بين عقيدة المحور وغريزة البقاء: هل ينخرط الحوثيون في حرب إيران؟
تمهيد
دخلت منطقة الشرق الأوسط في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 مرحلة " السيولة الجيوسياسية (Geopolitical Fluidity)"[1]، عقب إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل عملية "الغضب الملحمي"، لم تكن هذه العملية مجرد ردع عسكري تقليدي، بل مثلت ضربة "قطع رأس" بنيوية أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وتفكيك مراكز القيادة والسيطرة في الحرس الثوري الإيراني. هذا الانهيار المفاجئ في "مركز" محور المقاومة وضع الأطراف الفاعلة في "الأطراف"، وعلى رأسهم جماعة الحوثي في اليمن، أمام استحقاق تاريخي غير مسبوق يخلط بين غريزة البقاء السياسي والالتزام العقدي بمبدأ "وحدة الساحات".
وفيما اشتعلت الجبهات في لبنان والعراق بحلول نهاية الأسبوع الأول لبدء العمليات العسكرية الأمريكية، تقف جماعة الحوثي في حالة من "الترقب الاستراتيجي"؛ فرغم التعبئة الشعبية والخطاب المتضامن، إلا أنها لم تنخرط عسكرياً بشكل مباشر وواسع. حيث تجد الجماعة نفسها اليوم أمام معضلة معقدة ومحفوفة بالمخاطر، ممزقة بين التزاماتها الأيديولوجية العميقة بـ "محور المقاومة" وضرورة الإسناد، وبين متطلبات البقاء السياسي والعسكري وتجنب ضربات أمريكية-إسرائيلية مدمرة تستهدف قيادتها وقدراتها الاستراتيجية والتي قد تكتب نهايتها إلى الأبد.
يحلل هذا التقرير موقف الجماعة، محركاتها، قدراتها، والسيناريوهات المتوقعة لانخراطها في الصراع.
المؤشرات الحالية لموقف الحوثيين
في الأسبوع الأول لانطلاق العملية الأمريكية واغتيال المرشد، يمكن تفكيك المؤشرات الحالية لموقف الحوثيين عبر عدة مسارات استراتيجية وميدانية:
أولاً، يوجد تباين بين التصعيد الخطابي والكبح العسكري، حيث عكست الخطابات الثلاثة الأولى لزعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، حالة من "الترقب الاستراتيجي". فعلى الرغم من إعلانه التضامن الكامل مع طهران ورفع شعار "الجهوزية لأي تطورات"، إلا أنه امتنع بشكل لافت عن إعلان الانخراط العسكري الفوري أو إطلاق وعود بضربات مباشرة. هذا المؤشر يعكس محاولة لامتصاص الصدمة وتقييم ميزان القوى الجديد قبل الانخراط الشامل.
تدرك الحركة أن الانخراط الشامل الآن قد يستدعي قوة تدميرية أمريكية-إسرائيلية هائلة تسعى لاستئصال تنظيمهم في اليمن، ولذلك اختارت التركيز على التعبئة الشعبية والمظاهرات في صنعاء ومراكز المدن في المحافظات لتأمين "تفويض شعبي". وتتبنى الحركة خطاباً "للدفاع الوقائي" حيث انتقل الخطاب الحوثي من مربع "الإسناد" (كما في غزة 2023) إلى مربع "الارتباط الوجودي"، حيث تروج وسائل إعلام الحركة بأن استهداف طهران هو تمهيد مباشر لتصفيتها في اليمن، يهدف ذلك لشرعنة أي رد عسكري قادم بوصفه "دفاعاً عن النفس" وحماية للسيادة الوطنية.
