الصفقة الأمريكية السعودية وانعكاساتها على الصراع في اليمن

تقدير موقف | 9 سبتمبر 2023 00:00
 الصفقة الأمريكية السعودية وانعكاساتها على الصراع في اليمن

 ENGLISH

PDF

تمهيد

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية منذ أشهر للوصول إلى صفقة شاملة مع المملكة العربية السعودية تقول إنها تعكس رؤية مشتركة لمنطقة شرق أوسط أكثر سلاماً. هذه الصفقة التي تركز على البعد الأمني يمكنها أن تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وستكون تحولاً مهما في مواجهة سلوك ونفوذ إيران في المنطقة، فكيف يمكن لصفقة كهذه حال تم إبرامها أن تنعكس على ملف الصراع في اليمن؟   

 

الصفقة الطموحة 

تحركت الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية عسكريا وسياسيا في الشرق لأوسط بشكل مختلف، ويربط محللون تلك التحركات النشيطة بصفقة شاملة تتطلع لها واشنطن لعقدها مع الرياض تتضمن ما قد يكون اتفاقًا تاريخيًا بين السعودية وإسرائيل، ويصف البيت الأبيض هذه الصفقة بأنها رؤية مشتركة لمنطقة شرق أوسط أكثر سلاماً وأمناً وازدهاراً. وما من معلومات مؤكدة على وجود مبادرة مكتملة الأركان وواضحة المعالم، أو على توصل الأطراف المعنية حتى الآن إلى اتفاق إطاري حول القضايا والأفكار التي يجري أو يجب بحثها. ولم تعلن الدول الثلاث وبصورة رسمية عن شروطها ومطالبها، لكن تقارير إعلامية كشفت عن أهم ما تم طرحه من مطالب وشروط، ووفقاً لهذه التقارير تتضمن مطالب الولايات المتحدةالأمريكية إبرام اتفاق للتطبيع بين السعودية وإسرائيل، وتتضمن كذلك وضع الرياض قيوداً على علاقتها المتنامية بالصين. أما أهم المطالب السعودية فتتمثل في توقيع معاهدة دفاع مشترك ملزمة مع واشنطن، وأن تدعم الولايات المتحدة البرنامج النووي السعودي للأغراض السلمية وتشرف عليه، بالإضافة إلى رفع أو تقليل القيود على شراء أسلحة أميركية متقدمة، وتطالب كذلك بتنازلات وضمانات في الملف الفلسطيني من شأنها أن تحافظ على إمكانية التوصل إلى حل الدولتين. 

 

طريق طويل لصفقة عادلة:

تتأمل الإدارة الأميركية التوصل لصفقة كهذه بحلول نهاية العام أو قبل انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية في 2024. لكن ووفقاً للمؤشرات هناك شكوك حول إمكانية التوصل إلى اتفاق قريباً. وعلى الرغم من التصريحات المتفائلة للرئيس الأمريكي جو بايدن نهاية يوليو الماضي حول إحراز بعض التقدم، صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفانأواخر أغسطس 2023 بأن الطريق لا زال طويلاً. وقبل أيام صرح  رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبيبأنه على الرغم من إحراز "تقدم كبير" في ملف التطبيع إلا أن التوقيع على اتفاق ليس وشيكا. 

والثابت أن الطريق أمام إبرام صفقة مهمة كهذه ما زال شاقاً وطويلاً وهناك عقبات يتعين تجاوزها ولن يكون التغلب عليها سهلاً، وتتعلق بكون المطالب والشروط المطروحة مثيرة للجدل والمخاوف والتحفظات وليس من السهل الوفاء بها. فالاستجابة للمطالب الأمنية السعودية من وجهة نظر كل من الولايات المتحدة وإسرائيل-مثلاً- ستمثل تهديداً للتفوق العسكري الإسرائيلي وتتعارض مع سياسة منع الانتشار النووي. وعدا عن الخلافات في إدارة بايدن حول هذه المطالب، سيتطلب أي اتفاق دفاعي مع الرياض موافقة الكونغرس، وهذه مهمة صعبة. وفي مقابلة مع شبكة سي إن إن  قال الرئيس بايدن إن الاستجابة لمطالب السعودية مسألة بعيدة قليلاً. وهناك معارضة لهذه المطالب أيضاً في إسرائيل. وإذا كان من غير السهل موافقة حكومة اليمين المتشدد في إسرائيل على تقديمها تصر السعودية على الحصول على تنازلات وضمانات في الملف الفلسطيني وتشترطها للتطبيع مع إسرائيل، فبدونها سيكون في التطبيع مخاطرة بتضرر سمعتها وتقويض مكانتها في المنطقة. 

