مقدمة
في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي على متن الطائرة الرئاسية، قدّم دونالد ترامب روايتين متناقضتين في نفس الوقت. فقدأعلن أن الولايات المتحدة جلبت السلام إلى الشرق الأوسط بعد ثلاثة آلاف سنة من الصراعات، عبر تدمير البرنامج النووي الإيراني،وفي المؤتمر نفسه منح طهران مهلة عشرة أيام لإبرام اتفاق نووي جديد. والسؤال هنا ما هو مبرر التفاوض إذا كان البرنامج النووي قددُمّر فعلا ؟ وإذا كان السلام قد تحقق، فلماذا تبدوا واشنطن وكأنها تتجه نحو مواجهة عسكرية مع إيران؟
وبعيدًا عن هواية الرئيس ترامب في إطلاق تصريحات إعلامية مثيرة للجدل، يظل السؤال الجوهري: لماذا تسعى الولايات المتحدة لمواجهة عسكرية مع إيران؟
إخضاع بدون حرب
بعد الحرب الإسرائيلية–الأمريكية ضد إيران والتي استمرت اثني عشر يومًا، كنتُ أقول أن واشنطن لن تجازف في خوض حربٍجديدة ما لم تكن قد استعدت للذهاب إلى هدفٍ يتجاوز الردع إلى تغيير النظام. وهذا الخيار يتطلب نشر عشرات الآلاف من الجنود علىالأراضي الإيرانية، وهو خيار لم تُظهر إدارة ترامب استعدادًا لتحمّل تبعاته.
غير أن المشهد تغيّر عندما إعلن ترامب تعاطفه مع الشعب الإيراني، وأكد أن "المساعدة في الطريق"، بالتزامن مع تحشيد عسكريأمريكي غير مسبوق في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003 ، والذي شمل حاملات طائرات ومدمرات وغواصات وقاذفات استراتيجية، يكشف بوضوح أن الهدف لم تكن الحرب بحد ذاتها، بل ممارسة أعلى مستويات الضغط لدفع إيران لقبول اتفاق بشروط لم تكن لتقبله من قبل.
تعتمد هذه المقاربة على خلق مناخ من الخوف، على أمل أن يُفضي الضغط النفسي وحده إلى إخضاع طهران لشروط "السلام بالقوة” — أي السلام القسري — ويتمثل في تفكيك برنامجها النووي، وتقييد قدراتها الصاروخية، والتخلي عن تحالفاتها الإقليمية.
وفي حال نجحت سياسة التخويف، فسيُعد ذلك انتصارًاكبيرًا لترامب. أما إذا أخفقت، فسوف تتدرج الأمور نحو ضربة محدودة لدفع طهران إلى الخضوع، وإن لم يتحقق الهدف قد يتطور الوضع إلى حملة جوية واسعة تستمر اسابيع تستهدف القدرات العسكريةالإيرانية، ومراكز القيادة، وربما البنية التحتية المدنية.
والواقع أن هذا المنطق يستند إلى افتراض محفوف بالمخاطر، مفاده أن إيران ستسعى إلى حصر المواجهة في إطار محدود حفاظًا علىنظام الحكم. لكن ماذا لو اختارت طهران توسيع نطاق المواجهة لتصبح حربًا إقليمية شاملة؟ فقد أعلن المرشد الأعلى علي خامنئيبوضوح" على الأمريكيين أن يعلموا أنه إذا بدأوا حربًا، فهذه المرة ستكون حربًا إقليمية. من جانب آخر أوضحت أطراف حليفة لإيران ،من حزب الله إلى الحوثيين، وفصائل عراقية ، أنها لن تقف على الحياد في أي حرب تستهدف إيران وسوء التقدير هذا ليس استراتيجيةسليمة، بل مسارًا غامضًا.
كلفة التصعيد
سبق أن أشرتُ في موضع آخر إلى أن كلفة الحرب هي العامل الأساسي الذي قيّد القرار الأمريكي حتى الآن. فإذا بدأت واشنطن بقصفإيران، فإن الرد المحتمل لن يقتصر على إسرائيل أو القواعد الأمريكية في المنطقة، بل قد يمتد إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب،واستهداف منشآت الطاقة في الخليج، وضرب المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية.
