بين "الفراغ الاستراتيجي" والهشاشة الداخلية.. ما مستقبل الحوثيين بعد حرب غزة؟

جيوبولتك | 29 نوفمبر 2025 23:18
بين "الفراغ الاستراتيجي" والهشاشة الداخلية.. ما مستقبل الحوثيين بعد حرب غزة؟

 

مقدمة

يمثل اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 نقطة تحول جيوسياسية، فقد كانت جماعة الحوثي تعتقد خلال الفترة السابقة أنها رسخت وضعها كقوة قادرة على تعطيل ممرات التجارة العالمية بشكل فعال عبر تهديد مضيق باب المندب الحيوي، ولذلك فهي تنظر إلى هذه التهدئة بأنها تكتيكية، وكثيرا ما عبر قادة الحركة على ما أسموه "الجهوزية الدائمة " واستمرار التهديد، واستئناف العمليات.

الموقف الحوثي تجاه وقف إطلاق النار وصف بأنه "قبول حذر" للاتفاق، لكنهم ربطوا إنهاء عملياتهم البحرية والجوية حصريًا بـ "التطبيق الكامل " ووقف الهجمات المضادة عليهم. وشهدت الأيام القليلة التي سبقت وقف إطلاق النار تصعيداً حوثياً مستمراً ومتواصلاً، فقد استمرت الجماعة في تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر، وشنوا هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ضد إسرائيل، قائلين إن ذلك يأتي تضامناً مع الفلسطينيين في غزة، وهي هجمات استمرت منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023. ووفقاً لتقارير إسرائيلية، أطلق الحوثيون 87 صاروخاً باليستياً و40 طائرة مسيرة على إسرائيل منذ استئناف عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة في مارس/آذار 2025 وكانت بعض الهجمات لها تأثير محدود، بالذات ضربة طائرة مسيرة على مطار رامون الدولي في سبتمبر/أيلول أدت إلى إصابات. [1]

أدى زوال الذريعة العلنية (التضامن مع غزة) إلى خلق "فراغ استراتيجي" يجبر الحركة على مواجهة التناقض الصارخ بين مكتسباتها الجيوسياسية الإقليمية والهشاشة الداخلية العميقة.

كانت الحرب بمثابة غطاء دعائي سمح للحوثيين بتجاوز الفشل الاقتصادي الكارثي، وأزمة الرواتب المتوقفة منذ عام 2016، ويتفاقم هذا الوضع بسبب القيود المفروضة على الحركة، بما في ذلك إعادة تصنيف الولايات المتحدة للحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) في مارس /آذار 2025، مما جعل إحياء الاتفاقات الاقتصادية الإقليمية لتوفير السيولة المالية "أقل واقعية من أي وقت مضى".

ونتيجة لهذا الانكشاف الداخلي، تحول مركز الثقل الحوثي من "إسناد غزة" إلى "معركة استعادة الحقوق" الداخلية والإقليمية، والتي باتت تُعرف باسم "حرب الاستحقاقات". ويتمثل الهدف الأسمى للجماعة الآن في تحويل مكتسبات القوة الإقليمية غير الملموسة، والمتمثلة في تهديد الملاحة الدولية، إلى نفوذ اقتصادي ملموس، يُستخدم هذا النفوذ كورقة ابتزاز ضد دول الخليج بالذات المملكة العربية السعودية، وكتهديد لمشاريعها الحيوية في رؤية 2030، في محاولة لانتزاع تنازلات مالية (بحجة دفع رواتب الموظفين).

ولتحقيق ذلك، من المرجح أن تعتمد الحركة استراتيجية "التصعيد المزدوج المشروط"، التي تجمع بين كلا من: الضغط البحري وبين الحشد تجاه الداخل مثل الساحل الغربي وتعز ومارب، وبين قمع المعارضة الداخلية والتعبئة لترسيخ الشعور الدائم لدى مسلحيها بالسيطرة.

لكن على ما يبدو أن توجه السعودية لاستعادة زمام قيادة المنطقة بالتفاهم مع واشنطن، سيدفع الحوثيين مرة أخرى لمراجعة تهديداتهم، وربما مغازلة الرياض لضمان البقاء حاكمين في صنعاء، وتأجيل الدخول في المواجهة الأخيرة التي قد تفقدهم كل ما كسبوه منذ 2014، وربما تففك حكمهم وفقدان الجماعة لمناطق سيطرتها، وبين التهديدات والمغازلة هناك تشتت كبير تعيشه جماعة الحوثيين نقرأه في هذا التحليل.

 

أولاً.. تقييم الحالة الراهنة للحوثيين (عوامل القوة والضعف)

يشكل تقييم الوضع الراهن لحركة الحوثيين نقطة انطلاق لفهم خياراتهم الاستراتيجية في مرحلة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

لقد نقل التصعيد الإقليمي، الذي بدأ بعد حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول2023، الجماعة من فاعل محلي في حرب أهلية إلى فاعل إقليمي ذي تأثير على الملاحة البحرية والاقتصاد.

 إن القوة الحقيقية للحوثيين تكمن في قدرتهم على تحقيق مكاسب غير متكافئة ودمج أجندتهم المحلية ضمن إطار "محور المقاومة"، في تناقض واضح مع الضعف الهيكلي الذي يعانون منه على مستوى الحوكمة الداخلية والاقتصاد.

