وهم الحماية الأمريكية في الخليج: النفوذ، الحرب، والحاجة إلى الأمن الجماعي

محمد ياغي | 28 أبريل 2026 19:30
وهم الحماية الأمريكية في الخليج: النفوذ، الحرب، والحاجة إلى الأمن الجماعي

 

 مقدمة:      

يشير الواقع السياسي إلى وجود تناقض واضح بين الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها دول الخليج العربي بالنسبة للولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، وبين مستوى الاستجابة الأمريكية لمصالح هذه الدول واعتباراتها الأمنية. فعلى الرغم من المكانة الحيوية للخليج في معادلات الطاقة والاستقرار الدولي، تتجاهل السياسة الأمريكية في بعض الأحيان أولويات شركائها الخليجيين.

سعت دول الخليج العربي إلى توظيف مختلف أدواتها الدبلوماسية والسياسية للحيلولة دون توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، إدراكاً منها أنها ستكون من أكبر الخاسرين من أي تصعيد عسكري في المنطقة. وبدلاً من الإصغاء إلى هذه المخاوف، اتجهت واشنطن نحو تبنّي مقاربة أقرب إلى الأولويات الإسرائيلية في إدارة الأزمة، متجاوزةً بذلك التحفظات الخليجية ومخاوفها الأمنية. ففي الأيام الأولى للتصعيد، برّر وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو الضربة الأمريكية بالقول إن واشنطن كانت على علم باستعداد إسرائيل لمهاجمة إيران، وأن مثل هذه الضربة ستؤدي هجمات مماثلة من قبل إيران على القوات الأمريكية، ما جعل الضربة الاستباقية أمراً ضرورياً. ما عززت نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس هذا المنحى التفسيري، حين صرّحت في 18 أبريل 2026 خلال فعالية في ديترويت، بأن الرئيس ترامب "دخل حرباً — أو بالأصح تم دفعه إليها من قبل بنيامين نتنياهو — وهذه الحرب لا يؤيدها الشعب الأمريكي".

يؤدي هذا المنطق، في جوهره، إلى إخضاع استقرار وازدهار دول الخليج لاعتبارات الأمن الإسرائيلي، مع تجاهل واضح لأولويات هذه الدول التي تقوم استراتيجياتها التنموية على بيئة إقليمية مستقرة. إذ ترتكز مشاريع التحول الاقتصادي الخليجي على بيئة إقليمية مستقرة تقوم على جذب الاستثمارات، وتوسيع القطاعات غير النفطية، مثل السياحة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والاقتصاد المعرفي، وذلك في إطار تقليص الاعتماد على النفط والغاز.

ولا يُعد هذا التجاهل سلوكاً استثنائياً في السياسة الأمريكية، بل يندرج ضمن نمط متكرر. ففي عام 2003، أقدمت الولايات المتحدة على غزو العراق رغم مخاوف دول الخليج من أن إسقاط نظام صدام حسين قد يؤدي إلى اختلال التوازن الإقليمي وتعزيز النفوذ الإيراني. كما تجاهلت واشنطن  مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي قدمتها المملكة العربية السعودية واعتمدتها جامعة الدول العربية، والتي تضمنت عرضاً باعتراف عربي شامل بإسرائيل مقابل انسحابها الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967. إضافة لاستمرار واشنطن في دعم إسرائيل في حروبها ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين.

وفي السياق الراهن، يمكن النظر إلى الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران بوصفها امتداداً للحرب الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، كما أنها تندرج ضمن إطار أوسع يهدف إلى تعزيز المكانة الإقليمية لإسرائيل تحت شعار “السلام عبر القوة”. غير أن هذا الشعار، عند إسقاطه على الواقع العملي، يبدو أقرب إلى “السلام عبر الإخضاع”، أي إضعاف خصوم إسرائيل وتقويض قدراتهم بما يفضي إلى ترسيخ هيمنتها على الشرق الأوسط.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن دول الخليج تمتلك أدوات نفوذ فاعلة تجاه الولايات المتحدة، لكنها لم تُحسن توظيفها لحماية مصالحها. كما تدعو الدراسة إلى إعادة التفكير في نموذج الأمن الإقليمي، من خلال الانتقال من الاعتماد على الحماية الأمريكية إلى تبني إطار للأمن الجماعي الإقليمي، فالحرب على إيران كشفت حدود الحماية الأمريكية، وأبرزت أهمية معالجة الصراعات المرتبطة بإسرائيل لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وأكدت الحاجة الملحة للانتقال إلى إطار أمني خليجي جماعي.

