تمهيد
يأتي تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور شايع الزنداني ليمثل محطة فارقة في مسار الدولة اليمنية، باعتباره اختبارًا سياسيًا لقدرة السلطة التنفيذية على إعادة بناء مركز القرار في ظروف استثنائية، داخليًا وإقليميًا. وتتضاعف حساسية هذه اللحظة مع سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي وإعلان حله، وما يرتبه ذلك من فراغ سياسي وأمني في عدد من المحافظات المحررة، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، فضلاً عن محاولات عناصر الانتقالي المستمرة لإرباك الحكومة الجديدة باستخدام ورقة الشارع تارة والقضية الجنوبية تارة أخرى.
في هذا السياق، تبدو الحكومة أمام معادلة معقدة: استعادة هيبة الدولة في الداخل، وإنعاش الاقتصاد المنهك، وضبط الأمن، وإعادة ترميم الثقة المجتمعية، مع الحفاظ على توازنات سياسية واجتماعية دقيقة، في ظل دعم سعودي يمكن أن يشكّل رافعة استراتيجية إذا أُحسن توظيفه.
التحديات السياسية
مرحلة ما بعد المجلس الانتقالي
منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، مثّل فاعلًا سياسيًا وأمنيًا رئيسيًا في المحافظات الجنوبية، مستندًا إلى الدعم الإماراتي الذي شمل تشكيل وتمويل جيش موازي وأجهزة أمنية موازية وخارجة عن إطار المؤسسات الرسمية في وزارتي الدفاع والداخلية، وعلى الرغم من اتفاق الحكومة والانتقالي – بعد سعودي فيما عرف باتفاق الرياض (2019)، إلا أن الانتقالي تنصل وعمل على توسيع نفوذه وتكريس سيطرته على معظم المحافظات.
بعد انهيار البنية العسكرية والسياسية للانتقالي، يبدو أن التحدي الأكبر أمام الحكومة يتمثل في كيفية إدارة المرحلة التي تعقبه وتتجاوز الاتفاقات الهشة التي حكمت الفترة الماضية. سيما وأن القوى التي كانت تدور في فلكه – سياسيًا وعسكريًا – لن تتلاشى تلقائيًا، بل قد تعيد تموضعها في صورة كيانات محلية أو شبكات نفوذ غير رسمية، ما يخلق حالة سيولة سياسية قد تُستثمر لعرقلة أداء الحكومة، وهو ما يتضح من سلسلة الفعاليات والبيانات التي أصدرها موالون للانتقالي، ووصلت منتصف فبراير حد محاولة اقتحام مباني الرئاسة في منطقة معاشيق بعدن.
إشكالية الشرعية في الداخل
تستند الحكومة إلى الشرعية الدستورية باعتبارها الحكومة المعترف بها دولياً، إلا أن شرعيتها العملية في الداخل ترتبط بقدرتها على الإنجاز. فالمحافظات المحررة، خصوصًا عدن، شهدت خلال السنوات الماضية نمطًا من "ازدواجية القرار"، حيث كانت تتداخل صلاحيات السلطة المحلية مع التشكيلات العسكرية والأمنية غير الخاضعة كليًا لوزارتي الدفاع والداخلية، وكان الزبيدي الذي جمع بين عضوية مجلس القيادة (الرسمي) وقيادة الانتقالي هو التجلي الأبرز للازدواجية بممارساته وقراراته التي أثارت الجدل وعمقت الصراعات داخل بنية الشرعية نفسها.
وهذا يجعل الحكومة ملزمة بإعادة تعريف الشرعية، من خلال التمسك بالمرجعيات القانونية والمحافظة على المركز القانوني للدولة، وترجمة ذلك إلى حضور فعلي في إدارة الأمن والخدمات والموارد. وهذا يعني أن أي إخفاق في هذا المسار سيعيد إنتاج خطاب التشكيك في جدوى الدولة المركزية، ويمهد لإعادة ازدواجية القرار والممارسات والتشكيلات العسكرية والأمنية.
التحديات الأمنية
من أبرز التحديات الأمنية دمج أو إعادة هيكلة التشكيلات العسكرية والأمنية التي نشأت خارج إطار المؤسستين الرسميتين. فقد تشكلت خلال سنوات الحرب قوات متعددة الولاءات، بعضها مرتبط بالسلطة المحلية، وأخرى بدعم خارجي، ما أفرز بيئة أمنية مركّبة.