لكن في المقابل هناك حوافز تعمل على دفع الأمور إلى الأمام، وتتعلق أساساً بالمكاسب الكبيرة التي يتوقع أن يجنيها الأطراف الثلاثة. وهي بالنسبة للولايات المتحدة مكاسب جيوسياسة تتمثل في تعزيز تحالفاتها وحضورها في المنطقة، واحتواء نفوذ الصين المتنامي فيها، وكذلك نفوذ روسيا وإيران، بالإضافة إلى استقرار أسعار وسوق الطاقة العالمي. وتشكل صفقة كهذه انتصاراً وفتحاً سياسياً واقتصادياً كبيراً وغير مسبوق لإسرائيل، فهي تفتح الباب للسلام والاندماج الاقتصادي مع الدول العربية والإسلامية. أما مكاسب السعودية فأهمها التخلص من العقدة الأمنية والتهديدات التي تمثلها إيران وحلفاؤها، وتشمل كذلك المحافظة على تحالفها مع أمريكا والغرب، كما أن هذه الصفقة ستفتح الباب أمام إمكانيات جديدة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني مع إسرائيل. وفوق هذا وذلك هناك مكاسب مشتركة للدول الثلاث وللمنطقة، فهذه الصفقة ستكون بمثابة تحول كبير يطلق العنان لإمكانيات المنطقة الاقتصادية.  

 

متاح إيران في اليمن أمام الصفقة 

أشارت بعض التقارير إلى أن  وقف الصراع في اليمن من ضمن المطالب التي طرحتها الولايات المتحدة في مباحثاتها مع السعودية، غير أن حصول ذلك أمر مشكوك فيه، فوقف الصراع ليس موضع خلاف بين الولايات المتحدة والسعودية، والطرفان على العكس من ذلك متفقان على ضرورة وقف الحرب وإحلال السلام ويعملان من أجل ذلك، وإن كان هناك بعض الاختلافات الطفيفة في رؤيتيهما للطريقة التي ينبغي سلوكها للوصول إلى هذا السلام.

ومع ذلك فتأثر الملف اليمني بصفقة كهذه يظل أمراً لا جدال حوله، وسيحدث ذلك بطرق مختلفة، مباشرة وغير مباشرة. وقبل أي شيء ينبغي التنويه إلى أن تأثر هذا الملف قد يحدث مبكراً حتى قبل عقد أي اتفاقات، فمجرد الحديث عن هذه الصفقة والتفاوض حولها قد يدفع ايران وحلفائها الحوثيين ليكونوا أكثر استعجالاً وحاجة لتحريك المفاوضات الحوثية السعودية وإخراجها من حالة المراوحة الذي تعيشه منذ حوالي عامين. فالتفاوض حول هذه الصفقة، من جهة، قد يثير مخاوف طهران من تضرر التقارب مع السعودية الذي تم برعاية صينية، والذي يمثل بالنسبة لها انتصاراً كبيراً في سياق مواجهة الولايات المتحدة والغرب ولإضعاف جدار العزلة التي تعيشها وللالتفاف على العقوبات المفروضة عليها، ومخاوف كهذه قد تدفعها إلى التحرك من أجل الحفاظ على حرارة هذا التقارب ولتشجيع السعودية على المضي قدماً فيه والمحافظة على وتيرته. وباعتبار ما تمثله المسألة الأمنية ووقف الصراع في اليمن من أولوية لدى السعودية، فتسهيل عملية التفاوض باتجاه وقف الصراع سيكون أفضل الخيارات أمام طهران للقيام بذلك ولإثبات حسن نيتها وجديتها في إصلاح العلاقة مع الرياض ودول المنطقة، وأيضاً لإيصال رسالة إلى الرياض تقول لا داعي لأي تنازلات لأمريكا وإسرائيل .

