توظيف القضايا القومية في استعادة السيطرة على القرار القبلي.. القبيلة اليمنية وتصعيد الحوثيين في البحر الأحمر (2024-2026)
المستخلص:
تتناول هذه الدراسة الأثر العميق لانخراط جماعة الحوثيين في صراع البحر الأحمر على البنية القبلية اليمنية خلال الفترة (2024-2026). تفترض الدراسة أن الحوثيين استغلوا هذا التصعيد كفرصة استراتيجية لإعادة توظيف القضايا القومية والدينية لاستعادة السيطرة على القرار القبلي، بعد أن كانت القبيلة تشهد تراجعاً في نفوذها وتفككاً تحت وطأة سياساتهم القمعية. تعتمد الدراسة على منهجية تحليلية وصفية ومصادر متعددة اللغات (العربية والإنجليزية والفارسية والفرنسية والألمانية) لتقييم الاستراتيجيات الخطابية، واستجابة القبائل، ومؤشرات النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي، وصولاً إلى استشراف الآثار طويلة المدى على الهوية والزعامة القبلية. تخلص الدراسة إلى أن الحوثيين حققوا نجاحاً تكتيكياً في تحشيد القبائل عبر "التجييش العقدي"، غير أن هذا النجاح يحمل في طياته بذور تصدعات هيكلية عميقة قد تُعيد رسم خارطة الولاءات القبلية في مرحلة ما بعد الصراع.
الكلمات المفتاحية: القبيلة اليمنية، الحوثيون، البحر الأحمر، التجييش العقدي، الخطاب السياسي، الولاء القبلي، المشرفون، العصبية.
أولاً: مقدمة الدراسة والإطار المنهجي
تُمثل القبيلة في اليمن، بتركيبتها المعقدة وتاريخها العريق الممتد لآلاف السنين، حجر الزاوية في فهم الديناميكيات السياسية والاجتماعية للبلاد. لطالما كانت القبيلة فاعلاً رئيسياً في تشكيل الدولة والمجتمع، تتأرجح بين الاستقلالية والاندماج، وبين الحفاظ على الأعراف التقليدية والتكيف مع المتغيرات الحديثة. وعلى مدى قرون، شكّلت القبيلة النواة الأولى لتكوين الكيانات السياسية الكبرى، فالدول اليمنية القديمة (سبأ، حمير، قتبان) لم تكن سوى تحالفات قبلية واسعة استطاعت بناء أنظمة حكم مركزية مع الحفاظ على استقلالية المكونات القبلية. وفي العصر الحديث، استمرت القبيلة كفاعل سياسي لا يمكن تجاوزه، حيث لم تكن يوماً نقيضاً للدولة، بل كانت "المكمل لوظائفها، والرادع لطغيان حكامها". وكانت دائماً الحكَم الفاصل في لحظات الأزمات الكبرى.
تنطلق هذه الدراسة من إدراك أن الظاهرة المدروسة تقع عند تقاطع ثلاثة مستويات تحليلية متداخلة: المستوى الأول هو البنية القبلية بوصفها كياناً اجتماعياً وسياسياً ذا تاريخ طويل وأعراف راسخة؛ والمستوى الثاني هو الجماعة الحوثية بوصفها فاعلاً سياسياً-عقدياً يسعى إلى إعادة هندسة المجتمع وفق رؤيته الأيديولوجية؛ والمستوى الثالث هو الصراع الإقليمي والدولي الذي وفّر السياق الذي استغله الحوثيون لإعادة رسم خارطة الولاءات الداخلية. وفي الوقت الذي كانت فيه القبيلة تشهد تراجعاً في نفوذها وتفككاً تحت وطأة سياسات الحوثيين الهادفة إلى تجريف الزعامات التقليدية وفرض نظام "المشرفين"، جاء تصعيد البحر الأحمر وشعارات "نصرة غزة" و"مواجهة أمريكا وإسرائيل" ليقدم للحوثيين فرصة ذهبية لإعادة تحشيد القبائل التي كانت قد بدأت تتململ من سياساتهم القمعية[1].
هذا "التجييش العقدي"، المبني على قضايا قومية ودينية ذات صدى عميق في الوجدان الجمعي، لم يبطئ وتيرة الغضب القبلي فحسب، بل ربما أعاد تشكيل بعض الولاءات أو على الأقل أوجد مبررات جديدة للانخراط في صفوف الجماعة. ويمكن استحضار مفهوم "الهيمنة الثقافية" عند غرامشي (Gramsci) لفهم هذه الظاهرة؛ إذ لا يكتفي الحوثيون بالإكراه العسكري والأمني، بل يسعون إلى بناء "موافقة" اجتماعية عبر توظيف الرموز الدينية والقومية لإضفاء الشرعية على سلطتهم في الوعي الجمعي القبلي.[2]
تُبنى هذه الدراسة على فرضية أساسية مفادها أن الحوثيين استغلوا تصعيد البحر الأحمر كـ"فرصة استراتيجية" لإعادة توظيف القضايا القومية والدينية في استعادة السيطرة على القرار القبلي، وذلك عبر آليات خطابية وتعبوية معقدة. وتسعى الدراسة للإجابة على أربعة أسئلة بحثية محورية: ما هي الاستراتيجيات الخطابية التي اتبعها الحوثيون لتوظيف قضية البحر الأحمر في تحشيد القبائل؟ وكيف استجابت القبائل اليمنية لهذا التحشيد؟ وما هو المدى الحقيقي لنجاح الحوثيين في استغلال هذا التصعيد لتعزيز نفوذهم؟ وما هي الآثار طويلة المدى لهذا التجييش على بنية القبيلة ودورها السياسي المستقبلي؟ وتعتمد على المنهج الوصفي التحليلي، مستندة إلى مصادر متعددة: دراسات أكاديمية وتقارير استراتيجية، وتقارير حقوقية وصحفية ومقابلات موثقة.
ثانياً: البنية القبلية اليمنية، تحولات القوة
تُعد القبيلة اليمنية مؤسسة اجتماعية وسياسية وعسكرية متكاملة، لا تقتصر وظيفتها على التنظيم الاجتماعي بل تتعداه لتكون شريكاً أساسياً في صناعة القرار السياسي وحفظ الأمن الجماعي. وقد أدرك ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن "العصبية القبلية" هي المحرك الأساسي للتاريخ السياسي في المجتمعات العربية، وأن الدولة لا تنشأ إلا على أساس عصبية قوية تمنحها القدرة على الفعل والتماسك[3]. وفي اليمن تحديداً، تجسّدت هذه العصبية في تحالفات قبلية كبرى كحاشد وبكيل وخولان، شكّلت "الخزان البشري" للدولة وأداتها العسكرية الأولى عبر القرون.
