من الهز يمة العسكرية إلى خسارة القضية الجنوبية: لماذا هرب المجلس الإنتقالي إلى الإعلان السياسي؟
ملخص
أفضت التطورات الأخيرة في محافظات الشرق اليمني إلى واقع جديد، تجاوز ما كان يأمل المجلس الانتقالي المحافظة عليه، ومن ثم البناء عليه للانطلاق نحو إعلان الانفصال بجنوب اليمن.
بيد أن الواقع الذي فرضته عملية ( استلام المعسكرات)، واستعادة الشرق في الأيام القليلة الماضية – بما في ذلك إخراج الوحدات العسكرية التابعة للانتقالي باستخدام القوة المسنودة بمقاتلات التحالف العربي الداعم للشرعية، دفع الانتقالي بعيدا عن الشراكة القائمة، وذلك بإعلانه- في 2 يناير الجاري- بيانا سياسيا يقضي بالبدء بمرحلة انتقالية مدتها سنتان، ويعقبها إجراء استفتاء لانفصال جنوب اليمن، ودعا في بيانه الأطراف اليمنية للمشاركة في الحوار الذي ينظم المرحلة الانتقالية ويمهد للاستفتاء، مالم فإنه سيعلن الانفصال دون الانتظار سنتين.
في المقابل رحبت الرياض بعقد مؤتمر شامل للمكونات الجنوبية للبحث في الحلول العادلة للقضية الجنوبية، بعيدا عن الإقصاء والتهميش أو احتكار تمثيل القضية في مكون واحد يعتبر نفسه الممثل الوحيد والحصري، وفي هذا كسر للاحتكار الذي يمارسه الانتقالي منذ تأسيسه، ما يعني أن التصعيد سيكون حاضرا بقوة في المشهد خلال المرحلة المقبلة.
تحاول هذه المقالة تناول السياق الزمني والموضوعي لإعلان الانتقالي، والتداعيات المحتملة في ضوء الحقائق والتطورات الجديدة، ميدانيا باستعادة سيطرة الدولة على حضرموت، وسياسيا بالتحضير لمؤتمر شامل تعقده المكونات الجنوبية برعاية سعودية، مع الإشارة لأهم السيناريوهات المتوقعة على المدى القريب.
التوقيت والسياق الزمني والموضوعي
بعد ساعات من سيطرة القوات الحكومية على أغلب مناطق حضرموت وفرار عناصر الانتقالي من المعسكرات التي كانت خاضعة لسيطرتهم، أعلن رئيس المجلس الانتقالي بيانه السياسي الذي أكد على "البدء في مرحلة انتقالية تستمر سنتين، ثم يعقبها استفتاء على انفصال الجنوب".
التوقيت الذي اختاره الانتقالي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه اختار الهروب إلى الأمام من خلال التلويح بورقة الانفصال، لمواجهة الهزيمة الساحقة في حضرموت والمهرة، خاصة وأن معسكراته تهاوت سريعا تحت غارات التحالف العربي بقيادة السعودية وأمام الزحف المتواصل لقوات درع الوطن وقوات حماية حضرموت التابعة لحلف قبائل حضرموت بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش
ما بعد إخراج الانتقالي من حضرموت والمهرة
البيان الصادر عن الانتقالي جاء للتشويش على حقائق جديدة تتشكل في الشرق اليمني على وقع الهزيمة السياسية والعسكرية التي مني بها الانتقالي وقواته ووحداته التي ظلت الشهر الماضي ترفض أي حديث عن إمكانية الانسحاب ومغادرة حضرموت والمهرة، بل إن الانتقالي بعد سيطرته على تلك المناطق بداية ديسمبر الماضي سارع لدعوة أنصاره للمشاركة في اعتصامات متواصلة للمطالبة بإعلان انفصال جنوب اليمن، كي يمنح نفسه فرصة التهرب من الحديث مع بقية الأطراف اليمنية والسعودية حول ضرورة انسحاب قواته من المهرة وحضرموت، ولتقديم عملية الاجتياح كما لو كانت جزءا لا يتجزأ من عملية متكاملة تهدف لتهيئة إعلان دولة الجنوب.
