ما وراء اختبار إيران لقواعد اشتباك جديدة في اليمن؟

تقدير موقف | 8 يوليو 2026 03:58
ما وراء اختبار إيران لقواعد اشتباك جديدة في اليمن؟

 

مقدمة

  يمثل هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء الدولي يوم 3 يوليو/تموز 2026، ثم مغادرتها وعلى متنها وفد من قيادة الحوثيين إلى طهران، نقطة انعطاف ذات دلالة تتجاوز اعتبارها رحلة طيران مدنية -كما هو مُعلن-  إلى اختبار سياسي وسيادي وأمني متعدد المستويات تهدف من خلاله جماعة الحوثي وحليفها الإيراني إلى فرض قواعد اشتباك جديدة مع السعودية، وفي المنطقة. فالحوثيون قدّموا الرحلة بوصفها “كسرًا للحصار” ونقلة عملية نحو استمرار رحلات صنعاء–طهران، بينما تعاملت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا معها باعتبارها خرقًا مباشرًا للسيادة اليمنية وتحديًا لقرارات مجلس الأمن، وربطت بين الرحلة وبين احتمال نقل خبراء ومعدات ذات استخدام عسكري. أما السعودية فلم تؤكد/أو تنفي الرواية الحوثية بشأن “محاولة المنع الجوي”، لكنها ردّت لاحقًا بلهجة ردع عالية، متوعدة بـ“قوة غير مسبوقة” ضد أي استهداف للمملكة أو مساس بسيادة اليمن.

يأتي الحدث بعد أسابيع من تعبئة حوثية داخلية مكثفة، ربطت بين الأزمة الاقتصادية، وملف الرواتب، والسيادة على الموانئ والمطارات، والتحولات الإقليمية المرتبطة بإيران والبحر الأحمر.

تكشف التطورات اللاحقة للرحلة أن صنعاء وطهران تحاولان تثبيت سابقة جديدة وتغيير قواعد الاشتباك التي كانت موجودة منذ 2015، لا مجرد تسجيل اختراق عابر. عودة الظهور العلني للسفير الإيراني لدى الحوثيين في صنعاء، وظهور مسؤول استخبارات حوثي بارز ضمن الوفد الذاهب إلى طهران، ولقاءات قيادات حوثية مع مسؤولين إيرانيين، كلها مؤشرات على أن الخط الجوي بين صنعاء وطهران يحمل أبعاداً سياسية وأمنية وعسكرية وبعيد عن كونه مرتبط بالأبعاد الإنسانية.

 

الخلفية الاستراتيجية

تكتسب رحلة 3 يوليو/تموز 2026 دلالتها الاستراتيجية من تموضعها داخل مثلث العلاقات اليمنية-السعودية-الإيرانية. ففي حين يمثل اليمن عمقاً أمنياً وجيوسياسياً حيوياً للمملكة العربية السعودية، وظفته طهران كساحة منخفضة التكلفة لاستنزاف خصومها وتهديد الملاحة عند باب المندب، مما أسهم – وفقاً للتقارير الأممية – في تحويل جماعة الحوثي من فاعل محلي محدود إلى تنظيم عسكري متطور ومؤثر إقليمياً عبر دعم مباشر من إيران وحلفائها.

ورغم أن الانفراج الدبلوماسي السعودي-الإيراني برعاية صينية في مارس/آذار 2023 قد أتاح فرصة لخفض التصعيد وأنتج "خارطة طريق" أممية تضمن حزم تفاهمات اقتصادية وإنسانية، إلا أن هذا المسار اصطدم بالتوازنات الإقليمية والدولية الأوسع. فقد أدى انخراط الحوثيين في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر منذ أواخر 2023 تحت لافتة "الإسناد الإقليمي" و"وحدة الساحات" إلى تدويل الملف اليمني، وتحويله من نزاع محلي قابل للاحتواء إلى عقدة استراتيجية عالمية ترتبط مباشرة بأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية.

