكفاء نحو "الفنية" يجرّد الدور الدولي من قدرته على التوجيه السياسي، ويجعله وسيطاً ناقلاً للرسائل، وموثّقاً للاتفاقات، عوضاً عن كونه ضامناً لتنفيذها.

2. غياب أدوات الضغط الحقيقية

تتحاشى القوى الدولية الراعية للمسار اليمني استخدام أدوات ضغط خشنة، أو حوافز وعقوبات حقيقية لإجبار الأطراف على الالتزام بالقوائم وتصفير السجون. ويعود هذا التردد إلى رغبة الوسطاء الدوليين في الحفاظ على "قنوات اتصال مفتوحة" مع جميع الأطراف، حيث يخشى المبعوث الأممي أن يؤدي الضغط الصارم في ملف الأسرى إلى دفع أحد الأطراف (خاصة جماعة الحوثيين) إلى مقاطعة المسار السياسي الأشمل (مسار وقف إطلاق النار والتسوية الكلية). ونتيجة لذلك، يتم التضحية بالحسم في الملف الإنساني لحساب الحفاظ على "شعرة معاوية" في الملف السياسي.

3. عدم تفعيل القرارات الدولية كمرجعيات ملزمة

على الرغم من وجود قرارات دولية صارمة (مثل القرار 2216) ومذكرات تفاهم ملزمة (كاتفاق ستوكهولم 2018)، إلا أن المجتمع الدولي يتعامل مع خروقات هذه الاتفاقيات بـ "الدبلوماسية الناعمة" وبيانات تعبر عن القلق، دون إيجاد آليات لمحاسبة الطرف/ الأطراف التي تقوم بإنكار كشوفات الأسرى، أو تسييس ملف المخفيين قسرياً، أو تجميد الصفقات في اللحظات الأخيرة.

4. تغليب المقاربات الإقليمية على الإرادة الأممية

أثبتت التجربة أن الاختراقات الكبرى في هذا الملف (مثل تفاهمات مسقط أواخر 2025 والصفقة الكبرى التي تلتها في 2026) لم تكن نتاجاً لضغوط أممية، بل كانت انعكاساً مباشراً لـ تفاهمات إقليمية ثنائية ورغبة من الأطراف في خفض التصعيد لغايات استراتيجية أخرى. ويؤكد هذا الأمر أن الدور الأممي يظل تابعاً للمناخ الإقليمي ومستجيباً له، وليس محركاً مستقلاً قادراً على فرض أجندة إنسانية صلبة.

ويمكن الاستنتاج هنا أن اختزال الدور الدولي في "التيسير التقني" يمنح الأطراف المحلية مساحة واسعة للمناورة والتنصل من الالتزامات دون الخوف من كلفة سياسية. ولن يتجاوز هذا الملف مربع الجمود إلا إذا تحول الدور الخارجي من ميسّر للعملية إلى ضامن للالتزام ومراقب لتنفيذه، يربط تقدم العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الأطراف بمدى تقدمهم في إغلاق هذا الملف الإنساني.

وفي هذا الصدد يُشكّل مسار "اتفاق مسقط الإطاري" في ديسمبر 2025 والصفقة الكبرى التي تلت التوقيع عليها في منتصف مايو 2026، النموذج الأكثر وضوحاً على تحول مركز الثقل التفاوضي في اليمن من "المنظومة الأممية متعددة الأطراف" إلى "القنوات الإقليمية الثنائية". ويثبت هذا التحول بشكل عملي أن الفاعلية في حلحلة الملفات المعقدة باتت ترتبط بالترتيبات الإقليمية المباشرة، أكثر من ارتباطها بالآليات التقليدية للأمم المتحدة.