ولم يكتفِ الانتقالي بذلك بل أجبر عناصره في الحكومة والوزارات على إصدار بيانات تأييد لقيادة الانتقالي في السيطرة على حضرموت والإعداد لتحقيق الانفصال بشكل عملي، وهو ما أثار حفيظة شركاءه في الحكومة الشرعية وقيادة التحالف العربي، والدور السعودي الذي حرص على خفض التصعيد وتهدئة الأوضاع في الشرق، والمحافظة على مستوى جيد من الشراكة بين الأطراف اليمنية المنضوية في الحكومة المعترف بها.
وعند هذا الحد من تصعيد الانتقالي بدعم أبوظبي جاء القرار السيادي اليمني- بدعم سعودي- القاضي بإخراج دولة الإمارات من اليمن، وهو ما أيدته الرياض على الفور وسارعت مقاتلات التحالف لشن غارات جوية فجر الثلاثاء 30 ديسمبر، على أسلحة كان قد جرى تفريغها من سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي أواخر العام الماضي.
أمام مشهد خروج الإمارات، ثم الغارات الجوية ضد الأسلحة الإماراتية، ونجاح عملية "استلام المعسكرات" التي بدأتها الحكومة الشرعية وقوات درع الوطن بقيادة سالم الخنبشي محافظ حضرموت، الذي تم تعيينه قائداً لهذه القوات قبيل ساعات من انطلاق العملية، التي تمكنت خلال ساعات من السيطرة على المحافظة، وطرد قوات الانتقالي من جميع مناطق سيطرتها، وجد الانتقالي نفسه محاصرا بانكسار لم يكن في حسبانه، فلجأ لهذه القفزة التي رأى فيها فرصة للهروب من الهزيمة المدوية، ومحاولة لاستخدام ورقته المفضلة: إعلان الانفصال.
يدرك الانتقالي أن إخراجه من محافظتي حضرموت والمهرة، وإعادة الوضع فيهما إلى ما كان عليه قبل اجتياحه، يعني قبوله هزيمة سياسية وعسكرية موجعة، تتجاوز حضوره في المحافظتين إلى بقية مناطق الجنوب، خاصة أنه بدا قويا ومتصلبا أمام جهود التهدئة وخفض التصعيد التي قادتها المملكة العربية السعودية، وكذلك أمام المطالب المتواصلة من قيادة الدولة والحكومة والسلطة المحلية والمكونات السياسية والاجتماعية، غير أنه لم يلبث قليلاً حتى فقدت قوته بريقها وظهر على حقيقته فاقد الحيلة في التعاطي مع تلك الجهود.
كان الانتقالي يعتقد أنه سيجبر الأطراف اليمنية على القبول بسيطرته على حضرموت مقابل خفض التصعيد باتجاه إعلان الانفصال، اعتمادا على تجاربه السابقة في التهديد والابتزاز، غير أنه لم يدرك جيدا أن السعودية لن تقبل التهديد فيما يتعلق بأمنها القومي وحضورها الإقليمي. فكان الرد السعودي القاسي وغير المتوقع كفيلا بأن يُفقد الانتقالي توازنه، خاصة أن الرد تجاوز الانتقالي إلى داعميه في أبوظبي.
الهروب من الهزيمة وتداعياتها
يخلص بيان الانتقالي إلى مطالبة الأطراف اليمنية بالدخول في حوار مشروط ومحدد مسبقاً، يقوده الانتقالي ويحدد نقاطه وموضوعه المعروف سلفا (التهيئة لاستفتاء محسوم ومشروط بالتصويت لانفصال الجنوب)، وفي حال رفض الأطراف اليمنية لهذا الحوار، وهي سترفضه بكل تأكيد، حينها يحق للانتقالي- بموجب بيانه- أن يعلن الانفصال من طرف واحد، وبهذا تقوم دولة الجنوب.
لقد بنى الانتقالي بيانه على أن التعاطي معه سيكون حصرا بين احتمالين اثنين لا ثالث لهما، إما المشاركة في الحوار الذي يقوده الانتقالي، وهذا الحوار المشروط سيفضي إلى استفتاء محسوم النتيجة باختيار الانفصال، وهذا هو الاحتمال الأول، أما الاحتمال الثاني – وهو المتوقع لدى الانتقالي- فيتمثل في رفض الانخراط في مسرحية الحوار الذي لن يتحاور فيه أحد سوى الانتقالي، وهنا سيكون إعلان الانفصال جاهزا، والمبرر جاهز أيضاً: نحن دعوناكم للحوار وأنتم رفضتم، ولم يعد لدينا المزيد من الوقت لكي ننتظر.