وتظهر تجارب ما بعد النزاعات – العراق وليبيا مثلاً – أن إهمال ملف الدمج وإعادة الهيكلة يؤدي إلى استمرار "الدولة داخل الدولة" والتشكيلات الموازية التي تمثل أهم عائق. وعليه، فإن نجاح الحكومة يتطلب خطة تدريجية لإعادة هيكلة القطاع الأمني، ترتكز على:
- تفكيك البنى والتشكيلات الموازية وإعادة دمجها في الأطر الرسمية، بشكل عملي ووفقاً لمعايير واعتبارات مهنية، وليس مجرد ديكور يكتفي بتغيير الاسم والشعار ولون الملابس والمركبات الخاصة بها.
- إخضاع جميع القوات لقيادة موحدة، بحيث تتبع القوى الأمنية وزارة الداخلية وتتبع القوات العسكرية وزارة الدفاع. وتبدو الفرصة مواتية في هذا السياق، أولاً من خلال الدعم السعودي وثانياً من خلال التوافق الإقليمي والدولي- باستثناء الإمارات التي تم طردها من اليمن أواخر ديسمبر الماضي.
- حصر السلاح بيد الدولة.
- تحسين الرواتب وضبط الآليات المعتمدة بما يكفل توحيد الرواتب وإزالة العوائق والعراقيل التي تقف أمام تحسين أوضاع منتسبي الجيش والأمن.
تُعد عدن محور التحدي الأمني والسياسي معًا. فهي العاصمة المؤقتة، والميناء الأهم، ورمز الشرعية في مواجهة الانقلاب الحوثي الذي يسيطر على صنعاء وعدة محافظات. إلا أنها شهدت توترات متكررة، وعمليات اغتيال، وصراعات نفوذ في الفترة الماضية بفعل سياسة الإمارات التي استخدمت الانتقالي لتحقيق أهدافها وتعزيز سيطرتها على الموانئ والجزر اليمنية، وبالتالي القضاء على كل الرموز السياسية والاجتماعية التي تعارض سياسة أبوظبي.
إن وجود عناصر سابقة مرتبطة بالانتقالي، تعمل على إثارة الفوضى أو عرقلة مؤسسات الدولة، يفرض على الحكومة مقاربة مزدوجة: أمنية حازمة تجاه أي خروج على القانون، وسياسية احتوائية تجاه القواعد الشعبية التي تخشى التهميش.
التحديات الاقتصادية
يعاني الاقتصاد اليمني من تدهور حاد، وعجز مالي متفاقم، وتراجع الإيرادات، خاصة بعد استهداف موانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة من قبل جماعة الحوثي. وهذا يجعل الحكومة أمام أولويات رئيسية تشمل استعادة تصدير النفط والغاز، ومكافحة الفساد والازدواج المالي، وكبح جماح اقتصاد الحرب الذي انتعش في السنوات الماضية[1].
وفي هذا الصعيد يحتاج البنك المركزي في عدن إلى دعم تقني ومالي لتعزيز الاستقرار النسبي للعملة، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون إسناد خارجي، وفي مقدمة ذلك الدعم السعودي.
لعبت المملكة العربية السعودية دورًا محوريًا في دعم الحكومة اليمنية، سواء عبر الودائع المالية للبنك المركزي أو المساعدات النفطية. ومع التحولات الإقليمية الراهنة، قد يشكّل الدعم السعودي في المرحلة المقبلة عنصرًا حاسمًا لنجاح الحكومة، بما يضمن توجيه الدعم نحو مشاريع إنتاجية، لا استهلاكية فقط، وربط المساعدات بإصلاحات مالية وإدارية، فضلاً عن تعزيز الشفافية في إدارة المنح.
وإن نجاح الحكومة في توظيف هذا الدعم سيعزز ثقة الشارع، ويمنحها هامشًا أوسع للحركة سياسيًا وأمنيًا.
الخدمات العامة وإعادة الاعتبار للدولة
تمثل الكهرباء، المياه، الصحة، والتعليم المعيار اليومي لقياس أداء الحكومة. في عدن، حيث أن تكرار أزمات الكهرباء خصوصاً في فصل الصيف- إبان سيطرة الانتقالي- فاقم الاحتقان الشعبي. كما أن تدهور الخدمات الصحية والتعليمية يهدد بتآكل رأس المال البشري.