اعتمدت الأنظمة المتعاقبة، خاصة نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، على استراتيجية "احتواء القبيلة" عبر دمج مشايخها في مؤسسات الدولة ومنحهم امتيازات اقتصادية وسياسية، مما أدى إلى تسييس القبيلة وإضعاف استقلاليتها في آنٍ معاً. يُشير الباحث الألماني مارتن براندت في دراسته المرجعية "القبائل والسياسة في اليمن" إلى أن القبيلة اليمنية لم تكن يوماً نقيضاً للدولة، بل كانت "المكمل لوظائفها، والرادع لطغيان حكامها".[4] وقد أدى التنافس التاريخي بين قبيلتي حاشد وبكيل إلى خلق توازن منع انفراد أي طرف بالسلطة المطلقة، وجعل من القبيلة "ملاذاً وحمى" للقوى السياسية المضطهدة.
وعلى الصعيد السوسيولوجي، تؤدي القبيلة اليمنية وظائف متعددة تتجاوز النطاق الاجتماعي: فهي توفر الحماية والأمن في ظل ضعف الدولة المركزية، وتشارك في صنع القرار عبر نظام "الأعراف والأسلاف"، وتُشكّل الجيش الشعبي الذي اعتمدت عليه الأنظمة المتعاقبة. وقد أثبتت الدراسات الأنثروبولوجية أن القبيلة اليمنية تتمتع بمرونة استثنائية تمكّنها من التكيف مع المتغيرات السياسية دون فقدان هويتها الجوهرية، وهو ما يُفسر قدرتها على الصمود أمام موجات التغيير المتعاقبة.
- علاقة الحوثيين بالقبائل: من التحالف إلى الإخضاع
نشأت حركة الحوثيين في بيئة قبلية بامتياز في محافظة صعدة، وأدركت منذ البداية أن الوصول إلى السلطة يمر عبر بوابة القبيلة. في مرحلة "الشباب المؤمن" (التسعينيات - 2004)، اعتمد حسين بدر الدين الحوثي على الروابط القبلية لعائلته، مستغلاً خطاب "التهميش الاقتصادي" و"الكرامة الوطنية" لاستمالة القبائل الساخطة على الدولة المركزية.[5] وخلال حروب صعدة الست (2004-2010)، انقسمت القبائل بين مؤيد للحكومة ومساند للحوثيين، وأدت طريقة علي عبدالله صالح في إدارة تكتيكات الحرب بالرقص على رؤوس الثعابين إلى دفع العديد من قبائل صعدة نحو الارتماء في أحضان الحوثيين نكاية بالنظام المركزي؛ أو اتخذت موقفاً محايداً.
وبعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014، تغيرت طبيعة العلاقة جذرياً: لم تعد القبيلة شريكاً يُستمال، بل غدت هدفاً للإخضاع والتحويل. وقد أدرك الحوثيون أن الاستمرار في سياسة "الشراكة" مع القبيلة يعني القبول بشريك يمتلك قوة مستقلة قد تتحول يوماً ما إلى تهديد وجودي، وهو ما دفعهم نحو استراتيجية الإخضاع الشامل. ونجح الحوثيون في هذه المرحلة في بناء "شبكات اجتماعية موازية" داخل القبائل، مستفيدين من الروابط الأسرية والمصاهرة مع عائلات قبلية بارزة.
- سياسات تفكيك القبيلة وإخضاعها (2015-2023)
بعد سيطرتهم على صنعاء، انتهج الحوثيون سياسة ممنهجة لتفكيك البنية القبلية وإخضاعها لسلطتهم المركزية العقائدية. اعتمدت هذه السياسة على ثلاث آليات رئيسية متشابكة ومتكاملة:
أولاً: نظام "المشرفين" الذي أحلّ "المشرف الثقافي والأمني" محل "شيخ القبيلة" كمرجعية عليا في مناطق القبائل. المشرف ليس مجرد مسؤول أمني، بل هو "حاكم مطلق" في منطقته، يُختار بناءً على معايير الولاء العقائدي المطلق لا على معايير الكفاءة أو الشرعية التقليدية. يعمل في كل منطقة شبكة من المشرفين المتخصصين: مشرف اجتماعي يتابع النزاعات والعلاقات الأسرية، ومشرف ثقافي يُشرف على المساجد والمدارس والتجمعات، ومشرف أمني يراقب الأنشطة السياسية ويُبلّغ عن المعارضين. وكلهم يعملون فوق سلطة مدير المديرية وشيخ القبيلة، مما يُفرغ الزعامة التقليدية من مضمونها ويُحوّلها إلى مجرد واجهة شكلية.[6]
ثانياً: تجريف الزعامات التقليدية عبر تهميش المشايخ ذوي الثقل التاريخي واستبدالهم بـ"مشايخ الضمان" الموالين عقائدياً للجماعة. أدى هذا إلى خلق شرخ داخل القبيلة الواحدة بين الموالين للتقاليد والموالين للمشرف، وبين الأجيال الكبيرة التي تحترم الأعراف والأجيال الشابة التي تربّت في كنف المراكز الصيفية الحوثية. وتُعد معركة عمران في يوليو/تموز 2014 المحطة الأهم في كسر شوكة أقوى التحالفات القبلية، إذ أرسل تفجير منازل شيوخ آل الأحمر رسالة رعب لبقية القبائل: لم يكن السقوط عسكرياً فحسب، بل كان سقوطاً لرمزية "الشيخ" أمام "المشرف".
ثالثاً: الجبايات الاقتصادية التي أرهقت القبائل بالضرائب (الزكاة والخمس) ومصادرة الأراضي، مما أدى إلى إفقار النخب القبلية وربط مصالحها الاقتصادية بالجماعة. وحوّل الحوثيون الاقتصاد القبلي إلى أداة للإخضاع السياسي، إذ يُصبح الشيخ الذي يرفض الجبايات عرضةً للعقوبة الجماعية التي تطال قبيلته بأسرها.[7]
رابعاً: الاستيعاب البيروقراطي لأجهزة مخابرات عهد "صالح"، حيث تم ابتلاع "الأمن السياسي" (PSO) و"الأمن القومي" (NSB)؛ وهو الذي راكم أوراق حكمه من خلال شبكة من المحسوبية وأدوات الضغط. ومن خلال السيطرة على ملفات "شؤون القبائل"، استثمر الحوثيون بيانات العقود الماضية (الديون، الثأرات، نقاط الضعف الشخصية) لابتزاز المشايخ. حتى تحولت العلاقة من "شراكة المحسوبية" التفاوضية في عهد صالح إلى "تبعية الإكراه".