وأي خسائر أمريكية كبيرة ستدفع واشنطن — بدافع الحفاظ على هيبتها — لمزيد من التصعيد. حينها سيبرز خياران:
الأول، نشر قوات برية كبيرة لإسقاط النظام الإيراني، وهوما يعني عودة الانخراط العسكري الواسع في الشرق الأوسط، وهذا يتناقضمع استراتيجية ترامب للأمن القومي الامريكي، والتي دعت الى نهاية " للحروب "في المنطقة وتقليص مركزية المنطقة في السياسةالأمريكية.
أما الخيار الثاني، فهو اللجوء إلى السلاح النووي لإنهاء الصراع بسرعة. وهذا الخيار يفتح بابًا خطيرًا، إذ يضفي شرعية على استخدامالسلاح النووي في نزاعات تقليدية، فما الذي سيمنع روسيا من فعل الشيء نفسه في اوكرانيا اذا فعلت ذلك امكريا ضد ايران؟ ولهذا يضل خيار السلاح النووي غير وارد في حسابات واشنطن، فهذا السلاح هو للردع فقط ، وفي احسن الاحوال، كحل أخير للتهديد الوجودي – وليس كأداة لانهاء الحرب بالقوة.
وعليه فكلا الخيارين يتطلبان أثمانًا سياسية واقتصادية باهظة. فالذهاب الى المواجهة العسكرية الواسعة قد يضرب القاعدة الانتخابية التيدعمت ترامب تحت شعار"إنهاء الحروب الخارجية"، وسيقيد قدرة واشنطن على توجيه مواردها نحو مواجهة الصين أو ممارسةالضغوط في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
اقتصاديًا، أي تعطيل مستدام لممرات الطاقة سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وما يرافقها من تضخم وارتفاع تكاليف المعيشةوتراجع فرص العمل. وتجربة العراق وأفغانستان — التي قُدّرت كلفتها بنحو سبعة تريليونات دولار — حسب تقدير الرئيس ترمب وكذلك ما تركت من أثير بالغ في المجتمع الامريكي.
لهذه الأسباب أحجم رؤساء أمريكيون سابقون، من جورج بوش الابن إلى أوباما وبايدن، عن استهداف المنشآت النووية الإيرانية، إدراكًالكلفة الرد الإيراني المحتمل. فقد منع الرئيس بوش التصعيد الاسرائيلي ضد ايران واختار أوباما مسار التفاوض وتوقيع الاتفاق النووي، لأن البديل كان حربًا ذات كلفة غير محتملة .
مخاطر سوء التقدير
الحقيقة، ثمة متغيران إضافيان يقلّلان من احتمالية الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
أولًا: باستثناء إسرائيل، أعرب معظم حلفاء واشنطن في المنطقة — السعودية وقطر ومصر وتركيا — عن رفضهم الحرب ضدإيران،، مشيرين إلى الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية الكبيرة التي ستترتب على مثل هذا الصراع في المنطقة، كما أبلغت السعودية وعدد من دول الخليجية طهران أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لشن هجوم أمريكي عليها.
ثانيًا: كما أن شخصية ترامب السياسية تميل إلى عمليات سريعة ذات نتائج حاسمة وتكاليف محدودة، لا إلى حروب ممتدة، كما حصل في فنزولا كما يرى جيرمي شابي ، وفي هذا السياق يشير جيريمي شابيرو، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى نمط مماثل في استخدام ترامب للقوة، يتمثل في تفضيل الضربات المحدودة، والأهداف القابلة للتحقيق، وتجنّب الانخراط المطوّل أو نشر أعداد كبيرة من القوات على الأرض. بناءً على ذلك، تبدو احتمالية حرب إقليمية واسعة أقل حدوثًا. غير أن هناك متغيرين متداخلين يجعلان هذا الاستنتاج غير مؤكد.