 

تكلفة الحرب على دول الخليج

تتجاوز تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران بالنسبة لدول الخليج الأضرار الأمنية المباشرة، لتشمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية واسعة النطاق. فإلى جانب التهديدات المرتبطة بالضربات العسكرية وتعطّل صادرات الطاقة، تشير التقديرات إلى أن خسائر قطاع النفط والغاز قد تتجاوز مائة مليار دولار، نتيجة الانخفاض الحاد في الصادرات عبر مضيق هرمز، إلى جانب أضرار طويلة الأمد ناجمة عن استهداف البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك خسارة قطر بسبب إنخفاض تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى نحو سدس قدرتها، وهو ما يقدر بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار سنوياً.

وعلاوة على ذلك، استهدفت الحرب الركائز الأساسية لنموذج التحول الاقتصادي الخليجي، الذي يعتمد بصورة رئيسة على الاستقرار الإقليمي لجذب الاستثمارات وتعزيز قطاعات حيوية مثل السياحة والطيران والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. فقد أدت حالة عدم الاستقرار إلى تدهور بيئة الاستثمار، وارتفاع تكاليف التأمين البحري بسبب مخاطر الحرب، فضلاً عن زيادة تكاليف الشحن عبر مضيق هرمز، حيث تشير التقديرات أن تكلفة نقل برميل النفط قد ارتفعت بما يتراوح بين 5 و15 دولاراً.

ومن المرجح أن تستمر هذه التداعيات حتى في مرحلة ما بعد انتهاء العمليات العسكرية، إذ قامت شركات التأمين البحري بتعليق تغطية المخاطر أو إعادة تسعيرها للسفن العابرة في الخليج العربي ومضيق هرمز، في حين وسّعت  لجنة مخاطر الحرب التابعة لـ «لويدز»نطاق تصنيف المناطق عالية الخطورة. كما أن التقارير المتعلقة بزرع الألغام البحرية والهجمات على السفن، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين بشأن أمن الملاحة، تشير إلى أن تكاليف التأمين والشحن ستظل مرتفعة لفترة طويلة، حتى بعد التوصل إلى أي وقف لإطلاق النار.

انعكس هذا التراجع في مستويات الثقة على أداء الأسواق المالية الخليجية، حيث فقدت أسواق دبي وأبو ظبي نحو 120 مليار دولار من قيمتها السوقية حتى أواخر مارس، في حين سجلت بورصتا قطر والبحرين تراجعاً بنسبة بنحو 4% و7% على التوالي. ولم تقتصر التداعيات على القطاع المالي، بل امتدت إلى قطاعات حيوية مثل الطيران والسياحة، في ظل تحذيرات من استمرار نقص وقود الطائرات وارتفاع تكلفته لفترة قد تمتد لأشهر حتى بعد إعادة فتح مضيق هرمز. وتعكس هذه المؤشرات أن الحرب لا تقتصر آثارها على تعطيل تدفقات الصادرات، بل تسهم أيضاً في رفع مستويات المخاطر، وتأجيل الاستثمارات، وتقويض صورة الخليج بوصفه بيئة آمنة وجاذبة للأعمال العالمية.

ولا تنحصر الخسائر في قطاعي النفط والغاز أو في تراجع الاستثمارات، إذ تُعد اقتصادات الخليج مورداً رئيسياً لعدد من المنتجات الصناعية الاستراتيجية، مثل الألمنيوم والأسمدة والبتروكيماويات والهيليوم، وهي مكونات أساسية في سلاسل الإمداد العالمية. فالمنطقة تنتج نحو 8–9% من الإنتاج العالمي للألمنيوم، وتستحوذ دول الخليج على نحو 36% من صادرات اليوريا، بينما توفر قطر ما بين 25% و33% إمدادات الهيليوم عالمياً. وبناءً على ذلك، فإن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز لا يؤثر فقط على إمدادات الطاقة، بل يمتد ليشمل المواد الأولية اللازمة للصناعات العالمية، ومدخلات الأمن الغذائي، فضلاً عن إمدادات حيوية لقطاعات التكنولوجيا المتقدمة والطب والطيران.