وهناك سبب آخر قد يدفع إيران للقيام بذلك، وهو إدراكها أن النجاح في إبرام صفقة كهذه سيصب في صالح السعودية وحلفائها في الصراع اليمني ويعزز موقفهم، وسينتهي في المقابل بجعل موقفها وموقف حلفائها الحوثيين أضعف مما هو عليه الآن، وبما يهدد المكاسب التي تم تحقيقها حتى الآن. وعليه فإقدام إيران على اتخاذ بعض الخطوات المبكرة لتسهيل عملية التفاوض وتسريعها من أجل أن تحقق بعض التقدم سيكون من باب التحرك الاستباقي الذي يقتضيه تثبيت وحماية المكاسب الاستراتيجية التي حققتها وحلفائها حتى الآن، وأيضاً من باب الاستثمار لميزان القوى الراهن وللمعطيات السياسية والميدانية القائمة والتي تميل لصالحها قبل أن تتغير للحصول على مكاسب إضافية. 

 

انعكاسات الصفقة على اليمن:

وحال النجاح في إبرامها، ستعكس هذه الصفقة نفسها على الملف اليمني، لكن حجم وطبيعة تأثيرها وانعكاساتها سيختلف تبعاً للتوقيت الذي أبرمت فيه، إذ ستكون أكبر وأكثر أهمية حال تم الاتفاق قبل أن تحقق جهود السلام والمباحثات الجارية بين السعودية والحوثيين أي تقدم أو أي اختراق مهم، وستكون في المقابل أقل تأثيراً حال أبرمت الصفقة بعد إحراز تقدم مهم أو بعد التوافق على إطار وآليات وقضايا التفاوض النهائي وفقاً لمعطيات الوضع الراهن وميزان القوى السائد الآن.  

وأي تأثير لهذه الصفقة على ملف الصراع في اليمن سيتأتى بالأساس نتيجة ما ستدخله من تغيرات على خريطة العلاقات والتحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، وبالذات نتيجة ما ستلحقه من تعديل في ميزان القوى السائد اليوم والذي يحكم علاقة الأطراف المتورطة في الصراع. إن أهم ما ستقوم به هذه الصفقة هو أنها ستستبدل حالة توازن القوى المختل لصالح إيران وحلفائها بحالة أخرى تميل بوضوح لصالح خصومهم، أي لصالح السعودية وإسرائيل، فهي من جهة ستجمع أصول وقدرات هؤلاء الخصوم في مواجهتها، وستفتح من جهة ثانية الباب لتعاون أمني واستخباراتي واسع بين السعودية وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، أما من جهة ثالثة فالصفقة قد تتضمن ترتيبات أمنية مصممة وتهدف إلى مواجهة إيران ووكلائها. 

وفيما يخص السعودية على وجه التحديد، وباعتبارها الطرف المواجهة لإيران وحلفائها في الصراع اليمني، ستمكنها هذه الصفقة من تلبية احتياجاتها الدفاعية الأكثر إلحاحاً نتيجة رفع القيود على مبيعات السلاح الأمريكي المتقدم، كما أن الالتزام الدفاعي الأمريكي سيحصنها من الهجمات الإيرانية والحوثية، وفي المحصلة سيتعزز موقفها في الملف اليمني مثلما في بقية الملفات كالملف اللبناني، وستكون وحلفاؤها في موقف عسكري وتفاوضي أقوى.

وفي المقابل سيصبح موقف كل من إيران وحلفائها الحوثيين أضعف من أي وقت مضى، فصفقة كهذا ستكون بمثابة تعطيل لفاعلية أوراقهما العسكرية، وستتفاقم نتيجة كهذه بسبب التطبيع بين السعودية وإسرائيل، فقبول السعودية بالتطبيع وهي الدولة الأهم في العالمين العربي والإسلامي، وتقديم إسرائيل تنازلات وضمانات لمعالجة القضية الفلسطينية تحت مبدأ "حل الدولتين" وهي شروط وضمانات يستبعد بدونها توقيع السعودية لأي اتفاق تطبيع مع إسرائيل، كل ذلك يفتح الباب لاعتراف دول عربية وإسلامية أخرى بها، وهذا سيمثل بدوره إضعافاً لورقة "القضية الفلسطينية" التي طالما ظلت موضوعاً للاستثمار الإيراني وقضية مركزية قام عليها ما يسمى بمحور المقاومة وارتكزت عليها سياسة التوسع الإيرانية. 