 

  1.  عوامل القوة والتموضع الاستراتيجي (The Strategic Assets)

تستند قوة الحوثيين في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على ثلاثة محاور رئيسية: القدرة العسكرية الرادعة، والسيطرة الداخلية القمعية، والنفوذ الجيوسياسي المكتسب من هجمات البحر الأحمر.[2]

  • القدرة العسكرية والردع غير المتماثل (Asymmetric Deterrence)

أثبت الحوثيون مرونة عملياتية في مواجهة حملات الردع الجوية المتكررة، سواء أمام التحالف العربي، أو من القوات الأمريكية والبريطانية (مثل عمليتي "حارس الازدهار" و"بوسيدون" والعملية الأخيرة "الراكب الخشن")[3]. لم تنجح الضربات الجوية الدولية في تدمير ترسانة الحوثيين من الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى بشكل كامل. يرجع ذلك إلى اعتمادهم على نموذج "التجميع المحلي" المدعوم من إيران، والذي يدمج المكونات المهربة (مثل محركات الطائرات المسيرة وأنظمة التوجيه) مع مواد صناعية محلية[4]. هذا النموذج اللوجستي القائم على التهريب والتجميع (Smuggling, Assembly, and Dispersal) يجعل تدمير قدراتهم الهجومية بالضربات التقليدية أمراً شديد الصعوبة. [5]

كما تمتلك الحركة منظومات هجومية، بما في ذلك صواريخ باليستية متوسطة المدى (مثل بركان-3/ذو الفقار وعائلة فلسطين1و2) القادرة على الوصول إلى مدى يصل إلى 2000 كم، مما يضع أهدافاً في إسرائيل في نطاق الاستهداف، ويجعل أي نقطة في الخليج العربي تحت نطاق القصف. كما طورت الجماعة صواريخ كروز مجنحة وذخائر متسكعة تشكل تهديداً مستداماً للسفن والأهداف البرية. تعتمد استراتيجية الحوثيين على "الردع غير المتكافئ"[6]، حيث يكفيهم تحقيق "ضربات ذهبية" قليلة ومتقنة لإحداث تأثير هائل على الشحن العالمي وإثارة أزمة إقليمية طويلة الأمد، مستغلين أن تكلفة الدفاع الغربي (صواريخ الاعتراض الباهظة) تفوق بكثير تكلفة الهجوم الحوثي منخفض التكلفة، مما يخدم مصالحهم في استنزاف خصومهم. كما عزز الحوثيون قدراتهم في الحرب البحرية عبر استخدام الوحدات السطحية غير المأهولة (USVs/UUVs)، مما يرسخ وضع مضيق باب المندب كمنطقة "منع وصول/حرمان منطقة" (A2/AD) تحت سيطرة الحركة المسلحة في أي معركة قادمة أو تعرضها لهجوم.

  • السيطرة الداخلية وتوطيد الحكم القمعي

على الرغم من التحديات الاقتصادية، تمكن الحوثيون من توطيد سيطرتهم على الشمال اليمني عبر آليات قمعية وعسكرية واضحة. يسيطر الحوثيون فعلياً على العاصمة صنعاء والمؤسسات الحكومية الرئيسية (الوزارات والبنك المركزي في صنعاء)، حيث يضعون الموالين لهم (طبقة الهاشميين أو ما يعرف بالسادة) في المناصب العليا لضمان التحكم الكامل في القرار والأموال. كما يستخدم الحوثيون حملات التعبئة العامة المستمرة (مثل "دورات طوفان الأقصى") كأداة مركزية لـ"عسكرة المجتمع" وتكريس "الهوية الإيمانية" الثيوقراطية والولاء المطلق للقيادة الثورية، معلنين تدريب أكثر من مليون شخص خلال عامين، مما يعزز جاهزيتها العسكرية ويؤمن الجبهة الداخلية. كما يُعد القمع الداخلي وحملات الاعتقالات الواسعة التي تستهدف الناشطين، والموظفين الحكوميين، والمنظمات الإنسانية (باتهامات "التجسس للشبكة الأمريكية-الإسرائيلية")، استراتيجية متعمدة لـإغلاق المجال المدني بالكامل، وتصفية أي معارضة، وضمان السيطرة بالقمع على المجتمع والموارد والمعلومات.

 

  • النفوذ الجيوسياسي ضمن "محور المقاومة"

يمثل الاندماج الإقليمي للحوثيين ضمن "محور المقاومة" بقيادة إيران أحد أهم مكتسباتهم الاستراتيجية، وقد تعزز هذا الموقع بشكل كبير بعد حرب غزة. برز الحوثيون كـ"أقوى فاعل ضمن محور المقاومة" في أكتوبر/تشرين الأول 2023، خاصة بعد الضربات القاسية التي تعرض لها حلفاء آخرون. هذا التموضع يمنحهم شرعية شعبية إقليمية ودعماً واسعاً في العالمين العربي والإسلامي.

حيث استغل الحوثيون الصراع لترجمة شعارهم "الصرخة" (الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل) إلى عمل عسكري فعلي، مما عزز مصداقيتهم الداخلية -بين أنصارهم- والخارجية كـ"مدافعين عن فلسطين". كما توفر العلاقة مع طهران- التي تتجاوز مفهوم "الوكيل" التقليدي إلى شراكة استراتيجية في المصالح- استمرار التدفق للخبرات والأسلحة اللازمة للحفاظ على الردع الإقليمي، ومؤخرا تقول معلومات غير مؤكدة عن عودة لقائد فرقة اليمن في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني عبد الرضا شهلائى إلى الواجهة في صنعاء للقيام بدور تكتيكي يخدم استراتيجية طهران في منع ضربة عسكرية جديدة لها، وعودة التفاهمات بشأن الاتفاق النووي.