إلى جانب ذلك، اضطرت دول الخليج إلى إعادة تخصيص موارد مالية كبيرة نحو متطلبات أمنية طارئة، تشمل تعزيز الإنفاق الدفاعي، وحماية البنية التحتية الحيوية، ودعم الاستقرار المالي. وعلى الرغم من غياب تقديرات إجمالية دقيقة حتى الآن، يرجّح محللون ارتفاع الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي في ظل إعادة تقييم شاملة للافتراضات الأمنية في ضوء هشاشة المنشآت الحيوية التي كشفتها الحرب. ويعكس هذا التحول ما يُعرف بتكلفة الفرصة البديلة، حيث يجري تحويل الموارد من مشاريع التنويع الاقتصادي طويلة الأمد إلى أولويات أمنية عاجلة، الأمر الذي قد يبطئ مسار الانتقال نحو اقتصادات ما بعد النفط.

وتطرح هذه الخسائر المتراكمة تساؤلين محوريين أمام صناع القرار في دول الخليج: لماذا أخفقت هذه الدول في منع اندلاع الحرب؟ وما الخيارات المتاحة لتفادي تكرار التعرض لتداعيات مغامرات عسكرية أمريكية–إسرائيلية في المنطقة؟

للإجابة عن هذين السؤالين، تتناول الفقرة التالية مصادر النفوذ التي تمتلكها دول الخليج، والأدوات التي يمكن أن تُستخدم للتأثير المباشر في السياسات الأمريكية إذا ما جرى توظيفها بفاعلية.

 

النفوذ غير المُستَغل لدول الخليج على واشنطن

على الرغم من تراجع الاعتماد المباشر للولايات المتحدة على نفط الخليج منذ مطلع الألفية الثالثة، لا تزال المنطقة تحتفظ بمكانة مركزية في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن. إذ تمثل دول الخليج ركناً أساسياً في منظومة الطاقة العالمية، حيث تنتج أكثر من خُمس الإمدادات النفطية، وتمتلك نحو خُمس احتياطيات الغاز الطبيعي، فيما تشير تقديرات الإسكوا إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تستحوذ على 33% من احتياطيات النفط الخام و21% من احتياطيات الغاز على مستوى العالم.

على الصعيد السياسي، برزت دول الخليج بوصفها فاعلاً محورياً في الإقليم، لا سيما في ظل تراجع أدوار قوى تقليدية مثل مصر والعراق وسوريا، نتيجة التحولات التي شهدتها المنطقة منذ عامي 2003 و2011. وقد أتاح هذا الفراغ النسبي لدول الخليج توسيع نطاق تأثيرها في مجالات السياسة الإقليمية والدبلوماسية والتمويل والأمن.

وتعكس البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة هذا الثقل الاستراتيجي؛ إذ تشكل قواعد مثل الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة العديد الجوية في قطر، ومعسكر عريفجان في الكويت ركائز أساسية للوجود الأمريكي. حيث تدعم الأولى أمن الملاحة البحرية، وتعمل الثانية كمقر متقدم للقيادة المركزية الأمريكية ومنصة لإدارة العمليات الجوية، بينما تمثل الثالثة مركزًا لوجستيًا رئيسيًا للقوات الأمريكية. ويمنح هذا الانتشار واشنطن قدرة كبيرة على إسقاط القوة ومراقبة التفاعلات الأمنية في المنطقة.

بعيداً عن الاعتبارات العسكرية، تمتلك دول الخليج نفوذاً مالياً مهماً داخل الاقتصاد الأمريكي، سواء عبر استثماراتها الخارجية أو من خلال آلية «إعادة تدوير البترودولار». ويعرّف بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك هذه العملية بأنها استخدام الدول المصدّرة للنفط لعائداتها النفطية لشراء السلع الأجنبية والاستثمار في الأصول الخارجية، مع الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال ينتهي به المطاف «بشكل مباشر أو غير مباشر» داخل الولايات المتحدة. ولا يقتصر تأثير هذا المسار على الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل يمتد إلى النظام المالي العالمي، خصوصاً في ظل التنافس الاستراتيجي مع الصين. وبالتالي، فالمسألة لا تتعلق فقط بتسعير النفط والغاز بالدولار، بل بكيفية إعادة ضخ العائدات في الأسواق المالية الأمريكية عبر سندات الخزانة والودائع المصرفية والاستثمارات في الشركات والعقارات.