ويمكن تتبع كيف عكس هذا المسار تقدم الدور الإقليمي الثنائي من خلال الأبعاد التالية:

  • دعم " الرياض" حول “مسقط" من مجرد مستضيف لوجستي إلى مركز ثقل سياسي

على العكس من جولات التفاوض السابقة في العواصم الأوروبية أو العربية التي كان يقتصر دورها على الاستضافة اللوجستية، لعبت سلطنة عُمان في جولة ديسمبر 2025 دور الوسيط الإقليمي المباشر والمحرك الفعلي للمفاوضات، هذا الدور لم يكن لينجح بدون دعم المملكة العربية السعودية، التي أصبحت وسيطا موثوقا بين الأطراف اليمنية بالذات مكونات الشرعية، ما جعل التنسيق معها يسهل مهمة مسقط التي استخدمت قنواتها المفتوحة مع جماعة الحوثيين في الضفة الأخرى، وصولا إلى صياغة "الاتفاق الإطاري" ذي المراحل الثلاث، المتجاوز لحالة الانسداد التي عجزت الآليات الأممية عن كسرها لسنوات.

  • تراجع الدور الأممي إلى مرتبة "المباركة والتنفيذ الفني"

في اتفاق مسقط 2025 وتفاهمات عمّان 2026، بدا دور مكتب المبعوث الأممي كجهة "ميسّرة ومبارِكة" للاتفاق وليست صانعة له، ولا حتى مشاركة فيه، حيث تُرِكت التفاصيل الحساسة للتفاهمات الإقليمية والثنائية التي قادتها عُمان بالتنسيق مع القوى الإقليمية المؤثرة في المشهد اليمني. وجاءت الإحاطات الأممية لاحقاً لتبني على ما تم إنجازه خلف الكواليس الإقليمية، الأمر الذي يؤكد أن الأمم المتحدة أصبحت بمثابة مظلة شرعية دولية لإضفاء الطابع الرسمي على تفاهمات تمّت- وتتم خارج أروقتها الرسمية التي ثبت عجزها وفشلها.

  • ربط الملف بحزم المصالح الإقليمية الكبرى

إن النجاح في صياغة اتفاق ديسمبر 2025، والذي أثمر عن أكبر صفقة تبادل أسرى ومحتجزين في مايو 2026 (تشمل نحو 1750 محتجزاً)، لم يكن نتيجة لصحوة ضمير إنساني فجائية لدى الأطراف المعنية، بقدر ما كان انعكاساً لرغبة القوى الإقليمية في خفض مستويات التصعيد في منطقة البحر الأحمر وجنوب الجزيرة العربية. جرى التعامل مع ملف الأسرى كـ "بوابة لبناء الثقة"، حيث شملت الصفقة محتجزين من قوات التحالف العربي، وهو ما يعكس مقايضة وجهود ومفاوضات إقليمية أوسع، لا تملك الأمم المتحدة أدوات إدارتها أو التأثير في شروطها.

  • القدرة الإقليمية على تقديم الضمانات المتبادلة

تفتقر الأمم المتحدة إلى أدوات فرض العقوبات أو تقديم الحوافز السيادية للأطراف اليمنية، بينما يمتلك الفاعلون الإقليميون القدرة على تقديم ضمانات حقيقية، تتعلق بملفات حيوية كالرواتب، الموانئ، والمطارات، والتهدئة العسكرية. ويتضح جلياً أن هذه الضمانات الإقليمية المتبادلة هي التي أمّنت العبور الآمن لاتفاق مسقط من مجرد "إطار نظري" في أواخر 2025 إلى "صفقة تنفيذية ضخمة" في منتصف 2026.

ويمكن القول إن هذا التحول يثبت أن ملف الأسرى في اليمن يتبع كيمياء العلاقات الإقليمية بشكل طردي، فكلما نضجت التفاهمات الثنائية بين العواصم المؤثرة في المنطقة، تحرك الملف الإنساني بسرعة ومرونة، وظل دور الآليات الأممية التقليدية محصوراً في ضبط الإجراءات اللوجستية وتوثيق اللحظة التاريخية، مع الاعتراف بالعجز وعدم القدرة على صناعتها.