ونصت هدنة أبريل/نيسان 2022 على تسيير رحلات تجارية إنسانية من مطار صنعاء إلى عمّان والقاهرة، وفيما استمرت رحلات الأردن إلا أن مصر رفضت التعامل مع جوازات السفر من مناطق الحوثيين. تحوّل هذا الملف سريعاً إلى ساحة صراع بلغت ذروتها في يونيو/حزيران 2024 باحتجاز الجماعة لأربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية فور عودتها من نقل الحجاج؛ للتعرض لغارات جوية إسرائيلية دمرتها مع معظم المطار الرئيسي ومدارجه في مايو/أيار 2025. واتخذت الحكومة اليمنية قراراً حاسماً بمنع عودة أو هبوط ما تبقى من طائرات الأسطول الوطني في مطار صنعاء لحمايتها من مصير الاحتجاز أو الاستهداف العسكري، مما أدى في النهاية إلى توقف الملاحة المدنية والتجارية بالمطار بشكل كامل.

 

الاختراق وتداعياته

كشفت بيانات تتبع رحلة "ماهن إير" (W51199) عن تخطيط عملياتي استثنائي وُظفت فيه طائرة عريضة البدن من طراز "أيرباص A340-300" ذات قدرة استيعابية ضخمة للشحنات والأفراد، بما يتجاوز القيود المعتادة للرحلات الأممية الخفيفة. ولتأمين عبور الطائرة الخاضعة للعقوبات الأمريكية، سلكت مساراً التفافياً طويلاً بمحاذاة الأجواء العُمانية امتد لنحو 3200 كيلومتر تجنباً لمناطق الاحتكاك المباشر في الخليج وبحر العرب، مما يشير إلى وجود تفاهمات وترتيبات لوجستية إقليمية صامتة وفرت العبور الآمن للطائرة، مع وجود شكوك بنقل خبراء وأسلحة نوعية وحساسة مثل البيلوجي[1]

لم تمر رحلة الطائرة الإيرانية دون احتكاك عسكري مباشر؛ وحدثت مواجهة جوية صامتة دارت في أجواء محافظة عمران وصنعاء فجر الثالث من يوليو/تموز[2]. ومع اقتراب الطائرة الإيرانية من أجواء العاصمة بين 4 و5 فجراً بالتوقيت المحلي، حاولت مقاتلات حربية تابعة للقوات الجوية الملكية السعودية اعتراض الطائرة ومنعها من الهبوط بالمطار، تطبيقاً لتدابير الحظر المعتمدة؛ أطلق الحوثيون صواريخ اعتراض، فيما شنت المقاتلات غارات على مصادر إطلاق النيران. وأكد الحوثيون الاشتباك العسكري الأول منذ 2022، ولم تنف الرياض حدوثه، وهبطت الطائرة بحمولتها لأكثر من 200 راكب، وقامت بتحميل أكثر من 200 آخرين في رحلة العودة.

عقب الحادثة ووصول الطائرة إلى طهران سارع المتحدث العسكري باسم الحوثيين، العميد يحيى سريع، إلى إلقاء بيان متلفز حمل رسائل تهديد مباشرة وغير مسبوقة للمملكة العربية السعودية؛ ومؤكدًا استمرار الرحلات بين صنعاء وطهران “مهما كانت النتائج والتداعيات”[3]. وتضمن البيان رؤية الحوثيين لمعادلة الردع الجديدة التي يحاولون فرضها تقوم على أساس "الرد الشامل والمباشر" بأن أي محاولة مستقبلية لاستهداف الطائرات المتجهة إلى مطار صنعاء "ستواجه برد شامل يستهدف المطارات والمصالح الحيوية للمملكة في البر والبحر". حيث شمل بنك الأهداف المعلن البنية التحتية الحرجة — كالمطارات الدولية الرئيسية (الرياض وجدة)، ومنشآت "أرامكو"، والموانئ — بالإضافة إلى توجيه تهديد مباشر للبيئة الاستثمارية وسوق المال السعودي (تداول)، في محاولة لربط الاستقرار الاقتصادي الإقليمي برفع القيود الملاحية والاقتصادية عن الجماعة[4].

