تمهيد
يقدّم هذا التقرير خلاصة تحليلية لاتجاهات الرصد الشهري للأحداث في اليمن خلال عام 2025، استنادًا إلى اثني عشر ملفًا شهريًا صادرة عن مرصد أبعاد. ولا يقتصر هذا الحصاد على إعادة عرض الوقائع كما وردت في ملفات الرصد، بل يسعى إلى قراءة المسار العام للأحداث، وتحديد التحولات الكبرى، ورصد الفاعلين الأكثر حضورًا، واستخلاص الدلالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية التي يمكن أن تفيد صنّاع القرار ومراكز الأبحاث.
جاء عام 2025 عامًا كثيفًا في التحولات. فقد بدأ بتصاعد الضغوط على جماعة الحوثي عقب إدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية، ثم انتقل إلى مرحلة الضربات الأمريكية والتوتر في البحر الأحمر، قبل أن تتقدم الأزمة الاقتصادية إلى واجهة المشهد، وتتفاقم لاحقًا أزمات الشرعية الداخلية، وحضرموت، والمهرة، والمجلس الانتقالي، وصولًا إلى ذروة سياسية وأمنية في ديسمبر مع الحديث عن انسحاب الإمارات من اليمن وإعلان حالة الطوارئ.
الخلاصة التنفيذية
عام 2025 كان عام انتقال الأزمة اليمنية من المواجهة مع الحوثيين إلى أزمة الدولة نفسها
أظهر الرصد الشهري أن مواجهة الحوثيين بقيت العنوان الرئيسي في بداية العام، خصوصًا مع إدراج الجماعة على قائمة الإرهاب وتصاعد الحديث عن استثمار التحولات الدولية لإنهاء الانقلاب. لكن الأشهر الأخيرة، ولا سيما نوفمبر وديسمبر، كشفت أن التحدي لم يعد محصورًا في الحوثيين، بل امتد إلى أزمة الشرعية، وتعدد مراكز القرار، وتصاعد الإجراءات الأحادية، وتوترات حضرموت والمهرة، وصدامات النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
يُظهر عام 2025 أن اليمن انتقل من مرحلة تركيز الضغوط على الحوثيين إلى مرحلة أوسع وأكثر تعقيدًا، عنوانها: من يحمي الدولة اليمنية من التفكك؟
ففي الربع الأول، بدا أن التحولات الدولية، خصوصًا التصنيف الإرهابي والضربات الأمريكية، قد تفتح نافذة لإضعاف الحوثيين. لكن ما حدث لاحقًا أظهر أن الحوثيين ظلوا قادرين على البقاء، وأن غياب وحدة المعسكر المناهض لهم قلل من أثر هذه الضغوط.
في منتصف العام، تقدمت الأزمة الاقتصادية بوصفها التحدي الأهم للحكومة، وكشفت أن الشرعية لا تستطيع بناء موقف سياسي قوي دون قدرة اقتصادية وخدمية. أما في الربع الأخير، فقد تحولت الأزمة من الحوثيين وحدهم إلى أزمة داخلية عميقة داخل بنية الشرعية، خصوصًا في حضرموت والمهرة وعدن.
وعليه، فإن الخطر الأكبر الذي كشفه رصد 2025 ليس فقط استمرار الحوثيين، بل اجتماع ثلاثة أخطار في وقت واحد:
- حوثيون مسلحون ومدعومون إقليميًا.
- شرعية منقسمة ومثقلة بأزمة اقتصادية.
- مشاريع محلية وإقليمية تهدد وحدة القرار والدولة.
إذا لم تُعالج هذه العوامل معًا، فإن عام 2026 قد يشهد مزيدًا من التشرذم، حتى لو استمرت التحركات الدولية تحت عنوان السلام.
: توصيات لصنّاع القرار
1. إعادة تعريف أولوية المرحلة
ينبغي ألا تُختزل الأولوية في مواجهة الحوثيين فقط، بل في استعادة الدولة بوصفها الإطار الجامع لمواجهة الحوثيين، وضبط السلاح، وإنهاء التشكيلات الموازية، وإعادة بناء الاقتصاد.
2. توحيد قرار مجلس القيادة
لا يمكن لأي مسار سياسي أو عسكري أن ينجح في ظل انقسام مجلس القيادة. لذلك يجب إعادة ضبط عمل المجلس وفق قواعد واضحة تمنع تعطيل القرار السيادي أو تحويله إلى ساحة تنازع إقليمي.
3. معالجة أزمة حضرموت والمهرة كملف سيادي
ينبغي التعامل مع حضرموت والمهرة باعتبارهما اختبارًا لوحدة الدولة، لا مجرد أزمة محلية. ويجب دعم سلطة الدولة، إخراج القوات الوافدة، ومنع أي إجراءات أحادية.
4. تحويل الاقتصاد إلى أولوية أمن قومي
الرواتب، العملة، الكهرباء، الوقود، والإيرادات لم تعد قضايا خدمية، بل عناصر استقرار أو انهيار. لذلك يجب ربط الإصلاح الاقتصادي بخطة سياسية وأمنية واضحة.
5. بناء استراتيجية يمنية للبحر الأحمر
لا يكفي الاعتماد على الضربات أو التحالفات الدولية. يجب أن تمتلك الحكومة اليمنية رؤية وطنية لأمن البحر الأحمر وباب المندب تربط السيادة اليمنية بالأمن الدولي.
6. ربط التسوية بنزع السلاح
أي تسوية سياسية لا تتعامل مع سلاح الحوثيين والتشكيلات المسلحة خارج الدولة ستكون تسوية شكلية وقابلة للانهيار.
7. تدويل ملف المختطفين والعاملين الإنسانيين
استهداف الحوثيين للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية يجب أن يتحول إلى ملف دولي ضاغط، لا أن يبقى مجرد بيانات إدانة.
8. إعادة بناء العلاقة مع التحالف
أحداث ديسمبر تشير إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة والتحالف، بما يحمي السيادة اليمنية ويمنع تعدد مراكز النفوذ داخل البلاد.
الخلاصة النهائية
يؤكد الحصاد السنوي لرصد 2025 أن اليمن دخل مرحلة أكثر تعقيدًا من السنوات السابقة. فالبلاد لم تعد تواجه انقلاب الحوثيين فقط، بل تواجه أيضًا خطر تآكل الشرعية من الداخل، وتعدد مراكز القرار، وانكشاف الاقتصاد، وتضارب الأجندات الإقليمية، وتصاعد الأزمات المحلية في المحافظات الشرقية.
ومع أن العام شهد تحركات دولية واسعة، وضغوطًا عسكرية وسياسية على الحوثيين، ودعمًا معلنًا للحكومة ووحدة اليمن، إلا أن كل ذلك لم ينتج تحولًا حاسمًا بسبب غياب مركز وطني موحد قادر على تحويل الدعم الخارجي إلى قوة داخلية منظمة.
لذلك، فإن الدرس الأبرز من عام 2025 هو أن استعادة الدولة يجب أن تكون العنوان المركزي لأي سياسة يمنية أو إقليمية أو دولية في عام 2026. فبدون دولة موحدة القرار، واضحة المرجعيات، قادرة على ضبط السلاح، ودفع الرواتب، وتقديم الخدمات، وحماية السيادة، ستظل كل الجهود الأخرى مجرد إدارة مؤقتة لأزمة مفتوحة.