ثانياً، على الصعيد الميداني انعكست نتائج الحملة الأمريكية لـ"قطع الرأس" في إيران بشكل مباشر لدى الحوثيين، حيث قامت الحركة على الفور باتخاذ إجراءات وقائية دفاعية تعكس حالة التوجس من تكرار المشهد في طهران أو ضربات أغسطس/آب 2025 التي أودت بحكومة الحوثيين وكبار قادة الجماعة. وتوارت القيادات الحوثية البارزة عن الأنظار، وجرى منعهم من استخدام الأجهزة الإلكترونية، وأعادت تعليمات مكتب زعيم الحركة التعامل إلى دوائر اتصال أصغر ومنعزلة عن بعضها مع ابتعاد شبه كامل على التكنولوجيا أو التواجد في أماكن توجد فيها هواتف ذكية[2]. كان الحوثيون قد بدأوا مبكراً في عملية التحضير الميداني مع الاحتشاد الأمريكي للمنطقة في فبراير/شباط حيث تم استدعاء جميع المجندين للوحدات العسكرية، ونقل منصات إطلاق الصواريخ إلى مخابئ جبلية محصنة، نقل الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيرة من المخازن السابقة إلى مخازن أكثر تحصيناً، كما نقلوا منصات الإطلاق إلى مواقع لم يستخدموها من قبل في عمليات الإطلاق خاصة خلال العامين الماضيين[3].
رفع الحوثيون الجاهزية لوحدات الزوارق المسيرة الانتحارية والغواصات المسيرة (طوربيدات) في سواحل الحديدة، والجزر. أحدث الحوثيون تحولاً مفاجئاً في الأسلحة البحرية بحيث أصبح بالإمكان استخدام "الإغراق" بعشرات القوراب المسيرة والغوصات الانتحارية وتحريكها عن بُعد استنداً إلى منصات إطلاق مثبته مسبقاً.
تراهن الجماعة[4]على أن إحداث هجمات موسعة بأسلحة جديدة غير مختبرة من قِبل خصومهم الأمريكيين والأوروبيين يمنحهم عنصر المفاجأة و"الردع التقني". ويعتقدون أنها كافية لرفع كلفة التأمين البحري العالمي والضغط اقتصادياً على واشنطن دون الحاجة لمواجهة بحرية مباشرة ومكشوفة.
كما فعلوا لجان الطوارئ حيث تم وضع المستشفيات في شمال اليمن في حالة تأهب قصوى، وتم إجراء تدريبات عديدة لقوات الدفاع المدني للتعامل مع الحرائق الكبيرة وانتشال الأشخاص، ودفع الناس إلى المنشآت الحكومية كملاجئ طوارئ.
ثالثاً، قام الحوثيون بتعزيز قواتهم في الخطوط الأمامية للقتال خلال الاحتشاد الأمريكي للمنطقة، للاستعداد لشن هجمات متزامنة في جنوب وشمال مأرب، وصعّدوا هجماتهم ضد القوات الحكومية في الساحل الغربي (الحديدة) وتعز. هذا التحرك يُقرأ كرسالة ردع استباقية موجهة ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لمنعها من استغلال الانشغال الإقليمي لشن هجوم بري، وفي ذات الوقت لرفع الجاهزية القتالية لقواتهم.
رابعاً، الانقسام الداخلي، حيث يظهر قادة الحوثيين انقساماً بين تيارين رئيسيين "الصقور" والذين يرون في اللحظة الحالية مصيرية توجب التدخل المباشر في الحرب بغض النظر عن التكلفة، لأن صنعاء هي الهدف التالي للحملة العسكرية الأمريكية/الإسرائيلية. والتيار الثاني "البراغماتيين" والذين يرون أن الحركة ستصبح "كبش فداء" وأن التسرع قد يفقد الجماعة كل المكاسب التي حققتها منذ السيطرة على العاصمة في سبتمبر/أيلول 2014. هذا التجاذب أدى إلى تبني موقف "المنطقة الرمادية" أو التصريح بوجود حالة "حرب معلنة" مع تأجيل تحديد زمان ومكان الرد للقيادة[5].
يعلم الحوثيون أن المظلة الإيرانية قد تضررت بشدة، وأن الردود غير المحسوبة قد تكلفهم رأس القيادة وفقدان السلطة. لذا، فإن موقفهم يميل حالياً إلى المراوغة: الاستعداد الأقصى، الاحتفاظ بالأوراق الاستراتيجية (مثل تهديد الملاحة والتلويح بالأسلحة النوعية منها الصواريخ الاستراتيجية التي يدعون أنها (فرط صوتية)، والانتظار لترى كيف ستتبلور القيادة الإيرانية الجديدة ومدى صمودها، قبل الإقدام على رمي ثقلهم العسكري في هذه المعركة الإقليمية المفتوحة.