ثالثاً: الخطاب الحوثي الموجه للقبائل في سياق تصعيد البحر الأحمر
شكل تصعيد البحر الأحمر نقطة تحول جوهرية في الخطاب الحوثي الموجه للقبائل، حيث انتقل من التركيز على "المظلومية المحلية" إلى تبني خطاب "المواجهة الكونية". هذا التحول لم يكن عفوياً، بل كان استراتيجية محسوبة بدقة لإعادة رسم خارطة الولاءات القبلية في لحظة كانت فيها الجماعة تواجه تصاعداً في الغضب الشعبي الداخلي جراء أزمة الرواتب والخدمات المتردية. وقد مرّ هذا التحول الخطابي بثلاث مراحل متتالية: مرحلة التضامن مع غزة (أكتوبر/تشرين الأول-ديسمبر/كانون الأول 2023)، ثم مرحلة التحشيد "للجهاد البحري" (يناير/كانون الثاني- مارس/آذار 2025)، وأخيراً مرحلة تحويل القضية إلى "محور هوية" يُعرّف الحوثيين ويُميزهم (أبريل/نيسان 2024 وما بعدها).
- توظيف قضية فلسطين واستراتيجية "الإحراج الأخلاقي"
أدرك الحوثيون المركزية الوجدانية لقضية فلسطين لدى القبائل اليمنية. فالفلسطيني في الوجدان القبلي اليمني ليس مجرد شعب مظلوم، بل هو "الأخ المستباح" الذي تقتضي قيم الشرف القبلي الدفاع عنه. استخدم الحوثيون هذا الوجدان الجمعي بذكاء بالغ، إذ جعلوا من شعار "نصرة غزة" أداةً قوية لـ"الإحراج الأخلاقي"، حيث أصبح من الصعب على أي شيخ قبلي أو فرد معارضة التوجهات الحوثية دون أن يُتهم بخذلان القضية الفلسطينية وانتهاك قيم الشرف القبلي[8].
وفرَّ هذا الأمر غطاءً مثالياً لتبرير التجنيد الإجباري وجمع التبرعات، إذ أصبح كل رفض للتجنيد "خيانةً لغزة"، وكل امتناع عن دفع الجبايات "تقصيراً في نصرة المستضعفين". لقد حوّل الحوثيون القضية الفلسطينية من قضية إنسانية مصحوبة بالتعاطف والتعاضد المحلي إلى أداة ضغط محلية، في تشابك مقصود بين البُعد الأخلاقي والبُعد السياسي. والأخطر في هذا التوظيف أنه يُلزم المعارض الصامت بالصمت أمام الانتهاكات الداخلية، لأن الاعتراض العلني يُفسَّر فوراً على أنه "اصطفاف مع العدو" في لحظة "المعركة الفاصلة".
- خطاب التخوين والتكفير السياسي
لجأ الحوثيون إلى استراتيجية "التخوين" لإسكات المعارضة القبلية بشكل ممنهج. تم تصوير أي انتقاد لسياساتهم الداخلية على أنه "خيانة للوطن" و"اصطفاف مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي". وأدى هذا التكفير السياسي إلى "شل حركة المعارضة القبلية وتحييد الزعامات التي كانت ترفض حكم الحوثيين"، إذ وجد المشايخ المترددون أنفسهم في مواجهة معادلة مستحيلة: إما الصمت والإذعان، أو المواجهة مع تهمة الخيانة. وقد طُبّق هذا الخطاب بصورة انتقائية وذكية: المشايخ الذين أبدوا تحفظات على سياسات التجنيد وجدوا أنفسهم متهمين بـ"العمالة للسعودية" أو "الارتباط بالصهيونية"،[9] وهي تهم تكفي وحدها لإسكات أي صوت معارض في البيئة القبلية اليمنية في مناطق الحوثيين.
وهنا يمكن استحضار مفهوم جيمس سكوت (James Scott) في "أسلحة الضعفاء" لفهم استجابة القبائل: فحين يكون الإكراه شديداً، تلجأ الجماعات المُضعَفة إلى أشكال مقاومة خفية كالتظاهر بالطاعة مع الرفض الداخلي، والتهرب الهادئ من التجنيد، والنميمة والسخرية في الخفاء. وهذا بالضبط ما جرى رصده من قِبل أكثر من 15 باحث وصحافي يمني يلتقون بزعماء من القبائل اليمنية الخاضعة للسيطرة الحوثية.
وعقد مؤتمر لجمعية علماء اليمن في صنعاء في يناير/كانون الثاني 2024 بعنوان "علماء الأمة والمسؤولية عن نصرة مستضعفي غزة وفلسطين". وخلص هذا المؤتمر إلى إصدار فتاوى توجب التعبئة العامة والتجنيد، وترى أن طاعة عبد الملك الحوثي بصفته "الولي العلم" واجب ديني لمواجهة التحالف الصهيوني-الأمريكي[10]. ونجم عن هذه الفتاوى إطلاق حملات كبرى للتجنيد وتأطير المسيرات المليونية الأسبوعية في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء والمحافظات الأخرى كطقس تعبوي مقدس ديني يثبت التفويض الشعبي للقيادة الحوثية و"البراءة من الخونة العملاء" بمن فيهم خصومهم ومعارضيهم في مناطق سيطرتهم والشخصيات القبلية التي ما تزال صامته تجاه الحركة ولم تنحاز للدعاية التي تقوم بها خلال الحرب.
وفي الوقفات المسلحة الأسبوعية يردد شيوخ قبائل (معظمهم من شيوخ الضمان) ومقاتلون قبليون، مفاهيم مركزية تتمحور حول "تطهير الصفوف من الخونة" و"رفع الجاهزية لمواجهة التحركات الداخلية"، مما يشير إلى أن الاستعداد العسكري ليس للبحر الأحمر فحسب، بل لتصفية أي جيوب معارضة داخلية. كما وظفت الجماعة ما تصفه بـ "الإنجازات الأمنية" لترهيب الأصوات القبلية التي تطالب بالمرتبات أو تتحدث في الشأن العام[11]. وامتد القمع ليشمل الاحتفالات بالأعياد الوطنية، حيث صَعد الحوثيون من ملاحقة المحتفلين بثورة 26 سبتمبر (التي أنهت حكم الإمامة) وأودعتهم السجون في معظم المناطق الخاضعة لسيطرتها، ووصم هذه الاحتفالات بالعمالة. لم تكتفِ الوقفات بإعلان البراءة، بل طالبت صراحة بضرورة قيام "الجهات المختصة إلى إنزال أقصى العقوبات بحق كل من يتورط في جرائم الخيانة والعمالة".