إضافة إلى ذلك تسعى إيران إلى إبقاء الحوثيين "ذراع فوضوي" قادر على إرباك خصومها في المنطقة وقت الحاجة، كقوة أخيرة لها بعد إضعاف حزب الله في لبنان وسقوط نظام حليفها بشار الأسد في سوريا.

 

  1.  عوامل الضعف والقيود الداخلية (Internal Constraints and Vulnerabilities)

على الرغم من المكاسب العسكرية والإقليمية، يواجه الحوثيون هشاشة بنيوية عميقة تجعل استقرار حكمهم الداخلي مهدداً باستمرار، خاصة مع تراجع زخم حرب غزة.

  • الانهيار الاقتصادي ومعضلة الرواتب

تُعد الأزمة الاقتصادية الداخلية، التي تتفاقم بسبب فشل الحوثيين في الحوكمة، التهديد الوجودي الأكبر لشرعيتهم. يعاني الحوثيون من نقص حاد في الإيرادات، مع شلل الموانئ والمطارات، الأهم من ذلك هو تجميد الاتفاق الذي رعته السعودية قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي كان سيوفر تمويلاً لرواتب موظفي القطاع العام لمدة عام، مما حرم مناطق سيطرتهم من سيولة مالية ضرورية.

كما أن إعادة تصنيف الولايات المتحدة للحوثيين كـ"منظمة إرهابية أجنبية" (FTO) في مارس/آذار 2025 زاد من تضييق الخناق المالي، وجعل إحياء اتفاق الرواتب مع السعودية (الذي يتطلب تمويلاً بالدولار) "أقل واقعية من أي وقت مضى". هذا التصنيف يعيق التحويلات المالية والتجارية، ويدفع الشركات ومنظمات الإغاثة للانسحاب، مما يعمق الأزمة الإنسانية. [7] كما أن الفشل المستمر في دفع المرتبات ونقص الخدمات (الذي أدى إلى احتجاجات متصاعدة قبل حرب غزة)، يجبر الحوثيين على اللجوء إلى "الإكراه الاقتصادي" بالتصعيد الخارجي كوسيلة وحيدة لتأمين الموارد والهروب من المساءلة.

  • العزلة الدولية والاعتماد على الدعم الخارجي

على الرغم من مكاسبهم الجيوسياسية، يظل الحوثيون جماعة معزولة دولياً وتعتمد بشكل كبير على شبكات الدعم الخارجية. إن قدرتهم على شن الهجمات تعتمد بشكل حاسم على استمرار تهريب القطع الأساسية في تطوير الأسلحة من إيران وقوى أخرى كالصين وروسيا. هذا الاعتماد يجعلهم استمرار قوتهم كما هي عليه عرضة للتهديد مع تزايد عمليات اعتراض الأسلحة في البحرين الأحمر والعربي والعقوبات التي تستهدف سلاسل التوريد والتمويل الإيرانية/الصينية.

كما يستمر الحوثيون في استخدام القيود البيروقراطية واحتجاز موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية كأداة ضغط سياسية. هذا السلوك أدى إلى توقف برامج حيوية (مثل برنامج الغذاء العالمي، ويونيسف، والصحة العالمية) وتدهور الوضع الإنساني بشكل كارثي، حيث يحتاج أكثر من 19.5 مليون يمني للمساعدة.[8] وهو ما يجعل السخط في مناطق سيطرتهم يتصاعد.

  • "الفراغ الاستراتيجي" بعد غزة

يمثل وقف إطلاق النار في غزة تحدياً أيديولوجياً واستراتيجياً للحوثيين. وفرت حرب غزة "غطاءً دعائياً فعالاً" مكّن الحوثيين من تعزيز شرعيتهم الداخلية وقمع المعارضة بحجة "الانشغال بمعركة الأمة". ومع انتهاء القتال، بدأت هذه الذريعة تتلاشى، مما يعيد التركيز على "التحديات البنيوية المتفاقمة" (الرواتب، الخدمات) والتي فشل الحوثيون في تقديمها قبل الحرب.

كما أدت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قيادات سياسية وعسكرية رفيعة (مثل رئيس الوزراء ورئيس الأركان في صنعاء في أغسطس/آب 2025) إلى تسليط الضوء على وجود "اختراقات أمنية خارجية خطيرة" يهدد التماسك الداخلي للجماعة. هذا يفرض على الحوثيين ضرورة "التطهير الأمني"، لكنه يكشف أيضاً عن وجود شكوك عميقة داخل الشقوق الموجودة في قيادة الحركة نفسها.

 

 

 

ثانياً: تحليل الاستراتيجيات المستقبلية لجماعة الحوثي في مرحلة ما بعد الهدنة

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وبعد عامين من حرب غزة، يمتلك الحوثيون وضعاً استراتيجياً متناقضاً: فهم يسيطرون على قوة عسكرية رادعة ونفوذ جيوسياسي إقليمي غير مسبوق (مكاسب غير ملموسة). وفي المقابل، يعانون من إفلاس مالي، وأزمة حوكمة، ونقص في الشرعية الداخلية (خسائر ملموسة).