ولفهم هذا التردد وحالة "الترقب الاستراتيجي" الذي يمارسه الحوثيون، يجب تفكيك العوامل المتضاربة التي تدفع الجماعة نحو حافة الحرب، وتلك التي تشدها نحو التريث.
العوامل التي تدفع الحوثيين نحو المشاركة العسكرية المباشرة
1. الارتباط الوجودي و"عقيدة وحدة المصير": لا تنظر القيادة الحوثية إلى الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران بوصفه تهديداً لحليف إقليمي فحسب، بل تعتبره تهديداً مباشراً لوجودها. تعتقد الجماعة أن تدمير الجمهورية الإسلامية في إيران وإسقاط نظامها هو مجرد تمهيد ضمن مخطط "الشرق الأوسط الجديد"، وأن الدور سيأتي حتماً على صنعاء لتصفيتها واجتثاثها إذا سقط "المركز" في طهران. بناءً على ذلك، يصبح التدخل العسكري بمثابة "دفاع وقائي" عن النفس قبل أن تتفرغ واشنطن وتل أبيب لليمن.
2. الالتزام الثوري والديني: يؤطر الحوثيون صراعهم ضمن أبعاد دينية وثورية صارمة. لقد أعلن زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، ومسؤولون آخرون أن الوقوف مع إيران في هذه المعركة هو "واجب ديني ووطني" لمواجهة مشاريع الهيمنة. التراجع عن هذا الموقف سيشكل ضربة قاضية للمصداقية الأيديولوجية للجماعة أمام قواعدها الشعبية التي تمت تعبئتها طوال السنوات الماضية على شعارات "محور المقاومة" و"الموت لأمريكا"،.
3. الهروب إلى الأمام (تصدير الأزمة الداخلية): تعيش مناطق سيطرة الحوثيين في شمال اليمن حالة من "الانهيار المجتمعي" والاقتصادي الخانق، خاصة مع دخول شهر رمضان 2026. الموظفون بلا رواتب، والطبقة الوسطى سُحقت، وهناك تزايد مخيف في معدلات الفقر والتسول. الانخراط في حرب إقليمية كبرى يوفر للقيادة الحوثية ذريعة مثالية لـ "عسكرة" المجتمع، وإسكات الأصوات الداخلية المطالبة بالرواتب والخدمات، وتوجيه حالة الغضب الشعبي العارم نحو "العدو الخارجي"، واعتبار أي مطالبة بالحقوق في هذا التوقيت بمثابة "خيانة وعمالة".
4. الحفاظ على مكانة الجماعة داخل "المحور": بعد الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله اللبناني وتقلص نفوذه، صعد الحوثيون ليصبحوا "الوكيل الأكثر صموداً ومرونة" ضمن شبكة حلفاء إيران، فالمشاركة الفاعلة الآن تضمن للجماعة ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية رئيسية قادرة على فرض معادلات الردع (عبر إغلاق باب المندب أو ضرب القواعد الأمريكية في الخليج والقرن الأفريقي)، وهو ما سيمنحها ثقلاً تفاوضياً هائلاً في أي تسوية دولية مقبلة.
5. الاستجابة لضغوط "الحرس الثوري": رغم استقلاليتهم النسبية، يعتمد الحوثيون بشكل شبه كلي على الدعم اللوجستي، والتقني، والتسليحي الإيراني. إذا أصدرت طهران، عبر قنوات فيلق القدس، توجيهات صريحة بضرورة فتح جبهة البحر الأحمر لتخفيف الضغط العسكري عن الداخل الإيراني، فسيكون من الصعب جداً على الجناح العقائدي في صنعاء رفض هذا الطلب.