وتسهم هذه التدفقات المالية في ترسيخ الهيمنة العالمية للدولار، وتوفير السيولة للاقتصاد الأمريكي، وخفض تكاليف الاقتراض على الخزانة الأمريكية، فضلاً عن المساعدة في احتواء التضخم. ففي عام 2025، بلغ إجمالي ما تمتلكه كل من الكويت والسعودية والإمارات من الأوراق المالية الأمريكية نحو 1.19 تريليون دولار. كما تدعم الاستثمارات الخليجية المباشرة عشرات الآلاف من فرص العمل في الولايات المتحدة؛ إذ أسهمت الاستثمارات الإماراتية وحدها في توفير أكثر من 33 ألف وظيفة عام 2023، بينما يقدّر صندوق الاستثمارات العامة السعودي أن استثماراته في الولايات المتحدة دعمت أكثر من 172 ألف وظيفة. كما تعمّق التعهدات الاستثمارية الكبرى—ومنها إطار استثماري إماراتي بقيمة 1.4 تريليون دولارعلى مدى عشر سنوات في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية والتصنيع—هذا الترابط المتبادل.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن تحديد ثلاثة مصادر رئيسية للنفوذ الخليجي: استضافة القواعد العسكرية الأمريكية، والوزن المالي والاستثماري داخل الاقتصاد الأمريكي، والدور الحيوي في أسواق الطاقة العالمية ضمن سياق التنافس الدولي، لا سيما مع الصين. وإذا ما جرى توظيف هذه الأدوات بفعالية، فإنها قد تتيح لدول الخليج هامشاً أكبر للتأثير في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

فعلى المستوى العسكري، يمكن لدول الخليج استخدام أدوات مثل تقييد الوصول إلى القواعد، أو الحد من تصاريح العبور الجوي، أو تقليص التعاون اللوجستي والاستخباراتي، بل وحتى الإشارة إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها. وعلى المستوى المالي، يمكنها إعادة توجيه جزء من أصولها واستثماراتها بعيداً عن الولايات المتحدة، بما قد ينعكس على أسعار الفائدة ومستويات التوظيف والأسعار الاستهلاكية. أما على المستوى الجيوسياسي، فإن الإنفتاح على الصين، أو تعزيز التنسيق مع روسيا في إدارة أسواق الطاقة العالمية، من شأنه أن يضعف النفوذ الأمريكي. كما أن التحول نحو تسعير النفط والغاز بعملات غير الدولار قد يقوّض قدرة واشنطن على استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة استراتيجية.

جعل السياق الدولي الراهن من توظيف دول الخليج لأدوات نفوذها أمراً أكثر قابلية للتحقق، في ظل ما تواجهه الولايات المتحدة وإسرائيل من تزايد مظاهر العزلة الدولية نتيجة خوض الحرب

خارج إطار واضح من الشرعية الدولية، ودون تنسيق فعّال مع الحلفاء الرئيسيين. وقد تجلّى ذلك في صعوبة حشد دعم دولي واسع، كما ظهر في عندما الدعوات التي وجّهها الرئيس دونالد ترامب إلى عدد من الدول، من بينها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، للمساهمة في تأمين أو إعادة فتح مضيق هرمز، دون أن تُفضي تلك الدعوات إلى التزامات واضحة.

ومع ذلك، فإن تفعيل هذا النفوذ لا يخلو من كلفة محتملة، إذ قد يستدعي ضغوطاً مضادة من واشنطن، سواء على الصعيدين الأمني أو الاقتصادي، كما قد تتباين مواقف دول الخليج نفسها إزاء جدوى هذا الخيار. غير أن ذلك لا يعد أمراً استثنائياً أو عائقاً حاسماً. فدول الخليج لا تسعى إلى مواجهة مع الولايات المتحدة، بل إلى حماية مصالحها. وفي هذا الإطار، يمكنها الحد من الضغوط الأمريكية عبر تنويع شراكاتها الدولية، بما يشمل الصين وأوروبا وكندا وروسيا واليابان وتركيا وباكستان.