لذلك أصبح الهدف الاستراتيجي الأولي للحوثيين في مرحلة ما بعد غزة هو تحويل الردع الإقليمي المكتسب إلى نفوذ اقتصادي ملموس. سيعملون على استخدام التهديد البحري كورقة ضغط وابتزاز ضد دول الخليج (السعودية تحديداً) لانتزاع التنازلات المالية (الرواتب) اللازمة لمعالجة الضعف الداخلي وتفادي الانفجار الشعبي. يظل هذا التناقض بين القوة الخارجية والهشاشة الداخلية هو المحرك الرئيسي لجميع خياراتهم الاستراتيجية المستقبلية.

لذلك عقب وقف إطلاق النار في قطاع غزة شهد خطاب وسياسات الحركة تحولاً تكتيكياً، حيث انتقل من التركيز على "إسناد غزة" الأيديولوجي إلى "معركة استعادة الحقوق" أو "استحقاقات السلام" -كما قال "مهدي المشاط" القيادي في الجماعة ورئيس المجلس السياسي الأعلى[9]- والتي تتضمن مطالب اقتصادية بينها دفع اللرواتب وإعادة تشغيل مطار صنعاء وميناء الحديدة[10]، والتي تعرضت لضربة كبيرة بفعل التصنيف الأمريكي. وتعتمد استراتيجيتهم على موازنة التصعيد الخارجي المُدار بالضرورات الداخلية للحكم القمعي.

 

1. الاستراتيجية الداخلية: توطيد السيطرة والقمع في مواجهة الانهيار الاقتصادي

بعد انحسار زخم حرب غزة كغطاء دعائي، تجد جماعة الحوثي نفسها أمام "فراغ استراتيجي" غير مسبوق، مما يعيد التركيز على إخفاقاتها الكارثية في الحوكمة الداخلية والاقتصاد الذي يعتمد على المساعدات.

لذلك لم يكن الرد الفوري للحوثيين على زوال الغطاء الإقليمي هو معالجة الأزمة الاقتصادية، بل مضاعفة القمع الداخلي تحت مسمى مواجهة "الجواسيس" والتحذير من حرب إسرائيلية-أمريكية تستخدم "عملاء محليين" في دعاية ضيقة[11]. وتستخدم الجماعة حملات الاعتقال الواسعة ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والنشطاء المدنيين في معظم المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم، وتتهمهم بالانتماء إلى "شبكة تجسس أمريكية-إسرائيلية". يخدم هذا القمع هدفين: إغلاق المجال المدني بالكامل لترسيخ السيطرة القمعية، واستخدام المعتقلين كـ "أوراق مساومة" في المفاوضات الخارجية خاصة ملف معتقلي وكالات الأمم المتحدة.

ويتم ذلك في وقت تستمر حملات التعبئة العامة تحت مسمى "دورات طوفان الأقصى"، وكان واضحاً تحوّل الخطاب من "إسناد غزة" إلى "الاستعدادات للانخراط في جبهات الدفاع عن الوطن" (الجبهات الداخلية). هذا التحول يشير إلى استعداد الحوثيين لاستئناف جولة حرب أهلية شاملة (في تعز ومأرب والساحل الغربي) لتعزيز شروطهم التفاوضية أو لتصفية الحسابات مع خصومهم الداخليين تحت ذريعة "الخونة"[12].

 

  • مواجهة الاقتصاد المنهار (طباعة العملة والتصعيد ضد السعودية)

تُعد الأزمة الاقتصادية وتوقف المرتبات منذ عام 2016 "التهديد الوجودي الأكبر" لشرعية الحوثيين. لقد أدى الفشل في تقديم الخدمات (شرعية الأداء) إلى دفع الجماعة لتعويض ذلك بـ "شرعية المقاومة" خلال العامين الماضيين. وقد أدى الصراع المصرفي بين صنعاء وعدن، بما في ذلك طباعة الحوثيين لعملة جديدة في يوليو/تموز 2025 بدون تنسيق، إلى تعميق الانقسام المالي، كما سبب انتقال المراكز الرئيسية للبنوك إلى عدن صدمة للحوثيين الذين يعانون بالفعل من عزلة في النظام المالي الدولي مع العقوبات الأمريكية على الجماعة بعد التصنيف الأمريكي.

ولمواجهة هذا التحدي يسعى الحوثيون لـ "ابتزاز" المملكة العربية السعودية في محاولة لتفعيل خارطة الطريق المجمدة، التي كانت تتضمن دفع رواتب موظفي مناطق سيطرتهم. يهدف التصعيد الخطابي إلى تحقيق هدفين: الضغط على الرياض لتلبية المطالب المالية (الرواتب، ورفع أو تخفيف حدة العقوبات الأمريكية)، وتوجيه الغضب الشعبي الداخلي الناتج عن الفقر نحو السعودية بدلاً من تحمل المسؤولية. وتضمنت هذه التهديدات الإشارة إلى ضربات محتملة على البنية التحتية الحيوية السعودية (رؤية 2030 وأرامكو)[13]. ويلاحظ أن الإمارات تسير بحذر لتجنب صراع مباشر، خاصة وأن أبو ظبي قامت بتطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي. ويعتقد الحوثيون أن أبوظبي عبر شبكة مخابرات يمنية اسستها جنوب وغرب اليمن ومرتبطة بعائلة الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح وراء تسريب المعلومات إلى الاحتلال الإسرائيلي[14].