القدرات العسكرية للحوثيين
خلال العامين الماضيين، انتقلت الجماعة بوضوح من "ميليشيا محلية" تعتمد على حرب العصابات، إلى فاعل إقليمي يمتلك قدرات استراتيجية عابرة للحدود، وأدوات ردع بالغة التعقيد ومؤثرة. استفاد الحوثيون من حرب العامين الماضيين، وفترات التهدئة لتطوير وتوطين ترسانة فتاكة، بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني، تجعلها قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة. وتتوزع هذه القدرات على النحو التالي:
أولاً: القوة الصاروخية، يمتلك الحوثيون قدرات صاروخية متطورة، وإن كانت لا ترقى إلى "فرط صوتية"، إلا أنهم يلقون عليها المسمى ذاته، فمثلا، لديهم جيل جديد من الصواريخ الباليستية مثل صواريخ "فلسيطن-2" بمدى 2100 كم (تعديل لصاروخ فتاح-1 الإيراني)، يتميز هذا الصاروخ بقدرته العالية على المناورة داخل وخارج الغلاف الجوي بسرعات عالية ما يُعقد عملية اعتراضه من الدفاعات الجوية.
كما تملك الحركة جيل جديد من الصواريخ البالستية، وتم تجربتها بالفعل عقب أغسطس/آب 2025. إلى جانب تطوير صواريخ "قدس" المجنحة لتصبح أكثر دقة في ضرب الأهداف المتحركة وذلك بفضل تزويدها بأنظمة توجيه رادارية وكهرو-بصرية متطورة.
ثانياً، المسيّرات وتكتيكات "الأسراب": يملك الحوثيون طائرات بعيدة المدى من طراز "وعيد" يصل مداها إلى 2500 كم، وتضاهي قدرات مسيرات "شاهد 136" الإيرانية. كما عكف المطورون الحوثيون خلال حرب العامين (وعقب هدنة ابريل/نيسان 2022) على تطوير الطائرات المسّيرة لتكون أكثر تدميراً وتعمل في فرق مجتمعة في هدف محدد بناء على برمجة مسبقة. كما استخدم "تكنولوجيا خلايا وقود الهيدروجين"، وتم إدخال هذه التقنية الحديثة لتمكين المسيرات من البقاء في الجو لفترات طويلة والتحليق على ارتفاعات شديدة الانخفاض لتفادي الرصد الراداري. يعتمد الحوثيون استراتيجية إطلاق 20 إلى 30 مسيرة وزورق انتحاري في وقت واحد لإغراق الدفاعات الجوية والبحرية وتشتيتها؛ واستنزاف ذخائر السفن الحربية الغربية.
ثالثاً، الأسلحة البحرية: يستخدم الحوثيون الزوارق المسيّرة الانتحارية. وتعتقد الحركة إن الزوارق المسيّرة التي خضعت للتعديل بناء على "الدروس المستفادة" من عمليات 2024 و2025 منحت الجماعة تطويراً هائلاً في قطاع ناشئ لديها، ما زاد القوة التدميرية أثناء الاصطدام. كما عززت القوة البحرية من تفاهمها مع الطائرات المسيّرة لتعويض غياب أنظمة التوجيه المعقدة[6].
لعل الغواصات الانتحارية المسيّرة، أحدث الأسلحة لدى الحوثيين، وحصلت الحركة على تكنولوجيا "الطوربيدات" والغواصات المسيرة من إيران في أواخر 2025، وتم تفعيل شبكة منها ووضعها في حالة تأهب لاستهداف السفن الحربية الأمريكية في خليج عدن والسواحل الغربية لليمن.[7] وسُجلت في ديسمبر/كانون الأول 2025 تشويش واسع النطاق على إشارات نظام التموضع العالمي (GPS) في خليج عدن، مما يشير إلى امتلاك الحوثيين أجهزة تشويش روسية أو صينية الصنع، تم الحصول عليها عبر قنوات تهريب معقدة.[8] وأكد مصدر من الحوثيين على اختبار الحركة أجهزة تشويش لأجهزة رادارية في ميناء بربرة بأرض الصومال في الجهة المقابلة.
بنك الأهداف الحوثي (مسارح المواجهة والتوسع الاستراتيجي)
وسّع الحوثيون جغرافية التهديد لتشمل أهدافاً تتجاوز الإقليم اليمني والبحر الأحمر. بناءً على الخطاب الاستراتيجي والتحركات الميدانية الحالية، يتوزع بنك الأهداف المحتمل على المسارات التالية:
- إسرائيل والعمق الاستراتيجي: تتصدر الأراضي الإسرائيلية بنك الأهداف كخيار بديهي وعقائدي. تشمل الأهداف المدن الحيوية كإيلات، والمطارات العسكرية، والموانئ، وصولاً إلى تهديد مواقع بالغة الحساسية مثل مفاعل ديمونة.