وخلاصة القول، إن دول الخليج تمتلك من أدوات النفوذ ما يكفي لرفع كلفة تجاهل واشنطن لمصالحها، وفرض قدر أكبر من الاعتبار لأولوياتها. وإن عجزها عن منع الحرب على إيران لا يعود إلى نقص في عناصر القوة، بقدر ما يرتبط بغياب توظيف فعّال لهذه الأدوات ضمن استراتيجية دبلوماسية جماعية ومتماسكة تهدف إلى تجنب الحرب.

ويفضي ذلك إلى طرح سؤال محوري: إذا لم يعد بالإمكان التعويل على الحماية الأمريكية، فما هو الإطار الأمني البديل الذي ينبغي لدول الخليج تبنّيه لضمان عدم تحوّلها مجدداً إلى ساحة لتداعيات السياسات الأمريكية–الإسرائيلية؟

 

من الحماية الخارجية إلى الأمن الإقليمي الجماعي

كشف الحرب الأخيرة عن مجموعة من الحقائق الاستراتيجية الحاسمة. تتمثل أولى هذه الحقائق في هشاشة منظومة الحماية القائمة، حيث أدت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت منشآت أمريكية في المنطقة إلى تعطيل بعض القواعد العسكرية عملياً، ما دفع الولايات المتحدة إلى إجلاء جزء من أفرادها بهدوء من بعض المواقع، وإعادة مئات العسكريين من دول مثل البحرين والكويت. وفي حالات عديدة، اضطُر من تبقّى من القوات للعمل من مواقع مؤقتة كالفنادق والمكاتب بدلًا من القواعد المحصنة. ويعكس هذا الواقع مفارقة جوهرية: إذ تحوّلت المنشآت التي أُنشئت أساسًا لتوفير الحماية لدول الخليج إلى أعباء أمنية تتطلب الحماية بحد ذاتها.

أما الحقيقة الثانية فتتمثل في الترابط البنيوي بين صراعات المنطقة، إذ لا يمكن فصل الحرب على إيران عن سياق أوسع من العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023، بما في ذلك   الهجمات المتكررة على إيران والحرب المباشرة في يونيو 2025. وقد تجلّى هذا الترابط أيضًا في انخراط أطراف إقليمية، مثل حزب الله في لبنان، وقوات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، دعمًا لإيران. كما بدا واضحاً في حجم الهجمات الإيرانية على دولة الإمارات، التي عكست على ما يبدوا مستوى التقارب بين أبوظبي وإسرائيل. ووفقاً لتقرير «لونغ وور جورنال» التابع لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، كانت الإمارات الأكثر تعرضاً للضربات الإيرانية بين دول الخليج، حيث استهدفت بـ 2,256 طائرة مسيّرة و563 صاروخاً، بإجمالي 2,819 هجوماً. في المقابل، تلقت الكويت 1,221 هجوماً، والسعودية 1,020، والبحرين 709، وقطر 338. وبعبارة أخرى، تعرضت الإمارات لأكثر من ضعف عدد الهجمات مقارنة بالكويت أو السعودية، ونحو أربعة أضعاف البحرين، وأكثر من ثمانية أضعاف قطر. وعليه، فإن التقارب مع إسرائيل لا يعزز أمن الخليج، بل يبدو أنه يزيد من انكشافه على تداعيات الصراعات الإقليمية. كما أن تجاهل ترابط هذه الصراعات، والدور المحوري لإسرائيل فيها، لن يقود إلى تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.

تتمثل الحقيقة الثالثة في أن الحرب لم تكن محكومة فقط باعتبارات البرنامج النووي الإيراني، إذ إن هذا البرنامج كان خاضعًا لرقابة مشددة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب الاتفاق النووي، حتى انسحب منه الرئيس ترامب عام 2018، وهو القرار الذي يربطه جيفري ساكس بضغوط إسرائيلية وحملة طويلة قادها بنيامين نتنياهو ضد الاتفاق. وقد بدأت الحرب كحملة  غير قانونية تستهدف تغيير النظام من خلال ضرب القيادة الإيرانية. ومع فشل هذا الهدف الأساسي، انتقلت العمليات إلى استهداف البنية التحتية الإيرانية،بما في ذلك «المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والجسور، ومحطات تحلية المياه، ومراكز الشرطة، ومصافي النفط، وغيرها»، بهدف إضعاف الدولة الإيرانية عبر استنزافها في مواجهة تحديات البقاء وإعادة الإعمار. غير أن الأهم هو أن انهيار الدولة الإيرانية—إن حدث—لن يبقى محصوراً داخل حدودها، بل قد يمتد تأثيره إلى عموم منطقة الخليج.