- الأدوات الإعلامية والثقافية للتجييش
اعتمد الحوثيون على ترسانة إعلامية وثقافية ضخمة ومتنوعة لاختراق الوعي القبلي. تم توظيف فن "الزامل" بشكل مكثف لاستثارة الحماس الحربي وإضفاء طابع بطولي على معركة البحر الأحمر؛ فالزامل ليس مجرد فن شعبي، بل هو "الذاكرة الجمعية للقبيلة وأداة تعبئتها الأولى". وانتج الحوثيون عشرات الزوامل المتعلقة بعمليات البحر الأحمر، وزرعوها في الوجدان القبلي عبر قنوات التواصل الاجتماعي والتجمعات القبلية. يستغل الحوثيون الطبيعة القبلية للمجتمع اليمني، حيث يُنظر إلى الزامل كطقس مجتمعي يحافظ على هوية وتقاليد القبيلة وتحالفاتها. من خلال إحياء هذا التقليد الشعري الفريد، يتمكن الحوثيون من استقطاب الدعم القبلي، حيث يعمل الزامل كوسيلة للمصالحة خلال النزاعات المحلية والمفاوضات بين الأطراف المتعارضة في المناطق القبلية، وفي حالة الحروب القبلية. [12]
بالتوازي، استخدمت الجماعة منصات التواصل الاجتماعي والتلغرام لتوجيه الرسائل التعبوية للشباب القبلي، متجاوزين سلطة المشايخ التقليديين. تم إطلاق حملات منظمة مثل #اليمن_ينتصر_لفلسطين و #لستم_وحدكم، والتي شارك فيها ناشطون من أبناء القبائل بتوجيه من المشرفين الثقافيين؛ كما تُستخدم هذه المنصات للرد السريع على أي انتقادات داخلية، وتصوير المعارضين كـ "ذباب إلكتروني" يخدم الأجندة الصهيونية؛ إلى جانب ذلك تقوم شبكات الهاتف في مناطق سيطرة الحركة بتوجيه رسائل لجميع المواطنين المشاركة في تلك الهاشتاقات. هذا الاختراق الرقمي للبنية القبلية يمثل ظاهرة جديدة لم تشهدها القبيلة اليمنية من قبل، إذ كان الشباب تاريخياً يتلقى توجهاته من شيخ القبيلة، فأصبح اليوم يتلقاها من "المشرف الرقمي" عبر قناة تلغرام. كما وُظّفت المساجد والخطباء لربط الولاء للقبيلة بالولاء العقائدي لـ"المسيرة القرآنية"، في تزاوج بين المرجعية الدينية والتعبئة السياسية.
وقد برز دور "الزينبيات" في التغلغل داخل البيوت القبلية، إذ ينظمن حلقات توعوية للنساء تستهدف إعادة تشكيل القناعات داخل الأسرة القبلية. وهذا النهج يمثل "أكثر أشكال التغلغل الأيديولوجي فاعلية وأصعبها في الرصد والتتبع"، لأنه يعمل داخل الفضاء الخاص للأسرة القبلية بعيداً عن أعين المشايخ والمراقبين.[13]
رابعاً: استجابة القبائل للتحشيد - بين الإذعان والمقاومة
لم تكن استجابة القبائل للتحشيد الحوثي متجانسة، بل اختلفت باختلاف الجغرافيا والتاريخ السياسي لكل قبيلة، وتوافر البدائل السياسية المتاحة لها، ومدى تضرر كل قبيلة من سياسات الحوثيين السابقة. يمكن تصنيف الاستجابات في ثلاثة أنماط رئيسية: الاندماج الاضطراري، والمقاومة الصامتة أو "التقية السياسية"، والرفض المعلن.
- قبائل الطوق: الاندماج الاضطراري والمصالح المتبادلة
شهدت قبائل طوق صنعاء، التي تُعد المركز الديموغرافي والسياسي الأهم، استجابة عالية للتحشيد. يمكن تفسير هذا الاندماج بـ"البراغماتية القبلية"، حيث أدركت النخب القبلية أن بقاءها ومصالحها الاقتصادية مرتبطان بالتماهي مع السلطة القائمة. كما وفر تصعيد البحر الأحمر مخرجاً لبعض المشايخ المحسوبين على حزب المؤتمر لإعادة ترميم علاقتهم بالحوثيين تحت مظلة "الموقف الوطني" و"نصرة غزة".
هذا الاندماج لا يعكس بالضرورة قناعة عقائدية، بل هو "خيار الضرورة" في ظل انعدام البدائل الفعلية. وقال ثلاثة من شيوخ القبائل في منطقتي بني مطر (صنعاء) و(خارف) عمران إن الخيارات الممنوحة وجوديه "إما نبقى أو يتم تصفيتنا وكل ما نملك بتهمة الخيانة"[14]. وفي سياق قبائل حاشد تحديداً، يُلاحظ أن العلاقة مع الحوثيين اتسمت دائماً بالتعقيد؛ فحاشد هي القبيلة التي ينتمي إليها آل الأحمر الذين تصادموا مع الحوثيين، لكنها أيضاً القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس الراحل علي عبدالله صالح الذي تحالف مع الحوثيين لاحقاً. هذا التاريخ المعقد يجعل استجابة قبائل حاشد للتحشيد متباينة حتى داخل القبيلة الواحدة، وهو ما يُجسّد مفهوم "تشظي الهوية القبلية".
- المقاومة الصامتة و"التقية السياسية"
في المقابل، لجأت العديد من القبائل في مناطق مثل ذمار وإب وحجة وريمة إلى استراتيجية "المقاومة الصامتة" أو "التقية السياسية". تظاهرت هذه القبائل بالولاء والمشاركة في المسيرات والدورات القتالية "طوفان الأقصى" الداعمة لغزة لتجنب الاحتكاك بالحوثيين، لكنها امتنعت عن إرسال أبنائها إلى جبهات القتال؛ لذلك يبذل الحوثيون جهوداً مضنية في عمليات التجنيد مع استمرار رفض معظم القبائل اتخاذ قرار بارسال أبنائها للقتال وتعتبره قراراً فردياً.
هذا الفصل بين "الموقف الأخلاقي" و"الاستغلال السياسي" يعكس وعياً قبلياً عميقاً بطبيعة الحوثيين وأهدافهم الحقيقية. وقد ابتكرت بعض القبائل أساليب خلاقة للتهرب من التجنيد، كإرسال معونات غذائية موسمية، أو دفع فدية مالية (وارسالها كمعونات) بديلاً عن التجنيد، في تكيّف براغماتي مع الضغط الحوثي. وفي ذمار تحديداً، جرى رصد ظاهرة "الغياب الانتقائي" حيث يُشارك شيوخ القبائل في المناسبات الرسمية الحوثية بينما يُحجمون عن تبني إرسال أبنائهم للتجنيد، مستغلين الفجوة بين الخطاب الرسمي والتطبيق الميداني[15].