- خنق الممرات الملاحية والتمدد نحو المحيط الهندي: لن يقتصر الاستهداف على السفن وحاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب فقط، بل من المرجح توسيع العمليات لتشمل بحر العرب، وخليج عدن، والمحيط الهندي. يهدف هذا التوسيع إلى فرض حصار بحري شامل يقطع خطوط الإمداد اللوجستية البديلة (طريق رأس الرجاء الصالح)، وإغلاق باب المندب بالألغام البحرية إن تطلب الأمر، مما قد يوقف حركة التجارة العالمية كلياً.يملك الحوثيون فريق إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة في الصومال، وهو ما يساعد في عمليات مماثلة باستخدام أراضي غير يمنية ذات وصول أكثر سهولة لأعالي البحار[9].
- القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة: أرسى الحوثيون "تأطيراً قانونياً وسياسياً" جديداً يعتبر القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج "أهدافاً مشروعة" و"مستقلة" عن سيادة الدول المضيفة، لأنها منطلق للهجوم على إيران. هذا الخطاب يضع دول الخليج تحت طائلة "التحييد القسري" ويهدد أمنها بشكل مباشر.
- جبهة القرن الأفريقي والتنسيق مع "الشباب": يمكن أن يستهدف الحوثيون ميناء بربرة (أرض الصومال) الذي يقع على بعد أقل من 200 ميل من باب المندب، ويراقب الحوثيون التواجد الإسرائيلي والإماراتي فيه، وقد حذروا من أن أي أصول عسكرية فيه تُعد أهدافاً مشروعة. في حال طالت الحرب يمكن أن يستهدف الحوثيون قاعدة "ليمونيه" الأمريكية (جيبوتي)، التي تُعد هدفاً استراتيجياً لتوجيه ضربة موجعة لواشنطن. في جانب من تفكير الحوثيين يرون أن اتفاق مايو/أيار 2025 مع ترامب يشمل السفن الأمريكية وحدها ولا يشمل القواعد العسكرية يمكن أن يستعاض باستهداف القواعد عن استهداف السفن الأمريكية.
كما يقوم الحوثيون بالتنسيق وتزويد "حركة الشباب" الصومالية بالمسيرات والعبوات المتطورة لخلق "كماشة بحرية" تهاجم السفن من الساحلين اليمني والصومالي في آن واحد؛ بمساعدة من فريق إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة للحوثيين يتواجد بالفعل في الأراضي الصومالية.
منشآت الطاقة والمصالح الاقتصادية في دول الخليج و"معادلة الردع": تظل منشآت الطاقة في الخليج تحت تهديد "معادلة الردع" الاستراتيجية التي دائماً ما أعلنها الحوثيون والمتمثلة في (المطارات بالمطارات، البنوك بالبنوك، والموانئ بالموانئ)، كما تظل محطات تحلية المياه والمنشآت الاقتصادية الحساسة أهدافاً استراتيجية محتملة لتعطيل اقتصادات المنطقة.
وكان الحوثيون قد لوحوا بتكرار عمليات سابقة مثل عملية "التاسع من رمضان" (مايو 2019) التي استهدفت محطات ضخ النفط التابعة لشركة أرامكو ومسارات نقل النفط، وهو الهجوم الذي سبق الهجوم الأكبر في )سبتمبر(2019 على منشأتي بقيق وخريص، كما تعرضت مستودعات وقود في العاصمة الإماراتية أبوظبي في ( 17 يناير 2022) لهجوم بالدرونز والصواريخ ، ثم بعد ذلك تم استهداف منشآت النفط في ميناء ينبع السعودي لعمليتين الأولى لغم بحري في (نوفمبر (2020، والثاني بهجوم صاروخي وطيران مسير في (مارس 2022) .
