إعادة هندسة البحر الأحمر: التداعيات الجيوسياسية للشراكة الإسرائيلية–الإماراتية

جيوبولتك | 8 يناير 2026 19:02
إعادة هندسة البحر الأحمر: التداعيات الجيوسياسية للشراكة الإسرائيلية–الإماراتية

 

 

مقدمة

تشهد منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي تحولاً جذرياً، وتفككاً هيكلياً في البنى الأمنية التي سادت لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. لقد انهار التوازن الهش الذي حكم المنطقة، ليحل محله نظام أمني جديد، أكثر تقلباً وتنافساً، مدفوعاً بتلاقي المصالح الاستراتيجية لمحور إماراتي-إسرائيلي خطير. هذا المحور، الذي تجاوز حدود التطبيع الدبلوماسي إلى شراكة أمنية عميقة، أطلق سلسلة من التحركات المتسارعة التي بدأت في إعادة تعريف موازين القوى والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.

تاريخياً، عمل البحر الأحمر كـ "تماس" بين نظامين أمنيين متمايزين: نظام الشرق الأوسط في الشمال والشرق، ونظام القرن الإفريقي في الغرب. ومع ذلك، فإن أحداث 2024-2025 دمجت هذين النظامين في "مجمع أمني للبحر الأحمر" واحد ومترابط للغاية.

 في هذا المسرح، يسود "تأثير الفراشة"؛ فقرار دبلوماسي في هرجيسا يطلق أزمة سياسية في عدن، ويخلق اضطرباً في أسواق الخليج، مما يستدعي بدوره انتشاراً عسكرياً في إسلام أباد.

تقوم هذه الورقة بتقييم الأبعاد الاستراتيجية لخطوتين محوريتين ضمن هذه الاستراتيجية: الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بـ "أرض الصومال"، وتزامنه مع الدفع بمشروع انفصال جنوب اليمن. كما تحلل التداعيات الوجودية لهذه التحركات على الأمن القومي للمملكة العربية السعودية والمنظومة العربية ككل، ويسلط الضوء على التحالفات المضادة التي بدأت الرياض في بنائها لمواجهة هذا الواقع الجيوسياسي الجديد.

 لم تعد هذه الأحداث معزولة، بل أصبحت فصولاً مترابطة في صراع أوسع على النفوذ، والتحكم في الشرايين التجارية العالمية، ورسم خارطة أمنية جديدة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. ومع تفكك النظام القديم، بدأ يتشكل محور استراتيجي جديد يعيد هندسة المنطقة.

 

أولاً: المحور الإماراتي-الإسرائيلي: النشأة والأهداف الاستراتيجية للسيطرة على الممرات البحرية

يُعرَّف السياق الاستراتيجي بالتراجع الملحوظ للقوة الأمريكية، حيث عجز تحالف "حارس الازدهار" بقيادة الولايات المتحدة عن تقويض القدرات البحرية للحوثيين بشكل حاسم في 2024 و2025 ما تسبب في خلق فراغ.

استنتجت القوى الإقليمية أن واشنطن إما غير راغبة أو غير قادرة على فرض النظام في السواحل، وتشير وثائق "مشروع 2025" والخطاب الصادر عن إدارة ترامب إلى نهج "توازن خارجي" (Offshore Balancing) قائم على الصفقات، مما يشجع دول المنطقة على التصرف كشرطة لأنفسهم، وهذا سرع التدافع على القواعد والشركاء، حيث تسارع الأطراف لفرض حقائق على الأرض قبل تبلور سياسة أمريكية تجاه القضايا، وهو ما منح الإمارات وإسرائيل فرصة لخلق واقع جديد يفرض على دول المنطقة.[1]

إن نشوء محور تعاون إماراتي-إسرائيلي، غير معلن في تفاصيله، ولكنه فعال على الأرض، يمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز بكثير "اتفاقيات أبراهام" الدبلوماسية، ويمتد هذا المحور إلى تنسيق عسكري واستخباراتي عميق يهدف إلى فرض سيطرة ونفوذ على الممرات الملاحية الحيوية الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر، مع تركيز خاص على مضيق باب المندب.

تهدف هذه الاستراتيجية البحرية (Thalassocracy) إلى تحقيق هدفين متوازيين: أولاً، مواجهة التهديدات التي تمثلها إيران ووكيلها الحوثي لأمن الملاحة؛ وثانياً، تحقيق أهداف اقتصادية وجيوسياسية تضمن لأبوظبي وتل أبيب دوراً محورياً في أمن التجارة والطاقة العالميين.

لقد انتقلت العلاقة من مجرد تطبيع إلى شراكة أمنية فاعلة، تتجلى بوضوح في تحركين متزامنين على جانبي خليج عدن:

 

  1. الاعتراف بـ "أرض الصومال": قاعدة إسرائيل المتقدمة في القرن الأفريقي

لم يكن إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 اعترافها الرسمي بـ "أرض الصومال" كدولة ذات سيادة مجرد خطوة دبلوماسية رمزية، بل كان تتويجاً لشهور من الجهود الاستخباراتية والدبلوماسية المكثفة، التي تمت بوساطة إماراتية فاعلة.

الهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة يتجاوز مجرد كسب حليف جديد؛ إنه يهدف بالدرجة الأولى إلى تأمين موطئ قدم عسكري واستخباراتي متقدم لإسرائيل في واحدة من أكثر النقاط الجغرافية حساسية في العالم، يقول تحالف أبوظبي/تل أبيب إن هدفها مراقبة وردع التهديدات الحوثية والإيرانية بشكل مباشر وفعال؛ لكن هذا التبرير هو غطاء ليفرض طوق النار ليس فقط على ضفتي باب المندب بل على الأمن القومي للمملكة العربية السعودية ومصر ومعظم الدول المطلة على البحر الأحمر ووضعها تحت هيمنة التحالف الجديد.

إن تحويل "أرض الصومال" من كيان منسي على خريطة القرن الأفريقي إلى حجر زاوية في استراتيجية الأمن البحري الإسرائيلي الجديدة، يعيد تشكيل الديناميكيات الأمنية في جنوب البحر الأحمر بشكل جذري، وتشير التحليلات المستقاة من الصحافة الإسرائيلية وتقارير مراكز الأبحاث إلى أن "إعلان إسرائيل" يتضمن بنوداً غير معلنة تتعلق بالتموضع العسكري.