بعد عام ونيف من أزمة البحر الأحمر وبدء الحوثيين للهجمات أصبح الحوثيون أكثر قلقاً من المقاومة الصامتة للقبائل حيث استغلت قيادات القبائل المناسبات الاجتماعية كمنصات للتعبير عن التحدي وإعادة إحياء التحالفات. هذه الأحداث، رغم طبيعتها المدنية، كانت لها دلالات سياسية عميقة، حتى الحضور القبلي والفعاليات القبلية، وفي أغسطس/آب2025: وجّهت الجماعة رسائل تهديد إلى الشيخ حمير بن عبدالله الأحمر، شيخ مشايخ قبيلة حاشد، والشيخ ناجي الشايف، شيخ مشايخ بكيل، إلى جانب عدد من المشايخ البارزين، محذّرة إياهم من القيام بأي نشاط اجتماعي أو قبلي، حتى وإن كان في إطار حل النزاعات أو حضور المناسبات. واعتبرت الجماعة مثل هذه التحركات “خروجًا عن تعليمات القيادة” و”خيانة لفلسطين[16]”. لاحقاً استعرض الحوثيون قواتهم أمام منزل الشيخ الأحمر في صنعاء في تهديد مباشر لكيان قبائل حاشد ذاتها ورغم أن الحوثيين حاولوا لاحقاً تبرير ذلك إلا أن حجم الحملة على الشيخ الأحمر وقبائل حاشد زادت من التوتر القبلي مع الحركة. حجم الغضب وتزايد المظالم وفشل الحوثيين في الإدارة والمقاومة الصامتة دفعت شيوخ قبائل لترك صفوف الحركة. [17]
- الصدامات الميدانية ورفض التجنيد
لم يخلُ المشهد من صدامات ميدانية مباشرة. وسجلت عدة حوادث تمرد قبلي محدود في محافظات مثل البيضاء وعمران، حيث رفضت بعض القبائل تسليم أبنائها لمشرفي التجنيد، أو احتجت على فرض جبايات مالية باهظة تحت ذريعة "دعم القوة الصاروخية". وتُعد قبائل "آل حميقان" و"قيفة" في البيضاء من أشرس القبائل التي واجهت الحوثيين، حيث خاضت حروب استنزاف طويلة استندت إلى العرف القبلي في الدفاع عن الأرض والعرض[18].
وفي صعدة ذاتها، معقل الحوثيين الأصلي، رصدت تقارير موثوقة حالات رفض قبلي للتجنيد من قبائل كانت تاريخياً في صلب الحاضنة الحوثية، مما يكشف عن تآكل حتى في الدائرة الأقرب للجماعة. هذه الصدامات، وإن كانت محدودة في حجمها، تكشف عن هشاشة السيطرة الحوثية المطلقة، وتُثبت أن "التجييش العقدي" لم ينجح في محو الهوية القبلية المستقلة كلياً.
خامساً: التقييم الاستراتيجي لنجاح الحوثيين والتصدعات الكامنة
يتطلب تقييم أداء الحوثيين في استغلال تصعيد البحر الأحمر التمييز الدقيق بين "النجاح التكتيكي" على المدى القصير و"الفشل الاستراتيجي" المحتمل على المدى البعيد. نجح الحوثيون تكتيكياً في تحقيق عدة أهداف محورية: فعلى صعيد تخفيف الاحتقان الداخلي، تمكنوا من ترحيل الأزمات الداخلية وتوجيه الغضب الشعبي نحو الخارج. وعلى صعيد تعزيز الهيبة العسكرية، منحتهم المواجهة مع القوى العظمى هيبة في الوجدان القبلي الذي يُقدر القوة تاريخياً؛ وقال شيخ قبلي إن "التحدي والندية التي ابداها الحوثيون تجاه أمريكا وبريطانيا واسرائيل منحتهم هيبة لم يحققها أي نظام يمني سابق"[19].
وتجدر الإشارة هنا إلى مقارنة مع تجارب مشابهة في المنطقة: فحزب الله اللبناني نجح في توظيف المواجهة مع إسرائيل لاستمالة الطوائف والمجتمعات اللبنانية المتحفظة، وكذلك الحشد الشعبي العراقي استغل خطاب "الجهاد الكفائي" لتجنيد الشباب العراقي من مختلف المناطق. غير أن الحالة اليمنية تختلف في أن القبيلة اليمنية تمتلك تقليداً راسخاً في الاستقلالية السياسية لا يُقارن بنظيراته في لبنان أو العراق، مما يجعل عملية "الاستيعاب الكامل" أصعب وأبطأ.
- إسكات المعارضة الداخلية "سلاح الاجماع"
نجح الحوثيون في تحويل قضية البحر الأحمر إلى "معيار للوطنية". هذا التوجه أدى إلى تحييد الأصوات القبلية التي كانت تنتقد الجوع، والجبايات، وتدهور الخدمات. أصبح من الصعب على أي شيخ قبلي الحديث عن "أزمة الرواتب" بينما "تتعرض البلاد لعدوان أمريكي-بريطاني بسبب موقفها من غزة". هذا الصمت القسري يُعد نجاحاً كبيراً في إدارة الأزمات الداخلية مؤقتاً، لكنهم قاموا فقط بترحيلها مع زيادة تفاقمها مع مرور الوقت.
وساهم ضعف أداء الحكومة الشرعية والمكونات القبلية الموالية لها في تعزيز موقف الحوثيين. يرى الفرد القبلي في مناطق السيطرة الحوثية أن الجماعة، رغم قسوتها، تمتلك "مشروعاً واضحاً" وقدرة على الفعل، بينما تبدو الأطراف الأخرى مشتتة ومرتهنة للخارج، مما يدفع القبائل نحو "خيار الضرورة" والاصطفاف مع الحوثيين.