 

التحديات والعوائق

بناءً على تتبع محطات هذا الملف والديناميكيات المتحكمة فيه، يمكن استخلاص عدة تحديات رئيسية تشكل مجتمعة البنية المعرقلة للوصول إلى حل شامل يقوم على يقوم مبدأ الكل مقابل الكل، وتصفير السجون. ونجملها فيما يلي:

  1. الاستقطاب السياسي وتحويل الملف إلى ورقة ضغط

يتمثل التحدي الأكبر في غياب الفصل الحاسم بين المسار الإنساني والمسار السياسي العسكري. فالأطراف لا تنظر لملف الأسرى كحالات إنسانية تستوجب الإفراج الفوري، بل كـ "مخزون استراتيجي" وأوراق تفاوضية يتم الإفراج عنها بالتقسيط أو بالتقطير، لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية في ملفات أخرى كالرواتب، وفتح المطارات، أو التهدئة العسكرية.

  1. التفاوت في القيمة التفاوضية واحتجاز الرموز

غالباً ما تصطدم صيغة "الكل مقابل الكل" بصخرة التفاوت في تصنيف الأسرى. فالأطراف – تحديداً الحوثيين- تبدي مرونة عالية في تبادل المقاتلين العاديين لتأمين أعداد متوازنة، لكنها تبدي تعنتاً صارماً تجاه القيادات السياسية والعسكرية الرفيعة، أو الصحفيين والمخفيين قسرياً. وهذا التمايز يحوّل المفاوضات الشاملة إلى صفقات جزئية مؤقتة ومحدودة.

  1.  إشكالية التحقق الفني من القوائم

يبرز هذا التحدي عند تقديم كشوفات الأسماء، حيث يصطدم الطرفان بالإنكار المتبادل لوجود أسماء بعينها، أو تبادل قوائم تحتوي على أسماء مكررة، أو أشخاص قتلوا بالفعل في جبهات القتال، أو مدنيين تم احتجازهم من الطرقات والمنازل وأماكن عملهم لرفع القيمة العددية للقوائم. أي أن غياب قاعدة بيانات موحدة وموثوقة يستهلك أشهراً من التفاوض في تفنيد الكشوفات دون جدوى.

  1.  ضعف وهشاشة المظلة الدولية

إن انكفاء الدور الأممي والدولي على التيسير التقني واللوجستي، وعجزه عن ممارسة ضغوط حقيقية أو فرض عقوبات وكلفة سياسية على الطرف المعرقل، يمنح الأطراف المعرقلة مساحة واسعة للمناورة والتراجع عن الالتزامات في اللحظات الأخيرة دون خوف من تبعات دولية.

  1.  ارتهان الملف للمناخ الإقليمي

رغم أن التفاهمات الإقليمية (مثل مساق مسقط 2025-2026) أثبتت أنها المحرك الفعلي للاختراقات الكبرى، إلا أن هذا الاعتماد يعتبر سلاحاً ذا حدّين، ففي حال حدوث أي انتكاسة في العلاقات الإقليمية أو تصعيد جديد في ملف الملاحة والأمن الإقليمي، فإن ملف الأسرى يتجمد فوراً، مما يجعله رهينة لمتغيرات خارج حدود إرادة اليمنيين.

 

السيناريوهات المتوقعة:

  1.  استمرار الوضع الحالي (أكثر ترجيحاً): ويتضمن صفقات جزئية متقطعة مع غياب الحل الشامل.
  2. تقدم تدريجي مشروط: يعتمد على بناء الثقة عبر إفراجات متعددة، مع وجود دور أكبر للوساطة الدولية.
  3. اختراق شامل (أقل ترجيحاً): ويتمثل في تنفيذ مبدأ "الكل مقابل الكل"، ويرتبط بتسوية سياسية أوسع.