وردت السعودية في اليوم التالي عبر بيان التحالف على التهديدات الحوثية، ووصفتها بأنها محاولة لصرف الانتباه عن انتهاكات الجماعة بحق اليمنيين، متوعدة برد حازم و“بقوة غير مسبوقة” على أي استهداف للمملكة أو انتهاك لسيادة اليمن[5]. أما الموقف الرسمي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا جاء سريعًا وحادًا. فبعد ساعات من هبوط الطائرة عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعًا طارئًا وصف فيه تسيير رحلة جوية مباشرة إلى صنعاء بأنه “انتهاك صارخ” للسيادة اليمنية وتحدٍ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وعدّه تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي[6]. وبعد ذلك بثلاثة أيام، صعّد الرئيس رشاد العليمي الخطاب أكثر، إذ دعا إلى تحقيق دولي في حمولة الطائرة، وقال إن مؤشرات أولية تنسف الرواية الحوثية الإنسانية، لافتاً إلى أن التقارير تفيد بوجود عناصر عسكرية وأمنية وخبراء إيرانيين في تطوير المسيّرات والصواريخ، ومعدات اتصالات وقيادة وسيطرة، بل وأشار إلى “انقطاعات متكررة” في إشارات التتبع أثناء عبور الأجواء اليمنية[7].

استخدام طائرة مرتبطة باسم “ماهان إير” يزيد حساسية الخطوة. وزارة الخزانة الأميركية صنفت ماهان إير منذ 2011 بسبب تقديم دعم مادي ولوجستي لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، وقالت إن الشركة وفّرت نقلًا لعناصر وأسلحة وأموال، بينما أدرجها مجلس الاتحاد الأوروبي ضمن الكيانات المعاقبة في 2024 بسبب علاقتها بنقل وتوريد طائرات مسيرة وتقنيات مرتبطة بروسيا وبجهات تقوض الأمن في الشرق الأوسط والبحر الأحمر. لذلك، حتى لو لم تُثبت علنًا حمولة عسكرية في رحلة 3 يوليو، فإن اختيار ناقل بهذا السجل يرفع تلقائيًا كلفة الشكوك السياسية والدبلوماسية.

 

الحدث بوصفه اختباراً

ينبغي قراءة هبوط الطائرة الإيرانية في صنعاء باعتباره اختباراً عملياً لمعادلة جديدة، لا حدثاً منفرداً. فمنذ أواخر يونيو/حزيران، صعد الحوثيون خطاباً يقوم على أن مرحلة “اللا حرب واللا سلم” لم تعد قابلة للاستمرار، وأن على السعودية تنفيذ ما تعتبره الجماعة استحقاقات إنسانية واقتصادية، وفي مقدمتها الرواتب وفتح المنافذ والمطار. لذلك جاءت الرحلة الإيرانية لتقدم للجماعة نموذجاً عملياً لما تعنيه عبارة “انتزاع الحقوق”: ليس انتظار تفاهم رسمي، بل فرض واقع جديد ثم مطالبة الأطراف الأخرى بالتعامل معه.

سياسيًا، يمنح هذا الخطاب الحوثيين مكاسب داخلية وخارجية. داخليًا، يصور القيادة على أنها القادرة على كسر العزلة وإجبار الخصوم على التراجع، ويعيد تعبئة القاعدة حول فكرة “الانتصار الرمزي” بعد سنوات من المساومات حول المطار والرواتب وطرق تعز. وخارجيًا، يرسل رسالة إلى طهران ومحور “المقاومة” بأن الجماعة قادرة على تحويل الانتماء السياسي إلى بنية لوجستية ملموسة. ولهذا لم يكن تفصيلاً ثانويًا أن تُقرن الرحلة بحضور جنازة خامنئي، لأن ما جرى كان فعل ولاء سياسي بقدر ما كان حركة نقل.

ولم يكن اختيار إيران تفصيلاً ثانوياً. فطهران ليست شركة طيران محايدة ولا وسيطاً إنسانياً، بل الطرف الإقليمي الداعم للحوثيين والأكثر التصاقاً بالحركة ضمن "وحدة الساحات". ولذلك فإن وصول الطائرة إلى صنعاء منح الحدث وظيفة مزدوجة: داخلياً، أمكن تسويقه كأول ثمرة لمرحلة التعبئة؛ وخارجياً، بدا كإشارة إلى أن إيران مستعدة للانتقال من التفاوض مع جيرانها حول الوضع الإقليمي إلى حضور علني في تمكين "حلفائها الحوثيين" في اليمن بعيداً عن القانون الدولي والاعتبارات الإقليمية والاعتراف الدولي.