- نقاط الضغط للعلاقة القبلية- الحوثية
استغل الحوثيون الصراع في البحر الأحمر ببراعة لتحقيق مكاسب تتعدى الأهداف العسكرية الفورية، مستفيدين من نسيج المجتمع اليمني القبلي والديني والثقافي؛ لكن ذلك أدى أيضاً إلى مواجهة نقاط ضغط عميقة تؤثر على الحركة؛ أبرزها الضغوط الاقتصادية: إذ أدت العقوبات الأمريكية منذ بداية 2025 والضربات الإسرائيلية للموانئ ومصانع الاسمنت إلى تعطيل بعض مصادر الإيرادات التي كانت تموّل شبكة ولاء عديد من شيوخ القبائل الذين تم شراء ولائهم. وهو عبء لم يعد بقدرة الحركة تحمله؛ حيث أوقف الحوثيون رواتب بعشرات الآلاف من الدولارات كان يتم تحويلها شهرياً.[20]
استثمر الحوثيون بكثافة في إعادة تشكيل المشهد الأيديولوجي والثقافي لشمال غرب اليمن من خلال تلقين الشبان خلال الصراع في البحر الأحمر. ورغم بعض النجاح، فإن نفس الجيل يتعرض لتأثيرات مضادة من وسائل التواصل الاجتماعي التي "تمنح الشباب اليمني نافذة على ازدهار دول مجلس التعاون الخليجي والدول الآسيوية – وهو ازدهار فشل الحوثيون بشكل واضح في تحقيقه".[21]
- التصدعات الكامنة والفشل الاستراتيجي المحتمل
رغم النجاحات الظاهرية، يظل الولاء القبلي للحوثيين "هشاً" ومرتبطاً بظروف استثنائية. على صعيد الاستنزاف البشري، أدى تصعيد البحر الأحمر إلى ارتفاع معدلات القتلى والجرحى في صفوف أبناء القبائل، خاصة في الضربات الجوية الأمريكية-البريطانية على المواقع الحوثية. وعلى صعيد الفجوة بين الشعار والواقع، هناك تناقض صارخ بين خطاب "العزة والكرامة" في البحر الأحمر وبين واقع الفقر والجوع في القرى القبلية. فالقبائل قد تقبل بـ"التضحية" لفترة محدودة، لكنها لن تقبل بـ"الموت جوعاً" إلى الأبد من أجل معارك لا تنعكس إيجاباً على حياتها اليومية.
وعلى صعيد الاعتماد على التهديد، يظل "الخوف" هو المحرك الأساسي لكثير من الولاءات القبلية، والولاء المبني على الخوف يزول بمجرد ضعف أداة التهديد. وقد أثبتت التجارب التاريخية في اليمن وغيره أن الأنظمة التي تعتمد على الترهيب كأساس للولاء تنهار بسرعة عند أول اختبار جدي لقوتها. وهذا ما يجعل الهيمنة الحوثية على القبائل "هيمنة مشروطة" لا "هيمنة مستدامة".
سادساً: الآثار طويلة المدى والسيناريوهات المستقبلية
يُمثل التجييش العقدي والقومي الذي مارسته جماعة الحوثيين (أنصار الله) في سياق صراع البحر الأحمر (2024-2026) نقطة تحول جوهرية في مسار تطور القبيلة اليمنية. إن الآثار المترتبة على هذا التجييش تتجاوز اللحظة الراهنة لتمس جوهر الهوية القبلية، والمنظومة العرفية، ومستقبل الاستقرار السياسي في اليمن.
- إعادة تشكيل الهوية - من "العصبية القبلية" إلى "العصبية العقدية"
يعمل الحوثيون بشكل حثيث على إحلال الهوية العقدية (الولاية) محل الهوية القبلية. من خلال "المراكز الصيفية"، يتم تنشئة جيل جديد يدين بالولاء لـ"السيد" بدلاً من شيخ القبيلة. يهدد هذا التحوّل بتفكيك القبيلة ككيان اجتماعي مستقل وتحويلها إلى مجرد جناح تعبوي للمشروع الحوثي.
وهناك فجوة متزايدة بين المشايخ الكبار الذين يحاولون الحفاظ على الأعراف، وبين الجيل الشاب (خريجي المراكز الصيفية) الذين يدينون بالولاء المطلق لـ"السيد العلم". هذا الصراع بين الأجيال يهدد تماسك القبيلة ككيان اجتماعي موحد، ويُفقدها قدرتها على الفعل الجماعي المستقل. وخلال أزمة البحر الأحمر جرى رصد عديد حالات متعددة لأبناء قبائل يرفضون أوامر آبائهم (المشايخ) ويتبعون توجيهات المشرفين، في انعكاس صارخ لتحولات الولاء الجيلي التي تُعيد رسم خارطة السلطة داخل القبيلة.
وهي صورة جديرة بالملاحظة إذ تشبه هذه العملية "التحولات التي شهدتها القبائل الإيرانية في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979"، حين سعى النظام الجديد إلى إحلال الهوية الثورية الإسلامية محل الهويات القبلية والإثنية[22]. فُتحت باب التجنيد والامتيازات للشباب القبلي للانخراط في قوات الباسيج، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988). هذا الانخراط ساهم في نقل ولاء الجيل الشاب من القبيلة إلى "الدولة والثورة". غير أن الحالة اليمنية تختلف في أن القبيلة اليمنية أكثر رسوخاً وأعمق تجذراً في الوجدان الاجتماعي، مما يجعل عملية "التحويث" الكاملة أمراً بالغ الصعوبة حتى على المدى البعيد.
- تآكل "العرف القبلي" وأزمة الزعامة
يؤدي فرض القانون الحوثي (وثيقة الشرف القبلي) وسلطة المشرفين إلى تهميش الأعراف القبلية (الأسلاف والأعراف) التي كانت تنظم حياة القبيلة لقرون. كما أن التغييرات القضائية الحوثية والتي في جوهرها تستبدل القضاء العرفي بقضاء الجماعة يعتبر ضربة مميتة لاستقلالية القبيلة، لأن العرف القبلي كان تاريخياً الضمانة الأساسية لاستقلالية القبيلة في مواجهة الدولة. فحين تُحسم النزاعات القبلية بقرار من المشرف أو من "مكتب السيد" (مكتب زعيم الحوثيين) لا بالتحكيم العرفي القبلي، تفقد القبيلة أحد أهم مصادر تماسكها الداخلي وشرعيتها الذاتية.
بشكل عام، فإن مستقبل العرف القبلي في اليمن في ظل الإصلاحات القضائية الحوثية يتجه نحو سيناريوهات متعددة: إما التكيف والبقاء كآلية بديلة للعدالة، أو التفتت والتقسيم نتيجة للضغوط الحوثية، أو حتى "صحوة قبلية" كرد فعل على التمييز الحوثي ضد القبائل. يعتمد المسار الدقيق على مدى قدرة القبائل على مقاومة أو التكيف مع السيطرة الحوثية، وعلى التطورات السياسية والعسكرية الأوسع في اليمن.