أما الحقيقة الرابعة فتتعلق بطبيعة عقيدة الردع الإيرانية، حيث أبرزت الحرب الدور المحوري للقدرات الصاروخية وشبكة التحالفات الإقليمية في منظومة الردع. إذ أثبتت القدرات الصاروخية أهميتها البالغة في تمكين إيران من مواجهة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على التأثير في مضيق هرمز. ومن ثم، فمن غير المرجح أن تتخلى إيران عن هذه القدرات إلا في حال تعرضها لهزيمة عسكرية شاملة، وهو سيناريو لا يزال بعيد الاحتمال. وفي الوقت ذاته، أظهرت شبكة حلفاء إيران الإقليميين—مثل حزب الله، وقوات الحشد الشعبي، والحوثيين—قيمة استراتيجية واضحة، من خلال مساهمتهم في تقييد الخيارات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وتعزيز موقع طهران الإقليمي.

هذه المعطيات مجتمعة أفرزت حالة من الجمود الاستراتيجي، حيث لم يعد التصعيد العسكري وسيلة فعّالة لتحقيق مكاسب حاسمة. فقد وصلت الولايات المتحدة وإيران إلى وضع لا يستطيع فيه أي طرف تحسين موقعه عبر التصعيد وحده. فعلى سبيل المثال، فإن تدمير البنية التحتية للطاقة في إيران قد يدفع طهران إلى استهداف منشآت الطاقة في الخليج، بما قد يخلّف تداعيات كارثية على اقتصادات المنطقة وسوق الطاقة العالمي، بل وعلى الولايات المتحدة نفسها من خلال ارتفاع غير مسبوق في الأسعار. وبالمثل، فإن محاولة فرض حصار طويل الأمد على إيران قد تقابل باستمرار تعطيلها لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وربما توسيع نطاق المواجهة ليشمل باب المندب. وتُنتج هذه الديناميات توازناً في الردع يحد من قدرة واشنطن على فرض شروطها بالقوة، ويجعل التسوية السياسية خياراً أكثر حتمية.

أما الحقيقة الاخيرة والأهم فتتصل بعامل الجغرافيا، بوصفه محدِّداً بنيوياً في تشكيل العلاقات الدولية. فالجغرافيا لا تكتفي برسم حدود التفاعل بين الدول، بل تقيّد خياراتها الاستراتيجية وتدفعها، في كثير من الأحيان، إلى بناء أنماط من التعاون أو التحالف داخل الإقليم أو خارجه. وفي هذا السياق، يرتبط أمن وازدهار دول الخليج ارتباطاً وثيقاً بأمن واستقرار إيران. وقد تجلّى هذا الترابط بوضوح في الحرب الراهنة، حيث سارعت إيران، عند شعورها بتهديد وجودي، إلى استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وفرض سيطرتها على مضيق هرمز، ما ترتب عليه تأثيرات مباشرة على أمن واقتصادات دول الخليج—وهو ما وصفه  مسؤولون أمريكيون، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، بأنه بمثابة استخدام «سلاح نووي اقتصادي».

وخلاصة هذه المعطيات أن مفاهيم الأمن في الخليج باتت بحاجة إلى مراجعة جذرية. فاعتبارات الجغرافيا وحدها تكفي لإثبات أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن كل من إيران والعراق. ومن ثم، تبرز الحاجة الملحّة إلى تبني إطار أمني إقليمي جماعي يقوم على مبدأ الترابط الأمني، ويستند إلى الاعتراف المتبادل بأن أمن كل دولة هو امتداد لأمن غيرها. ويمكن أن يتجسد هذا الإطار من خلال إطلاق حوار إقليمي مستدام مع إيران، يفضي إلى ميثاق أمني مشترك ينظم أمن المنطقة، وربما إلى إنشاء منظومة مؤسسية تُعنى باتخاذ القرارات الأمنية الجماعية.