الأهم أن الحوثيين لم يتركوا الحدث في حدوده الفنية؛ كاختراق لما يسمونه "الحصار" بل بالتأكيد أن الرحلات بين صنعاء وطهران ستستمر "مهما كانت النتائج والتداعيات" وتهديد باستهداف لمصالح الحيوية السعودية إذا مُنعت الرحلات. بهذا المعنى، أصبح المطار ساحة اختبار للردع، تماماً كما كان البحر الأحمر ساحة اختبار لقدرة الحوثيين على التأثير في الملاحة الدولية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023م.

أحد التحولات اللافتة في الخطاب الحوثي هو الانتقال من الحديث عن “رفع المعاناة” إلى الحديث عن “السيادة”. فالمطار لم يعد يُقدَّم فقط بوصفه منفذاً ضرورياً للمرضى والعالقين، بل باعتباره رمزاً لحق الحركة في إدارة مجالها الجوي دون إذن من الحكومة اليمنية أو السعودية أو الأمم المتحدة أو من أي طرف خارجي. وهذا التحوّل مهم لأنه يرفع كلفة التسوية: فالخلاف لم يعد حول عدد الرحلات أو وجهاتها كما كان الأمر عليه بعد هدنة ابريل/نيسان2022 بل حول من يملك سلطة القرار في المجال الجوي الخاضع لسيطرة الحوثيين.

هذا التأطير السيادي يخدم الجماعة على أكثر من مستوى. فهو يسمح لها بتصوير أي اعتراض سعودي على الرحلات باعتباره استمراراً لما يصفونه ب"الحصار"، كما يمنحها مادة تعبئة داخلية في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية حادة. كما يتيح إخراج المطار من ملفات التفاوض باعتباره "سيادياً" للحركة، وسيتبعه مراحل جديدة تشمل "السيادة براً وبحراً وجواً" كما تقول وسائل إعلام الحركة. ما يفرغ التفاوض المستقبلي من ملفات فنية وينزع من الحكومة ورقة الاعتراف الدولي بها.

أما إيران، فدوافعها تبدو مركبة. أولًا، هناك البعد الرمزي المرتبط بتشييع خامنئي وحشد وفود الحلفاء وإظهار تماسك الشبكة الإقليمية حتى في لحظة انتقال أو اهتزاز على مستوى القيادة. ثانيًا، هناك بعد اختبار حدود الردع السعودي والدولي: هل يمكن لطهران أن تدشّن حضورًا جويًا مباشرًا إلى صنعاء دون ثمن فوري؟ ثالثًا، هناك بعد عملي محتمل يتمثل في تحويل الرحلات الإنسانية/الرمزية إلى قناة اتصال قابلة للتكرار. ومن هذا المنظور، فإن مجرد نجاح الرحلة الأولى يساوي – في المنطق الإيراني – “إثبات إمكانية” أكثر من كونه فتح خط جوي كامل.

 

دوافع الحوثيين: الردع، التفاوض، والداخل

يبدو أن سلوك الحوثيين مدفوع بثلاثة اعتبارات متداخلة. الأول هو الردع: تريد الجماعة إقناع السعودية بأن قواعد 2015 لم تعد صالحة، وأن محاولات التحكم بالمطار أو المجال الجوي ستقابل بردود لا تقتصر على الجبهات اليمنية. والثاني هو التفاوض: كلما ارتفعت كلفة منع الرحلات، زاد احتمال قبول ترتيبات جديدة بشأن المطار والموانئ والرواتب. والثالث هو الداخل: تحتاج الجماعة إلى إنجاز ملموس يعيد توجيه الغضب الشعبي بعيداً عن الأزمة المعيشية والاحتقان القبلي المتصاعد.