بالتوازي، فإن صعود "مشايخ الضمان" المفتقرين للشرعية التقليدية يخلق أزمة ثقة عميقة بين القاعدة القبلية وقياداتها، مما يضعف قدرة القبيلة على الفعل السياسي الموحد في أي مرحلة مستقبلية. فالشيخ الذي يُعيّنه الحوثيون لا يمتلك الشرعية التقليدية المستمدة من النسب والتاريخ والكرم والشجاعة، بل يمتلك فقط "شرعية القوة" المستمدة من دعم المشرف، وهي شرعية زائلة بزوال مصدرها.
كما خلق التجييش والجبايات المستمرة شرخاً بين أبناء القبائل ومشايخهم الذين ينظر إليهم البعض كـ "سماسرة" لتجنيد أبنائهم. هذه الأزمة في الثقة ستجعل من الصعب على القبيلة القيام بدورها التقليدي كوسيط في أي تسوية سياسية مستقبلية، حيث فقدت القيادات القبلية قدرتها على "الضبط والربط".
السيناريوهات المستقبلية
يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقة بين الحوثيين والقبائل:
السيناريو الأول - الاندماج الكامل: نجاح الحوثيين في استكمال عملية "التحويث" وتحويل القبائل إلى بنية ثيوقراطية تابعة كلياً للمركز، على غرار نموذج الحرس الثوري الإيراني في علاقته بالقبائل الإيرانية. يتطلب هذا السيناريو استمرار الضغط العسكري الخارجي الذي يُبقي القبائل في حالة تعبئة دفاعية، مع استمرار تدفق الموارد الإيرانية لتمويل الجبهات الداخلية. واحتمالية هذا السيناريو ممكنة بنسبة ضئيلة في حال استمرار الصراع الإقليمي لعقد آخر وبقاء الحوثيين كقوة مهيمنة وحيدة في شمال غرب اليمن.
السيناريو الثاني - الانفجار الداخلي: ثورة قبلية واسعة نتيجة الضغط الاقتصادي والاستنزاف البشري بمجرد ضعف القبضة الأمنية الحوثية أو توقف الدعم الإيراني. المحفزات المحتملة لهذا السيناريو تشمل: احتكاك قبلي/حوثي يتوسع، أو تصاعد حاد في أعداد الضحايا من أبناء القبائل في جبهات القتال دون مكاسب ملموسة، أو انهيار اقتصادي حاد يُفقد الحوثيين قدرتهم على توزيع المكافآت والامتيازات.
السيناريو الثالث - إعادة التموضع البراغماتي: وهو السيناريو الأرجح في ضوء التاريخ القبلي اليمني، حيث تعمد القبائل إلى تغيير ولاءاتها والبحث عن تحالفات جديدة بمجرد توقف الحرب أو تغير موازين القوى، استناداً إلى طبيعتها البراغماتية التاريخية. حيث أثبتت القبيلة اليمنية عبر التاريخ قدرة فائقة على "إعادة التموضع" بعد كل مرحلة ضغط، وأنها تتعامل مع الولاء كـ"عقد مؤقت قابل للتجديد أو الفسخ" بحسب المصالح والظروف. ستجد الحركة الحوثية الهاشمية نفسها وحيدة في نهاية المطاف بسبب إكراهها للقبائل، تمامًا كما وجد قادة الإمامة أنفسهم وحيدين بعد حربهم مع النظام الجمهوري المدعوم قبليًا من 1962 إلى 1970م.
خاتمة
لقد كشفت هذه الدراسة المعمقة عن أن القبيلة اليمنية، وهي الكيان الاجتماعي والسياسي الأكثر رسوخاً في البلاد، قد تعرضت لتحولات بنيوية عميقة جراء سياسات جماعة الحوثيين وتوظيفها لتصعيد البحر الأحمر بين عامي 2024 و2026. فما بدأ كاستغلال لـ "فرصة استراتيجية" لإعادة تحشيد القبائل تحت شعارات دينية وقومية، تحول إلى عملية إعادة صياغة شاملة لعلاقة القبيلة بالسلطة، وهويتها، ومستقبل دورها في المشهد اليمني.
أظهرت الدراسة أن الحوثيين نجحوا تكتيكياً في استغلال قضية البحر الأحمر كـ "قاسم مشترك" لتوحيد الصفوف، مستخدمين خطاباً تعبوياً يمزج بين مفردات "الجهاد" و"نصرة غزة" و"مواجهة الاستكبار العالمي". هذا الخطاب، المدعوم بأدوات إعلامية قوية كالزامل ووسائل التواصل الاجتماعي، استطاع إحراج القبائل ودفعها نحو الانخراط، أو على الأقل تحييد معارضتها. كما ساهمت سياسات "التخوين" و"التكفير السياسي" في إسكات الأصوات المعارضة، مما منح الجماعة هامشاً واسعاً للمناورة.
ومع ذلك، فإن هذا النجاح التكتيكي لا يخلو من تصدعات استراتيجية عميقة. فاستجابة القبائل، كما بينا في الفصل الرابع، كانت متباينة ومعقدة، تتراوح بين الدعم الظاهري، والمقاومة الصامتة (التقية)، والرفض المعلن في بعض المناطق. كما أن الاعتماد على "مشايخ الضمان" وتهميش الزعامات التقليدية قد خلق شرخاً داخلياً يهدد تماسك القبيلة على المدى الطويل. إن الولاء المبني على الخوف والتحفيز المادي، بدلاً من القناعة العقائدية أو العرفية، يظل ولاءً هشاً قابلاً للانهيار عند تغير الظروف.
أما على المدى الطويل، فإن الآثار المترتبة على هذا التجييش تنذر بتغييرات جذرية. فمحاولة الحوثيين لإحلال "العصبية العقدية" محل "العصبية القبلية"، وتآكل "العرف القبلي" أمام "القانون الحوثي"، وصعود جيل جديد من القيادات القبلية الموالية عقائدياً، كلها عوامل ستعيد تشكيل هوية القبيلة ودورها. السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين الاندماج الكامل في المشروع الحوثي، أو الانفجار الداخلي نتيجة الاستنزاف والضغط الاقتصادي، أو إعادة التموضع البراغماتي عند أول فرصة سياسية.
في الختام، يمكن القول إن الحوثيين، عبر استغلالهم الذكي لتصعيد البحر الأحمر، قد نجحوا في كسب جولة في صراعهم مع القبيلة اليمنية، لكنهم لم يحسموا المعركة بعد. فالقبيلة اليمنية، بتاريخها الطويل من التكيف والمقاومة، قد تجد طرقاً جديدة لإعادة تأكيد ذاتها ودورها، وإن كان ذلك في سياق مختلف تماماً عما كانت عليه قبل عقد من الزمان. تبقى هذه الدراسة نقطة انطلاق لمزيد من البحث والتحليل، خاصة وأن المشهد اليمني والإقليمي لا يزال يتسم بالسيولة والتغير المستمر.