 

2. الاستراتيجية الإقليمية: استمرار الردع والتحالفات الجديدة

نجح الحوثيون في ترسيخ وضعهم كقوة إقليمية رادعة. ومع انتهاء القتال في غزة، بات الصراع بين الحوثيين و"الكيان الصهيوني" صراعاً "قائماً بذاته" لم يعد يتوقف على استمرار القتال في غزة. ويوم 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025 قال وزير الدفاع الإسرائيلي: "لم ينتهِ الأمر بعد، والحوثيون سيدفعون ثمنًا باهظًا على محاولاتهم المساس بالجبهة الداخلية الإسرائيلية". وقال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني " سنفعل كل ما يلزم لإزالة هذا التهديد" [15]

  • استمرار الدور في البحر الأحمر وتهديدات لإسرائيل

يظهر الحوثيون التزاماً بالتهدئة المشروطة والمؤقتة في البحر الأحمر، لكنهم يحتفظون بحق استئناف الهجمات فوراً في حال انهيار الهدنة في غزة أو استمرار "الحصار" على القطاع. نجح الحوثيون في تحويل مضيق باب المندب إلى منطقة "منع وصول/حرمان منطقة" (A2/AD). وقد أدى هذا إلى تعطيل سلع بقيمة تريليون دولار بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2024، وتراجع مرور الحاويات بنسبة 90%.

يرفع الحوثيون شعاراً أيديولوجياً طويلاً الأمد يتمثل في هزيمة إسرائيل. وأثبتوا قدرتهم على شن ضربات نوعية "أهداف ذهبية" مثل الهجوم على مطار بن غوريون في مايو /أيار 2025 الذي أدى لإصابات، والضربات المسيرة على مطار رامون وإيلات في سبتمبر/أيلول 2025. ويستمرون في تطوير أنظمة هجومية بعيدة المدى، بما في ذلك صواريخ فلسطين2 التي يصل مداها إلى 2000 كم، وصواريخ كروز قدس-2، والذخائر المتسكعة صماد-4، ويافا.

 ويشعر الإسرائيليون بوجود خطر من الحوثيين في اليمن في أي مواجهة متوقعة مع إيران أو حزب الله في المستقبل؛ لذلك لا يستبعد أن تشن إسرائيل هجمات جديدة على الحوثيين حتى مع التهدئة طويلة الأمد الممكنة في قطاع غزة.

ترى إسرائيل أن تهديد الحوثيين "يجب القضاء عليه"، وأن الضربات الموجهة هي رادع قوي. وقد أظهرت الهجمات الإسرائيلية في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2025 نجاحاً في اختراق القيادة العليا للحوثيين واغتيال شخصيات بارزة مثل رئيس الوزراء ورئيس الأركان. يمثل هذا الاستهداف تهديداً غير مسبوق للتماسك التنظيمي للحوثيين. وفي حال انهيار الهدنة في غزة أو تصعيد إقليمي أوسع (مثل هجوم إسرائيلي على إيران)، فمن المرجح أن يتحول التركيز الإسرائيلي نحو تدمير قدرات الحوثيين بعملية أوسع.

  • التحالفات الجديدة والاندماج الإقليمي

في الوقت ذاته أصبح الحوثيون "أقوى فاعل ضمن محور المقاومة"، لا سيما بعد الانتكاسات التي تعرض لها حلفاء آخرون في 2024 (مثل حزب الله ونظام الأسد). وتتضمن هذه الشراكة التنسيق المباشر مع حماس والفصائل الفلسطينية. لقد سعى الحوثيون لبناء تحالفات مع فاعلين غير حكوميين في القرن ال أفريقي. وتشير تقارير إلى تعاون بين الحوثيين والقراصنة الصوماليين لتهريب الأسلحة والنفط وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول حركة السفن[16]. كما تتحدث تقارير عن علاقات متنامية بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، حيث يستفيد الحوثيون من دعم الحركة في أنشطة القرصنة[17].

 

3. الدعم الإيراني والتمكين الدولي (روسيا والصين)

سلوك الحوثيين في مرحلة ما بعد غزة لن ينفصل عن الحسابات الإستراتيجية الإيرانية. ويبدو أيضاً أنه لا يكاد ينفصل عن الحسابات الروسية والصينية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والوضع الجيو-سياسي في منطقة البحر الأحمر والمحيط الهندي.

  • استمرار الدعم الإيراني كأداة للضغط غير المباشر

ينظر النظام الإيراني إلى الحوثيين كركيزة مركزية في عقيدة "الدفاع الأمامي" الهادفة إلى استخدام الوكلاء لشن حرب غير متماثلة. وتضمن طهران استمرار الدعم العسكري (الإمدادات والتصاميم اللازمة للتجميع المحلي) لإبقاء الحوثيين كـ "تهديد عسكري احتياطي" يمكن تفعيله بسرعة.

وأظهرت الضربات الغربية فشلها الاستراتيجي في تدمير القدرات الحوثية بشكل دائم، لأن الحوثيين يعتمدون على نموذج التجميع المحلي المدعوم إيرانياً. ويمكنهم تعويض خسائرهم بسرعة عبر التحول إلى أنظمة أقل تعقيداً وأكثر مرونة (مثل الصواريخ الباليستية قصيرة المدى والسفن والطائرات المسيّرة).

  • دور الصين وروسيا كـ "مُمكِّن للاضطراب"

وتشير التقارير إلى تحول دور الصين إلى "مُمكِّن للاضطراب". حيث تزود كيانات صينية الحوثيين بمكونات حرجة لتصنيع الطائرات بدون طيار، وتكنولوجيا الدفع المتقدمة. كما أن شركات صينية للأقمار الصناعية قدمت معلومات استخبارية جغرافية مكانية (Targeting Data) لدعم الحملة ضد الشحن في البحر الأحمر[18].