ومنذ مطلع العام الجاري ظهرت مؤشرات تآكل اجتماعي وأزمات داخلية، من بينها قضية الشيخ حمد بن فدغم ومطارح الريان الذي يوّلد اصطدام الحركة مع "السيادة القبلية"[8]. هذا المناخ، يوفر مرحلة “كسر الحصار” فرصة للقيادة الحوثية لإعادة بناء التفويض الداخلي حول قضية سيادية جامعة، وتخفيف التركيز على عجزها عن معالجة الفقر والرواتب والخدمات.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة الارتداد. فإذا لم تتكرر الرحلات، أو إذا فشلت الجماعة في تحويل الحدث إلى مكسب مستدام، فقد تصبح السردية عبئاً عليها. فقد رفعت القيادة الحوثية سقف التوقعات أمام جمهورها، وربطت المطار بمرحلة جديدة. التراجع دون مقابل واضح سيضعف أثر الإنجاز، بينما المضي في التصعيد قد يفتح الباب لمواجهة لا يمكن التحكم بمسارها بالكامل.

 

الحضور الإيراني: علنية أكبر ومخاطر أعلى

على هامش مراسم تشييع المرشد السابق في طهران، عقد اللواء جلال الرويشان (نائب رئيس وزراء الحوثيين لشؤون الأمن) اجتماعاً ثنائياً مغلقاً مع وزير الخارجية الإيراني الجديد، السيد عباس عراقجي، في الرابع من يوليو/تموز2022. وخلال اللقاء، وجه عراقجي رسائل دعم استراتيجية حاسمة حيث أعلن استعداد بلاده الكامل لتجنيد كافة قدراتها ونفوذها الدبلوماسي الإقليمي والدولي لدعم الحوثيين "والضغط من أجل رفع الحصار الاقتصادي والملاحي الشامل المفروض عليها"، وأكد التزام طهران بدعم بنود السلام المشروط برفع القيود عن الموانئ والمطارات اليمنية وتثبيت الحقوق السيادية لصنعاء. كما أكد المسؤولون الإيرانيون، ومن بينهم علاء الدين بروجردي عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى عن خطوات أخرى ستقوم بها إيران "لفك الحصار" عن الحوثيين. [9]

وتمثل عودة الظهور العلني ل "علي رضائي " السفير الإيراني لدى الحوثيين في صنعاء -بعد اختفاء علني منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024- مؤشراً بالغ الدلالة؛ فإذا كان وصوله قد تم فعلاً على متن الطائرة الإيرانية، فإن طهران تؤكد أن رحلة الطيران حملت وظيفة سياسية ودبلوماسية وأمنية لإعادة تثبيت حضورها السياسي داخل صنعاء، في لحظة تحدٍ مباشر للسعودية. فاللقاء بين رضائي وعبد الواحد أبو رأس لم يأتِ بصيغة بروتوكولية عادية، بل دار حول توسيع التعاون اليمني ـ الإيراني وكسر الحصار، مع إشادة حوثية بقرار إيران إرسال رحلة طيران “ماهان”. هذا يعني أن إيران أرادت إظهار نفسها كطرف قادر على كسر القيود المفروضة على الحوثيين، وليس فقط كحليف سياسي بعيد. هنا تصبح الطائرة أداة إعلان سياسي: طهران حاضرة في صنعاء، وصنعاء ليست معزولة، وأي محاولة لمنع هذا الحضور ستكون اختباراً مباشراً لمعادلة الردع الإقليمية الجديدة.

بظهور حسن الكحلاني، مسؤول استخبارات الحوثيين للأمن والعلاقات الخارجية، ضمن الوفد الموجود في طهران، يعزز البعد الأمني للحدث. فهذه ليست تركيبة وفد طبي عادي، بل وفد يجمع سياسيين وأمنيين وإعلاميين ورموزاً دينية. وهذا يعطي الرحلة وظيفة أوسع: إعادة وصل القنوات السياسية والأمنية بين صنعاء وطهران، وإظهار أن العلاقة بين الطرفين انتقلت إلى طور أكثر علنية بعد التطورات الإقليمية الأخيرة وشعور الحوثيين وإيران أن "محور المقاومة" انتصر في الحرب وعلى السعودية ودول الخليج الانصياع لخيارات المنتصر في هذه الحرب. وتحرص الحركة على إظهار الدور الإيراني في هذا الحدث وربطه "بوحدة الساحات" إلى إرسال رسالة: أن أي تحرك ضد صنعاء لن يُقرأ بعد الآن كحدث يمني محلي، بل كاعتداء على حلقة في محور إقليمي يمكن أن يستدعي ردوداً متزامنة أو متدرجة من أكثر من ساحة.