بيد أن البيان تضمن ما هو أهم من ذلك على الصعيد العملي: خروج الانتقالي من الشراكة مع الحكومة ومع التحالف العربي بقيادة السعودية، بمعنى أنه لم يعد شريكا في سلطة التوافق القائمة، بل أصبح لوحده سلطة الأمر الواقع في المناطق الواقعة تحت سيطرته، وهذا ما أدركه شركاؤه وخصومه على حدٍ سواء.
ورغم أن الانتقالي حاول مخاطبة المجتمع الدولي في بيانه، غير أنه كثف رسائله صوب الداخل، وبعضها يحمل كثيرا من صور التناقض والتضارب، حين يدعو لحوار تم تحديد مضامينه وشروطه ومخرجاته، كما أنه يهدف- مسبقا- إلى التحضير لاستفتاء تم تحديد نتيجته قبل إجرائه، وهذا يجعل الحوار المزعوم تحصيل حاصل.
مؤتمر شامل لمناقشة القضية الجنوبية برعاية سعودية
بعد صدور البيان تشكل تحالف جنوبي واسع بهدف كسر احتكار القضية الجنوبية، واعتبارها حقا حصريا يخص الانتقالي وحده، حيث أعرب عن رفض ما وصفها بالإجراءات الأحادية التي أقدم عليها الزبيدي.
تجلى هذا التحالف الذي يقف على رأسه الدكتور/ عبدالله العليمي- عضو مجلس القيادة الرئاسي، ورئيسا الحكومة ومجلس الشورى، من خلال بيان وقعه أكثر من عشرة مكونات جنوبية، وعشرات القادة والرموز السياسية والوزراء وكبار مسؤولي الدولة من أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية بينهم رؤساء حكومات ووزراء وسفراء وبرلمانيين، بالإضافة لـ5 من مستشاري رئيس الجمهورية.
وطالبوا في بيانهم رئيس مجلس القيادة بعقد مؤتمر شامل ترعاه الرياض، ويهدف لإيجاد تصور شامل لحل القضية الجنوبية، مع الأخذ بعين الاعتبار للأبعاد التاريخية والسياسية والاجتماعية للقضية الجنوبية، بدون إقصاء أو تهميش لأي مكون جنوبي.
وبناء على ذلك تقدم رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بطلب من القيادة السعودية لاستضافة ورعاية المؤتمر في مدينة الرياض، وبدورها أعلنت الخارجية السعودية ترحيبها بالطلب اليمني، وأبدت استعدادها لاستضافة "مؤتمر شامل يجمع كافة المكونات الجنوبية لبحث الحلول العادلة لقضية جنوب اليمن".
التداعيات والسيناريوهات
عندما كان الانتقالي يظن أنه رمى الكرة في ملعب خصومه فوجئ بظهور ورقة "الحوار" ماثلة أمام عينيه، وتتمثل في وجود دعوة رسمية للمكونات الجنوبية للبحث في الحلول العادلة للقضية الجنوبية، وبرعاية سعودية، وهذا يحرم الانتقالي من نقطة تفوقه المتمثلة في احتكار تمثيل القضية الجنوبية، واستخدامها في مواجهة خصومه وتهديدهم والتلويح بورقة الانفصال كلما وجد نفسه محشورا في الزاوية.
هنا سيكون المشهد موزعا بين عدة سيناريوهات تبعاً للموقف من بيان الانتقالي ودعوة الرئاسة والسعودية للحوار الجنوبي المرتقب، في ضوء الحقائق والتطورات القادمة من شرق البلاد، حيث تسير رياح التغيير ضد رغبة الانتقالي.
السيناريو الأول: تصعيد الانتقالي بإعلانه بيانات وقرارات جديدة (الأكثر ترجيحا)
نظرا لأن الانتقالي اشترط لتأجيل الاستفتاء سنتين الدخول في حوار معه، وعدم التعرض لقواته ومعسكراته، ولم يتحقق أي منهما، فالمتوقع أن يواصل الانتقالي تصعيده باتجاه ورقة الانفصال، على اعتبار أن الأطراف اليمنية في الشمال وفي الجنوب لم تتفاعل مع بيانه الداعي للبدء في الحوار، كما أن حرب استعادة نفوذ الدولة في حضرموت والمهرة مستمرة، وبوتيرة عالية.