تستغل روسيا الاضطراب البحري لتعزيز نفوذها المشترك مع إيران، وللترويج لطرق لوجستية بديلة (مثل ممر شمال-جنوب والطريق الأوراسي). كما تشير تقارير إلى أن روسيا قدمت بيانات استهداف للحوثيين لشن هجماتهم على الشحن العالمي.[19]

ومؤخرا امتنعت الصين وروسيا التصويت في مجلس الأمن لصالح قرار تمديد العقوبات في اليمن لعام إضافي، الذي تم بموجب القرار الدولي 2140 مع استمرار تجميد الأصول وحظر السفر على الكيانات المدرجة، مع تجديد تمديد ولاية فريق الخبراء حتى 15ديسمبر2026.

 

ثالثاَ: مصفوفة السيناريوهات المستقبلية للحوثيين

بناءً على التناقضات بين النفوذ الإقليمي والهشاشة الداخلية، تتجه استراتيجية الحوثيين نحو ثلاثة مسارات رئيسية:

 

المسار الأول: التصعيد المتواصل (حرب الاستحقاقات)

يقوم المحور الرئيسي لهذا السيناريو على الاحتفاظ بالردع البحري والهجمات على دول الخليج كورقة ابتزاز إقليمي لانتزاع المكاسب الاقتصادية، بالتوازي مع تعزيز القمع الداخلي. وتُدفع الجماعة نحو هذا المسار بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: الأول، تصنيف "منظمة إرهابية أجنبية" (FTO) الذي يعيق إحياء خارطة الطريق مع السعودية ويجبر الحوثيين على العنف للحصول على التمويل؛ الثاني، وجود الفراغ الاستراتيجي الذي يخلق حاجة عاجلة لتوظيف النفوذ الخارجي لتبرير الفشل الداخلي؛ وأخيراً، المرونة العسكرية التي تتمثل في فشل الردع الغربي مما يمنح الثقة في القدرة على تحمل الضربات.

وتشمل المؤشرات التي يجب مراقبتها للاستدلال على هذا المسار استئناف التهديدات أو الهجمات الموجهة ضد البنية التحتية الخليجية، واستمرار التعبئة بتحويل خطاب "طوفان الأقصى" إلى "الدفاع عن الوطن" (الجبهات الداخلية)، واستمرار القمع الداخلي واعتقال موظفي الأمم المتحدة والمعارضين الداخليين.

يُعد سيناريو التصعيد هو المسار الأرجح لسلوك الحوثيين في الأشهر التي تلي وقف إطلاق النار في غزة. ويستند هذا السيناريو إلى ضرورة استراتيجية قصوى تتمثل في تحويل المكاسب الإقليمية إلى شرعية مالية وسياسية داخلية، مع الحفاظ على التوتر دون مستوى الحرب الشاملة لتجنب رد عسكري غربي مدمر.

ولذلك سيتجه الحوثيون نحو استراتيجية "الإكراه الاقتصادي" ضد دول الخليج: فبعد انحسار زخم غزة، أصبحت الأزمة الاقتصادية الداخلية (لا سيما أزمة الرواتب) هي "التهديد الوجودي الأكبر" لشرعية الحوثيين. ويهدف التصعيد الذي سيديره الحوثيون إلى "ابتزاز" المملكة العربية السعودية وإجبارها على تفعيل خارطة الطريق المجمدة، التي كانت تشمل دفع الرواتب. وتتضمن استراتيجية "حرب الاستحقاقات" توجيه خطاب حاد يصور الخليج كـ "عدو أيديولوجي مباشر" و"خائن وعميل لإسرائيل"، وذلك لتحقيق هدف مزدوج، داخلياً: تحويل الغضب الشعبي الناتج عن الفقر وأزمة المرتبات نحو السعودية. إقليمياً: الضغط على الرياض بتهديد أمن بنيتها التحتية الحيوية (مثل رؤية 2030)، في محاولة للبحث عن تسوية أمنية مجزأة تركز على أمن الحدود، وترك حلفائها في الحكومة المعترف بها دولياً، ودفع السعودية للضغط على الولايات المتحدة للحصول على استثناءات تخفف حدة التصنيف الأمريكي على النظام المالي في مناطق الحوثيين، وتعيد العمل في مطار صنعاء وميناء الحديدة.

سيعتمد الحوثيون استراتيجية "الردع المحسوب" في استعراض دعائي بحري، حيث يقومون بوقف الأعمال العدائية واسعة النطاق بشكل تكتيكي، لكنهم سيبقون على التهديد بـ "العودة الوشيكة". وتُظهر البيانات أن الحوثيين مستعدون لتوسيع نطاق الاستهداف (مثل استهداف البحر المتوسط) كورقة ضغط تفاوضية. وبفضل الدعم التقني الإيراني والصيني، يمتلك الحوثيون القدرة على استدامة الضربات النوعية التي تعتمد على "الضربات الذهبية"، مما يُبقي البحر الأحمر "نقطة ضغط" مستمرة.

في الاتجاه الأخر قد يكون توجه السعودية لاستعادة زمام قيادة المنطقة بالتفاهم مع واشنطن، هو الذي يدفع الحوثيين مرة أخرى لمراجعة تهديداتهم، للبقاء حاكمين في صنعاء، وتأجيل الدخول في المواجهة الأخيرة التي قد تفقدهم كل ما كسبوه منذ 2014، لأن مثل هذه المواجهة الحاسمة هي التي ستفكك حكمهم وستفقد الجماعة لمناطق سيطرتها، وهذا السيناريو سيساعد الشرعية في تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض.