 

 

خلاصة واستنتاجات

في ضوء ما سبق، يمكن الخروج بالاستنتاجات التالية:

  • أثبتت التجربة التاريخية للمفاوضات اليمنية أن التعامل مع ملف الأسرى كـ "حزمة واحدة شاملة" يصطدم دائماً بالفشل، نظراً لتفاوت القيمة التفاوضية التي تضعها الأطراف للشخصيات الرمزية والمخفيين قسرياً، مقارنة بالمقاتلين العاديين. وإن النجاحات الجزئية لم تتحقق إلا عبر "سياسة التفتيت والتجزئة".
  • مرونة الإقليم وهشاشة الأمم المتحدة: يكشف العبور الآمن من تفاهمات ديسمبر 2025 في مسقط إلى التنفيذ اللوجستي للصفقة الكبرى في عام 2026، أن مراكز الثقل التفاوضي قد انتقلت بنيوياً لصالح الوسطاء الإقليميين القادرين على تقديم ضمانات حقيقية متبادلة (سياسية واقتصادية)، بينما تراجع الدور الأممي ليلعب دور المظلة الشرعية والتسهيل الإجرائي.
  • أفق الحل المستدام: لن يشهد هذا الملف حلاً جذرياً ومستداماً ما لم يتم انتزاعه من سياق المقايضات السياسية والعسكرية. وإن ارتهان مصير آلاف المحتجزين للمناخ الإقليمي والتوترات الملاحية أو الاقتصادية يعني بقاء هذا الملف عرضة للانتكاسات، الأمر الذي يتطلب إلزام الأطراف بآليات تحقق مستقلة وقاعدة بيانات موحدة تحت رقابة دولية صارمة.

 

الخاتمة

تكشف تجربة التفاوض حول ملف الأسرى والمعتقلين في اليمن أن هذا الملف لم يعد مسارًا إنسانيًا مستقلًا، بل أصبح جزءًا من بنية الصراع السياسي والعسكري، وورقة تفاوضية توظفها الأطراف بحسب موازين القوة والضغط والتهدئة. وعلى الرغم من أن الصفقات الجزئية حققت اختراقات مهمة وخففت معاناة مئات الأسرى وعائلاتهم، إلا أنها لم تؤسس حتى الآن لمسار شامل ومستدام يؤدي إلى إغلاق هذا الملف نهائيًا.

لقد أثبتت التجربة أن العائق الأكبر لا يتمثل فقط في صعوبة التحقق من القوائم أو الترتيبات اللوجستية، بل في غياب الثقة، وتفاوت القيمة التفاوضية للمحتجزين، واحتفاظ الأطراف بالشخصيات الرمزية والمعتقلين السياسيين كورقة ضغط استراتيجية. كما أظهر مسار المفاوضات محدودية الدور الأممي والدولي، الذي ظل في الغالب أقرب إلى التيسير الفني واللوجستي منه إلى الضمان السياسي الملزم.

في المقابل، برزت القنوات الإقليمية، بوصفها أكثر قدرة على تحريك الجمود، نتيجة امتلاكها أدوات تواصل وضمانات ومصالح متقاطعة مع الأطراف المؤثرة. غير أن ارتهان ملف الأسرى للمناخ الإقليمي يجعله عرضة للانتكاس كلما تصاعدت التوترات السياسية أو العسكرية في اليمن والمنطقة.

وعليه، فإن الحل المستدام لهذا الملف يتطلب إعادة الاعتبار لطبيعته الإنسانية، وفصله قدر الإمكان عن مسارات المقايضة السياسية والعسكرية، وإنشاء آلية تحقق مستقلة وموحدة لقوائم المحتجزين، وربط أي تقدم في المسارات السياسية والاقتصادية بمدى التزام الأطراف بإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسرًا. فبقاء هذا الملف مفتوحًا لا يعني فقط استمرار معاناة آلاف الأسر اليمنية، بل يعكس أيضًا عجز مسار السلام عن معالجة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا في الحرب اليمنية.

 

Share :