 ففي مقابل الاعتراف والوعود بفتح أبواب واشنطن أمام هرجيسا، حصلت إسرائيل على امتيازات استراتيجية في ميناء بربرة ومطارها، مما يمنح البحرية الإسرائيلية وسلاح الجو موطئ قدم متقدم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يرمي إلى تحويل أرض الصومال إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تكسر العزلة الجغرافية لإسرائيل في البحر الأحمر، وتمنحها أدوات مباشرة لضرب خصومها والضغط على تركيا والسعودية ومصر ودول المنطقة لتمرير سياساتها، بتنسيق وثيق مع حليفتها الإقليمية الإمارات العربية المتحدة،وهذا التواجد يتيح لإسرائيل:

  • مراقبة العمق الاستراتيجي: القدرة على رصد التحركات البحرية في خليج عدن والمحيط الهندي، خاصة تلك المرتبطة بإيران وباكستان، وتركيا، وهي أيضاً حاجة أمريكية لمراقبة الملاحة في المحيط الهندي للصين، وموطئ قدم قرب القواعد العسكرية في مضيق باب المندب خاصة التركية.
  • قاعدة عسكرية: إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال (ربما في بربرة أو زيلع) لتكون "حاملة طائرات غير قابلة للغرق" في جنوب خليج عدن[2].
  • عمليات ضد الحوثيين: تعتبر إسرائيل أن القرب الجغرافي لأرض الصومال من السواحل اليمنية (حوالي 300-500 كم) يمنحها ميزة عملياتية هائلة لم تكن تتوفر لها من قواعدها البعيدة في إيلات، هذا الموقع يسمح بنشر رادارات متقدمة ومنظومات إنذار مبكر لكشف الصواريخ والمسيرات الحوثية في مرحلة الانطلاق، مما يسهل اعتراضها بفعالية أكبر، كما توفر القواعد في بربرة منصات انطلاق لفرق الكوماندوز البحري والطائرات المسيرة لتنفيذ ضربات جراحية ضد البنية التحتية العسكرية في اليمن دون الحاجة لرحلات طيران طويلة ومعقدة.

إن هذا التواجد العسكري يغير المعادلة الاستراتيجية في جنوب البحر الأحمر، ويمنح إسرائيل قدرة على العمل المستقل بعيداً عن ضغوط التحالفات الدولية المترددة.

  • التحكم في الممرات: تعزيز القدرة على تهديد خطوط الملاحة التجارية المتجهة إلى قناة السويس؛ والتأثير على التجارة الخليجية خاصة النفطية.
  • اتفاقيات التطبيع وتقسيم الدول: تم وضع هذا الاعتراف في إطار روح اتفاقيات أبراهام، مع سعي إسرائيل لضم أرض الصومال رسمياً إلى هذه الاتفاقيات، مما يمنح إسرائيل شرعية أوسع في منطقة القرن الإفريقي[3]. وترى دول المنطقة أن الهدف الإسرائيلي هو إضعاف الدول العربية والمركزية عبر تشجيع الحركات الانفصالية، مما يهدد بـ "بلقنة" المنطقة وتفتيتها إلى دويلات هشة.[4]

يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي كنسخة محدثة من "عقيدة المحيط" (Periphery Doctrine) التي صاغها ديفيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت تهدف إلى التحالف مع الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي (تركيا، إيران الشاه، إثيوبيا). في نسخة 2025، تتجه إسرائيل نحو "الكيانات ما دون الدولة" (Sub-state actors) التي تمتلك مقومات الدولة الفاشلة أو المناطق الانفصالية التي تبحث عن شرعية دولية[5].

ترى تل أبيب في أرض الصومال نموذجاً مثالياً لهذه الاستراتيجية: كيان مستقر نسبياً، ذو موقع جغرافي حيوي، معزول دبلوماسياً، وبحاجة ماسة إلى حليف قوي لا يخشى تجاوز الإجماع الدولي، ومن خلال منح الشرعية لهذا الكيان، تخلق إسرائيل "دولة وظيفية" تدين لها بالفضل، وتكون بمثابة قاعدة متقدمة لخدمة المصالح الإسرائيلية في منطقة معادية تاريخياً.

إقليمياً أثار الاعتراف الإسرائيلي ردود فعل إقليمية حادة، واعتبرتها مقديشو عدواناً مباشراً، ويهدف إلى "زعزعة استقرار المنطقة"[6]، وأبدت كلاً من السعودية وبقية دول مجلس التعاون (باستثناء الإمارات) ومصر وتركيا وباكستان، وهي دول حليفة بشكل رئيسي للولايات المتحدة، معارضتهما الشديدة لهذه الخطوة، لما تمثله من تهديد للتوازن الدقيق في القرن الأفريقي.

أما الحوثيون، فقد أعلنوا بوضوح أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيُعتبر "هدفاً عسكرياً مشروعاً"، مما ينذر بتصعيد خطير في المنطقة ويزيد من عسكرة الممرات المائية.

على الصعيد الدولي، أحدث القرار غضباً دولياً حاداً تجلى في جلسة مجلس الأمن الطارئة في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث ظهرت إسرائيل شبه معزولة دبلوماسياً، حيث أدانت المجموعة العربية والاتحاد الأفريقي الخطوة باعتبارها انتهاكاً لسيادة الصومال وتهديداً قد يفتح "صندوق باندورا" للحركات الانفصالية في عموم القارة الأفريقية[7] من بيافرا في نيجيريا إلى أمبازونيا في الكاميرون.

في حين وقفت الولايات المتحدة وحيدة في الدفاع الضمني عن الخطوة الإسرائيلية، أعربت دول مثل فرنسا وجيبوتي عن قلقها من تدهور الاستقرار الإقليمي ومزاحمة نفوذها التقليدي[8]، ويُنظر إلى هذا الاعتراف كجزء من استراتيجية "إسرائيل الكبرى" التي تسعى لتجاوز الجوار العربي المباشر والوصول إلى الدائرة الثالثة في القرن الأفريقي.