كوابح عدم التصعيد الشامل
بمرور سبعة أيام معظم قادة الحوثيين العسكريين والسياسيين، يرون ضرورة التدخل في الحرب الحالية، سواء كانوا من العقائديين أو البرغماتيين لكنهم يختلفون في التوقيت وبين التصعيد الشامل أو التصعيد المرحلي، ويعود ذلك إلى عديد من العوامل التي يمكن أن نصفها "بكوابح عدم التصعيد".
- الخوف من استراتيجية "قطع الرأس"، إذ أن دقة وفتك الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي أدت إلى اغتيال المرشد علي خامنئي وقيادات إيرانية رفيعة باستخدام قاذفات B-2 الاستراتيجية والقنابل الخارقة للتحصينات، بعثت برسالة رعب واضحة إلى صنعاء. الجناح البراغماتي في الجماعة يدرك تماماً أن "الحصانة القيادية" قد انتهت، وأن الانخراط الشامل قد يؤدي إلى استهداف مباشر لزعيم الحركة عبد الملك الحوثي وقيادات الصف الأول داخل كهوف صعدة أو صنعاء، مما يعني إنهاء مشروعهم السياسي بالكامل على المحك.
- تحرك الجبهات الداخلية: يعلم الحوثيون أن القوات الحكومية والموالية لها يراقبون المشهد عن كثب، والانخراط في حرب مع أمريكا سيؤدي إلى تدمير البنية التحتية العسكرية للحوثيين، وهو ما قد تستغله القوات المناوئة لهم لشن هجمات برية واسعة لاستعادة السيطرة على مناطق استراتيجية مثل الحديدة، خاصة وأن هناك تحشيدات عسكرية فعلية ترصد على خطوط التماس.ينظر الحوثيون بعين القلق للانخراط الأمريكي السريع في دعم للجماعات المناهضة لنظام الحكم في إيران، ويخشون تكراره بنفس السرعة مع بدء الحركة "حرب شاملة".
- تضرر شبكة الإمداد والقيادة الإيرانية: أدت الحرب الأمريكية إلى شلل في مراكز القيادة والسيطرة الإيرانية. هذا الفراغ القيادي والتشويش يجعل الحوثيين في حالة من العزلة اللوجستية. الدخول في حرب استنزاف طويلة ومكثفة دون ضمان استمرار تدفق الأسلحة وقطع الغيار، وتقنيات التوجيه، والمستشارين من طهران يعتبر مخاطرة عسكرية غير محسوبة قد تترك ترسانتهم فارغة في وقت حرج.
- الحفاظ على المكتسبات السياسية وتفاهمات التهدئة: لا يريد الحوثيون التفريط السهل بالاتفاقيات والتفاهمات التي أبرموها. ففي مايو/أيار 2025، توصلت الجماعة إلى هدنة بوساطة عمانية مع إدارة ترامب أوقفت بموجبها الهجمات على السفن الأمريكية لتجنب الضربات القاسية. إشعال المنطقة مجدداً يعني نسف هذه الهدنة، واستدعاء غضب عسكري أمريكي أشد قسوة من ضربات 2024-2025، والقضاء على أي أمل في إجبار السعودية على دفع رواتب الموظفين من عائدات النفط، وهو المطلب الذي يعتبره الحوثيون مفتاحاً لبقائهم الداخلي.
هـ - الكارثة الإنسانية والضغط الاقتصادي المطلق: رغم أن الحرب قد تكون ذريعة لتبرير الفقر، إلا أن القيادة الحوثية الإدارية تدرك أن حرباً واسعة مع الغرب ستؤدي إلى إغلاق كامل لميناء الحديدة وتوقف تام لبرامج الإغاثة الأممية المتبقية. هذا السيناريو لا يعني مجرد فقر، بل يعني مجاعة شاملة وتوقف سلاسل الإمداد الأساسية، مما قد يفجر ثورة شعبية مسلحة من الداخل لا يمكن للقبضة الأمنية الحوثية (مهما بلغت قسوتها) السيطرة عليها.