وإن نجاح الرئاسة والحكومة في تحقيق اختراق في هذا الملف يعزز الأمن والاستقرار، وتحصل بموجبه الحكومة على ثقة الشعب، ويجعلها في محل رضا شعبي بعد سنوات من اضطراب الثقة بفعل الممارسات الكارثية التي أدت إلى تدهور الخدمات الرئيسية. وكل تحسن ملموس في الخدمات يترجم إلى رصيد سياسي للحكومة، ويقلل من قابلية انجرار الشارع وراء دعوات الفوضى.
البعد الاجتماعي
إن البعد الاجتماعي في تحديات الحكومة اليمنية الجديدة لا يقل أهمية عن الملفات السياسية والأمنية. فإعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة بناء الثقة، وإعادة تعريف المواطنة على أساس المساواة والحقوق المتكافئة. وإذا نجحت الحكومة في تحويل خطابها الجامع إلى سياسات عادلة وشفافة، فإنها تؤسس لمرحلة جديدة تتراجع فيها الهويات المتصارعة لصالح هوية وطنية جامعة، قوامها دولة القانون والمؤسسات.
وإذا كانت الحرب قد أعادت تشكيل البنية الاجتماعية، ووسّعت الفجوة بين الطبقات، وأنتجت اقتصادًا قائمًا على المساعدات والتحويلات. كما أن الاستقطاب السياسي والمناطقي عمّق الشروخ داخل المجتمع اليمني، فإن هذا يجعل الحكومة مطالبة بإطلاق خطاب جامع، يعيد تعريف المواطنة على أساس الحقوق المتساوية، بعيداً عن الاصطفافات السياسية والاستقطاب على أساس مناطقي أو فئوي.
تحديد الأولويات
يبدأ نجاح الحكومة بإعلان برنامج عملي محدد الأولويات، يركز على ضبط الإيرادات العامة، وتعزيز الاستقرار الأمني في عدن وبقية المحافظات، وتحسين الخدمات العامة وتسليم الرواتب أولاً بأول.
ولتعزيز النجاح على الصعيد المحلي – الداخلي، يتعين على الحكومة توسيع قاعدة الدعم المحلي من خلال إشراك القوى السياسية والمجتمعية في كافة المحافظات المحررة، وفتح قنوات تواصل مع النخب الجنوبية.
وفيما يتعلق بالدعم السعودي، فإنه- رغم أهميته- لا يمكن أن يكون بديلاً عن إجراء إصلاحات داخلية ضرورية، بل يمكن أن يشكل حافزاً له، وكلما أظهرت الحكومة جدية في مكافحة الفساد وتحقيق الاستقرار، زادت فرص استمرار الدعم الخارجي وتعزيزه، وفي مقدمته الدعم السعودي.
تركيز الجهود وتصويبها نحو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي
إذا كانت الصراعات التي سادت في الفترة الماضية بفعل الأجندة الإماراتية وأدواتها الوظيفية ممثلة بالمجلس الانتقالي، فإن الحكومة في الوقت الراهن مطالبة بتركيز الجهود صوب الهدف الأساسي والقاسم المشترك لليمنيين، وهو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، وذلك من خلال الاستفادة من دروس السنوات العشر الماضية وعدم تفويت أي فرصة، تقود إلى تحرير كافة المحافظات من سيطرة المليشيات الحوثية، وإن توحيد القوى والتشكيلات العسكرية والأمنية يشكل نقطة تحول مهمة في هذا السياق.
خاتمة
تقف الحكومة الجديدة أمام اختبار تاريخي، فهل تستطيع الاستفادة من الوضع الراهن بتحويل لحظة السيولة السياسية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة في المحافظات المحررة؟ وفي ظل تشابك التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فإنه لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها. غير أن امتلاك رؤية إصلاحية واضحة، مدعومة بإسناد سعودي فاعل، وإرادة سياسية حازمة في ضبط الأمن ومحاربة الفساد، قد يمنح الحكومة فرصة حقيقية لتحقيق اختراق تدريجي يعيد الثقة بالدولة، ويضع أسس استقرار مستدام في عدن وبقية المحافظات المحررة.
[1] خصص المركز لهذا الموضوع ورقة تحليلية صدرت في منتصف نوفمبر الماضي، للاطلاع عليها في الرابط التالي:
https://abaadstudies.org/strategies/topic/60172 .