وفيما يتعلق بالدعوة لمؤتمر حوار جنوبي برعاية السعودية فهو قد يتهرب منها، لأنه لن يكون بطلها الوحيد، وسيكون موقعه في طاولة الحوار مجرد مكون ضمن عدة مكونات جنوبية، وهو ما لم يتعود عليه، ولا يمكن أن يقبل به.
في المقابل ستتواصل ترتيبات وإجراءات الحوار بمشاركة كثير من المكونات والشخصيات والقيادات الجنوبية، الأمر الذي سيعتبره الانتقالي تجاهلا لدعوته وبالتالي سيكون هذا- من وجهة نظره- مبررا للقفز أكثر في المجهول، والتصعيد الذي يرى فيه مخرجه الوحيد من تبعات انكسار شوكته في محافظات الشرق، وهو الانكسار الذي لن يتوقف عند أطراف شبوة وصحراء العبر، بل سيمتد أكثر في أعماق مناطق سيطرته الرئيسية بما فيها عدن والمحافظات المجاورة.
وما يرجح هذا السيناريو أن العلاقة بين الانتقالي والحكومة وصلت منعطفا خطيرا، وكذلك علاقة الانتقالي مع السعودية، بعدما صارت توصف في بياناته وخطاباته بالـ"عدو"، ويتهمها الانتقالي بـ"دعم الإرهاب والتنظيمات الإرهابية"، بسبب دعمها للحكومة الشرعية والسلطة المحلية في حضرموت والمهرة.
وفي حال استمر التصعيد وتواصلت معارك استعادة سلطات الدولة وحضورها فإن الانتقالي سيخسر الكثير من مقوماته ونفوذه وسطوته التي بناها- بدعم إماراتي- خلال السنوات الماضية، وقد يصبح تفكيك الانتقالي احتمالا واردا إذا توالت عليه الضربات.
السيناريو الثاني: احتواء سعودي يعيد الانتقالي إلى الشراكة ويجمد بياناته
رغم أن الأمور وصلت بين السعودية والانتقالي إلى طريق مسدود، جراء تصلب الأخير ورفضه الانسحاب الطوعي من وادي حضرموت، إلا أن احتمال احتوائه من قبل السعودية لا يزال وارداـ سيما في حال نجحت الرياض في استقطاب بعض قيادات الانتقالي الذين يشعرون أن قرارات الزبيدي الأخيرة جعلتهم يخسرون مكاسب السنوات الماضية، ولو تضمن هذا الإطاحة بالزبيدي، وتحميله تبعات المواقف المتصلبة منذ اجتياح حضرموت والمهرة حتى صدور البيان السياسي الأخير، سيما وأن الإعلام السعودي في الأيام الأخيرة بات تركيزه على شخصية الزبيدي ومدى تبعيته للإمارات والسير بأتباعه صوب المجهول.
ويتضمن هذا السيناريو مشاركة الانتقالي في الحوار المرتقب عن القضية الجنوبية، بما يعني عودته إلى الشراكة مع الحكومة الشرعية وتجميد بيانه السياسي والإعلان المتعلق بانفصال جنوب اليمن، وسيكون وضع الانتقالي ملتبسا وغير مقنع، على الأقل لأنصاره ومؤيديه الذين احتشدوا لأكثر من شهر في انتظار إعلان البيان رقم 1، أي إعلان انفصال الجنوب وإقامة دولة جديدة.
السيناريو الثالث: الانشقاق في صفوف الانتقالي
يظل هذا السيناريو مرهونا بقدرة الحكومة الشرعية والتحالف على إحداث اختراق في صفوف الانتقالي، سيما لدى القيادات الفاعلة والمؤثرة، واستقطابها بعيدا عن دائرة الزبيدي التي ظهر في الأحداث الأخيرة كما لو كان مجرد نسخة من حميدتي السوداني، يتلقى الأوامر الإماراتية وينفذها بدون تفكير أو تقدير عواقبها وتداعياتها، وطالما جاءت تناولات القيادات السعودية والصحافة المحلية والخارجية لتؤكد على ذلك، وكان بيان سفير المملكة العربية السعودية لدى اليمن خير مثال، حين فصل بين الانتقالي وتصرفات الزبيدي التي وترت الأجواء ودفعت بالأمور صوب المواجهة.