الحوثيون عالقون بين مطرقة "الولاء للمحور الضعيف" وبقاء وحدة الساحات وسندان "غريزة البقاء في السلطة". ولذلك، من المرجح أنهم يميلون حالياً إلى تبني استراتيجية "التصعيد المحسوب" وبناء مراحل عدة لاحتمالية إطالة الحرب، تبدأ مثلاً بإطلاق طائرات مسيرة متقطعة أو استهداف سفن تجارية منتقاة، لرفع الكلفة الاقتصادية والتأكيد على وحدة المحور، دون الانزلاق إلى فتح جبهة استراتيجية شاملة تمنح واشنطن وتل أبيب المبرر لتسوية الجماعة بالأرض.
السيناريوهات المستقبلية لمشاركة الحوثيين
بناءً على التقييم الاستراتيجي للمعطيات الميدانية والسياسية في الأسبوع الأول من الحرب تتأرجح خيارات الحوثيين بين أربعة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول، الانخراط العسكري الشامل (الدفاع الوجودي) : في هذا السيناريو( الأكثر ترجيحا)، تتغلب رؤية الجماعة بأن سقوط طهران يعني سقوط صنعاء حتماً، ستقوم الجماعة بشن هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة إلى العمق الإسرائيلي، وإغلاق مضيق باب المندب بالكامل باستخدام شبكات الغواصات والزوارق المسيرة والألغام البحرية، وتوسيع العمليات إلى المحيط الهندي. وقد يمتد الأمر لضرب القواعد الأمريكية في دول الخليج أو القرن الأفريقي (جيبوتي وبربرة) معتبرة إياها "أهدافاً مشروعة". المخاطر: سيستدعي هذا تدخلاً دولياً ساحقاً وضربات "قطع رأس" تنهي القيادة الحوثية، وتحركاً برياً للخصوم المحليين ينهي سيطرتهم على الحديدة وربما صنعاء.
يساهم أي هجوم عسكري أمريكي (إسرائيلي) على مناطق الحوثيين، في الاندفاع نحو هذا السيناريو، حيث يوفر مبرر للحركة تقدمه لقواعدها الشعبية أن هناك من بدأ الهجوم عليها. يصطدم الحوثيون بالقواعد الشعبية والمجتمع الذي التف حول الحركة في "لمساندة" فلسطين في غزة باعتبارها المقاومة الفلسطينية حركة تحرر وطني يؤمن بها، لا يرى مبرراً في جبهة "اسناد" لإيران.
السيناريو الثاني، التصعيد على مراحل –: سيناريو (ممكن) لكن أقل ترجيحا، وفيه قد يبدأ الحوثيون بعملية مفاجئة تبيّن مدى قوتهم ضمن عملية استعراض قوة محسوب بدقة ليكون "رسالة ردع"، ضمن مسار تصعيدي من عدة مراحل تستخدم فيها الأسلحة المتطورة لضمان عنصر المفاجأة، يحافظ على الهدنة مع السعودية وربما مع الولايات المتحدة بتجنب مهاجمة أراضي المملكة والسفن الأمريكية، مع إمكانية استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج باعتبار أن "هدنة مايو 2025" لا تشمل القواعد؛ وبتصعيد أكبر باتجاه القرن الأفريقي، ودولة الإمارات والبحرين.
يعتمد هذا السيناريو على التطورات في إيران-كما قال زعيم الجماعة، كما يعتمد على الإطار التنسيقي داخل محور المقاومة ووحدة الساحات مع استعادة القيادة الإيرانية زمام المبادرة، وهو على ما يبدو ما يكبح جماح بدء الحوثيين لتحركاتهم المساندة.
يمكن أن يضيف الحوثيون في هذه المراحل -عند مستوى معين من التصعيد الإقليمي والمحلي- شن هجوم بري على القوات الحكومية في مأرب أو الخوخة والمخا حيث تتواجد قوات المقاومة الوطنية التي يقودها "طارق صالح"، خاصة إذا تأكد الحوثيون أن الولايات المتحدة بدأت في دعم القوات الحكومية لتحرك ضدها كما فعلت في إيران.