 

  1. مشروع انفصال جنوب اليمن: الذراع البري للمحور البحري

يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن وجمهورية أرض الصومال وجهين لعملة واحدة في الاستراتيجية الإقليمية (الإماراتية/إسرائيل) الجديدة التي تهدف لإعادة رسم الحدود، ويرى قادة المجلس الانتقالي في "نموذج هرجيسا" خارطة طريق يمكن استنساخها لنيل الاعتراف الدولي وفرض واقع الانفصال في عدن، وكلا الكيانين يشتركان في ذات التحديات الهيكلية؛ حيث يسيطران على الأرض ويمتلكان قوات عسكرية منظمة لكنهما يفتقدان الاعتراف القانوني، مما يجعلهما حلفاء طبيعيين في مشروع البحث عن الشرعية مقابل تقديم تنازلات استراتيجية.

 هذا التماثل دفع ببعض الأجنحة داخل الانتقالي -بمن فيهم رئيس المجلس عيدروس الزُبيدي) إلى تكثيف التواصل مع دوائر صهيونية وغربية لتقديم أنفسهم كشركاء في حماية الممرات المائية.[9]

لذلك بالتوازي مع التحرك في القرن الأفريقي، كان الذراع الآخر للمحور الإماراتي-الإسرائيلي يعمل على إعادة تشكيل الضفة المقابلة من خليج عدن.

 إن الدعم الإماراتي المستمر للمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن لا يمكن فهمه بمعزل عن الاستراتيجية الأوسع للمحور، فالسيطرة التي فرضتها قوات المجلس الانتقالي في ديسمبر/كانون الأول 2025 على محافظات حضرموت والمهرة الاستراتيجيتين لم تكن مجرد حلقة في الصراع اليمني الداخلي، بل كانت أقرب إلى عملية "تسليم" منسقة ومدروسة، تهدف إلى خلق كيان جنوبي منفصل وموالٍ بالكامل لأبوظبي[10].

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، كان هذا التحرك بمثابة ضربة قاصمة، فقد أدى إلى تراجع نفوذها بشكل كبير في الملف اليمني، واضطرت إلى سحب قواتها من عدن ومطارها، أما الرياض التي عارضت الهجوم ووصفته بأنه "تصعيد غير مبرر" تم "بشكل أحادي"، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع حليفها الإماراتي ووكلاؤه على الأرض.

في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، شنت الرياض غارات جوية على مواقع المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، مما حول الخلاف السياسي إلى صدام عسكري مباشر وكشف عن انهيار وحدة التحالف الأصلي وعمق الشعور بـ "التطويق الاستراتيجي" الذي تواجهه المملكة.

أما الهدف الإماراتي، فكان واضحاً: ترسيخ واقع انفصال الجنوب وإنشاء كيان سياسي موالٍ لها يسيطر على الموانئ الاستراتيجية والجزر الحيوية المطلة على خليج عدن وباب المندب، ومن خلال دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، تضمن أبوظبي سيطرتها على شريان بحري حيوي، وتؤسس لدولة وكيلة تخدم مصالحها من جهة، والتأثير على الأمن القومي للمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان المجاورتين ووضعهما تحت الضغط لتمرير سياستها وحليفتها "إسرائيل من جهة أخرى.

يروج الانتقالي لنفسه أمام الغرب وإسرائيل كقوة علمانية قادرة على لجم الإرهاب والتطرف الحوثي وحماية الملاحة الدولية في الضفة الشمالية لباب المندب[11]. هذا الخطاب يهدف لإغراء تل أبيب بمنحها شريكاً عربياً يسيطر على موقع جيوسياسي حساس، مما يكمل طوق الحماية الاستراتيجي الذي تبنيه إسرائيل/الإمارات في المنطقة. هذا النهج لا يقتصر على كونه مجرد مناورة سياسية، بل يكشف عن تقاطع عميق بين المشروع الانفصالي في الجنوب والرؤية الإماراتية-الإسرائيلية لأمن المنطقة، حيث يصبح الكيان الجنوبي الجديد حلقة وصل في محور أمني واقتصادي يمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي، والذي في حال قيامه لن تكون كياناً مستقلاً بالمعنى الكامل، بل ستصبح جزءاً وظيفياً من الشبكة الأمنية للمحور الإماراتي-الإسرائيلي، وهذا الكيان سيسيطر على السواحل والموانئ الحيوية مثل عدن، وسيكمل شبكة القواعد العسكرية واللوجستية التي بنتها الإمارات وإسرائيل في المنطقة. 

 

  1. شبكة السيطرة: القواعد العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية

تعمل الإمارات على بناء سلسلة من القواعد العسكرية، والموانئ التجارية، والنقاط الاستخباراتية التي تمتد من السواحل الهندية والباكستانية، مروراً بمضيق هرمز، وسقطرى، وباب المندب، وصولاً إلى القرن الإفريقي[12]، لذلك فإن الرعاية الإماراتية-الإسرائيلية للحركات الانفصالية لا تقتصر على الدعم السياسي والمالي، بل ترتكز على بنية تحتية عسكرية واستخباراتية هائلة تم بناؤها بدقة على مدى السنوات الماضية، لقد أنشأت الإمارات ما يمكن وصفه بـ "حلقة سيطرة" تتكون من شبكة من القواعد العسكرية واللوجستية والاستخباراتية التي تمتد من أرخبيل سقطرى في المحيط الهندي، مروراً بميناء المخا وجزيرة ميون (بريم) في باب المندب، وصولاً إلى سواحل القرن الأفريقي في بربرة (أرض الصومال) وبوصاصو (بونتلاند).

  • مشروع الكرة البلورية: هذه الشبكة، التي تشرف عليها أبوظبي، تمنحها سيطرة فعلية على واحد من أكثر الممرات الملاحية حساسية في العالم، ولكن الأهم من ذلك هو التورط الإسرائيلي المباشر في تصميم وتشغيل هذه المنظومة.

تؤكد تقارير استخباراتية وجود ضباط وخبراء فنيين إسرائيليين في جزيرة سقطرى، حيث تم تركيب أنظمة رادار ومراقبة إلكترونية إسرائيلية متطورة، وتتيح هذه الأنظمة للمحور الإماراتي-الإسرائيلي مراقبة تحركات الحوثيين في الزمن الحقيقي، وامتلاك قدرة إنذار مبكر ضد أي تهديدات صاروخية أو بحرية.

يصل التعاون الاستخباراتي إلى ذروته من خلال غرفة عمليات مشتركة أطلق عليها "الكرة البلورية" "Crystal Ball.  