بالنسبة لإيران، يوفر الحدث فرصة لإظهار أن نفوذها في اليمن لا يزال قابلاً للتفعيل في لحظات الضغط. فهي تستطيع تقديم نفسها كطرف يدعم “رفع الحصار” دبلوماسياً وإنسانياً، وفي الوقت نفسه تجعل الفصل بين المسرحين "مضيق هرمز" و"باب المندب أصعب". أما بالنسبة للحوثيين، فإن الحضور الإيراني العلني يعزز موقعهم التفاوضي، لكنه يزيد أيضاً احتمالات أن تنظر السعودية والولايات المتحدة إلى المطار باعتباره جزءاً من شبكة إقليمية لمحور المقاومة الإيراني لا مرفقاً مدنياً فقط.

 

مواجهة التصعيد

تواجه الرياض معضلة معقدة للرد على تصعيد الحوثيين، فالسماح بتكرار الرحلات بين صنعاء وطهران قد يُقرأ حوثياً وإيرانياً بوصفه اعترافاً عملياً بتغير قواعد الاشتباك. أما منعها بالقوة فقد يمنح الحوثيين ذريعة لتصعيد عسكري أو بحري وهو أمرٌ لا تريده المملكة في ظل الأوضاع الحالية.

وحاول بيان التحالف العودة رسمياً إلى لغة الردع المباشر مستخدماً لغة تهديد واضحة؛ فحديثه عن الرد "بحزم وبقوة غير مسبوقة" يعكس أن السعودية لا تتعامل مع الحدث بوصفه خلافاً حول رحلة جوية، بل بوصفه محاولة حوثية ـ إيرانية لاختراق قواعد التهدئة وإعادة تعريف السيادة الجوية في اليمن. غير أن الرد الحوثي اللاحق لم يتراجع، بل صعّد أكثر عبر التلويح بعواقب “كارثية على الاقتصاد العالمي”[10]، وهي إشارة واضحة إلى باب المندب والملاحة الدولية. كما التقطت الحركة البيان بوصفه فرصة لتثبيت سرديتهم بأن الرياض ليست وسيطاً بل "رأس العدوان"، ولا تملك حق تحديد ما إذا كان تشغيل المطار مشروعاً أو غير مشروع.[11]

الخطر الأكبر ليس في الرحلة ذاتها، بل في أن تصبح “سابقة مُطَبَّعة”. فإذا تحولت رحلات صنعاء–طهران إلى قناة شبه منتظمة، فإن ذلك سيمنح إيران منفذًا لوجستيًا مباشرًا على ساحل البحر الأحمر الجنوبي غير بعيد عن باب المندب، ويزيد صعوبة الفصل بين المسرحين: مسرح الخليج/هرمز ومسرح البحر الأحمر/باب المندب. هذه المعضلة تعززها التطورات المتزامنة بعد حادثة الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء، حيث ارتفع خطر الملاحة في هرمز إلى مستوى “شديد” بعد هجمات على ناقلات، بينما بدأت السعودية مناقشات لتوسيع قدرة خط الشرق–الغرب إلى البحر الأحمر لتقليل الاعتماد على هرمز[12]. الربط بين الممرين يعني أن أي تصعيد يمني–سعودي–إيراني لن يبقى يمنيًا محضًا.

 

الحديدة وباب المندب: مسرح الضغط التالي

في 4 يوليو/تموز شن الحوثيون واحد من أعنف الهجمات على مواقع للقوات الموالية للحكومة اليمنية هو الأول بهذه القوة منذ هدنة 2022، أسفرت المواجهات عن مقتل 16 جندياً وإصابة 22 آخرين من القوات الحكومية وفقاً لمصادر طبية في المستشفيات القريبة من مناطق القتال. فيما صرح وزير يمني أن أكثر من 50 مقاتلاً حوثياً قد لقوا مصرعهم خلال الاشتباكات.[13]. ولا يمكن فصل هذه الاشتباكات عن سياق الطائرة الإيرانية. فالهجوم الحوثي في جبهة حيس، وتحديداً في منطقة جبل دباس، جاء في لحظة تصعيد سياسي وعسكري أوسع. وتكمن أهمية هذه الجبهة في صلتها بالساحل الغربي والبحر الأحمر؛ فالسيطرة على مواقع مرتفعة في محيط حيس تمنح الحوثيين قدرة ضغط ومراقبة باتجاه مناطق الخوخة والساحل.