المتغير الأول يتعلق بردة فعل إيران سابقًا عقب اغتيال اللواء قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، وكذلك لِلضربات الأمريكية اللاحقة التي استهدفت منشآتها النووية. ففي الحالتين، تصرّفت طهران بقدر ملحوظ من ضبط النفس. فعقب اغتيال سليماني، حرصت إيران — عبر وسطاء — على إيصال تحذير مسبق إلى الجانب الأمريكي قبل استهداف قاعدة عين الأسد في العراق. كما اعتمدت أسلوبًا مشابهًا عندما استهدفت لاحقًا قاعدة العديد في قطر ردًا على الضربات الأمريكية لمنشآتها النووية. وفي حالة العديد، شكر ترامب إيران علنًا على ابلاغه المسبق بما ستفعله. أما في قضية سليماني، فقد اعتبر لاحقًا أن العملية دليل على إمكانية تنفيذ ضربات حاسمة دون التسبب في تصعيد خارج السيطرة، قائلا: "لقد قتلنا الإرهابي الأول في العالم، سليماني، وكان ينبغي أن يحدث ذلك قبل عشرين عامًا."
إن امتناع إيران عن ردٍّ حاسم في المرة الأولى هو ما شجّع الولايات المتحدة على قصف منشآتها النووية في يونيو 2025. ولأن تلك الضربات — وفق تقدير ترامب — لم تستدعِ ردًا مؤلمًا، فقد تعتقد واشنطن اليوم أن بإمكانها الذهاب أبعد من ذلك، عبر استهداف القيادة الإيرانية أو أصولها العسكرية، وربما حتى بنيتها التحتية المدنية، من دون تحمّل تبعات كبيرة.
وكما هو حال أسلافه، يدرك ترامب كلفة الحرب ويتجنبها. غير أن ما يميّزه هو اعتقاده — الذي يعتمد على تجارب سابقة — بأن الولايات المتحدة قادرة على ضرب إيران من دون أن تواجه ردًا قاسيًا. وقد تدفعه هذه الخبرة إلى افتراض أن تجديد القصف، أو تنفيذ اغتيالات محددة، أو فرض حصار اقتصادي مشدد، أو الجمع بين هذه الأدوات، لن يفضي إلى عواقب مرضية.
قد يكون هذا التقدير صحيحًا استنادًا إلى ما حصل سابقًا — وقد يكون أيضًا تقديرًا خاطئًا.
وهنا تحديدًا يكمن خطورة سوء هذا التقدير: في افتراض أن إيران لن تترجم تهديداتها المعلنة برد حاسم على أي هجوم أمريكي. فعلى سبيل المثال إذا أوصلت طهران رسالة واضحة لا لبس فيها بشأن طبيعة ردّها في حال تعرضها لهجوم، فقد يعيد ذلك تفعيل منطق الردع، كما حدث في السابق، ويدفع الولايات المتحدة إلى تجنب كلفة الحرب، فاتحًا المجال أمام الدبلوماسية لتمنح ترامب مخرجًا يحفظ ماء الوجه بعد التصعيد الذي بلغ مداه.
أما إذا أظهرت إيران ترددًا أو أرسلت إشارات خوف — ولا سيما عبر تقديم تنازلات في ملفات طالما اعتبرتها غير قابلة للتفاوض، مثل حقها في تخصيب اليورانيوم، أو قدراتها الصاروخية الدفاعية، أو سياستها الإقليمية المستقلة — فإن النتيجة المرجحة ستكون معاكسة تمامًا. فبدل أن تمنع الحرب، قد تشجع تلك التنازلات الولايات المتحدة وإسرائيل على العودة بمطالب إضافية، مدعومة مجددًا بالتهديد بالتصعيد العسكري.
ثمة عامل ثانٍ، غير مباشرة، يزيد من تعقيد هذا التحليل، ويتمثل في تآكل منظومة المساءلة داخل النخب العابرة للحدود. فالكشوفات الأخيرة المرتبطة بقضية إبستين لا تقتصر على فضيحة ذات طابع جنائي فردي، بل كشفت حجم الحصانة التي يمكن أن يتمتع بها فاعلون نافذون في دوائر السياسة والمال والإعلام والمجال الاكاديمي والثقافي، بما يسمح لهم بالعمل لفترات طويلة خارج نطاق المساءلة القانونية والأخلاقية والمؤسسية.