من خلال هذه المنصة، تتبادل أبوظبي وتل أبيب البيانات التي يتم جمعها من الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار وأنظمة المراقبة الإلكترونية، بهدف "تصميم ونشر وتعزيز القدرات الاستخباراتية الإقليمية لدعم أمن الطاقة والتجارة الدولية"، حسب ما ورد في وثائق ترويجية سرية[13].

تمتد وظيفة هذه الشبكة إلى ما هو أبعد من مجرد المراقبة البحرية لتصبح أداة لاستعراض القوة، فالقواعد في بربرة وبوصاصو لا تعمل فقط لرصد الأنشطة البحرية، بل تشكل أيضاً مركزاً لوجستياً حيوياً يهدف إلى استعراض النفوذ الإماراتي في عمق القارة، مما يمكنها بشكل مباشر من دعم قوات الدعم السريع (RSF) في السودان.

هذا الامتداد يحول ما يبدو كشبكة دفاعية إلى أداة جيوسياسية هجومية، مما يرسخ دور الإمارات كقوة عابرة للأقاليم بأذرع فاعلة في غرب آسيا والقرن الأفريقي. وتملك إسرائيل إمكانية ضرب قناة السويس بالتأثير على الأمن في مضيق باب المندب، وجعله منطقة توتر دائمة.

  • تهيئة الأرض لإسرائيل في محيط السعودية: تُظهر خارطة النفوذ الإماراتي نمطاً واضحاً من "التهيئة" للتواجد الإسرائيلي حول المملكة العربية السعودية.

إن دعم المجلس الانتقالي للسيطرة على حضرموت والمهرة يضع حدود السعودية الجنوبية تحت سيطرة قوة حليفة لإسرائيل، مما يفقد المملكة ميزة "الجوار الآمن" ويجعلها عرضة للابتزاز الأمني[14]، كما أن رعاية التطبيع بين إسرائيل وأرض الصومال، وفتح سقطرى أمام الخبراء الإسرائيليين، يكمل طوقاً بحرياً يحيط بالمملكة من مضيق هرمز إلى قناة السويس، وهذا الطوق يقلص من النفوذ السعودي التقليدي ويجبر الرياض على التعامل مع واقع أمني جديد تكون فيه تل أبيب "شريكاً" إجبارياً في أمن الملاحة.

 

  1. وحدة الساحات (الإسرائيلية/الإماراتية)

لم تكن أحداث نهاية 2025 عشوائية، إن التزامن الدقيق بين الهجوم العسكري للمجلس الانتقالي في حضرموت، والاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، وتكثيف تحركات الدعم السريع في السودان، يشير إلى "غرفة عمليات مشتركة"، أو على الأقل تنسيق استراتيجي عالي المستوى لتسريع فرض الأمر الواقع قبل أي تغييرات في الإدارة الأمريكية، أو تحولات في المشهد الدولي، يمكن الإشارة إليها بوحدة الساحات بالاستعاضة بالمحور الإيراني الذي أوجده داخل محور المقاومة.

تترابط الساحات في كل من اليمن والقرن الأفريقي بشكل وثيق مع ما يجري في ليبيا والسودان، حيث يبرز في هذه المناطق نشاط واضح لنفس القوى الراعية المتمثلة في الإمارات وإسرائيل، مع الاعتماد على أدوات متشابهة تعتمد على المرتزقة والميليشيات العابرة للحدود.

وفي المشهد الليبي، يشكل المشير خليفة حفتر ونجله صدام الركيزة الأساسية لهذا المحور في شمال أفريقيا، إذ تحولت المناطق الخاضعة لسيطرتهما في شرق وجنوب البلاد إلى "منطقة ترانزيت" حيوية تُستخدم لنقل الأسلحة والوقود والمقاتلين القادمين من الإمارات وروسيا باتجاه قوات الدعم السريع في السودان.

وفي إطار هذا النفوذ، يبرز لواء "طارق بن زياد" بقيادة صدام حفتر كذراع عسكرية ضاربة، حيث يواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب واستغلال أصول الدولة، بما في ذلك السطو على البنك المركزي في بنغازي، لتأمين التمويل اللازم لعمليات المحور. وبالتوازي مع هذا الدور العسكري، انخرط صدام حفتر في مسار تطبيع سري عبر زيارات غير معلنة إلى تل أبيب بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، سعياً للحصول على دعم عسكري ودبلوماسي مقابل وعود بتطبيع مستقبل؛ وهو ما تكلل بتزويد إسرائيل لقوات حفتر بمعدات قنص وأجهزة رؤية ليلية وطائرات مسيرة عززت من قدراتها الميدانية.

أما في السودان، فتمثل قوات الدعم السريع بقيادة "حميدتي" النموذج المثالي لمفهوم "الدولة الميليشيا" التي تحظى برعاية إماراتية تهدف إلى تقويض مؤسسة الجيش الوطني، وتعتمد هذه القوات في استمرار عملياتها على نظام تمويل ذاتي يتجاوز قنوات الدولة الرسمية، من خلال السيطرة على مناجم الذهب في "جبل عامر" وتصديره عبر مطارات تسيطر عليها الميليشيا مباشرة إلى دبي.

كما تستفيد قوات الدعم السريع من خطوط إمداد متطورة للأسلحة النوعية، بما في ذلك مضادات الطيران والمسيرات التي تصلها عبر تشاد وليبيا، في حين يستمر التواصل الإسرائيلي مع حميدتي الذي يسوق نفسه كحائط صد ضد الجماعات الإسلامية، مما مكنه من الحصول على تقنيات تجسس إسرائيلية متطورة رغم العلاقات الرسمية القائمة بين إسرائيل وقيادة الجيش السوداني.

بناء هذا المحور المعقد، بأبعاده السياسية والعسكرية والاستخباراتية، يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي للقوى الإقليمية الكبرى، مما يفرض عليها إعادة حساباتها الاستراتيجية بالكامل.

 

ثانياً: تفتيت اليمن وخطره على الأمن القومي السعودي

بالنسبة للرياض، يُعتبر مشروع انفصال جنوب اليمن، بصيغته الحالية المرتبطة بالمحور الإماراتي-الإسرائيلي، تهديداً استراتيجياً خطيراً يتجاوز بكثير مجرد تداعيات الصراع اليمني الداخلي.