تشير المعطيات إلى أن الهجوم لم يكن اشتباكاً عفوياً، إذ استخدمت فيه تكتيكات تشمل القناصة والطائرات المسيرة ومدافع الهاون، وتحدث سكان عن حشود إضافية نحو مديرية الجراحي القريبة[14]. وإذا استمرت هذه الحشود، فقد تكون الحديدة ساحة اختبار برية موازية لاختبار المطار الجوي. والهدف لن يكون بالضرورة تحقيق اختراق كبير، بل إبقاء الضغط مفتوحاً على الساحل الغربي، وربط أي تصعيد حول المطار بإمكانية تحريك جبهة مطلة على البحر الأحمر.

ويعتقد أن التصعيد البحري سيثمل في مرحلة تالية إلى قيام الحوثيين بفرض قيود على الملاحة السعودية في باب المندب[15]. وهذا تطور مهم لأنه ينقل الرد المحتمل من المجال الجوي إلى الممرات البحرية. وبما أن الحوثيين سبق أن راكموا خبرة في استخدام البحر الأحمر كورقة ضغط، فإن أي تهديد جديد للملاحة السعودية قد يثير قلقاً إقليمياً ودولياً يتجاوز السعودية واليمن.

 

سيناريوهات بين الاحتواء والمواجهة

السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في محاولة الحوثيين تثبيت سابقة المطار مع احتواء نسبي للتصعيد. في هذا المسار، تسعى الجماعة إلى تنظيم رحلة ثانية أو تأمين عودة الوفد من طهران، مع استمرار التهديدات الإعلامية والعسكرية دون تنفيذ ضربة كبيرة. يسمح هذا السيناريو للحوثيين بتوسيع مكسبهم السياسي، وللسعودية بتجنب مواجهة مفتوحة، لكنه يتطلب تفاهمات غير معلنة بشأن طبيعة الرحلات ووجهاتها وآلية التنسيق.

السيناريو الثاني هو تصعيد محدود متعدد المسارات. قد يحدث ذلك إذا اعترضت السعودية رحلة جديدة أو حاولت منع عودة الوفد الحوثي. حينها قد يرد الحوثيون عبر جبهة الجوف أو الحديدة، أو عبر هجمات رمزية على مصالح سعودية، أو عبر تصعيد بحري محدود. هذا السيناريو لا يعني حرباً شاملة، لكنه يرفع مستوى الاشتباك ويجعل العودة إلى التهدئة أكثر صعوبة.

السيناريو الثالث هو نقل الرد إلى البحر. هذا السيناريو أقل احتمالاً من التصعيد المحدود، لكنه أكثر خطورة من حيث الأثر الدولي. فإذا قرر الحوثيون استهداف أو تقييد الملاحة السعودية في باب المندب، فإن الأزمة ستنتقل فوراً من ملف يمني ـ سعودي إلى ملف أمني دولي يمس التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. وفي هذه الحالة، قد تتدخل أطراف دولية بصورة أكثر مباشرة.

السيناريو الرابع هو احتواء الأزمة عبر وساطة عمانية أو أممية. فرص هذا السيناريو لا تزال قائمة، لكنها تراجعت بسبب ارتفاع سقف الخطاب الحوثي والسعودي معاً. نجاحه يتطلب صيغة تفصل بين تشغيل المطار لأغراض إنسانية وبين تحويله إلى قناة سياسية ـ أمنية مباشرة مع إيران. من دون هذا الفصل، سيظل كل طرف يقرأ الرحلات التالية بوصفها اختباراً للسيادة والردع.

 

التقدير النهائي

تُظهر التطورات الأخيرة أن الحوثيين انتقلوا من مرحلة التعبئة الواسعة إلى مرحلة اختبار الردع. لم تعد الجماعة تكتفي بالقول إن "الحصار" يجب أن ينتهي؛ بل بدأت بتطبيق نموذج عملي لفرض ذلك، مستخدمة المطار بوصفه نقطة اختبار أولى. وفي المقابل، لا تستطيع السعودية السماح بسهولة بتحول الرحلة الإيرانية إلى قاعدة اشتباك دائمة، لأنها ستُقرأ كاختراق إيراني مباشر في مجال شديد الحساسية.