ولا يعني ذلك الجزم بوجود شبكات غير رسمية تحدد بصورة مباشرة القرار الأمريكي تجاه إيران. غير أن هذه الوقائع تشير إلى تحول أوسع في البيئة السياسية التي تُصاغ في إطارها قرارات الحرب والسلم.
فالتحليلات التقليدية للنزاعات الدولية تفترض أن سلوك الدول تحكمه اعتبارات المصلحة والكلفة، وضغط الرأي العام، والالتزامات القانونية الدولية، ومخاطر السمعة. غير أنها كثيرًا ما تعجز عن تفسير التناقضات الأخلاقية المستمرة — كالإدانة العلنية من قبل قادة أمريكيين وأوروبيين للقمع في إيران، مقابل التبرير أو الصمت إزاء الجرائم الموثقة لإسرائيل في غزة.
وتوحي قضية إبستين بأن تلك القيود قد ضعفت تحديدًا في المستوى الذي تُصاغ فيه القرارات الاستراتيجية وتُمنح شرعيتها السياسية.
تكمن أهمية هذا التحول ليس في افتراض تنسيق سري خفي، بل في تراجع منسوب المساءلة. فعندما تتمكن النخب مرارًا من الإفلات من تبعات سلوك إجرامي أو غير أخلاقي، يرتفع هامش التهور، وتصبح السياسات التي تفرض كلفة اقتصادية وأخلاقية وبشرية جسيمة أكثر قابلية للتنفيذ، حتى وإن تعارضت بوضوح مع أولويات الرأي العام.
وتتجلى هذه الديناميكية في الفجوة المتزايدة بين توجهات الجمهور وخيارات النخب السياسية. إذ تُظهر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة بصورة متكررة أن أولويات الأمريكيين تتركز في تكاليف المعيشة والرعاية الصحية والإسكان، فيما تأتي قضايا الحرب في مراتب متأخرة. ومع ذلك، تمضي النخب السياسية والإعلامية نحو تطبيع خطاب التصعيد العسكري، رغم تعارضه مع أولويات الرأي العام الأمريكي ومع مصالح معظم الحلفاء الإقليميين — باستثناء ملحوظ لإسرائيل.
إن قضية إبستين لا تفسر هذا التباعد، لكنها تكشف السياق الذي أصبح فيه استمرار هذا الانفصال ممكنًا سياسيًا.
الخاتمة
السؤال إذن ليس ما إذا كانت كلفة الحرب مع إيران مرتفعة — فهي ما هو متوقع بوضوح — بل ما إذا كانت هذه الكلفة تُدرَك بشكل صحيح في عملية صنع القرار.
يُظهر التاريخ أن الردع صمد لا لأن الحرب كانت مستحيلة، بل لأن تبعاتها كانت موضع خشية حقيقية. أما الخطر اليوم فيكمن في تآكل هذا الإدراك، نتيجة تجارب سابقة فُسرت على أنها نجاح في ممارسة الضغط دون كلفة، وفي بيئة سياسية تتراجع فيها معايير المساءلة تدريجيًا.
الحرب مع إيران ليست أمر محتوم، لكنها تصبح ممكنة حين يتسلل سوء التقدير إلى صانع القرار. وإذا استمرت واشنطن في قراءة ضبطالنفس الإيراني على أنه ضعفًا، والضغط الأمريكي يمكن أن يكون بلا ثمن، فقد لا تكفي العوامل التي منعت الحرب سابقًا لردعها اليوم. إن تجنب الكارثة يتطلب استعادة الردع الحقيقي، ووضوح الرسائل، وإحياء مبدأ المساءلة السياسية. فكلفة الحرب ما تزال قادرة علىمنعها — شرط أن تُستحضر في وعي من يفكر في إشعالها.
ملاحظة:
ينشر مركز أبعاد للدراسات والبحوث هذا المقال ضمن سلسلته التحليلية، إسهامًا منه في إثراء النقاشات العامة حول التطورات في اليمن والتحولات الإقليمية الأوسع. وتعبر الآراء الواردة فيه عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة المواقف أو السياسات أو التوصيات الرسمية للمركز.