لا يُنظر إلى هذا المشروع في دوائر صنع القرار في السعودية كخطوة حليفة لمواجهة الحوثيين، بل كعملية "تطويق استراتيجي" ممنهجة تهدف إلى العمل لصالح كيان منافس، أو حتى معادٍ، على حدودها الجنوبية مباشرةً.

 إن نجاح هذا المشروع يعني حرمان المملكة من عمقها الاستراتيجي في شبه الجزيرة العربية، وتقويض نفوذها التاريخي، ووضعها في مواجهة "معضلة أمنية" (Security Dilemma) كلاسيكية، حيث أن التحركات التي يقوم بها حليف اسمي (الإمارات) باتت تشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

  1.  الرابط الوظيفي بين مشروع الانفصال والمشروع الإسرائيلي

إن ما يثير قلق الرياض بشكل خاص هو الرابط الوظيفي والتشغيلي المباشر بين مشروع انفصال الجنوب، والأجندة الأمنية الإسرائيلية، فالأدلة المتراكمة تشير إلى أن هذا ليس مجرد تقاطع عابر للمصالح، بل هو تنسيق استراتيجي عميق يهدف إلى إعادة هندسة أمن المنطقة. يتجلى هذا التنسيق في شبكة القواعد العسكرية والاستخباراتية المشتركة التي تنتشر من جزيرة سقطرى في المحيط الهندي إلى سواحل القرن الأفريقي، حيث تم تركيب أنظمة رادار ومراقبة إلكترونية إسرائيلية متقدمة.

إن وجود المنصة الاستخباراتية المشتركة "الكرة البلورية"، يشير إلى أن وجود دولة على جنوب المملكة، إضافة إلى الصومال والسودان، موالية بالكامل لأبوظبي سيمنح هذه الشبكة عمقاً استراتيجياً غير مسبوق على الشاطئ الجنوبي للبحر الأحمر، مما يمكن إسرائيل من مراقبة وتطويق دول المنطقة بشكل كامل وفعال.

بهذا المعنى، لم تعد الإمارات، من وجهة نظر معظم دول الإقليم، فاعلاً مستقلاً، بل أصبحت تؤدي "وظيفة إقليمية تخدم مشروعاً إسرائيلياً" أوسع.

هذا المشروع لا يقتصر على مواجهة الحوثيين، بل يهدف إلى تحويل جنوب شبه الجزيرة العربية إلى ساحة نفوذ دائمة لإسرائيل، مما يغير بشكل جذري معادلات القوة والأمن في المنطقة على المدى الطويل.

 

  1. تداعيات الانفصال: من التطويق الاستراتيجي إلى انعدام الاستقرار الدائم

في حال نجاح "محور الانفصاليين/ الفاعلين من غير الدول" بهذه الصيغة، ستكون العواقب المباشرة على الأمن القومي السعودي وخيمة. أولاً، سيؤدي ذلك إلى تطويق المملكة براً وبحراً من قبل محور منافس يسيطر على الممرات البحرية الحيوية جنوباً. ثانياً،سيضع حدودها الجنوبية الطويلة والممتدة على مسافة 600 كيلومتر تحت رحمة كيان سياسي وعسكري مدعوم من خصوم استراتيجيين، مما يخلق حالة من انعدام الاستقرار الدائم على خاصرتها الرخوة.

لقد كان رد فعل الرياض على تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر/كانون الثاني 2025 دليلاً قاطعاً على أنها تعتبر هذا السيناريو تجاوزاً للخطوط الحمراء وتهديداً وجودياً، فقد أصدرت المملكة بياناً رسمياً وصفت فيه التحركات بأنها "تصعيد غير مبرر" تم "بشكل أحادي"، وطالبت بانسحاب فوري لقوات المجلس الانتقالي، وعندما لم تتم الاستجابة لهذه المطالب، قامت القوات الجوية السعودية بقصف شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا وتوجيه الاتهام المباشر للإمارات على اعتبار أن "الأمن القومي للمملكة خط أحمر"، وهو اتهام نادر بين دول مجلس التعاون الخليجي، ما أدى إلى خروج الإمارات وقواتها من اليمن، وتمكن قوات درع الوطن من تحقيق التقدم المباشر واستعادة السيطرة على حضرموت والمهرة وشبوة، مع استمرار الوجود الإماراتي في سقطرى.

يثبت هذا التصعيد العسكري، إلى حجم التهديد الذي استشعرته الرياض، فلم تعد القضية مجرد خلاف حول إدارة الصراع في اليمن، بل تحولت إلى مواجهة مباشرة لمنع إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية بما يضر بمصالحها الحيوية.

في مواجهة هذا التهديد المركب، لم تقف الرياض مكتوفة الأيدي، بل بادرت إلى بناء منظومة تحالفات دفاعية جديدة لحماية مصالحها الحيوية وإعادة التوازن إلى المنطقة.

 

ثالثاً: الاستراتيجية المضادة: الردع السعودي: تحالفات "الضرورة" لكسر الطوق

إدراكاً منها لمخاطر "التطويق الاستراتيجي" أمام هذا المشهد المتسارع، أدركت الرياض أن الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية لم يعد كافياً، وأن "الشراكة" مع بعض الحلفاء الخليجيين باتت تنافسية وربما عدائية، لذلك دشنت السعودية في 2025 استراتيجية "الردع المتعدد" عبر بناء تحالفات نوعية مع القوى السنية الكبرى في الإقليم.

هذه الاستراتيجية الجديدة، التي أُطلق عليها وصف "الدرع السني"، لا تمثل مجرد رد فعل، بل هي تحول نحو تحالف من طبيعة مختلفة جوهرياً، ففي مواجهة المحور الإماراتي-الإسرائيلي البحري (Thalassocratic) الذي يعتمد على مراكز تجارية-عسكرية وجهات فاعلة من غير الدول، بادرت الرياض إلى بناء تحالف بري (Tellurocratic) يرتكز على اتفاقيات دفاعية تقليدية بين الدول تهدف إلى تأمين العمق الاستراتيجي للمملكة، وتهدف إلى إنشاء توازن استراتيجي جديد في المنطقة بقدرات ذاتية وشراكات موثوقة.