ولكي يكون هذا الإطار قابلاً للتطبيق، لا بد من توافر مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها التوافق على تعريف مصادر التهديد الرئيسية، وثانيها أن يقوم الأمن على مبدأ المساواة، بحيث لا تعزز أي دولة أمنها على حساب أمن الآخرين. أما الشرط الثالث فيتمثل في قبول الدول بأن بعض القضايا الأمنية، مثل أمن مضيق هرمز، ينبغي إدارتها بشكل جماعي لا أحادي.

ومع ذلك، تواجه هذه الرؤية تحديات كبيرة. إذ تعيق الانقسامات بين دول الخليج العربية—والتي تتباين مواقفها حول الحرب على إيران، وكذلك في اصطفافات سياسية سابقة مثل اتفاقيات أبراهام، فضلًا عن تباين مواقفها في أزمات اليمن والسودان وليبيا والصومال—إمكانية بلورة موقف خليجي موحد إزاء الأمن الجماعي. كما أن الوجود العسكري الأمريكي الراسخ في المنطقة يمثل عائقًا بنيويًا أمام أي توجه نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة.

ورغم هذه التحديات، فقد كشفت الحرب حقيقة لا لبس فيها: أن الاعتماد على الحماية الخارجية لم يعد كافيًا، بل قد يتحول إلى عبء أمني. وعليه، فإن الانتقال إلى نموذج للأمن الإقليمي الجماعي لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها معطيات الواقع.

 

الخاتمة

تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن دول الخليج العربية لم تعد قادرة على التعامل مع أمنها بوصفه ملفًا يمكن تفويضه للولايات المتحدة أو ربطه بحسابات إسرائيل الإقليمية. فقد أظهرت الحرب أن القواعد العسكرية الأمريكية، والاستثمارات الخليجية الضخمة في الاقتصاد الأمريكي، والدور المحوري للخليج في أسواق الطاقة العالمية، لا تتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي فعّال ما لم تُوظَّف ضمن استراتيجية دبلوماسية خليجية مستقلة ومشتركة.

وعليه، فإن الدرس الأهم يتمثل في أن أمن الخليج لا يمكن تحقيقه عبر تعميق الاعتماد على السياسات الأمريكية أو من خلال مزيد من التقارب مع إسرائيل. بل يتطلب الأمر تبني مقاربة إقليمية جديدة تُقرّ بترابط أمن دول الخليج مع كل من إيران والعراق، بحكم الجغرافيا والاقتصاد ومسارات الطاقة والملاحة البحرية. فلا يمكن لدول الخليج أن تحقق ازدهاراً مستداماً في بيئة إقليمية تتسم بالتوتر المستمر، كما لا يمكن لإيران تعزيز أمنها عبر تهديد جيرانها أو توظيف حلفائها بما يزعزع استقرارهم.

ومن هذا المنطلق، يصبح الأمن الجماعي في الخليج ضرورة استراتيجية وليس مجرد طرح مثالي. وهو يتطلب صياغة ميثاق إقليمي جديد يحدد مصادر التهديد، ويؤسس لقنوات حوار دائمة، ويضع قواعد واضحة لعدم الاعتداء، واحترام السيادة، وتأمين طرق الملاحة، ومنع استخدام أراضي أي دولة لشن أعمال عدائية ضد أخرى. كما يستدعي توحيد الموقف الخليجي، وتفعيل أدوات القوة العسكرية والمالية والجيوسياسية للضغط باتجاه إنهاء الحروب، بدلًا من الاكتفاء بتمويل تبعاتها أو التكيف معها.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الخليج لن يتحدد فقط بنتائج الحرب على إيران، بل بمدى قدرة دوله على استخلاص الدروس منها. فإما أن تستمر كساحة تُدار فيها صراعات القوى الكبرى، أو أن تتحول إلى فاعل إقليمي قادر على فرض أولوياته الأمنية والدفاع عن مصالحه. ويظل الخيار الثاني هو المسار الأكثر واقعية لضمان الاستقرار، واستدامة مشاريع التحول الاقتصادي، وتفادي تكرار الحروب التي يدفع الخليج ثمنها أمنًا وثروةً ومستقبلًا.

 

ملاحظة تحريرية:

يأتي نشر هذا المقال في إطار الإسهام في النقاشات العامة حول التحولات الإقليمية، ولا تعكس بالضرورة الآراء الواردة الموقف الرسمي لمركز أبعاد للدراسات والبحوث أو توصياته، بل تعبّر عن رؤية تحليلية لكاتبها.

 

 

نشر :