السيناريو الثالث، التصعيد المحدود والمحسوب (حفظ ماء الوجه): تنتصر في هذا السيناريو(الضعيف) "الواقعية السياسية" لدى الحوثيين؛ حيث يدركون تضرر شبكة الإمداد الإيرانية وصعوبة المعركة. وسيكتفي الحوثيون بعمليات "رمزية" أو إطلاق متقطع للطائرات المسيرة نحو أهداف بحرية أو نحو إسرائيل، بهدف إثبات التضامن مع "المحور" دون تخطي العتبة التي تستوجب رداً أمريكياً إسرائيلياً مدمراً. سيسعى هذا السيناريو للحفاظ على الهدنة المبرمة مع واشنطن في مايو 2025 وحماية المكتسبات السياسية المحلية.
السيناريو الرابع، التريث والانكفاء بالهروب إلى الأمام محلياً (فك الارتباط التكتيكي) : قد يتحقق هذا (السيناريو النادر) إذا انهارت الدولة في إيران تماماً وحدث فراغ سلطة لا يمكن تعويضه. في غياب التوجيه اللوجستي والقيادي الإيراني، قد يقرر الحوثيون البقاء خارج الصراع الإقليمي كلياً، والتخلي عن الارتباط بـ "وحدة الساحات" لإنقاذ أنفسهم في ظل غليان الشارع اليمني جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة وانقطاع الرواتب. قد يختار الحوثيون تفادي الحرب الإقليمية المباشرة وتوجيه فوهات بنادقهم للداخل. وسينتقلون من استراتيجية "حرمان خصومهم من التصدير" إلى "السيطرة أو التدمير" لمنشآت النفط في مأرب وحضرموت وشبوة (مثل صافر والمسيلة)، بهدف فرض واقع مالي جديد يجبر السعودية والمجتمع الدولي على دفع فاتورة الرواتب تحت وطأة تهديد مصادر الطاقة. مع تحييد السعودية والغرب بدلاً من إثارتهم لمحو وجود الجماعة، واستغلال فرصة كونهم الطرف الوحيد المتبقي في المحور لإعادة التموضع والبحث عن تسوية سياسية مع السعودية تؤمن بقاءهم كسلطة أمر واقع في شمال اليمن.
يصطدم السيناريو الثالث والرابع، بعقيدة الحوثيين التي ترى نفسها كحركة عابرة للحدود وليست مجرد جماعة فاعل محلي ما دون وطني، وهو ما يجعل من انخراطهم في أي توسع للصراع الإقليمي ضرورةً لا مفر منها للحفاظ على تماسكهم الأيديولوجي ومصداقيتهم أمام قواعدهم الشعبية؛ وأمام راعيهم الإيراني التي عمقت علاقتها مع الجماعة بعد السابع من أكتوبر2023 وتضرر حزب الله في لبنان.
[1] هي حالة ديناميكية في النظام الإقليمي أو الدولي تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين الاستراتيجي، وتسارع تحولات موازين القوى، وقابلية التحالفات السياسية والعسكرية لإعادة التشكل، بما يؤدي إلى مرونة أو اضطراب في توزيع النفوذ الجغرافي والسياسي بين الفاعلين الدوليين والإقليميين خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا قد تكون فترة حرب.
[2] قال 4 مصادر من الحوثيين في المستوى السياسي عن احتجاب القيادة العسكرية والسياسية العليا، أكد 5 من أقارب قادة عسكريين إغلاق الهواتف الخاصة ومغادرة المناطق المدنية المأهولة بالسكان مع نقل عائلاتهم. تحدثت المصادر لـ"أبعاد" بين 1/3/2026 و 5/3/2026م.
[3] 3 مصادر عسكرية مطلعة على التفاصيل تحدثت لـ"أبعاد" في 28 /2/2026
[4] 4 مصادر في قوات بحرية الحوثيين تحدثوا لـ"أبعاد" بين يناير وفبراير 2026م.
[5] تصريح علي العماد عضو المكتب السياسي للحوثيين https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/166106
[6] خبير ولواء سابق في البحرية اليمنية تحدث لـ"أبعاد" في ديسمبر2025، ومطلع باهتمام على تطوير الحوثيين للأسلحة.
[7] مصادر عسكرية قريبة من دوائر التصنيع لدى الحوثيين تحدثت في نوفمبر 2025م.
[8] مصادر عسكرية يمنية
[9] 6 مصادر من حركة الحوثيين تحدثوا لـ"أبعاد" خلال 2025م.