في اليمن اتخذت الرياض زمام المبادرة وتحركت ميدانياً برسم "خطوط حمراء" فتحركت القوات اليمنية التي دعمتها ومولتها، لإنهاء طموح المشروع الانفصالي الذي يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

  1. السعودية ومصر: إدراك مبكر

أدركت المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية مبكراً أن صمتهما تجاه التغييرات الجيوسياسية في البحر الأحمر سيعني خسارة نفوذهما التاريخي لصالح المحور الإماراتي-الإسرائيلي، فبدأتا في بناء "جدار صد" دبلوماسي وعسكري مشترك، كما أشارت تقارير إلى تنسيق استخباراتي مصري-سعودي لدعم قوات "درع الوطن" في اليمن لضمان عدم سقوط المناطق الحيوية بيد الانفصاليين.[15]

كما أن استمرار وتكثيف المناورات العسكرية يعكس رغبة مصرية-سعودية في الحفاظ على هوية البحر الأحمر كـ"بحيرة عربية" ومنع تدويله أو "أسرلته"[16].

من جهتها، كثفت مصر من حضورها العسكري في القرن الأفريقي عبر اتفاقيات دفاع مشترك مع الصومال (مقديشو)، وتقديم دعم عسكري مباشر لمواجهة الأطماع الإثيوبية والإسرائيلية في "أرض الصومال"؛ وتتشارك مع المملكة دعم الدولة الوطنية في السودان وليبيا ضد الميليشيات المدعومة من الإمارات.

 القاهرة ترى في إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في بربرة تهديداً وجودياً لقناة السويس، وتعتبر أن حماية وحدة الصومال واليمن هي الضمانة الوحيدة لمنع نشوء مسارات تجارية بديلة تهدف لضرب الاقتصاد المصري، ولذلك فمن المتوقع أن التنسيق المصري-السعودي اليوم يمر بأعلى مستوياته التاريخية لحماية "البوابة الجنوبية" للعرب.

 

  1.  السعودية وباكستان: ورقة الردع النووي الضمني

بالتزامن مع التحرك الميداني، عززت السعودية تحالفها العسكري مع باكستان في سبتمبر/أيلول 2025، وهي الخطوة التي وصفت بـ "الزلزال النووي"، حيث وضعت إسلام آباد قدراتها الدفاعية والردعية تحت تصرف المملكة في حال تعرضها لعدوان خارجي.

 هذا التحالف يهدف إلى موازنة "التفوق التكنولوجي" الإسرائيلي في المنطقة وإرسال رسالة لكل من إيران وإسرائيل بأن الرياض تمتلك عمقاً استراتيجياً وقوة ردع تتجاوز حدود الجغرافيا العربية، مما يحد من قدرة الخصوم على ابتزاز المملكة في ملف أمن الملاحة[17]، كما تعيد الاتفاقية ربط أمن الخليج بأمن جنوب آسيا، مما يخلط أوراق القوى التي تسعى للاستفراد بالمنطقة.

يتجاوز هذا الاتفاق علاقات الرياض التاريخية ذات الطبيعة التجارية مع إسلام آباد -والتي غالباً ما كانت تقتصر على المساعدات المالية مقابل الدعم العسكري- ليؤسس التزاماً رسمياً ومؤسسياً يماثل بند الدفاع المشترك في حلف الناتو، مما يغير البنية الاستراتيجية للمنطقة بشكل جذري. وقد تبدد أي شك حول عمق هذا الالتزام عندما صرح وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، بأن "أي عدوان على أي من البلدين سيعتبر عدواناً على كليهما"، مؤكداً أن قدرات باكستان "ستكون متاحة تماماً" للمملكة.

يُفسر هذا التصريح بشكل واسع على أنه يضع الرياض تحت "مظلة نووية" باكستانية ضمنية، فباكستان هي الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وهذه الاتفاقية، التي تشبه في صياغتها المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، تغير معادلة الردع في المنطقة بشكل جذري،  فهي لا توجه رسالة إلى إيران التي تقف على عتبة القدرة النووية فحسب، بل أيضاً إلى إسرائيل، القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط.

لم تعد الرياض تعتمد فقط على الردع التقليدي، بل أضافت إلى ترسانتها ورقة ردع نفسي واستراتيجي هائلة.

هذا التحالف لا يهدف إلى المبادرة بالعدوان، بل إلى منع أي طرف من التفكير في شن هجوم استراتيجي على المملكة، مدركاً أن تكلفة مثل هذا الهجوم قد تكون كارثية.

 

  1.  السعودية وتركيا: تقارب لتعزيز القدرات البحرية والعسكرية التقليدية

لاستكمال الردع الاستراتيجي الذي يوفره التحالف مع باكستان، عملت الرياض على تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية، خاصة في المجالين البحري والجوي، من خلال التقارب مع قوتين إقليميتين محوريتين: تركيا ومصر.

 لقد تجاوزت المملكة الخلافات السياسية السابقة مع أنقرة من أجل الوصول إلى قاعدتها الصناعية الدفاعية المتقدمة، خاصة في مجال الطائرات المسيرة والفرقاطات البحرية.

ويتجلى هذا التقارب في مناورات "شرق المتوسط 2025" (Dogu Akdeniz 2025)، وهي واحدة من أكبر المناورات البحرية التي تقودها تركيا، حيث شهدت مشاركة وحدات بحرية وجوية سعودية وباكستانية في مناورات ضخمة، حيث ركزت التدريبات على حروب الغواصات، والإنزال البرمائي، وحماية خطوط الملاحة، في رسالة واضحة حول قدرة الدول الثلاث على تشكيل قوة بحرية مشتركة قادرة على العمل في البحر الأحمر والمتوسط[18].

كما أن التعاون المكثف في توطين الطائرات المسيرة مثل (بيرقدار وأقينجي) والأنظمة الصاروخية يمنح السعودية استقلالية نسبية في التسلح، ويقلل من قدرة الغرب أو إسرائيل على ممارسة ضغوط تقنية عليها.[19]

إن هذا التحرك نحو تنويع الشركاء ومصادر السلاح يعكس استراتيجية سعودية جديدة تهدف إلى بناء منظومة أمنية متعددة الأقطاب، قادرة على حماية مصالحها بمعزل عن تقلبات السياسة الأمريكية أو طموحات الحلفاء الإقليميين.