مراجع:
[1] Brandt, M. (2017). Tribes and Politics in Yemen: A History of the Houthi Conflict. Oxford University Press. https://academic.oup.com/book/5327
[2] Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. Lawrence and Wishart.
[3] ابن خلدون، عبد الرحمن. (1377هـ). المقدمة. دار الكتب العلمية، بيروت.
[4] Brandt, M. (2014). Inhabiting Tribal Structures: Leadership Hierarchies and Social Organisation in Tribal Upper Yemen. In Tribes and Global Jihadism. Hurst Publishers. https://www.hurstpublishers.com/book/tribes-global-jihadism/
[5] Salmoni, B. A., Loidolt, B., & Wells, M. (2010). Regime and Periphery in Northern Yemen: The Huthi Phenomenon. RAND Corporation.https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monographs/2010/RAND_MG962.pdf
[6] Al-Dawsari, N. (2021). Peacebuilding in the Time of War: Tribal Cease-fire and De-escalation Mechanisms in Yemen. Middle East Institute Policy Brief. https://mei.edu/publication/peacebuilding-time-war-tribal-cease-fire-and-de-escalation-mechanisms-yemen/
[7] Al-Dawsari, N. (2021). Peacebuilding in the Time of War: Tribal Cease-fire and De-escalation Mechanisms in Yemen. Middle East Institute Policy Brief. https://mei.edu/publication/peacebuilding-time-war-tribal-cease-fire-and-de-escalation-mechanisms-yemen/
[8] متابعة مباشرة لتغطية تلفزيون المسيرة وشبكات التواصل في مناطق الحوثيين خلال 2025 وحتى ابريل/نيسان 2026 (توجد لدى الباحث مراجع المتابعة الشهرية) للتعبئة العامة وخطاب الحركة.
[9] 10 شيوخ في طوق صنعاء تحدثوا للباحث بين ابريل/نيسان 2025 و سبتمبر/أيلول 2025م.
[10] Al-Aqsa Flood and the Battle of the Promised Conquest: How the Houthis Mobilize Popular Support | Yemen Peace Forum - Sana'a Center For Strategic Studies https://sanaacenter.org/ypf/how-the-houthis-mobilize-popular-support/
[11] متابعة مباشرة لتغطية تلفزيون المسيرة وشبكات التواصل في مناطق الحوثيين خلال 2025 وحتى ابريل/نيسان 2026 (توجد لدى الباحث مراجع المتابعة الشهرية) للتعبئة العامة وخطاب الحركة.
[12] تعتبر مقاطع فيديو الزامل على يوتيوب من أكثر منصات الدعاية الحوثية شعبية ونموًا. هذه القصائد الحربية المغناة لا تجذب الجمهور الواسع فحسب بسبب تأثيرها التحفيزي واللحني، بل تُستخدم أيضًا لتحفيز مشاعر الفروسية والنصر والاستقلال. من أبرز الشعراء والمنتجين الإعلاميين للزوامل الحوثية على يوتيوب عيسى الليث، الذي يمتلك حضورًا كبيرًا على يوتيوب مع أكثر من 477,000 مشترك و280 مقطع فيديو تم تحميله، والتي تمجد علنًا التقدم السياسي واللوجستي للميليشيا الحوثية في اليمن.
[13] 4 شيوخ قبائل و6 نساء حضرن فعاليات نسائية اجتماعية حضرت الزينبيات تلك الفعاليات وتحويل (العرس، العزاء، الخطوبة إلى محاضرات أيديولوجية للمسيرة القرآنية) مقابلات مباشرة بين 2024-2026
[14] تحدث شيوخ القبائل في مجلس شعبي لمضغ القات في محافظة المحويت (شمال غرب صنعاء) خلال جنازة شيخ قبلي بارز (زيد أبو علي) في يوليو/تموز 2025
[15] تحدث 4 من شيوخ القبائل في محافظة ذمار للباحث في 11 ديسمبر/كانون الأول 2024 خلال جلسة قات في مدينة ذمار (جنوب صنعاء).
[16] عرض عسكري حوثي أمام منزل الشيخ الأحمر يثير غضبًا واسعًا ويكشف تصاعد التوتر مع القبائل اليمنية (يمن مونيتور)، نشر في 14/8/2025 وشوهد في 14/5/2026 على الرابط:
https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/147637
حصري- غليان الهضبة.. الحوثيون يواجهون أشباح الحرب مع المؤتمر والقبيلة (يمن مونيتور)، نشر في 19/8/2025 وشوهد في 14/5/2026 لى الرابط: https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/147951
[17] الانفجار من الداخل.. الحوثيون في مواجهة أخطر تحدٍّ منذ 2017 (يمن مونيتور) نشر في 17/8/2025 وشوهد في 15/5/2026 https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/147800
[18] المقرمي، سلمان،(2024) الاحتجاجات القبلية في اليمن تبدأ مرحلة جديدة تهدد استقرار الحوثيين
https://alpheratzmag.com/reports/2024052601/
[19] شيخ قبلي من محافظة إب تحدث للباحث في مقيل قات في مديرية يريم يوم 15/1/2026.
[20] تحدث 3 مصادر قبلية ومصدر من الحوثيين مطلع على تفاصيل في يناير/كانون الثاني 2026، وأن توقفها منذ عدة أشهر. لاحقاً في مارس/آذار قال مصدر قبلي من محافظة الجوف إن الحوثيين أعادوا جزئياً صرف رواتب عدد محدود من شيوخ القبائل الموالين مع مخاوف شراء ولائهم من قِبل المملكة العربية السعودية.
[21] Michael Horton, 'Will the Center Hold? The Houthis’ Fraying Tribal Alliances', CTC Sentinel, vol. 19, no. 3 (2026), https://ctc.westpoint.edu/will-the-center-hold-the-houthis-fraying-tribal-alliances / [accessed 25 May 2026].
[22] احمدي، حميد(1999) "قومیت و قومگرایی در ایران: از افسانه تا واقعیت" (بالعربية: الإثنية والنزعة العرقية في إيران: من الأسطورة إلى الواقع(.
كياني، منوشهر (1981)" ایل قشقایی در جریانات سیاسی معاصر ایران" (بالعربية: قبيلة القشقائي في التيارات السياسية الإيرانية المعاصرة).
کردستان پس از انقلاب اسلامی: بررسی تحولات وعملکرد نهادها (2012) (بالعربية: كردستان بعد الثورة الإسلامية: دراسة في التحولات وأداء المؤسسات) صدر عن مركز وثائق الثورة الإسلامية (مرکز اسناد انقلاب اسلامی)-مؤسسة رسمية إيرانية.