 

المسار الثاني: العودة للمسار السياسي/التفاوضي - (الترجيح: متوسط)

يحتل هذا السيناريو ترجيحاً متوسطاً، ويعتمد على التحوّل إلى شريك أمني يضمن التهدئة في البحر الأحمر والحدود السعودية مقابل حزمة اقتصادية داخلية شاملة. يتمثل العامل الدافِع في نجاح الضغوط الإقليمية، خاصة من السعودية، في استخدام الجمود الاقتصادي الحوثي كوسيلة لانتزاع تنازلات أمنية، مع إمكانية ربط التهدئة بإلغاء تصنيف الحوثيين كحافز (بالرغم من صعوبة تحقيق ذلك).

ويُمكن رصد مؤشرات هذا السيناريو من خلال تحول لغة القيادات (مثل عبد الملك الحوثي) بشكل واضح نحو التنازل الدبلوماسي، الإفراج الفوري عن موظفي الأمم المتحدة المعتقلين، والتوصل إلى آلية لدفع المرتبات (ولو جزئياً) عبر طرف ثالث. وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي مع السماح لشركة جديدة أو شركة خارجية بتسيير الرحلات من صنعاء.

قد يصبح هذا السيناريو واقعياً إذا نجحت الوساطات (خاصة العمانية) في استخدام الضعف الاقتصادي الحوثي الشديد لانتزاع تنازلات أمنية ملموسة ورغبة السعودية في عدم التصعيد. إن الهدف التكتيكي الأولي للحوثيين هو الإغاثة الاقتصادية (الرواتب)، وإذا نجحت السعودية في تقديم "مقايضة أمنية مشروطة"، قد يوافق الحوثيون على وقف كامل للهجمات في البحر الأحمر كبادرة تهدئة والتفاوض مع خصومهم المحليين. المؤشرات الحاسمة: الإفراج عن موظفي الأمم المتحدة المعتقلين والتوصل إلى آلية دفع رواتب جزئية. ومع ذلك، فإن التصنيف الأمريكي يظل عقبة كبرى أمام هذا المسار.

ويملك الحوثيون تاريخاً من استخدام الهدنة والحصول على المكاسب كفترة استراحة وتجهيز لحرب قادمة، لذلك حتى مع بناء هذا السيناريو فإن احتمالات التصعيد ضد الحكومة المعترف بها دولياً ومناطق سيطرتها كبير خاصة إذا تم الاتفاق مع المملكة العربية السعودية وتراجعت العقوبات ضد الجماعة دون مشاركة من الحكومة.

يمثل هذا السيناريو خسارة فادحة للحكومة الشرعية التي قد تؤجل حلم استعادة العاصمة صنعاء.

 

المسار الثالث: التهميش والانكفاء الداخلي - (الترجيح: منخفض)

هذا السيناريو هو الأقل ترجيحاً، ويفترض اضطرار الحوثيين إلى التراجع عن الدور الإقليمي والتركيز حصراً على إدارة القمع والتحصين الداخلي نتيجة لإنهاك قدرات الجماعة. وتتمثل العوامل الدافعة في تزايد السخط الشعبي لدرجة التمرد نتيجة للفشل في دفع الرواتب وتفاقم الأزمة الإنسانية، أو نجاح الضربات الإسرائيلية في إحداث فراغ تنظيمي خطير عبر اختراق أو قصف القيادة (كما حدث في اغتيال رئيس الأركان).

وتشمل مؤشراته تغير نمط القيادة مع تراجع رموز التصعيد العسكري (مثل يوسف المداني الذي جرى تعيينه رئيساً لهيئة الأركان خلفاً للغماري) للظل لصالح وجوه إدارية/سياسية، وتحويل جميع قوات التعبئة (التي تخرجت من دورات طوفان الأقصى) إلى الداخل لقمع الاحتجاجات بدلاً من الجبهات الأمامية، ويفقدون القدرة على شن هجمات بحرية، مع عدم تحقيق أي مكاسب اقتصادية داخلية.

يُمثل هذا المسار أسوأ سيناريو للحوثيين، حيث يفقدون القدرة على التصعيد الخارجي ويضطرون إلى مواجهة تحديات الحكم القمعي الداخلي. العوامل المعيقة: المرونة اللوجستية الإيرانية والقدرة على التعويض السريع تجعل تدمير القدرات العسكرية النوعية (الردع) أمراً صعباً للغاية. وحتى لو انكفأوا، فمن المرجح أن يتحولوا إلى "القمع الداخلي" ومحاولات "التغيير الشكلي" بدلاً من التنازل عن السلطة، وهذا يحوّل اليمن إلى حالة "لا سلم ولا حرب" مع تدهور مستمر.

ورغم ذلك إلا أن هذا السيناريو هو الذي قد يعجل من انتفاضة شعبية ضد الحوثيين، نتيجة لوصول الناس في مناطق سيطرة الحوثيين لليأس من أي أمل انقاذ الشرعية لهم، لكن قد لا يحقق الاستقرار لليمن على المدى القريب.