كم أن تركيا حليف استراتيجي للصومال الموحد، حيث وفرت الغطاء الجوي والتقني للجيش الصومالي لمنع أي انفصال واقعي مدعوم من تل أبيب وأديس أبابا، وهذا التقاطع في المصالح بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلق "محوراً رباعياً" غير معلن يهدف إلى حماية السيادة الوطنية لدول المنطقة ومنع تحول البحر الأحمر إلى "بحيرة إسرائيلية".

هذا التحالف يسعى لإفشال "لعبة الكراسي الموسيقية" الإسرائيلية عبر تعزيز قدرات الدول المركزية وفرض قواعد اشتباك جديدة تمنع المليشيات من التحكم في الممرات المائية.

هذا الصراع بين المحاور المتنافسة يضع إيران ووكيلها الحوثي في موقف استراتيجي معقد، يفرض عليهما إعادة حساباتهما بين استغلال الفرص ومواجهة المخاطر الوجودية.

 

رابعاً: حسابات المحور الإيراني-الحوثي: بين استغلال الفوضى ومواجهة الخطر المشترك

تجد إيران وجماعة الحوثي أنفسهما في قلب مفارقة استراتيجية معقدة. فمن ناحية، يمثل الانقسام العميق والصدام العسكري المباشر بين السعودية والإمارات فرصة تكتيكية لا تقدر بثمن، حيث يتآكل التحالف الذي شُكل لمواجهتهما، لكن من ناحية أخرى، فإن ظهور وجود عسكري واستخباراتي إسرائيلي مباشر ومحتمل على حدودهما الجنوبية، في "أرض الصومال" وجنوب اليمن، يمثل تهديداً استراتيجياً وجودياً قد يجبرهما على إعادة ترتيب أولوياتهما بالكامل، وهذا الواقع الجديد يضعهما بين مطرقة استغلال الفوضى وسندان مواجهة الخطر المشترك.

  1. الاستثمار في الفوضى: الدور الإيراني والحوثي بين الشعارات والاستراتيجية

تجد إيران في الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" مبرراً مثالياً لتوسيع نفوذها في البحر الأحمر تحت غطاء "مكافحة الصهيونية"، حيث تستغل طهران هذا الحدث لتصوير وجودها في اليمن كضرورة قومية وإسلامية.

 الحوثيون، ومن خلفهم طهران، أعلنوا صراحة أن أي قاعدة إسرائيلية في الصومال ستكون هدفاً مشروعاً لصواريخهم ومسيراتهم، مما يحول الصومال واليمن إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، وهو سيناريو يخدم الأجندة الإيرانية في تشتيت الانتباه عن ملفاتها الداخلية وزيادة أوراق الضغط في مفاوضاتها الدولية.

على المستوى الاستراتيجي، لا ترغب إيران في رؤية يمن مستقر أو موحد تحت مظلة عربية، لكنها في ذات الوقت ترفض الانفصال الذي يقوده المجلس الانتقالي المرتبط بالإمارات، خوفاً من خسارة نفوذها في الجنوب.

إيران تعمل على سياسة "عدم الإضعاف" لمحورها، بينما تشجع على حالة الفوضى المنضبطة التي تمنع السعودية من تحقيق نصر سياسي أو عسكري واضح.

إيران تستثمر في "فزاعة" الوجود الإسرائيلي لحشد القبائل اليمنية خلف الحوثيين، محولةً الصراع من صراع على السلطة إلى "معركة وجودية ضد الصهيونية"، مما يطيل أمد الحرب ويعيق أي تسوية.

من جهة أخرى، يرى الحوثيون في التحالف الإماراتي-الإسرائيلي فرصة لتعزيز شرعيتهم كمدافعين وحيدين عن سيادة اليمن وباب المندب، مستغلين حالة التخبط داخل المعسكر المناهض لهم.

إن وجود قواعد إسرائيلية في بربرة أو سقطرى يمنح الحوثيين الضوء الأخضر لمواصلة استهداف الملاحة الدولية بحجة "حصار المحاصر"، ويجعل من الصعب على المجتمع الدولي إدانتهم دون إدانة "الاستفزازات الإسرائيلية" في المنطقة، وهذا التشابك المعقد يخدم الحوثيين في تثبيت سلطتهم في الشمال ويجعل من الجنوب ساحة مكشوفة أمنياً واجتماعياً.

إن الاستراتيجية الإيرانية تهدف إلى تحويل خليج عدن إلى "مضيق هرمز" ثانٍ، حيث تمتلك القدرة على تعطيل الملاحة عبر وكلاء محليين، والاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" قدم لطهران المبرر القانوني والسياسي للتدخل بشكل أعمق في القرن الأفريقي.

 هناك تقارير تتحدث عن محاولات إيرانية لفتح قنوات اتصال مع قوى صومالية معارضة للوجود الإسرائيلي، مما ينذر بتحول الصومال إلى "يمن آخر" تتصارع فيه الإرادات الدولية، وهو ما سيزيد من تعقيد الوضع الأمني للسعودية التي ستجد نفسها محاصرة بحروب الوكالة من كافة الجهات.

في المحصلة، فإن الدور الإيراني والحوثي يعمل على استنزاف القوى العربية عبر استغلال الأخطاء الاستراتيجية لمحور (أبوظبي-تل أبيب). إن غياب رؤية عربية موحدة وحازمة تجاه ملف الانفصال والتدخلات الخارجية سمح لإيران بأن تظهر كـ "المنقذ" للسيادة، وهو وهم يجب تفكيكه عبر استعادة المبادرة السعودية-المصرية لفرض نظام أمني إقليمي يطرد كل التدخلات الأجنبية، سواء كانت إسرائيلية أو إيرانية، ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الموحدة.

إن تفاعل كل هذه القوى والمحاور المتصارعة قد رفع من أهمية وحدة اليمن من قضية داخلية إلى ضرورة استراتيجية للأمن الإقليمي، وهو ما يمثل جوهر الاستنتاج النهائي لهذا التقرير.

 

خاتمة: حتمية بقاء اليمن موحداً كضرورة للأمن القومي العربي والسعودي

في ضوء التحولات العميقة التي تم تحليلها، لم يعد بقاء اليمن موحداً مجرد شأن داخلي أو هدف سياسي، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية قصوى للأمن القومي السعودي والعربي على حد سواء.