الأرجح أن الأسابيع المقبلة ستشهد محاولة حوثية لتثبيت المكسب دون الوصول إلى حرب شاملة. غير أن هامش الخطأ ضيق. فالمطار أصبح مرتبطاً بالبحر، والبحر مرتبط بالاقتصاد الإقليمي، والحديدة مرشحة لأن تكون الجبهة البرية التي تُستخدم لتأكيد الجدية. وإذا كانت معادلة الحوثيين الناشئة هي “المطار مقابل البحر”، فإن أي منع للرحلات قد يقابله ضغط في باب المندب أو الساحل الغربي.

لذلك، فإن المسألة لم تعد ما إذا كانت الطائرة الإيرانية قد كسرت الحصار رمزياً، بل ما إذا كانت ستتحول إلى قاعدة اشتباك جديدة. فإذا تكررت الرحلات من دون ترتيبات واضحة، سيعد الحوثيون ذلك اعترافاً عملياً بتغير المعادلة. وإذا مُنعت بالقوة، فقد يستخدمون المنع لفتح جولة تصعيد جديدة. وفي الحالتين، دخل ملف صنعاء الجوي مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الاعتبارات المحلية مع الحرب الإقليمية، وحيث يمكن لحادث واحد في السماء أو البحر أو الحديدة أن يعيد تشكيل مسار التهدئة والحرب في اليمن.

 

مراجع

 

[1] Follow-up: Mahan Air Flight to Sana’a Raises Concerns Over Possible Transfer of Experts and Sensitive Equipment to the Houthis

, https://shebaintelligence.uk/follow-up-mahan-air-flight-to-sanaa-raises-concerns-over-possible-transfer-of-experts-and-sensitive-equipment-to-the-houthis

 

[2] مصدران أحدهما ينتمي للحوثيين والآخر مقرب من الحكومة تحدثا لباحث أبعاد في 4/7/2026

[3] یحیی سریع: تحرک دشمن را ناکام گذاشتیم؛ تداوم پروازها میان صنعا و تهران - خبرگزاری مهر | اخبار ایران و جهان | Mehr News Agency

mehrnews.com/x3ctPD

[4]بيان التحالف العربي https://x.com/CJFCSpox/status/2073176371669479655  

[5] Yemen's Houthis threaten Saudi targets over Iran flight to Sanaa | Reuters

https://www.reuters.com/world/middle-east/yemens-armed-forces-threaten-saudi-targets-over-iran-flight-sanaa-2026-07-03/

[6]  مجلس القيادة الرئاسي يعقد اجتماعًا استثنائيًا طارئًا لبحث الانتهاك الإيراني السافر لسيادة الجمهورية اليمنية

https://www.sabanew.net/story/ar/148838

[7] رئيس مجلس القيادة: رحلة طائرة الحرس الثوري الى صنعاء تمثل خرقا سافرا للسيادة اليمنية وتحديا مباشرا لهيبة النظام الدولي

https://www.sabanew.net/story/ar/148934

[8] تحليل- من جدائل الاستغاثة إلى فوهات البنادق: “مطارح الريان” وثورة السيادة القبلية ضد الحوثيينhttps://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/175484

[9] مسؤول إيراني: طهران ستتحرك بكافة الوسائل خلال الفترة القادمة لإنهاء الحصار عن اليمن https://tinyurl.com/23esllaa

[10] بيان خارجية الحوثيين https://www.saba.ye/ar/news3737356.htm

[11] المصدر السابق

[13] Houthi rebels kill 16 Yemeni government troops in fiercest clashes in years

https://www.aljazeera.com/news/2026/7/5/at-least-15-yemeni-government-troops-killed-in-hodeidah-fighting

[14] سكان تحدثوا لباحث في مركز أبعاد يوم 5/7/2026

[15] طائرة إيرانية ثانية إلى اليمن | صنعاء للرياض: باب المندب مقابل رفع الحصار، الأخبار اللبنانية التابعة لحزب الله، https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/arab/898010

نشر :