 

توصيات :

أدت حرب غزة إلى تسريع وتيرة تحوّل حركة الحوثيين من جماعة متمردة محلية إلى فاعل جيوسياسي إقليمي، أصبحت قدراته على الردع البحري حقيقة قائمة لا يمكن تجاهلها. ويسعى الحوثيون لتوظيف القوة المكتسبة في البحر الأحمر لانتزاع مكاسب داخلية وسياسية دائمة. ويكمن التحدي الأكبر للمجتمع الدولي في أن الاستجابة العسكرية الأحادية فشلت استراتيجياً في ردع الجماعة، بينما أدت العقوبات الأمريكية إلى نتيجة عكسية، حيث زادت من اعتماد الحوثيين على العنف كوسيلة ضغط اقتصادي؛ دون تمكين واسع للحكومة اليمنية من تحقيق نتائج على الأرض بفعل تفككها وعدم واحدية القرار داخل مجلس القيادة الرئاسي وتفكك القوات.

  • على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي التركيز بقوة على "التحديات الداخلية لليمن" بدلاً من النظر إليها فقط من منظور الأزمة الإقليمية لغزة. هذا يقلل من ورقة الابتزاز الحوثية ويعيد التركيز على دعم الأطراف اليمنية الأخرى لتعزيز نموذج حكم مستقر في مناطق سيطرة مجلس القيادة الرئاسي. كما يجب على المجتمع الدولي العمل على إبراز التناقض الصارخ بين الخطاب الإقليمي للحوثيين (التضامن مع فلسطين) والواقع القمعي والفشل الاقتصادي في مناطق سيطرتهم. يجب الضغط لإنهاء استخدام الحوثيين للملف الإنساني كأداة ضغط سياسية، مع فرض عقوبات موجهة على القيادات المسؤولة عن اعتقال موظفي الأمم المتحدة.
  • يجب على القوى الغربية الابتعاد عن الرد العسكري الأحادي الذي يستهدف الأصول الميدانية القابلة للتعويض، والتحول إلى استراتيجية سياسية واستخباراتية شاملة لتعزيز مكانة الحكومة المعترف بها دولياً لقيادة العمل العسكري لإسقاط حكم الحوثيين نهائيا.
  • يجب على دول الخليج (خاصة السعودية) استغلال الضغوط الاقتصادية الشديدة لانتزاع تنازلات أمنية وسياسية من الحوثيين. يجب ربط أي دعم مالي أو ترتيب لدفع المرتبات كـ "مقايضة أمنية وسياسية" مشروطة بوقف كامل للهجمات العابرة للحدود وفي البحر الأحمر، والإفراج الفوري عن المعتقلين، وتحقيق اتفاق مباشر مع الحكومة المعترف بها دولياً تدفع الرواتب عبرها لا عبر المؤسسات المالية الحوثية، تمهيدا لتفكيك سلطة الحوثيين، وفي حال مواجهة الحوثيين لهذه الاستراتيجية، وهو المتوقع، على الخليج دعم قوات الشرعية لفرض واقع جديد على الأرض، لا يعطي للحوثيين هيمنة على عوامل القوة التي ساعدتهم في تهديد الأمن الإقليمي والدولي، ومنها استمرار سيطرتهم على العاصمة صنعاء.

 

 

مراجع:

 

[1] Israel's Ramon Airport struck by Houthi drone attack | ABC NEWS https://youtu.be/VDTN_op3cMs

[3] A Red Sea hall of mirrors: US and Houthi statements vs. actions

https://acleddata.com/report/red-sea-hall-mirrors-us-and-houthi-statements-vs-actions

[4] Yemen’s “Southern Hezbollah”: Implications of Houthi Missile and Drone Improvements

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/yemens-southern-hezbollah-implications-houthi-missile-and-drone-improvements

[5] A Red Sea hall of mirrors: US and Houthi statements vs. actions - ACLED, ، https://acleddata.com/report/red-sea-hall-mirrors-us-and-houthi-statements-vs-actions

[6] Neutralizing The Houthi Threat: A Strategic Blueprint For The Red Sea And Beyond – Analysis - Eurasia Review,

https://www.eurasiareview.com/18102025-neutralizing-the-houthi-threat-a-strategic-blueprint-for-the-red-sea-and-beyond-analysis/

[7] Delivering Yemen from Dual Peril https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/yemen/delivering-yemen-dual-peril

[8] Aid Paralysis and Political Strangulation: Yemen Slips Towards Silent Famine https://www.yemenmonitor.com/en/Details/ArtMID/908/ArticleID/154828

[9] المشاط يدعو السعودية إلى تنفيذ استحقاقات السلام ويؤكد: سنواصل الدفاع عن بلدنا وطرد كل محتل

https://tn.ai/3422856

[11] متابعة وسائل إعلام الحوثيين بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025 حتى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025

[12] متابعة وسائل إعلام الحوثيين بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025م حتى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025

[13] مشاهدة مباشرة النشرة الرئيسة في الثامنة والنصف لتلفزيون المسيرة مساءً 15/10/2025

[14] مسؤول أمني رفيع مطلع على نقاشات الحوثيين تحدث لـمركز أبعاد في 10/10/2025 عبر تطبيق مراسلة مشفر.

[15] الحوثيون يردون على نتنياهو: مستعدون للقتال

https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/154347
نتنياهو يرفع مستوى التهديد الحوثي: “إزعاج بسيط” يخفي خطراً وجودياً https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/154345

[17] Expanding Al Shabaab–Houthi Ties Escalate Security Threats to Red Sea Region https://africacenter.org/spotlight/al-shabaab-houthi-security-red-sea/

[18] China’s Red Sea Play: From Security Free-Rider to Disruption Enabler

[19] Russia Provided Targeting Data for Houthi Assault on Global Shipping
https://www.wsj.com/world/russia-provided-targeting-data-for-houthi-assault-on-global-shipping-eabc2c2b

نشر :