 

سيناريوهات الصفقة في اليمن

وبقدر ما أن تأثير هذه الصفقة على موازين القوى وعلى خريطة التحالفات في المنطقة مسألة لا خلاف حولها، إلا أن تأثيرها على الملف اليمني قد يكون مسألة مختلفة، فطبيعة هذا التأثير ومداه سيظل متوقفاً على تقدير إيران أولاً والجماعة الحوثية ثانياً لطبيعة التغيرات التي ستلحق معادلة القوة وخريطة العلاقات والتحالفات، وعلى تقدير الطرفين للفرص والمخاطر والتحديات.  وهذا يضعنا أمام أحد سيناريوهين اثنين: 


 1.  السيناريو الأول: المساعدة في وقف الصراع 

ستساعد الصفقة في تحقيق تقدم باتجاه وقف الصراع والتوصل إلى اتفاق سلام في اليمن ، على أساس أنها ستجعل إيران والجماعة الحوثية أكثر تفاعلاً مع جهود السلام. وما يدفع باتجاه هذا السيناريو أن صفقة كهذه تعمل على إضعاف موقف الطرفين وعلى إضعاف خيار الحرب إن لم تُسقطه، فهي ستعني على سبيل المثال خسارة الحوثيين لورقة التهديد بضرب السعودية والإمارات ومصالحهما، وهي خسارة تشمل أيضاً خسارة إيران فرصة شن هجمات على الدولتين وتجييرها باسم الحوثيين، ومن جهة أخرى سيكون تزويد إيران للحوثيين بالأسلحة والمال والنفط أصعب، نتيجة التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الدول الثلاثة. وهذه الخسارة التي تخرج خيار الحرب وخيار استهداف السعودية وتعطله تجعل من الاستمرار في رفض السلام تقريباً بلا معنى. 

وبالإضافة إلى أن إبرام صفقة كهذه سيكون بمثابة هزيمة سياسية ونفسية لإيران ولحلفائها ستؤثر على معنوياتهم، هناك الضغوط والتحديات التي ستفرضها المتغيرات الناتجة عنها، فالاستمرار في السلوك والسياسات الراهنة سيكون له مخاطره التي لم تكن موجودة من قبل. ويفترض-مثلاً- أن يتراجع الدعم الإيراني للحوثيين بصوره المختلفة نتيجة تراجع فرصه وتزايد مخاطره، وسيكون هذا التراجع محصلة لممارسة إيران نوع من الرقابة الذاتية المدفوعة بالموازنة بين الجدوى والكلفة وباعتبارات سياسية أخرى كحرص إيران على الحفاظ على التقارب مع السعودية ودول المنطقة. ولكن ينبغي الإشارة إلى أن اقتناع الإيرانيين والحوثيين بتغير المعادلة في غير صالحهم وكذلك تقديرهم لفرص ومخاطر الاستمرار في السلوك والسياسات القائمة قد يقتضي اختبارهم لها واختبار ردود فعل الأطراف الأخرى، وقد يكون على طهران-مثلاً- إرسال شحنات سلاح جديدة إلى الحوثيين لاختبار قدرتها وفرص الاستمرار في القيام بذلك مثلما لاختبار قدرات الأطراف الأخرى وطبيعة ودرجة تنسيقهم الأمني بعد توقيعهم لهذه الصفقة. وهذا السيناريو هو المرجح بالنظر إلى القائمة الطويلة من المحفزات التي تدفع باتجاهه، وأيضاً بالنظر إلى البرجماتية والحصافة التي أثبتت الدبلوماسية الإيرانية تمتعها بهما. 

 

2.  السيناريو الثاني: تعقيدات جديدة :

ستتسبب هذه الصفقة بتعقيدات إضافية للملف اليمني تجعل التوصل إلى اتفاق سلام أكثر صعوبة. وهناك من يرجح أن تتسبب بزيادة التوترات وحدة التنافس في المنطقة على أساس أن طهران قد تنظر إلى هذه الصفقة باعتبار أنها موجهة ضدها ومحاولة لحصارها وتهديداً لها ولنفوذها في المنطقة، وأيضاً على أساس أنها ستثير غضب المتشددين وتدفعهم إلى تبني سياسات أكثر تصادمية لمواجهة النتائج والتحديات المفترضة الناتجة عنها، وقد تعمد طهران في هذا السياق إلى زيادة الدعم المقدم للحوثيين وتحريضهم على التشدد تجاه جهود السلام وفي المباحثات الجارية بينهم والسعودية، وربما دفعهم إلى شن عمليات عسكرية وتوسيع نطاق الحرب في الداخل اليمني. وفي سياق مقاومة الصفقة ومفاعيلها ستعمد إيران أيضاً إلى استثمار التطبيع مع إسرائيل للنيل من السعودية والتحريض ضدها وتصوير تطبيعها مع إسرائيل باعتباره خيانة للإسلام وللمسلمين وطعنة في ظهر مقاومة الاحتلال. 

نشر :