إن تجميع خيوط الأحداث يكشف عن حقيقة واضحة: إن مشروع انفصال جنوب اليمن، بشكله الحالي، أصبح جزءاً لا يتجزأ من مشروع جيوسياسي إقليمي تقوده الإمارات وإسرائيل، ويهدف إلى إعادة هندسة البنية الأمنية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي بما يخدم مصالحهما الحصرية.

إن نجاح هذا المشروع يعني، بشكل مباشر، ترسيخ وجود عسكري واستخباراتي إسرائيلي دائم على الخاصرة الرخوة لشبه الجزيرة العربية، وهذا الوجود لن يقتصر على مراقبة إيران ووكلائها، بل سيشكل تطويقاً استراتيجياً للمملكة العربية السعودية، ويقوض دورها كقوة محورية في المنطقة، كما سيمثل تهديداً طويل الأمد لأمن الملاحة في قناة السويس، الشريان الحيوي للاقتصاد المصري.

وبالتالي، فإن الحفاظ على وحدة اليمن، أو على الأقل منع تقسيمه وإنشاء كيان وظيفي موالٍ للمحور الإماراتي-الإسرائيلي، قد انتقل من كونه موقفاً مبدئياً إلى كونه ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لمنع هذا السيناريو الكارثي.

لقد أصبحت وحدة الأراضي اليمنية هي خط الدفاع الأول ليس فقط عن أمن المملكة العربية السعودية وعمقها الاستراتيجي، بل عن منظومة الأمن القومي العربي بأكملها.

إن أي مساس بهذه الوحدة في ظل الظروف الراهنة سيفتح الباب أمام تفكك استراتيجي أوسع يصعب احتواؤه، وسيحول جنوب البحر الأحمر من ممر تجاري عالمي إلى بحيرة تتصارع فيها أجندات القوى الإقليمية والدولية على حساب استقرار ومصالح دول المنطقة.

لقد أصبح مصير اليمن، أكثر من أي وقت مضى، مرتبطاً بمستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

 

مراجع:

[1] Exclusive: Somaliland president says recognition of state 'on the horizon' following Trump talks | Global development | The Guardian ‎

 ، https://www.theguardian.com/global-development/2025/may/30/exclusive-somaliland-president-says-recognition-of-state-on-the-horizon-following-trump-talks

[2] Israel scores strategic win with Somaliland deal, but it comes with risk

https://en.majalla.com/node/328883/politics/israel-scores-strategic-win-somaliland-deal-it-comes-risk

[3]African Union fumes over Israel’s recognition of Somaliland

 https://www.premiumtimesng.com/foreign/845824-african-union-fumes-over-israels-recognition-of-somaliland.html

[4] أعلن انفصاله بشكل أحادي.. لماذا سارعت إسرائيل للاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي؟ | للخبر بقية

https://youtu.be/mNyo_peVKWU?list=TLGGKA0qPd53lZQwNzAxMjAyNg

[5] Somaliland and Israel—Considerations Regarding Recognition and Cooperation - INSS, ، https://www.inss.org.il/publication/somaliland/

[6] Israa'iil oo Somaliland u aqoonsatay dal madax-bannaan ، https://www.dawan.so/news/israaiil-oo-somaliland-u-aqoonsatay-dal-madax-bannaan

Israel becomes first country to recognise Somaliland as sovereign state, ، https://www.theguardian.com/world/2025/dec/26/israel-first-country-to-recognise-somaliland-sovereign-state

[7] African Union rejects 'any recognition of Somaliland' after Israel declaration - Arab News, ، https://www.arabnews.com/node/2627558/world

[8] Israel becomes first country to recognise Somaliland as sovereign state, ، https://www.theguardian.com/world/2025/dec/26/israel-first-country-to-recognise-somaliland-sovereign-state

[9] UAE-backed militia in Yemen reaches out to Israel for alliance ..., https://thecradle.co/articles/uae-backed-militia-in-yemen-reaches-out-to-israel-for-alliance-against-common-foes-report

[10] يمكن الاطلاع على تقدير موقف مركز أبعاد تقدير استراتيجي لمركز أبعاد: سيطرة الانتقالي على شرق اليمن يمثل زلزالاً جيوسياسياً في إطار مشروع الإمارات " عقد اللؤلؤ" واتفاقية" إبراهام" الإسرائيلية

https://abaadstudies.org/activities/topic/60181

[11] Israel, the UAE, and Yemen's South: The Politics of Unlikely Alliances, https://arabcenterdc.org/resource/israel-the-uae-and-yemens-south-the-politics-of-unlikely-alliances/

[12]How the UAE built a circle of bases to control the Gulf of Aden | Middle East Eye ‎https://www.middleeasteye.net/news/uae-yemen-somalia-circle-bases-control-gulf-of-aden

[13] How the UAE built a circle of bases to control the Gulf of Aden https://www.middleeasteye.net/news/uae-yemen-somalia-circle-bases-control-gulf-of-aden

UAE, Israel Ink Pivotal Joint Cyber-Threat Intelligence Agreement https://www.darkreading.com/threat-intelligence/uae-israel-joint-cyber-threat-intelligence-agreement

[14]  Israel, the UAE, and Yemen's South: The Politics of Unlikely Alliances, https://arabcenterdc.org/resource/israel-the-uae-and-yemens-south-the-politics-of-unlikely-alliances/

[15]Egypt closely monitoring Yemen developments, affirms support for unity and sovereigntyhttps://www.egypttoday.com/Article/1/144204/Egypt-closely-monitoring-Yemen-developments-affirms-support-for-unity-and

[16] audi Arabia hosts massive multinational Red Sea naval exercises - The New Arab,  https://www.newarab.com/news/saudi-arabia-hosts-massive-multinational-red-sea-naval-exercises

[17] Could the Pakistani-Saudi Defense Pact Be the First Step Toward https://www.csis.org/analysis/could-pakistani-saudi-defense-pact-be-first-step-toward-nato-style-alliance

[18] Pakistan Navy's ATR-72 Touches Down in Turkey as Dogu Akdeniz 2025 Begins: A New Era of Pak-Turkey Naval Power - Defence Security Asia, ، https://defencesecurityasia.com/en/pakistan-navy-atr72-arrival-turkey-dogu-akdeniz-2025/

[19] Pakistan, Saudi Arabia Defense Pact: A Potential Game Changer for the Region, https://thediplomaticinsight.com/pak-saudi-defense-pact-potential-game-changer/

نشر :